رئيس مفوضية حقوق الإنسان في السودان: قتلى الحرب لا يقلون عن 2500

أكد أن النظام السابق عاد بأشخاصه وأدواته ونهجه

تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم - الثلاثاء (أ.ف.ب)
تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم - الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

رئيس مفوضية حقوق الإنسان في السودان: قتلى الحرب لا يقلون عن 2500

تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم - الثلاثاء (أ.ف.ب)
تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم - الثلاثاء (أ.ف.ب)

توقّع رئيس المفوضية القومية لحقوق الإنسان في السودان، رفعت ميرغني، ألاّ يقل عدد القتلى في الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» عن 2500 شخص حتى الآن، وقال إن المفوضية تعمل على إعداد رصد دقيق لأعداد الضحايا سيصدر قريباً.

ودعا ميرغني إلى إجراء تحقيق مستقل لمعرفة من أطلق الرصاصة الأولى في الحرب بين الجيش و«الدعم السريع»، بقوله «من أشعل الحرب يفكر بعقلية النظام السابق الذي عاد بكامل أدواته، بل بالأشخاص ذاتهم الذين كانوا يديرون ملفات حقوق الإنسان، ويديرون ملفات التعامل مع المؤسسات الدولية، وبالنهج ذاته».

تدمير مستشفى شرق النيل في الخرطوم (رويترز)

مقبلون على مجاعة

وقال ميرغني إن تكريم مفوضيته قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، واعتباره شخصية العام 2022، جاء بصفته مسؤولاً في الدولة، وليس لأنه شخصية راعية حقوق الإنسان. وأكد أن «الوضع في الخرطوم كارثي، ونحن مقبلون على خطر المجاعة».

وأضاف ميرغني أن إجراء تحقيق مستقل لمعرفة من أطلق الرصاصة الأولى خطوة مهمة جداً؛ لأن «كل طرف يتهم الآخر بأنه من أطلق النار، لكن من المهم معرفة من عرض حياة الناس وسلامتهم وأمنهم وأملاكهم للمخاطر الجسيمة التي يعانونها»، وتابع «من أطلق الرصاصة الأولى شخص لا تهمه حياة الناس، ولا تهمه سلامتهم، وأعتقد جازماً أنه يُفكر بعقلية نظام الرئيس السابق عمر البشير، الذي كان لا يقيم وزناً للإنسان ولا يحترم التزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان».

وقال «لدينا مؤشرات وقرائن كثيرة تؤكد ذلك، أَمتنعُ عن ذكرها باعتبار أن هذا الحديث سابق لأوانه، والأولوية هي الحرص على إيقاف الحرب وعلى محاصرة آثارها».

انتهاكات خطيرة

سكان الخرطوم ينزحون خارجها كلما وجدوا فرصة لذلك (أ.ف.ب)

وأوضح ميرغني أن مفوضيته ظلت تسعى منذ اليوم لحمل طرفي القتال على «أنسنة» نزاعهم المسلح، وتابع «حتى الآن نرصد انتهاكات خطيرة وجسيمة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني».

وحذّر ميرغني من خطورة هذه الأوضاع على السودان والمنطقة برمتها، مشدداً على أن «هذه الحرب يجب أن تتوقف، وندعو طرفيها إلى أن يحكّموا صوت العقل ويوقفوها دون شرط».

وتعليقاً على تكريم المفوضية قائد قوات «الدعم السريع» باعتباره شخصية العام 2022، قال ميرغني إن تكريم الفريق أول محمد حمدان دقلو من قِبل المفوضية القومية لحقوق الإنسان؛ جاء لأنه كان «أكثر المسؤولين اهتماماً بعمل المفوضية» خلال الفترة التي أعقبت التدابير العسكرية في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، عندما صار عملنا يواجَه بصعوبات وتحديات وانتهاكات كبيرة. وأضاف «كرّمنا الفريق أول دقلو بصفته نائباً لرئيس مجلس السيادة، ولأنه ظل أكثر المسؤولين اهتماماً بالمفوضية، سواء من خلال دعمه مبادرات ومشاريع المؤسسة أو من خلال استجابته لعدد من التوصيات والنصائح التي تقدمنا بها». تابع «كرّمناه باعتباره مسؤولاً في الدولة وليس باعتباره شخصية حقوق الإنسان أو رجل حقوق الإنسان كما يحلو للبعض القول»، موضحاً أن «التكريم لا يعني أننا سنغض الطرف عن أي انتهاكات يمكن أن ترتكب في المستقبل، والدليل على ذلك أننا أدنا انتهاكات قوات الدعم السريع خلال هذا النزاع المسلح».

وأشار ميرغني إلى الاتهامات المتبادلة بين الجيش و«الدعم السريع» حول قصف المدنيين بقوله «نرصد ما يحدث بشكل مستمر ولدينا آليات. وفي أحيان كثيرة تصلنا معلومات مصدرها أحد طرفي النزاع، وفي هذه الحالة نحاول الحصول على تفاصيل من مصادر مستقلة، وما يأتينا من طرفي النزاع أو من الأطراف الداعمة أياً منهما لا نأخذه على محمل الجد، إلاّ إذا تعززت مصداقيته بواسطة مصادر مستقلة».

وأضاف «تحدثنا مراراً وتكراراً عن ضرورة إبعاد سلاح الطيران والأسلحة الثقيلة من محيط سُكنى المدنيين، فهذه الأسلحة لا يمكن استخدامها في الأحياء والمجمعات السكنية، ولقد رصدنا مقتل المئات من الأبرياء نتيجة هذا القصف في ظل غياب مبدأ التمييز، وواضح لدينا أن الطرفين في حاجة إلى اتخاذ احتياطات أكثر حتى لا تتفاقم أضرار السكان».

الوضع فوق الكارثي بكثير

وأكد المفوض ميرغني أن الوضع الإنساني في الخرطوم «فوق الكارثي بكثير»، وتابع «نحن أمام وضع إنساني في غاية الخطورة، ومقبلون على خطر المجاعة والموت عطشاً، ومهددون بالشلل الوشيك للنظام الصحي، بما في ذلك نقص الأدوية وانقطاع التيار الكهربائي».

وفي ما يتعلق بالخسائر البشرية، قطع ميرغني بعدم وجود إحصائيات دقيقة عن أعداد ضحايا الحرب بين الجيش و«الدعم السريع»، وقال «نحن نعتقد أن عدد القتلى لا يقل عن 2500 شخص حتى الآن، ونعمل على رصد دقيق سنصدره قريباً».

وأشار إلى ما أسماه إشكالية دفن أشخاص دون تسجيل بياناتهم، ووجود جثث لا تزال في الشوارع وتحت الأنقاض، إلى جانب وجود جرحى لم يتمكنوا من الحصول على الرعاية الصحية. إضافة إلى وجود أشخاص يموتون نتيجة نقص الأغذية والدواء والمياه، وأشخاص ماتوا نتيجة تفاقم حالتهم الصحية جراء النزاع، معتبراً أن «جميع هؤلاء ماتوا متأثرين بالنزاع المسلح».

وكشف ميرغني عن أن المفوضية تتسلم يومياً ما لا يقل عن 15 شكوى من مواطنين تعرضوا للانتهاكات، وقال «نأسف كثيراً لأن أغلب الشكاوى مرتبطة بإطلاق النار بجوار مساكنهم، وتضرر تلك المساكن من القصف».

وبشأن الصعوبات المرتبطة بالحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية، قال ميرغني «نحن أيضاً نقوم بعمليات رصد للانتهاكات من خلال مصادر متعددة، والوضع الحالي لا يسمح للمفوضية بفتح أبوابها، وحتى إذا فُتِحَت فإن الأشخاص لا يستطيعون الوصول إليها، ولكننا نتواصل عبر (الواتساب)، وعبر أرقام الهاتف الجوال، وعبر (الماسنجر)، وعبر صفحة المفوضية القومية لحقوق الإنسان على (فيسبوك)، وجميع الشكاوى مؤخراً نتلقاها بهذه الطريقة».

إعلان جدة خطوة مهمة

واعتبر ميرغني إعلان جدة الإنساني بين الجيش و«الدعم السريع» خطوة مهمة لمعالجة المسائل الإنسانية، ولتذكير طرفي النزاع بالتزاماتهما بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وقال «نأمل أن يكون لنا دور في المراحل القادمة، سواء في ما يتعلق بالمشاركة في المفاوضات بصفة مراقب، أو المشاركة في عمليات الرصد والتقييم».

وأشار ميرغني إلى تأثير الجرائم التي ترتكب في السودان على العالم؛ ما قد يدفع مجلس الأمن الدولي إلى التدخل بموجب الفصل السابع لفرض تدابير لحماية المدنيين، مثلما حدث في ليبيا وفي أماكن أخرى من العالم، وبموجب مبدأ مسؤولية الحماية يُمكن أن تتخذ تدابير عديدة، بما في ذلك تدابير من خارج مجلس الأمن». وقال «ننصح طرفي النزاع بالتوقف عن القتال، وننصح كذلك بعض المؤسسات التي عادت لخطاب نظام الرئيس السابق عمر البشير في التعامل مع العالم. فتجربة الفصل السابع دفع ثمنها الشعب في السابق، ويجب ألا نعيد الزمن للوراء وألا نفكر بالعقل ذاته، وألا نتحدث بالطريقة ذاتها التي وضعتنا في أسوأ قوائم العالم في مجال حقوق الإنسان».


مقالات ذات صلة

«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

تحليل إخباري مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

تستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء يمثلون 62 جنسية مختلفة ويحمّلون الدولة تكلفة تزيد على 10 مليارات دولار سنوياً

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مشاهد احتفالية ورقصات شعبية فرحاً بإعادة افتتاح المسرح القومي (الشرق الأوسط) play-circle 00:38

السودان: المسرح القومي يسترد شخوصه وخشبته من ركام الحرب

شرعت «جماعة إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون» في إعادة ترميم وتأهيل المسرح القومي في مدينة أم درمان، إيذاناً بعودة النشاط الفني والثقافي والمسرحي في البلاد.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا طلاب وتلاميذ السودان متوقفون عن الدراسة منذ اندلاع الحرب (أ.ف.ب)

السودان يسجل أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم بسبب الحرب

حذرت منظمة «أنقذوا الأطفال» الخميس من أن الحرب الدائرة في السودان منذ نحو ثلاث سنوات حرمت أكثر من 8 ملايين طفل من التعليم، في أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم.

«الشرق الأوسط» (بورت سودان)
خاص واجهة الطوارئ بمستشفى الخرطوم بحري (الشرق الأوسط)

خاص النظام الصحي في السودان من الدمار إلى محاولات التعافي

يواجه النظام الصحي في السودان ضغوطاً غير مسبوقة ونقصاً حاداً في الخدمات الطبية، في وقت تشهد فيه البلاد محاولات للتعافي

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
العالم العربي البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) play-circle 00:48

مجلسا السيادة والوزراء في السودان يعقدان اجتماعاً مشتركاً في الخرطوم برئاسة البرهان

عقد مجلسا السيادة والوزراء بالسودان اجتماعاً مشتركاً اليوم الأربعاء في العاصمة الخرطوم، برئاسة عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

السودان: المسرح القومي يسترد شخوصه وخشبته من ركام الحرب

TT

السودان: المسرح القومي يسترد شخوصه وخشبته من ركام الحرب

مشاهد احتفالية ورقصات شعبية فرحاً بإعادة افتتاح المسرح القومي (الشرق الأوسط)
مشاهد احتفالية ورقصات شعبية فرحاً بإعادة افتتاح المسرح القومي (الشرق الأوسط)

بعد سنوات طويلة من دوي المدافع وصوت الرصاص وما خلّفته الحرب من دمار وتخريب وكبت وقهر نفسي، بدأت الحياة الفنية والثقافية في العاصمة الخرطوم تنهض من جديد وتستعيد عافيتها لإحياء ما دمرّته الحرب وإنعاش الأنشطة الثقافية والفنية، وفي هذا الإطار شرعت «جماعة إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون»، في افتتاح المرحلة الأولى من إعادة ترميم وتأهيل المسرح القومي بمدينة أم درمان، إيذاناً بعودة النشاط الفني والثقافي إلى الواجهة.

ورصدت «الشرق الأوسط» مراسم الافتتاح، التي حضرها عضو مجلس السيادة الانتقالي، رئيس اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى ولاية الخرطوم إبراهيم جابر، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ووالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر ومجموعة من المسرحيين والدراميين وأهل الثقافة وجمهور كبير من مدينة أم درمان.

ترسيخ قيم التسامح

عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر وعلى يمينه رئيس الوزراء كامل إدريس ووزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر (الشرق الأوسط)

وقال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، في كلمته خلال حفل الافتتاح: «الثقافة يمكن أن تحسم المعركة برتق النسيج الاجتماعي وعقد المصالحات المجتمعية».

وتعهد حمزة بالمطالب التي قدّمتها جماعة «إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون»، المتمثلة في التمويل المسرحي الحكومي، وإعادة الليالي الثقافية، وتوفير أجهزة الصوت والإضاءة والكراسي وكل متطلبات خشبة المسرح وإعادة الصرح العملاق إلى سيرته الأولى.

وشملت فعاليات حفل افتتاح المرحلة الأولى من المسرح القومي، تقديم عدد من العروض الثقافية والمسرحية والأغنيات الوطنية والفواصل الشعرية التي تدعو إلى ترسيخ قيم التسامح والسلام ونبذ الكراهية والعنصرية وإلى الوحدة والسلام.

وقال وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، في كلمته خلال الاحتفال، إن «عودة المسرح القومي إعلان لعودة الثقافة إلى قلب الحياة السودانية وإلى عاصمة البلاد، وتجديد للعهد بأن الفن والمعرفة ركيزتان في بناء السودان الذي ينشده الجميع».

وأوضح أن المسرح عنصر مهم في حفظ ذاكرة الوطن، معتبراً مشروع التأهيل واحداً من المشروعات المحورية، نفّذته حكومة الولاية بالتعاون مع الوزارة الاتحادية، عبر شراكة برعاية شرطة الولاية وجهاز المخابرات العامة وجماعة إعمار المسارح للثقافة والفنون.

نبذ خطاب الكراهية

مدخل المسرح القومي السوداني في مدينة أم درمان بعد إعادة ترميمه (الشرق الأوسط)

يُعدّ المسرح القومي من أبرز المعالم الثقافية في مدينة أم درمان، ويقع على شارع النيل. وقد افتُتح المسرح رسمياً عام 1959 في عهد الرئيس إبراهيم عبود.

وقال رئيس جماعة «إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون»، طارق البحر، إن المسرح جمع كل أهل السودان بفنونهم المختلفة في مشاهد جسدت عمق وعراقة الحضارة السودانية.

وطالب البحر، في كلمته خلال الاحتفال، بتوفير أجهزة الإضاءة والصوت وجميع مستلزمات المسرح، واعتماد التمويل المسرحي وإعادة أيام الخرطوم المسرحية للتنافس بين كل مبدعي السودان، داعياً الجميع للمساهمة في إعمار المسرح باعتباره قناة للتواصل والمعرفة وبناء الإنسان.

وأشار إلى ضرورة إنتاج حزمة من الأعمال المسرحية تحت عنوان «مهرجان مسرح الكرامة» للتعبير عن نبذ خطاب الكراهية والدعوة للوحدة ورتق النسيج الاجتماعي ومعالجة آثار الحرب.

وأوضح وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، أن الثقافة والفنون تقود مسيرة الحياة، وأن الخطاب المباشر قد لا يكون ذا أثر كبير وفعّال، بينما تحمل الرسائل الصادرة من فضاء ثقافي نابض بالفعل الإبداعي دلالة واضحة على عودة الحياة.

وأشار سعد الدين، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الوصول إلى مرحلة استئناف الأنشطة الثقافية والفنية يعني تجاوز الاهتمام بالخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والأمن والنظافة، والانتقال إلى مرحلة الإبداع، وأن الحراك الثقافي والإبداعي يسهم بشكل فاعل في تشجيع عودة اللاجئين والنازحين إلى العاصمة الخرطوم».

تعزيز قيم الإنسانية

جانب من إعادة افتتاح المسرح القومي في العاصمة السودانية (الشرق الأوسط)

وألحقت الحرب، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، أضراراً بالغة بالقطاع الثقافي والفني في السودان، وطالت آثار الصراع عدداً من المؤسسات والمساحات الإبداعية التي شكّلت لسنوات منصات للتعبير الفني والثقافي والتفاعل المجتمعي.

من جهته، قال الفنان محمد المهدي الفادني إن جماعة «إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون» تعمل على «إعادة تفعيل أنشطة جميع المسارح في السودان، لتستعيد دورها في تقديم الفعاليات الثقافية والفنية والإبداعية، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب».

وأكّد الفادني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة المسرح تمثل إشارة قوية ودلالة عميقة على عودة الحياة إلى طبيعتها، فالكلمة والعمل المسرحي قادران على الإسهام في إيقاف الحرب وبناء السلام».

بدوره، رأى الفنان فيصل أحمد سعد أن افتتاح المسرح القومي بمدنية أم درمان بمشاركة الجمهور «يبعث الأمل بعد سنوات من الإحباط، فالمسرح يؤدي دوراً محورياً في غرس القيم، وإحياء الفضائل، وتقديم الترفيه والثقافة والفن والإبداع».

وأضاف سعد لـ«الشرق الأوسط»: «هذا هو نهج المسرح منذ تأسيسه عام 1959. وبعد سنوات طويلة من التوقف والدمار، ينهض المسرح من جديد ليقدم الفن والفكر والثقافة والإبداع، في دعوة مفتوحة للجميع للحضور والمشاركة في أنشطة تعزز القيم الإنسانية وتحتفي بالإبداع».

وتابع: «ليس من السهل أن يكون أبو المسارح هو ضربة البداية لإنعاش الحركة الثقافية والفنية، وإحياء ما دمرته الحرب وما خلفته من آلام وفظائع ومشكلات. لذلك يأتي افتتاح المسرح القومي كبداية خير، تحمل الأمل في عودة الناس جميعاً للمشاركة في مسيرة التنمية والإعمار».

في ظل استمرار الحرب وتفاقم المعاناة الإنسانية، يمكن أن تؤدي خشبة المسرح والثقافة والفنون دوراً أساسياً للحدّ من النزاعات وترميم النسيج الاجتماعي وتجاوز الانقسامات السياسية والعرقية والدينية، خاصة أن الفنون تفتح مساحة آمنة بعيداً عن الخوف والألم دون اللجوء إلى حمل السلاح.


الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

سلم الاتحاد الأوربي دفعة جديدة من المعدات إلى تونس، لتعزيز مراقبة الحدود ضمن برنامج تعاون يهدف إلى كبح تدفقات الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب والاتجار بالبشر.

وتولت بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس الخميس، تسليم المعدات في ثكنة الحرس الوطني التونسي قرب العاصمة.

وينضوي هذا الدعم ضمن برنامج إدارة الحدود الذي بدأ منذ عام 2018، بتمويل تبلغ كلفته 130 مليون يورو، وفق ما ذكرته البعثة.

مهاجرون أفارقة في العاصمة تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضحت البعثة، في بيان لها، أن هذا الدعم «ساهم في تعزيز القدرات العملياتية للحرس الوطني وحرس السواحل، بخاصة في مجالي البحث والإنقاذ وحماية المهاجرين غير النظاميين».

ويعد طريق وسط البحر الأبيض المتوسط الذي يشمل أساساً سواحل ليبيا وتونس، أكثر الطرق نشاطاً لعمليات العبور غير النظامية لحدود الاتحاد الأوروبي ولأنشطة مهربي البشر. لكن أحدث تقرير لـ«الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل»، يشير إلى تدفقات رئيسية من سواحل ليبيا التي تحولت إلى المنصة الأولى لعمليات العبور في 2025.

وقالت البعثة الأوروبية: «كل هذه الجهود مكنت من تسجيل انخفاض ملحوظ في عمليات العبور غير النظامية، وعدد المفقودين والوفيات في البحر، ابتداء من سنة 2024».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر في أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

وترتبط تونس بمذكرة تفاهم شاملة مع الاتحاد الأوروبي تعود إلى يوليو (تموز) 2023، تشمل من بين بنودها مكافحة الهجرة غير النظامية مقابل دعم اقتصادي ومالي وتمويلات لخفر السواحل.

وتنتقد منظمات حقوقية في تونس مدافعة عن حرية التنقل، المذكرة وتطالب بوقف عمليات الترحيل القسري والإبعاد لمهاجري دول أفريقيا جنوب الصحراء نحو المناطق الحدودية النائية، على ما أفادت به «وكالة الانباء الألمانية».


​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
TT

​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

أكد مسؤول جزائري رفيع المستوى، أن بلاده «جنت نتائج إيجابية» من مساعيها لدى دول كثيرة، ودولة أفريقية واحدة، فيما يخص «استرداد الأموال العامة المحولة إلى الخارج بطرق غير شرعية»، في إشارة إلى خطة، يقول رئيس البلاد عبد المجيد تبون إنه نفذها منذ وصوله إلى الحكم، تتعلق بتتبع آثار عائدات مالية محل شبهة فساد، يعتقد أن وجهاء من النظام وضعوها في الخارج خلال الـ20 سنة الماضية.

وصرح كمال تويجيني مساعد النائب العام بـ«مجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، الأربعاء، بأن القضاء الجزائري «وجه 52 طلباً لكثير من الدول الأجنبية، منها دولة أفريقية واحدة، في إطار مساعي استرداد الأموال المنهوبة»، من دون ذكر اسم دولة واحدة.

وكان المسؤول القضائي يتحدث للصحافة لمناسبة اجتماع نظمته «السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته» (هيئة دستورية مستقلة) في إطار مهامها الخاصة بمتابعة «الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته»، التي وُضعت قبل 5 سنوات.

من اجتماع «سلطة مكافحة الفساد» (سلطة المكافحة)

«من التخطيط إلى التفعيل»

وصرحت رئيسة «سلطة الشفافية» سليمة مسراتي، في بداية الاجتماع، بأن فريق العمل «انتقل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التفعيل الميداني».

وأكدت الحكومة الجزائرية، في يوليو (تموز) 2025، أنها اصطدمت بصعوبات في تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة في الخارج، نتيجة التعقيدات التي تفرضها الأنظمة القضائية في بعض الدول. غير أن سويسرا أبدت، في الفترة الأخيرة، استعداداً للتعاون في هذا المسعى، الذي يطول شخصيات نافذة من النظام السابق ممن ارتبطوا بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

رئيسة سلطة مكافحة الفساد (سلطة المكافحة)

وأوضح وزير العدل الجزائري، لطفي بوجمعة، أن الحكومة «حققت تقدماً ملموساً في ملف استرجاع الأموال المتأتية من الفساد، إلا أن هذه الجهود واجهت تحديات كثيرة أدت إلى بطء تجاوب بعض الدول». وأرجع ذلك إلى «خصوصية أنظمتها القضائية وتعقيد المساطر المعتمدة، فضلاً عن تعدد الأطراف المتدخلة، سواء كانت قضائية أو دبلوماسية وغير ذلك».

كما يجدر التذكير بأن الرئيس تبون سبق أن أعلن عن حجز «فندق كبير» في إسبانيا، في إطار التعاون القائم مع السلطات الإسبانية، ويتعلق الأمر بممتلكات تعود لرجل الأعمال علي حداد، المحكوم عليه بالسجن منذ خمس سنوات بتهمة «غسل الأموال».

فندق «إل بالاس» في برشلونة الذي استعادته الحكومة الجزائرية (متداول)

وكان تبون قد أشار، في تصريحات أدلى بها للصحافة الأجنبية العام الماضي، إلى أن فرنسا «لا تتعاون بالقدر المطلوب» مع الجزائر بشأن طلبات تتعلق بتجميد ودائع مالية وممتلكات عقارية تعود لوزراء وشخصيات نافذة من النظام السابق. ومن بين أبرز الأسماء المعنية وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب (2015 - 2017)، الذي رفضت محكمة فرنسية في مارس (آذار) الماضي تسليمه إلى الجزائر، رغم صدور أحكام قضائية جزائرية بحقه بعقوبات مشددة على خلفية قضايا «فساد مالي». وبرر القضاء الفرنسي قراره بأن الجزائر «لم تقدم ضمانات كافية بشأن توفر شروط محاكمة عادلة لبوشوارب» في حال تسليمه، وهو ما زاد من حدة التوتر بين البلدين.

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

وعلى خلاف الموقف الفرنسي، خطت سويسرا خطوة وُصفت بالمهمة في مسار تعاونها مع الجزائر في ملف «استرجاع الأموال المنهوبة». ففي سنة 2023، قرر القضاء الفيدرالي السويسري مصادرة وديعة بقيمة 1.7 مليون يورو مودعة في أحد البنوك السويسرية تعود لعبد السلام بوشوارب، تمهيداً لتحويلها إلى الجزائر. كما تطالب الجزائر السلطات السويسرية بتجميد أموال أخرى تعود لوزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، المقيم حالياً في الولايات المتحدة الأميركية، الذي صدر في حقه حكم بالسجن بتهم «الفساد»، وهي القضايا التي تطول أيضاً زوجته وابنه، إضافة إلى صدور مذكرة توقيف دولية بحقه.

وزير الطاقة السابق المتهم بالفساد شكيب خليل (الشرق الأوسط)

وفي سياق ذي صلة، أصدرت محكمة عنابة (شرق البلاد) الأربعاء، أحكاماً مشددة في حق شرطيين واثنين من أعوان الجمارك كانوا ينشطون بمطار عنابة، بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ«الفساد والاتجار غير المشروع بالمعادن الثمينة». ويأتي ذلك في إطار تفكيك شبكة مختصة في تهريب المعادن الثمينة، عقب حجز كمية معتبرة من الفضة تقدر بـ80 كيلوغراماً، كانت آتية من فرنسا إلى إحدى كبرى مدن شرق البلاد.

وتعود فصول القضية إلى نحو ثمانية أشهر مضت، حين أوقفت فرقة للدرك الوطني مركبة على مستوى بلدية الحجار بعنابة، كانت تنقل شحنة الفضة المحجوزة. ووفق ما أوردته جريدة «الخبر»، كان سائق المركبة مرفوقاً بشرطي يعمل بمطار عنابة، وكانا في طريقهما نحو ولاية الطارف الحدودية مع تونس.

من اجتماع برلمانيين جزائريين مع مسؤولين بالخزانة الأميركية عام 2023 في سياق مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة (البرلمان الجزائري)

وبعد تعميق التحقيقات، تبين أن الشحنة أُرسلت من فرنسا من طرف شخص لم يكن على متن الرحلة الجوية، وأن إخراجها من مطار عنابة تم بتواطؤ شرطيين واثنين من أعوان الجمارك، قبل تسليمها إلى شريك آخر كان في انتظارها خارج المطار.

وفي إطار هذه القضية، جرى توقيف ستة أشخاص، من بينهم الشرطيان وأعوان الجمارك المعنيون، ووجهت إليهم تهم «الاتجار في المواد الثمينة، وإساءة استغلال الوظيفة، وتلقي منافع غير مستحقة، إضافة إلى تبييض الأموال».