السودان: الحرب تحاصر الصحافيين وتعطل مؤسساتهم

الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
TT

السودان: الحرب تحاصر الصحافيين وتعطل مؤسساتهم

الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام
الصحف السودانية تواجه خطر التوقف التام

يُجمع صحافيون وإعلاميون، عاملون في السودان، على تأكيد أن القتال بين الجيش و«الدعم السريع» عقّد مهمتهم، ومنعهم من الوصول إلى الحقيقة حول ما يدور في البلاد، وتحوَّل الباحثون منهم عن معلومات موثوقة، إلى ضحايا لـ«حرب الجنرالين»، التي اندلعت، منتصف أبريل (نيسان)، كما أن الحرب جعلتهم يعيشون أسوأ كوابيس حياتهم، إذ توقفت صحفهم بشكل كامل، وانقطع بث محطات التلفزة والإذاعة، وواجهوا حرباً لا هوادة فيها من قِبل طرفي القتال.

ويقول صحافيون إن عملهم في البحث عن معلومات حقيقية دفع أحياناً إلى تصنيفهم بأنهم «متمردون» من قِبل المُوالين للجيش، أو اعتبارهم «مُعادين» من قِبل «الدعم السريع»، وكل طرف يتوعدهم بـ«حساب قريب»، في حين أصبحت كتاباتهم وتعليقاتهم، حتى على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، مصدر تهديد ووعيد، ولا سيما إذا لم يعلنوا الانحياز لطرف من أطراف القتال.

وفي بداية القتال، احتُجز عدد كبير من الصحافيين والإعلاميين في مقارّ عملهم، خصوصاً في التلفزيون والإذاعة الرسميين اللذين استولت عليهما قوات «الدعم السريع»، وكذلك هناك صحافيون ومراسلون يعملون في قنوات وفضائيات محلية وعالمية، قُدِّر عددهم، بادئ الأمر، بنحو 30 صحافياً، ظل بعضهم عالقاً في مكتبه ومكان عمله لـ4 أيام وهم «صائمون» بالقوة، لا يُفطرون إلا ببعض التمر والماء، ومع ذلك فإن مكاتبهم واستديوهاتهم ظلت تتعرض للقصف بالأسلحة الثقيلة، لكنهم جميعاً خرجوا سالمين إلى منازلهم، إثر مطالبات زملائهم طرفي الصراع بإجلائهم.

ويتهم إعلاميون أنصار نظام الرئيس البشير بالاستثمار في «إعلام» المعركة لترهيب الصحافيين وإجبارهم على الانحياز للجيش، باتهامهم بأنهم داعمون للتمرد «الدعم السريع»، ومن ثم فهم عملاء وخونة، بل مرتزقة ينتظرون حسابهم بعد نهاية الحرب.

ويقول الصحافي شوقي عبد العظيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأطراف المتقاتلة لم تراعِ قواعد حماية الصحافيين أثناء الحروب، مما جعل الصحافة تواجه واقعاً شديد التعقيد.

ويضيف عبد العظيم: «جاءت الحرب بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول)، وكان هناك صحافيون يدعمون التحول الديمقراطي، وهو موقف استغلّه أنصار النظام البائد، ومارسوا، من خلاله، إرهاباً فكرياً، باتهامهم بدعم قوات (الدعم السريع) ضد الجيش، لتأتي بعد ذلك اتهامات الخيانة الوطنية».

وتابع: «صوت الصحافة، الآن، معدوم تماماً، وليس له تأثير يُذكَر، وتجري محاولات لإبعادها عن المشهد لصالح الدعاية الحربية»، لكنه يؤكد أن «الصحافيين واجهوا تحدياً كبيراً في أيام الحرب الأولى، غير أنهم امتصّوا الصدمة، وأصبحوا يعملون بشكل أفضل».

أما منسق منظمة «صحافيون لحقوق الإنسان»، المعروفة اختصاراً بـ«جهر»، الصحافي فيصل الباقر، فقد أكد، في حديثه، للصحيفة، أن طرفي القتال لهما مصلحة في تغييب الصحافة والإعلام عن المشهد؛ ليسود التعتيم الإعلامي. وتابع: «تغيب المعلومات الحقيقية عن أضرار الحرب وآثارها المدمرة، على الشعب، لتسود محلها البروباغاندا العسكرية وخطاب التضليل، بما يخلق اضطراباً معلوماتياً ينتشر من خلاله خطاب العنف والكراهية محلّ الحقيقة ونبذ الحرب وويلاتها».

وقال الباقر، المتخصص في رصد انتهاكات حقوق الصحافيين، إن منظمة «جهر» وثّقت عدداً من الانتهاكات التي تعرَّض لها الصحافيون والصحافيات من قِبل طرفي النزاع. وأضاف: «سنظل نقوم بواجبنا، ويجب على الطرفين احترام حرية الصحافة، والتوقف عن استهداف الصحافيين والمؤسسات الصحافية والإعلامية».

وحثّ الباقر المجتمع الدولي والعالم على عدم السماح بالإفلات من العقاب في الجرائم المرتكَبة ضد الصحافيين والصحافيات. وأضاف: «من جانبنا، سنظل نرصد الانتهاكات، بما في ذلك الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون والصحافيات».

ويقول خبراء وإعلاميون إن الحرب أثّرت على الإعلام بشكل كبير، إذ لم تعد القنوات الفضائية والإذاعات تبث من استديوهاتها، وتوقف صدور الصحف اليومية وتوقفت طباعتها، وإن أجهزة الإعلام الوطنية توقفت جميعاً، ما عدا إذاعة واحدة تبث الدعاية الحربية، ولا يُعرَف من أين تبث، وهو ما أشار إليه مدير الأخبار السابق في التلفزيون السوداني، ماهر أبو الجوخ، بقوله: «يلجأ الناس إلى الفضائيات الخارجية، لمعرفة الحقيقة؛ لأن أجهزة الإعلام الرسمية تحولت إلى إعلام عسكري يبث الدعاية الحربية، ما أفقدها مصداقيتها».

وأوضح أبو الجوخ أن أجهزة الإعلام، المملوكة للدولة، اصطفّت معها، ما أفقدها الموضوعية، وتحولت إلى أداة دعاية عوضاً عن نقل المعلومات. وتابع: «هناك عدد كبير من المؤسسات الإعلامية موجودة في مناطق حرب، مثل الإذاعة والتلفزيون الرسميين، وجرت السيطرة عليهما من قوات (الدعم السريع)، ولم تعد تستطيع البث؛ لأنها واقعة في مناطق يدور فيها القتال، أما الصحف فقد توقفت بتوقف المطابع ومنافذ التوزيع».

وحذَّر أبو الجوخ من تأثير طويل المدى على الإعلام في السودان بشكل عام، وقال: «الحرب خلقت واقعاً جديداً أخشى أن يترتب عليه فقدان الثقة بالإعلام السوداني، خصوصاً إذا مارس الاصطفاف مع وضدّ، وفقَد الحياد». واستطرد قائلاً: «خطورة هذا الأمر على المستوى الاستراتيجي، أنه يجعل السودانيين يلجأون إلى وسائل الإعلام الأجنبية للحصول على المعلومات عن بلادهم».

بَيْد أنه بدا متفائلاً بعودة قوية للإعلام بنهاية الحرب، بقوله: «إذا نشأت أوضاع ديمقراطية، فإنها ستؤدي إلى نهضة إعلامية جديدة، كما حدث بعد ثورة ديسمبر 2019».

وانتقد نقيب الصحافيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، الأجواء التي نتجت عن الحرب وتأثيرها على الصحافيين، بقوله، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يستطيع الإعلاميون أداء عملهم؛ لأن مؤسساتهم تقع في منطقة الاشتباكات». وأكد توقف القنوات الخاصة، ما عدا قناتي «النيل الأزرق»، و«سودانية 24»، اللتين تبثّان من خارج السودان. وأضاف: «تلفزيون السودان كان يبث من مكان لا أستطيع تحديده، لكنه توقف منذ أربعة أيام».

وتراجعت الصحافة المطبوعة كثيراً بسبب الحرب، مما أدى إلى إضعاف دورها، وما يهدد بأن تغلق أبوابها إلى الأبد، وهو ما وصفه مراقبون بأنه «أمر خطير جداً يسهم في انتشار صحافة لا تحتكم إلى ضوابط مهنية، تستغل الفضاء الرقمي في بث الشائعات والأخبار الكاذبة والدعاية السوداء»، وهذا ما أشار إليه المواطن السر أحمد بقوله إن غالب السودانيين لم يعودوا ينتظرون التلفزيون الرسمي، بل يتابعون القنوات الخارجية، بغض النظر عن سياستها. وأضاف: «على الأقل، هي تنقل صوراً واستطلاعات حول قضايا البلاد».

ويواجه الصحافيون، هذه الأيام، أوضاعاً استثنائية، إذ يحيط بهم الخطر، على مدار الساعة. ويقول مراسلو قنوات فضائية، طلبوا عدم ذكر أسمائهم، إنهم يعملون في ظروف معقّدة، وبعضهم احتُجزوا في مكاتبهم، في الأيام الأولى لاندلاع القتال، وكانوا يوجهون كاميراتهم نحو مقر القيادة العامة والقصر الرئاسي، لالتقاط صور، بداية المعركة، في حين تعرَّض آخرون للضرب من قِبل قوات عسكرية، وهم في طريقهم إلى أماكن عملهم.

وأصيب المصور الصحافي فايز أبو بكر، في 19 أبريل الماضي، بطلق ناري، أثناء قيامه بالتصوير في أحد شوارع الخرطوم، وأطلقت عليه قوات عسكرية النار، بحجة أنها اشتبهت بانتمائه للاستخبارات العسكرية للعدو، وهو بالضبط ما يواجهه المراسلون بشكل عام، إلى جانب المضايقات من طرفي القتال، فيما يحتمل أن يواجه عدد كبير من الصحافيين، الذين يحاولون الخروج إلى الميدان، ما واجهه فايز.

وبسبب شُح المعلومات، وخطورة محاولات الحصول عليها، فإن الصحافيين والمراسلين يضطرون لاعتماد البيانات الرسمية مصادر لهم، إلى جانب أحاديث المصادر الرسمية والأطباء والمستشفيات والخدمات، وشهادات المواطنين. ويقول مراسل فضائية «سكاي نيوز عربية»، خالد عويس، إن معاناته بدأت، منذ الساعات الأولى للحرب، حين حاول الوصول إلى مكتبه قادماً من الخرطوم بحري، عبر ثلاثة جسور، ولم يفلح في الوصول. وأضاف: «نجوت من الموت في الجسر الثالث (جسر كوبر)، حين حدث اشتباك قرب سيارتي تماماً، فعدت أدراجي، وظللت أعمل من البيت عبر الهاتف لتسعة أيام». وأضاف: «انقطاع الماء والكهرباء أجبرني على الخروج يومياً، للبحث عن شحن هواتفي، وعن ماء لأسرتي، مما عرَّضني لمواجهة الموت مرة ثانية، حين اعترضتني قوة من (الدعم السريع) قرب بيتي، فظنوا أنني ضابط في القوات المسلحة، فوجهوا مضاداً للطائرات نحوي، ونجوت منهم بعد لأْي وجدل طويل، وأقنعتهم بالهوية الصحافية التي كانت بحوزتي».

وأضاف عويس: «أعددت تقريراً مصوراً بكاميرا الهاتف بعد نزوحي وأسرتي لشمال الخرطوم بحري؛ لأن من المستحيل أن أستخدم كاميرا عادية ومصوراً». وتابع: «اضطررت للنزوح مرة ثانية بأسرتي إلى ولاية الجزيرة، بعد أن أضحت منطقة سكني منطقة عمليات حربية (شمبات الأراضي شمال)».

ويقول عويس إن والدته تُوفيت بسبب فقدانها السوائل، أثناء التنقل من مكان إلى آخر، مضيفاً: «والدتي مريضة، وتسبب فقدانها السوائل بهبوط في دورتها الدموية، وحاول الطبيب المحلي إسعافها، لكنها في النهاية تُوفيت. رحمها الله وأحسن إليها».

واحتُجز صحافيون في التلفزيون الحكومي، منذ بداية الحرب. وقال المخرج عادل عوض، لـ«الشرق الأوسط»، إنه احتُجز في 15 أبريل، ومعه 15 زميلاً، صبيحة بدء القتال، لكن قوات «الدعم السريع»، التي سيطرت على التلفزيون، سمحت لهم بالمغادرة بعد العصر. وأضاف: «اضطررنا إلى مغادرة مبنى التلفزيون إلى الإذاعة باعتباره أكثر أماناً، وعاوننا بعض أفراد (الدعم السريع). وأكثر ما أرعبنا، أثناء وجودنا داخل مبنى التلفزيون، هو إطلاق القذائف من دبابة محترقة بالقرب من مكاتبنا».

وأصدرت «نقابة الصحافيين السودانيين» بياناً وجّهته إلى منظمات حقوقية دولية، طالبت فيه بإجلاء العاملين في الإذاعة والتلفزيون، وخرج، يوم الخميس، آخِر الصحافيين المحتجَزين في مبنى التلفزيون بأم درمان، وهم: عادل فضل المولى، وعبد الحميد، وعبد القادر، وسامي عبد الحفيظ، وياسر البث، وصلاح عقيل، بعدما ظلوا محتجَزين منذ بدء الحرب.


مقالات ذات صلة

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

شمال افريقيا أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

قُتل 12 شخصاً وأصيب 7 آخرون، يوم الخميس، في قصف استهدف منطقة حدودية بين السودان وتشاد، وفق مصدر أمني تشادي، في حادثة أثارت توتراً جديداً بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
تحليل إخباري كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

تحليل إخباري حظر السلاح... هل تفتح واشنطن ثغرة في جدار حرب السودان؟

ألقت الولايات المتحدة بحجر في بركة الحرب السودانية الراكدة، بإعلان نيتها توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ أكثر من عقدين ليشمل كامل السودان

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة متسلحاً بضمانات البرهان

أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة المعنية بالحوار السوداني باشرت إعداد الخطوات الأولية والترتيبات لبدء عملية الحوار، وبدأت مشاورات لتحديد مكان وموعد الانطلاق

وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)

خاص رحلة الموت من كردفان تنتهي بالجوع في أم درمان

نزحت أكثر من ثلاثة آلاف أسرة إلى أم درمان بالعاصمة الخرطوم، بعد تجدد القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في شمال كردفان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

تقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)
أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)
TT

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)
أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)

قُتل 12 شخصاً وأصيب 7 آخرون، يوم الخميس، في قصف استهدف منطقة حدودية بين السودان وتشاد، وفق مصدر أمني تشادي، في حادثة أثارت توتراً جديداً بين البلدين، بعدما اتهمت نجامينا والولايات المتحدة الجيش السوداني بتنفيذ ضربات داخل الأراضي التشادية.

وقال مصدر أمني تشادي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن قصفاً جوياً استهدف «سوقاً تتزود فيه (قوات الدعم السريع) بالوقود» في منطقة أديكون، قرب الحدود السودانية، ما أدى إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة 7 آخرين. وأفادت وسائل إعلام تشادية محلية بأن الجيش السوداني قصف مدينة أديكون، الواقعة على بُعد مئات الأمتار من الحدود بالقرب من أدري داخل الأراضي التشادية.

اتهامات تشادية متكررة

ويأتي القصف بعد أيام من اتهام الجيش التشادي نظيره السوداني بشن هجمات بطائرات مسيّرة داخل الأراضي التشادية.

وكانت هيئة الأركان العامة للجيش التشادي قد أعلنت، السبت الماضي، أن طائرات مسيّرة نفذت هجوماً استهدف رتلاً من المركبات في ولاية إيندي الشرقية، مشيرة إلى أن «جميع الدلائل» تشير إلى أن الطائرات تابعة للقوات المسلحة السودانية ومؤيديها.

وقالت إن الهجوم بدأ، وفق روايتها، داخل الأراضي السودانية قبل أن يمتد لأكثر من 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية. ولم تُسجل إصابات في ذلك الهجوم، إلا أن الجيش التشادي أعلن أنه في «أعلى مستوى من التأهب» للرد على أي تهديد.

وتتهم نجامينا منذ فترة أطرافاً في النزاع السوداني باستخدام المناطق الحدودية التشادية ممراً أو قاعدة للأنشطة العسكرية، وسط مخاوف متزايدة من انتقال الحرب السودانية إلى دول الجوار.

واشنطن تدين الضربات

ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)

وفي واشنطن، أدانت الولايات المتحدة، يوم الخميس، ما وصفته بـ«الغارات الجوية الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية داخل تشاد».

وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إنه أجرى اتصالاً هاتفياً بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، ناقش خلاله الضربة الجوية المنسوبة إلى الجيش السوداني. وأعرب بولس، في منشور على منصة «إكس»، عن «قلقه العميق» من امتداد الحرب السودانية إلى الأراضي التشادية، محذراً من أن ذلك يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.

وشدد على أنه «لا يوجد أي مبرر على الإطلاق لامتداد العنف إلى خارج حدود السودان»، داعياً إلى وقف الدعم المالي والعسكري الخارجي للأطراف المتحاربة، ومجدداً موقف واشنطن القائل إنه «لا يوجد حل عسكري» للنزاع السوداني.

الخرطوم: لم نعتدِ على تشاد

وفي الخرطوم، رفضت وزارة الخارجية السودانية تحميل الجيش مسؤولية الاعتداء على الأراضي التشادية بصورة قاطعة، عادّةً أن ذلك جرى «قبل إجراء تحقيق مهني مستقل» في ملابسات الواقعة. وقالت الوزارة، في بيان، إنها تتابع «باهتمام ما يُتداول من تصريحات وادعاءات بشأن وقوع اعتداء سوداني على أراضي جمهورية تشاد الشقيقة»، مؤكدة احترام السودان «لسيادة جمهورية تشاد ووحدة أراضيها وسلامة حدودها».

وشددت على أن القوات المسلحة السودانية «تضطلع بواجبها الدستوري في الدفاع عن سيادة السودان وأمنه»، مع التأكيد على «الالتزام باحترام سيادة دول الجوار وعدم استهداف أراضيها». ودعت الخارجية السودانية الأطراف الدولية إلى «تحري الدقة والموضوعية» وعدم تبني روايات غير مكتملة، عادّةً أن ذلك من شأنه الإسهام في خفض التوتر ودعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكدت في الوقت ذاته حرص الحكومة السودانية على إقامة «علاقات أخوية ومستقرة» مع تشاد وإثيوبيا، واستعدادها لمعالجة أي قضايا حدودية أو أمنية عبر الحوار والتنسيق المباشر.

الخرطوم تتهم إثيوبيا

البرهان يقدم ضمانات قانونية لمشاركة معارضين بالخارج في حوار وطني (أ.ف.ب)

وفي المقابل، انتقدت الخارجية السودانية ما وصفته بـ«الصمت» إزاء هجمات بطائرات مسيّرة تقول الخرطوم إنها تنطلق من داخل إثيوبيا وتستهدف الأراضي السودانية.

وقالت الوزارة إن آخر هذه الهجمات وقع صباح الخميس، مؤكدة أن السودان «يملك الإثبات والأدلة القاطعة» على هذه الاعتداءات المتكررة.

وفي السياق نفسه، أعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيّرة «استراتيجية» في منطقة سركم، جنوب شرقي البلاد، وقال إن دفاعاته الجوية أسقطتها بعدما قدمت من الأراضي الإثيوبية باتجاه شمال سركم في إقليم النيل الأزرق. وأشار الجيش إلى أن هذه الطائرة هي الرابعة التي يتم إسقاطها خلال الأيام القليلة الماضية.

وتتهم الحكومة السودانية إثيوبيا بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها منصةً لشن هجمات بطائرات مسيّرة وتنفيذ عمليات برية، وهو ما نفته أديس أبابا. وأسهمت هذه الاتهامات في تصاعد التوتر بين البلدين خلال الأشهر الماضية، خصوصاً مع انتقال القتال إلى ولاية النيل الأزرق المحاذية للحدود الإثيوبية.

حرب تتجه إلى التدويل

وتأتي التطورات على الحدود السودانية - التشادية في ظل استمرار الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وأوقعت عشرات الآلاف من القتلى وأدت إلى نزوح ملايين الأشخاص وانتشار المجاعة، فضلاً عن تداعياتها المتزايدة على دول الجوار.

وتتهم الخرطوم كلاً من تشاد على حدودها الغربية، وإثيوبيا على حدودها الشرقية، بتقديم دعم، بدرجات متفاوتة، لـ«قوات الدعم السريع»، بينما تنفي الدولتان هذه الاتهامات.

وفي أحدث مؤشرات القلق الدولي من اتساع نطاق النزاع، قدمت الولايات المتحدة، يوم الاثنين، مقترحاً إلى مجلس الأمن لتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، محذرة من مخاطر تمدد الحرب إلى المنطقة.

ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، المفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026، ما لم يتوصل مجلس الأمن إلى قرار جديد بشأنه.

وتثير الضربات الأخيرة داخل الأراضي التشادية، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بشأن استخدام أراضي دول الجوار في تنفيذ هجمات، مخاوف من تحول الحدود المحيطة بالسودان إلى جبهة إضافية للصراع، بما يزيد الضغوط على دول المنطقة ويعقد الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية للحرب.


حظر السلاح... هل تفتح واشنطن ثغرة في جدار حرب السودان؟

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
TT

حظر السلاح... هل تفتح واشنطن ثغرة في جدار حرب السودان؟

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

ألقت الولايات المتحدة بحجر في بركة الحرب السودانية الراكدة، بإعلان نيتها توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ أكثر من عقدين ليشمل كامل السودان، في تحرك يبدو أنه يستهدف الانتقال من سياسة العقوبات المحدودة إلى محاولة مباشرة لتقليص قدرة طرفَي الحرب على الاستمرار في القتال، ودفعهما إلى إعادة حساب تكلفة الحسم العسكري مقابل العودة إلى التفاوض، وهي خطوة تبدو محفوفة بالمخاطر، لكنها في المقابل تبين عزم واشنطن على إحداث ثغرة في جدار حرب أصبحت توصف بأنها أكبر وأكثر الأزمات الإنسانية في العالم.

مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، قال أمام مجلس الأمن قبل أيام، إن المقترح الأميركي يشمل الطائرات المسيّرة وتقنياتها ومكوناتها، إلى جانب تعزيز عمل لجنة خبراء العقوبات المكلفة برصد الانتهاكات.

وينتهي نظام حظر الأسلحة الحالي الخاص بدارفور في 12 سبتمبر (أيلول)، ما يجعل الأسابيع المقبلة اختباراً لقدرة واشنطن على بناء توافق داخل مجلس الأمن حول توسيع نطاق الحظر. لكن روسيا التي أبدت تحفظات واضحة، أعلنت أنها لن تقبل بأي إجراءات قد تؤثر في قدرات الجيش السوداني، في حين اتخذت الصين موقفاً حذراً من توسيع العقوبات، وهو ما يجعل تمرير المشروع بصيغته الحالية غير مضمون.

وتنظر واشنطن إلى الحظر المقترح باعتباره أداة ضغط أكثر منه مجرد إجراء عقابي. ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، ترى الإدارة الأميركية أن تضييق وصول الأسلحة إلى المتحاربين يمكن أن يدفعهما إلى العودة إلى طاولة التفاوض، في وقت حذرت فيه مسؤولة الأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو من استمرار اعتماد الأطراف على الحل العسكري، ومن التدفق المتواصل للأسلحة المتطورة.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

غير أن تصريحات رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان تعكس، في المقابل، استمرار الرهان على الحسم؛ فقد قلّل البرهان من تأثير العقوبات المحتملة، وقال إن الحديث عنها لن يؤثر في السودان أو يضعف عزيمة القوات المسلحة، مؤكداً أن الجيش سيواصل القتال حتى استعادة جميع المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع».

ويكشف هذا التباين جوهر المعركة السياسية المحيطة بالمقترح الأميركي؛ فواشنطن تريد إقناع طرفَي الحرب بأن استمرار تدفق السلاح لن يبقى مفتوحاً، في حين لا تزال القيادة العسكرية السودانية تتحدث بلغة استعادة الأرض عسكرياً، وينطبق الأمر ذاته على «الدعم السريع»، التي تواصل بدورها تعزيز مواقعها والاعتماد على شبكات الإمداد والسلاح والمسيّرات.

وتقوم الفرضية الأميركية على أن استمرار القدرة على إعادة التسليح يطيل عمر الحرب؛ فما دام يعتقد كل طرف أنه يستطيع تعويض خسائره والحصول على مزيد من المسيّرات والذخائر والوقود والتمويل، يظل دافعه إلى تقديم تنازلات محدوداً. أما إذا أصبحت عمليات الإمداد أكثر صعوبة وتكلفة، فقد تتغير الحسابات العسكرية تدريجياً لمصلحة التسوية.

مقاتلون منشقون عن «قوات الدعم السريع» يستسلمون للجيش السوداني في أم درمان على مشارف الخرطوم (أ.ب)

وشهدت الحرب السودانية خلال الأشهر الأخيرة توسعاً كبيراً في استخدام المسيّرات، التي لم تعد تستهدف الخطوط الأمامية فقط، بل وصلت إلى مدن وأسواق ومنشآت كهرباء ومياه ومرافق صحية. وقالت ديكارلو إن الأسلحة المتطورة، بما فيها المسيّرات، أصبحت عاملاً أساسياً في رفع تكلفة الحرب على المدنيين.

ومن هذه الزاوية، يمكن لتقييد تدفق المسيّرات ومكوناتها والذخائر والأسلحة الثقيلة أن يحقق مكسباً إنسانياً مباشراً عبر خفض عدد الهجمات بعيدة المدى، وتقليص الخسائر بين المدنيين، والحد من موجات النزوح وتعطيل المستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه، إلى جانب تحسين فرص وصول المساعدات الإنسانية. غير أن نجاح الخطة الأميركية يبقى مرهوناً بالتنفيذ؛ فالحظر المفروض على دارفور منذ 2005 لم يمنع تدفق السلاح إلى الإقليم، ما يكشف محدودية القرارات الأممية عندما لا تصاحبها آليات رقابة وإنفاذ فعالة.

ترحيب المعارضة

ورحبت قوى مدنية سودانية معارضة بالمقترح الأميركي، مع ضرورة ربطه بمسار سياسي شامل. وقال خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف «صمود»، إن الضغط على طرفي الحرب ينبغي أن يكون جزءاً من «حزمة متكاملة» لإنهاء القتال واستعادة المسار المدني، لا مجرد إجراء عقابي منفصل. أما ياسر عرمان، رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، فحذر من أن تؤدي الإجراءات الجزئية إلى «إدارة الحرب بدلاً من إنهائها»، داعياً إلى خريطة طريق مشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، توقف القتال وتحافظ على وحدة السودان.

وسيكون الاختبار الحقيقي لجدية واشنطن هو قدرتها على الانتقال من قرار في مجلس الأمن إلى ملاحقة شبكات الإمداد، بما يشمل الرحلات الجوية والطرق البرية والوسطاء والشركات والأفراد الذين يسهّلون شراء السلاح ونقله إلى السودان.

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

ولا يبدو أن واشنطن تراهن على الحظر وحده لإنهاء الحرب؛ فالأرجح أن المقترح يأتي ضمن محاولة أوسع لرفع تكلفة استمرار القتال بالتوازي مع الدفع نحو مسار تفاوضي. ويقول مسؤولون أميركيون إن الغاية ليست منح النصر لطرف على آخر، بل تقليص قدرة الطرفين على مواصلة حرب مفتوحة بلا أفق. ومع ذلك، فإن جدية التحرك الأميركي ستقاس في النهاية بمدى استعداده للضغط على الداعمين، وليس فقط على المتحاربين السودانيين. فإذا استمر وصول السلاح، فلن يكون توسيع الحظر أكثر من إطار قانوني محدود الأثر. أما إذا اقترن بآليات مراقبة وعقوبات وضغط دبلوماسي متزامن لفتح باب التفاوض، فقد يتحول إلى إحدى أقوى أدوات الضغط الدولية منذ اندلاع الحرب.

وفي جوهره، يضع المقترح الأميركي معادلتين متناقضتين في مواجهة مباشرة: واشنطن تريد جعل مواصلة الحرب أكثر صعوبة وتكلفة، في حين يصر طرفا الصراع على القتال حتى استعادة كامل الأراضي. وبين الموقفين، يبقى المدنيون الطرف الأكثر استفادة من أي إجراء ينجح فعلياً في تقليل تدفق أدوات القتل، ولو قبل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.


الرئيس التونسي يندد بـ«أعمال مدبرة» وراء أزمة انقطاع الماء والكهرباء

يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
TT

الرئيس التونسي يندد بـ«أعمال مدبرة» وراء أزمة انقطاع الماء والكهرباء

يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)

ندد الرئيس التونسي قيس سعيّد بـ«أعمال مدبّرة» تهدف إلى «تأجيج الأوضاع»، بعد تصاعد أزمة انقطاع المياه والكهرباء، التي أثّرت على معيشة التونسيين منذ بداية الصيف، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، أدّت درجات حرارة استثنائية قاربت 50 درجة مئوية في بعض المناطق إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه، ما دفع السلطات إلى فرض انقطاعات.

وأكد سعيّد، الذي يحتكر السلطات في البلاد منذ صيف عام 2021، في بيان نشرته الرئاسة، الخميس، أن الانقطاعات الطويلة للمياه والكهرباء التي قد تتجاوز عشر ساعات متتالية في بعض المناطق، بما فيها تونس العاصمة، «لا يمكن اعتبارها مجرّد أحداث عابرة أو حالات معزولة».

وترأس سعيّد اجتماعاً ضمّ رئيسة حكومته سارة الزعفراني الزنزري والوزراء المعنيين، إضافة إلى رؤساء شركتي الكهرباء والمياه الحكوميتين. وقال إنّ «الأبحاث أثبتت أن انقطاع الماء والكهرباء في كثير من المناطق لم يكن نتيجة أعطاب عادية، بل نتيجة أعمال مدبّرة».

وعادت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى نشر إعلانات عن قطع التيار لفترات معينة خلال اليوم، بهدف تخفيف الضغط على شبكتها في غالبية مناطق البلاد، بما فيها إقليم تونس الكبرى الذي يقطنه نحو ثلاثة ملايين نسمة.

ويُعاني التونسيون أيضاً من انقطاعات متكررة في مياه الشرب، إذ إن جزءاً كبيراً من التزود بالمياه يستلزم عمليات ضخ مستمرة. كما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية التي يستهلكها التونسيون بشكل كبير خلال فصل الصيف. وفي المساحات التجارية الكبرى، يُشترط شراء ست قوارير حداً أقصى للشخص الواحد.

وقال سعيّد إن «أعداء الوطن ومن والاهم باتوا مكشوفين أمام الشعب التونسي»، مشدداً على أنه «ما دامت الجبهة الداخلية متماسكة، وما دام الوعي متواصلاً، رغم كل محاولات التأجيج، فستتحطم كلّ هذه المخطّطات الإجراميّة مهما كان مأتاها».