فتح باب الترشح للانتخابات الفلسطينية يربك فصائل غزة

«حماس» تسعى لقائمة واحدة يقودها شخصيات مقبولون دولياً

فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها في المؤتمر الثامن للحركة بجامعة الأزهر في مدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها في المؤتمر الثامن للحركة بجامعة الأزهر في مدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
TT

فتح باب الترشح للانتخابات الفلسطينية يربك فصائل غزة

فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها في المؤتمر الثامن للحركة بجامعة الأزهر في مدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها في المؤتمر الثامن للحركة بجامعة الأزهر في مدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

تواجه الفصائل الفلسطينية المختلفة معضلات كثيرة لتحديد خياراتها وحسمها بشأن طريقة مشاركتها في الانتخابات التشريعية التي ستجري في الثامن والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستكون الأولى منذ 20 عاماً.

وعقد وفد من حركة «حماس» في الأيام الأخيرة، سلسلة من اللقاءات مع قيادات من فصائل مختلفة، في العاصمة المصرية، القاهرة، في إطار ما قالت عنه الحركة استكمال المشاورات السياسية بشأن آخر مستجدات القضية الفلسطينية، وبينها الانتخابات التشريعية، والعمل من أجل إنهاء الانقسام وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية ووطنية.

وقال مصدر من «حماس» وآخر من الفصائل الفلسطينية المشاركة في تلك اللقاءات لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماعات بحثت مجدداً إمكانية المشاركة في قائمة وطنية واحدة، يقودها شخصيات من التكنوقراط والأكاديميين المقبولين دولياً لتمثيل أوسع ائتلاف ممكن، بينما قال مصدر آخر من الفصائل إن وفد الحركة الإسلامية لم يقدم شيئاً جديداً يمكن أن يبنى عليه.

قال الرئيس محمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن الانتخابات تأتي في إطار استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني (رويترز)

وذكرت مصادر أن التيار الإصلاحي الديمقراطي الفتحاوي الذي يقوده محمد دحلان، عرض خلال اجتماع ثنائي، طرحاً على «حماس» يتعلق بمصير القائمة الوطنية، وينتظر التيار رداً عليه. بينما لم تكشف أي من المصادر تفاصيله بسبب حساسية الموقف القائم حالياً من الانتخابات.

أما «حماس» فهي الأخرى تمنّي النفس بتأجيل الانتخابات رغم تبنّيها موقفاً علنياً يؤكد على ضرورة إجراء الانتخابات في وقتها، وسط مساعٍ مستمرة منها لتشكيل أكبر قائمة وطنية منافسة لحركة «فتح».

ويضفي هذا الواقع حالة من الإرباك التي تزداد في أوساط الفصائل التي سيتبقى أمامها، السبت، 12 يوماً لتحديد خياراتها وحسمها.

وبينما حسمت حركة «الجهاد الإسلامي» قرارها بدعم مثل هذه القائمة بدون مرشحين منها، ما زال التردد والارتباك بادياً على قرارات اليسار الفلسطيني وتحديداً الجبهتين «الشعبية» و «الديمقراطية»، دون حسم مشاركتهما في قائمة مشتركة مع «حماس» وفصائل أخرى، خصوصاً أنهما طالبتا بضرورة تأجيل الانتخابات والبحث في قواسم مشتركة لإنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير، وهو أمر أيدته بعض الفصائل الأخرى.

وسعت «الديمقراطية» لتشكيل قائمة تتعلق بأحزاب اليسار بمشاركة «الشعبية» مع إبقاء الانضمام لقائمة وطنية واسعة مع «حماس» كآخر خياراتها. ويقول مصدر في الجبهة لـ«الشرق الأوسط»، إنه مع عشية بدء تقديم القوائم، قد يحسم القرار لصالح الانضمام للقائمة الوطنية الشاملة.

نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ يبحث مع رئيس لجنة الانتخابات المركزية رامي الحمد لله الاستعدادات والترتيبات لهذا الاستحقاق في رام الله (أرشيفية - وكالة «وفا»)

وتصر حركة «فتح» على المضي بالانتخابات، وهو أمر أكده الرئيس الفلسطيني، محمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي قال إنها تأتي في إطار استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني، قبل التوجه لإجراء الانتخابات الرئاسية، مشيراً إلى أن ذلك يأتي في إطار برنامج إصلاح وطني شامل للسلطة، وتعزيز الحوكمة والشفافية والمسؤولية.

ويظهر هذا الموقف إرباكاً لدى العديد من الفصائل، التي ما زالت تبحث طرق مشاركتها. وكانت «الجبهة الشعبية» تنتظر رداً إيجابياً من حركة «فتح» بشأن إمكانية تأجيل الانتخابات، والبدء بخطوات وطنية منها عقد لقاء شامل وموسع لبحث الواقع الفلسطيني، إلا أن الأخيرة لم ترد عليها إيجاباً أو سلباً ما ترك الباب مفتوحاً أمام الجبهة المترددة في تحديد خياراتها، وترى أن الوقت غير مناسب لإجراء أي انتخابات.

ويبدو أن «فتح» تريد استغلال تراجع شعبية «حماس» بعد الحرب على غزة وما خلّفته من دمار بالقطاع، لكسب فرصة إجراء الانتخابات في الوقت الحالي وكسب أكبر عدد ممكن من الأصوات، إلا أن الخلافات الداخلية بالحركة أيضاً يفرض عليها الكثير من التحديات، في ظل الأصوات التي تطالب بإجراء انتخابات شاملة مرة واحدة، بما فيها الرئاسية.

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية أنها ستبدأ عند الساعة الثامنة من صباح يوم السبت 26 سبتمبر (أيلول) استقبال طلبات الترشح للانتخابات التشريعية 2026، في مقرها العام بمدينة البيرة ومقرها الإقليمي بمدينة دير البلح في قطاع غزة، موضحةً أن باب الترشح سيبقى مفتوحاً لمدة 12 يوماً، بما في ذلك أيام العطل الرسمية، وينتهي عند الساعة الرابعة من مساء الأربعاء الموافق 7 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ولا تقبل أي طلبات قبل بدء المدة القانونية أو بعد انتهائها.

وأوضحت لجنة الانتخابات أن الترشح لعضوية المجلس التشريعي يتم من خلال القوائم الانتخابية، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، ولا تقبل طلبات الترشح الفردية، على أن يقدَّم طلب ترشح القائمة من خلال منسقها ومفوضها، داعيةً أي قوائم راغبة في المشاركة لاستكمال طلباتها ومرفقاتها، والتأكد من استيفاء الشروط القانونية قبل تقديمها.

سجل الناخبين الفلسطينيي كما وزعته لجة الانتخابات المركزية (وكالة «وفا«)

واشترطت ألا يقل عدد مرشحي القائمة عن 16 مرشحاً، وألا يزيد على 132، وأن تلتزم بالحد الأدنى لتمثيل المرأة، بواقع امرأة واحدة على الأقل من بين الأسماء الثلاثة الأولى، وامرأة ضمن كل 3 أسماء تلي ذلك حتى نهاية القائمة، مشيرةً إلى أنه يتطلب ترشح القائمة تقديم كشف موقع من 3 آلاف مواطن ممن يحق لهم الانتخاب يؤيدون ترشحها، وبرنامجها الانتخابي ورمزها أو شعارها، إلى جانب سند بنكي يفيد بدفع مبلغ 20 ألف دولار، والكشف المغلق بأسماء مرشحيها وترتيبهم، وطلبات الترشح الخاصة بكل مرشح ومرفقاتها، كما في المرشح أن يكون فلسطينياً، وأتم الثالثة والعشرين من عمره يوم الاقتراع، ومقيماً إقامة دائمة في الأراضي الفلسطينية، ومدرجاً اسمه في سجل الناخبين النهائي، إلى جانب استيفاء بقية الشروط القانونية المتعلقة بالترشح.

وتشكل مرحلة الترشح ثالث مراحل العملية الانتخابية بعد مرحلتي تسجيل الناخبين والنشر والاعتراض.

وبينت اللجنة أن نحو 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس، إلى جانب قطاع غزة، يحق لهم الاقتراع في الانتخابات، موضحةً أن العدد الإجمالي لأصحاب حق الاقتراع يبلغ 2.97 مليون مواطن ومواطنة، موزعين بواقع 1.24 مليون في قطاع غزة و1.59 مليون في الضفة الغربية، و140 ألفاً من حملة الهوية المقدسية في مدينة القدس.

وأظهرت البيانات أن الذين لم يصوتوا في انتخابات عامة من قبل، يشكلون الأغلبية من أصحاب حق الاقتراع، إذ يبلغ عدد من تقل أعمارهم عن 38 عاماً، 1.50 مليون ناخب وناخبة، بما نسبته 53 في المائة من أصحاب حق الاقتراع. وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة في الانتخابات المقبلة، في ظل مرور نحو عقدين على آخر انتخابات للمجلس التشريعي.

وفي التوزيع وفق النوع الاجتماعي، أظهرت البيانات أن النساء يشكلن 49.9 في المائة من الناخبين، مقابل 50.1 في المائة للذكور؛ ما يعكس تقارباً في الوزن الانتخابي بين النساء والرجال.


مقالات ذات صلة

عباس: الفلسطينيون في أخطر المراحل... ولا تسمحوا بنكبة أخرى

المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك الخميس (رويترز) p-circle

عباس: الفلسطينيون في أخطر المراحل... ولا تسمحوا بنكبة أخرى

وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما تقوم به إسرائيل في الأراضي المحتلة بأنه من أخطر المراحل في تاريخ الشعب الفلسطيني الذي لن يغادر أرضه ولن يقبل التهجير.

علي بردى ( نيويورك)
المشرق العربي طفلان فلسطينيان يقفان وسط أنقاض منزل هدمته القوات الإسرائيلية في قرية «جنبا» بالضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

زخم أممي لقضية فلسطين... والسُلطة تراه «صفعة» لمحاولات التغييب

قدمت كلمات المسؤولين الدوليين أمام الدورة 81 للجمعية العامة للأم المتحدة في نيويورك زخماً متواصلاً للقضية الفلسطينية، استقبلته السلطة الوطنية بالاحتفاء.

«الشرق الأوسط» (الرياض - نيويورك)
الولايات المتحدة​ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

غوتيريش يأسف لرفض واشنطن منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات دخول

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه لرفض الولايات المتحدة منح مسؤولين فلسطينيين؛ أبرزهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، تأشيرات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

بعد عام على الاعترافات، يبدو حلم إقامة دولة فلسطينية بعيد المنال مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين، وتقلّص مساحة العيش للفلسطينيين مع توسّع الاستيطان.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلقي كلمة عبر الفيديو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 (إ.ب.أ)

أميركا تمنع عباس من حضور اجتماع الجمعية العامة للعام الثاني

رفضت الولايات المتحدة منح مسؤولي السلطة الفلسطينية تأشيرات دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المقرر عقدها في نيويورك الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجولان... «تلاسن» يكشف أحد أسباب توقف المفاوضات بين دمشق وتل أبيب

بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)
بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)
TT

الجولان... «تلاسن» يكشف أحد أسباب توقف المفاوضات بين دمشق وتل أبيب

بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)
بحيرة قرب قرية مجدل شمس الدرزية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل من هضبة الجولان... ويبدو في الخلفية جبل الشيخ (أ.ف.ب)

تكشف الردود المتبادلة بخصوص هضبة الجولان بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس السوري، أحمد الشرع، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، جزءاً من الأسباب الحقيقية لجمود المفاوضات بين تل أبيب ودمشق، وهي مفاوضات بدأت قبل سنتين؛ لكنها توقفت في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور بريف إدلب، قبل أسابيع.

وبحسب منتقدين لرئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن مواقفه المتصلبة في الأمم المتحدة تكشف مدى خشية القيادة الحالية في تل أبيب من السلام مع دمشق.

ومعروف أن الشرع قال في خطابه، أمام الجمعية العامة بنيويورك، إن سوريا معنية بهذا السلام ولكنها تريد أن يكون الثمن إعادة الجولان، الذي تحتله إسرائيل منذ عام 1967. ولأنه يعرف أن إسرائيل ليست جاهزة لدفع هذا الثمن اليوم، شدد الرئيس السوري على التوصل إلى اتفاقات أمنية بين الطرفين، تُفضي إلى سحب القوات الإسرائيلية من المناطق الجديدة التي احتلتها بعد ديسمبر (كانون الأول) 2024، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، والعودة إلى منظومة اتفاق فصل القوات الذي تم توقيعه في سنة 1974.

وتعرف إسرائيل هذا الموقف السوري جيداً من خلال المفاوضات التي أُجريت حتى الآن، وفيها أبدت حكومة الشرع استعدادها للاستمرار في مفاوضات بناءة تعيد الثقة بين الطرفين وتفضي لاحقاً إلى اتفاق سلام تام وكامل، مع تبادل سفارات وإقامة علاقات جيرة حسنة وتبادل تجاري وتعاون في شتى المجالات، بحسب ما يتردد في تل أبيب.

يجنيان محصول التفاح قرب قرية مجدل شمس في الجولان يوم 25 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

لكن القيادة الإسرائيلية التي تخشى دفع أي ثمن لهذا السلام، ردت على الشرع بعنف. في البداية، جاء الرد على لسان وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الذي قال إن «الجولان تحت السيادة الإسرائيلية هو جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل إلى الأبد»، مشدداً على أن إسرائيل «لن تنسحب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية». وحذّر كاتس أيضاً من أن «أي أرض نأخذها هذه المرة ستبقى لنا إلى الأبد، وفقاً لقوانين الحرب». ثم رد نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة قائلاً إن اليهود موجودون في هضبة الجولان منذ أيام النبي موسى. وقدّم نتنياهو للشرع ما بدا بمثابة «درس في التاريخ» بحسب تفسيره لهذا التاريخ، قائلاً: «السيد الشرع، عليك أن تعلم أن اليهود موجودون في هضبة الجولان منذ أيام (النبي) موسى. يمكنك قراءة ذلك في الكتب السماوية».

غير أن مراجعة التاريخ تشير إلى أن كلام نتنياهو جاء ليعطي بعداً دينياً وتاريخياً للخطاب الاحتلالي الذي تفوّه به كاتس، بيد أنه لا يعني أنه صحيح تاريخياً؛ فالجولان منطقة كانت، بحسب المواقع الأثرية، مأهولة بالبشر في عصور موغلة في القدم، مع شواهد على الاستيطان خلال العصر النحاسي والعصر البرونزي، إلى جانب منشآت حجرية ومدافن وآثار تركتها مجتمعات استقرت في المنطقة قبل آلاف السنين؛ أي أقدم بكثير من عصر النبي موسى وبني إسرائيل.

وبرأي منتقدين لرواية نتنياهو، فإنه حتى على افتراض أن يهوداً عاشوا في الجولان، فهم لم يعيشوا لوحدهم هناك؛ فقد كان في المنطقة آخرون، ربما أكثر منهم عدداً. ويضيف هؤلاء المنتقدون أن كلام نتنياهو يعني أنه يحق لإسرائيل أن تحتل مناطق عاش فيها يهود قديماً، علماً بأن الروايات الدينية اليهودية تشير إلى وجودهم في مناطق واقعة بين نهري النيل والفرات.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمته في الأمم المتحدة يوم 24 سبتمبر (أ.ف.ب)

ويلفت منتقدو موقف نتنياهو بخصوص الجولان إلى أن حكومات إسرائيل حاولت إخفاء حقيقة أساسية تتمثّل في أنها رحّلت ما يصل إلى 90 في المائة من سكان الهضبة السورية لدى احتلالها في عام 1967؛ فقد كان يعيش في الجولان 140 ألف نسمة، لم يبقَ منهم سوى 8 آلاف اليوم. وما زالت إسرائيل تمنع الكشف عن سبب هذا التهجير، في حين يروي أهل الجولان قصص جرائم ومذابح تسببت في رحيلهم.

ويشير الكاتب موشيه كسيف إلى أن المفاوضات بين إسرائيل وسوريا لا تتطرق إلى التاريخ القديم، بل تتناول التاريخ الحديث والمستقبل؛ فالسوريون يريدون العودة إلى مشاريع السلام التي كانت قد طُرحت في الماضي بين حكومات إسرائيل، في زمن إسحق رابين وإيهود باراك وإيهود أولمرت وحتى نتنياهو نفسه، ودمشق خلال حكم حافظ الأسد وبعده نجله بشار، وفيها توافق إسرائيل على الانسحاب الكامل من الجولان على مراحل (في زمن بشار الأسد وافق نظامه على تأجير الجولان لإسرائيل لمدة 15 سنة، قابلة للتمديد)، مع ضمانات أمنية وعلاقات دبلوماسية. لكن نتنياهو يرفض حتى المشاريع التي وافق عليها في حينه، لأنه يريد أن يستثمر ما يعدّه «توازن القوى الجديد» ويسميه كاتس «قوانين نتائج الحرب»، مع أن سوريا الشرع لم تبادر إلى حرب مع إسرائيل، بل إن الجيش الإسرائيلي هو الذي استغل سقوط الأسد ليشن آلاف الغارات على سوريا ويحطم 85 في المائة من قدرات الجيش السوري الدفاعية واحتل مناطق جديدة في الجنوب السوري.

الرئيس الشرع خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر (د.ب.أ)

ويؤكد الإسرائيليون صحة أقوال الشرع بأن 90 في المائة من القضايا تم الاتفاق عليها بشأن اتفاق التفاهمات الأمنية، لكنهم يبررون التراجع الإسرائيلي بالادعاء أن سوريا تتحول إلى منطقة نفوذ تركية، وأن هناك بوادر لاستغلال الأرض السورية لهجوم على المستوطنات الإسرائيلية في الجولان، على غرار هجوم حركة «حماس» على غلاف غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وفي هذا الإطار، أبدى السوريون، في المفاوضات، استعدادهم لضمانات أمنية بعيدة المدى، مثل نزع السلاح في الجنوب السوري، وإقامة ممر آمن للتبادل التجاري، يُتاح فيه نقل مساعدات من الدروز في إسرائيل والجولان إلى محافظة السويداء. كما وافق السوريون على إقامة منظومة تنسيق أمني مشتركة بإشراف أميركي، تتضمن تبادل المعلومات الاستخباراتية وإشراك الأردن في المراقبة حتى تكون شاملة لكل المنطقة الحدودية. بيد أن الإسرائيليين لم يكتفوا بذلك بل أرادوا الاحتفاظ بقمم جبل الشيخ، وببعض مناطق الحزام الأمني، وبحرية دخول الأراضي السورية لملاحقة خلايا مسلحة.

ويسود الشعور بأن إسرائيل ليست معنية بمفاوضات ناجحة، وأنها جاءت إلى هذه المفاوضات رضوخاً لإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو فقط من يمنع نتنياهو من استغلال الوضع في سوريا لشن مزيد من الاعتداءات العسكرية. ويبدو أن الرئيس الأميركي ينتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية قبل أن يحسم موقفه من سياسات حكومتها.

ومعلوم أن ترمب أصدر في مارس (آذار) 2019، مرسوماً رئاسياً يعترف فيه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. لكن قرارات الأمم المتحدة تؤكد أن الجولان أرض محتلة، وترفض إعلان إسرائيل فرض قوانينها وإدارتها على هذه الهضبة السورية.


الزيدي: العراق يسعى إلى احتكار قرار السلم والحرب

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي متحدثاً خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي متحدثاً خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

الزيدي: العراق يسعى إلى احتكار قرار السلم والحرب

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي متحدثاً خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي متحدثاً خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أكد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، الجمعة، أن من أولويات حكومته أن تكون الدولة صاحبة القرار في السلم والحرب، مشدداً على أن السلاح يجب أن يبقى بيد المؤسسات الدستورية.

وقال الزيدي، في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن «الإجراءات التنفيذية في مجال حصر السلاح وقرار السلم والحرب تسير في الاتجاه الصحيح، بوصفها أساساً لبناء دولة المؤسسات وحماية السيادة وتثبيت الاستقرار».

وعدّ رئيس الحكومة أن انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق ينقل العلاقة مع الشركاء الاستراتيجيين إلى مرحلة جديدة، من التعاون العسكري إلى التعاون الاقتصادي والتنموي، مؤكداً مواصلة تطوير القدرات الأمنية والعسكرية لحماية العراق.

ودعا رئيس الوزراء العراقي إلى ضبط الحدود ومعالجة الثغرات واليقظة المستمرة لمنع تشكل بيئة مغذية للتطرف، كما جدّد موقف العراق الداعم للحوار والدبلوماسية، ونزع فتيل الأزمات، واحترام السيادة وعدم التدخل وحسن الجوار، داعياً إلى إنهاء الصراعات عبر التفاوض، ومنع اندلاع الحروب مجدداً.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال إن حكومته تطمح إلى احتكار قرار الحرب والسلام (أ.ب)

ودعا الزيدي العالم إلى مزيد من الانفتاح على العراق، مؤكداً أن بلاده قادرة على الإسهام في الأمن والاستقرار، كما شدد على أهمية مشروع «طريق التنمية» بوصفه «ممرّاً استراتيجياً للتجارة والاستثمار والطاقة، يربط ميناء الفاو الكبير بتركيا، ومنها إلى أوروبا».

وقال الزيدي: «لم يكن العراق مطلقاً على الهامش، بل هو قلب التاريخ ونبض الحاضر، وهو جدير بالشراكة نحو المستقبل».

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد وجّه تحذيراً مباشراً إلى بغداد، مشدداً على ضرورة «نزع سلاح الميليشيات لتفادي بلقنة العراق»، بالتزامن مع ضغوط متنامية على الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة.

وأكد روبيو دعم الولايات المتحدة لحكومة علي فالح الزيدي في مساعيها من أجل ترسيخ سلطة الدولة، مشدداً على ضرورة تفكيك الفصائل المسلحة.

وحذّر روبيو من أن استمرار تعدد مراكز القوة قد يقود إلى تفتيت الدولة العراقية وإضعاف مؤسساتها.

وكان الزيدي قد عرض خطة تقضي ببدء مرحلة تمتد 90 يوماً، تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، على أن تستكمل عملية نقل السلاح إلى الدولة بحلول 30 يونيو (حزيران) 2027.


إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تدخل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان مرحلة مختلفة، مع اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص حجم قواته وإعادة تنظيمها على امتداد ما يسميه «الخط الأصفر»، بالتوازي مع إنشاء شبكة جديدة من المواقع العسكرية، فيما تشير التغييرات في تركيبة الوحدات إلى انتقال من الاعتماد المكثف على القوات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت خطوط الانتشار والإمساك بالمواقع.

وأفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن «الجيش الإسرائيلي سيدخل خلال الأيام المقبلة ما وصفته بـ(مرحلة جديدة) من القتال في جنوب لبنان، بعد استكمال عملياته في مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى»، مشيرة إلى أن «ذلك يتيح تقليص القوات وإعادة تنظيمها في منطقة (الخط الأصفر) وإنشاء منظومة جديدة من المواقع العسكرية وإراحة قوات الاحتياط».

مبانٍ متضررة ومدمرة في المنصوري بجنوب لبنان فيما تهدم آليات إسرائيلية ثقيلة منازل في البلدة كما تبدو من الحنية (رويترز)

سحب وحدات هجومية

وقال مصدر مطلع على تفاصيل الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن التغييرات الأخيرة التي أدخلها الجيش الإسرائيلي على تشكيل قواته في الجنوب «تشير، من الناحية العسكرية، إلى الانتقال من الاعتماد المكثف على الوحدات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت الجبهة والإمساك بالمواقع بواسطة وحدات نظامية ومدرعة».

وأوضح المصدر أن «القوات الإسرائيلية كانت تعتمد خلال العمليات السابقة على مجموعة من الفرق والألوية المنتشرة في الجنوب»، لافتاً إلى أن «(الفرقة 146) تولت جزءاً من المهام في القطاع الغربي، فيما شاركت (الفرقة 36) في العمليات بالقطاعَيْن الأوسط والشرقي».

وقال إن المرحلة الأخيرة «شهدت سحب عدد من الوحدات التي اضطلعت بأدوار هجومية، بينها لواء (غولاني)، واللواء المدرع الاحتياط الرابع (كرياتي)، ولواء (الكوماندوز 89)، ولواء (المظليين الاحتياط 55)، مقابل إدخال اللواء المدرع (188 باراك)، ولواء (بيسلماح 828)، وهو لواء تدريبي يمكن استخدامه في مهام قتالية».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات نخبة ووحدات كانت مهيّأة للاقتحام والهجوم، وتُستبدل بها وحدات نظامية أو مدرعة ووحدات تتولى أساساً الإمساك بالمواقع، فهذه إشارة عسكرية إلى أن الهدف في هذه المرحلة ليس التحضير لاندفاعة برية واسعة، بل تثبيت الجبهة والحفاظ على الوضع القائم».

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وأشار المصدر إلى أن لواء «الكوماندوز»، الذي تضم تشكيلاته وحدة «إيغوز»، إلى جانب وحدات هندسية متخصصة مثل «يهلوم»، شارك خلال المرحلة السابقة في عمليات هجومية وتدمير منشآت وأنفاق، بما في ذلك العمليات التي شهدتها منطقة علي الطاهر.

وقال: «هذه الوحدات هي من القوات التي استُخدمت في المهام الهجومية المعقّدة، وعندما يُعاد قسم منها إلى الخلف وتُستبدل وحدات أخرى به، فهذا يعني أن طبيعة المهمة نفسها تتغير».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات هجومية مثل (الكوماندوز) و(المظليين) و(غولاني)، فهذا يُعطي مؤشراً إلى أن الأولوية باتت تثبيت الخطوط أكثر من فتح محور هجوم بري جديد».

وشدد المصدر على أن هذا التحول «لا يعني توقف العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان»، قائلاً: «يمكن أن تستمر أعمال التفجير والهدم والعمليات الهندسية والغارات والتحركات أمام ما تسميه إسرائيل (الخط الأصفر) وفي مناطق أخرى، لكن طبيعة القوة الموجودة على الأرض تصبح مختلفة، فهي أقرب إلى قوة إمساك ودفاع منها إلى قوة معدّة لتنفيذ هجوم واسع».

وختم: «المؤشر العسكري الذي يمكن قراءته من إعادة الانتشار الحالية هو تثبيت الجبهة وإراحة الوحدات الهجومية، وليس التحضير، وفق المعطيات الموجودة حالياً، لهجوم بري واسع. أما إذا كان لذلك بعد أو قرار سياسي فهذا لا يمكن حسمه انطلاقاً من حركة الوحدات العسكرية وحدها».

تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار

من جهته، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن تقليص إسرائيل قواتها في جنوب لبنان «لا يعني بالضرورة تقليص انتشارها أو تراجع سيطرتها الميدانية»، موضحاً أن أمامها، وفق المعطيات العسكرية، أكثر من خيار يتعلق بشكل انتشارها وحجم القوات المستخدمة.

وقال قزح: «هناك احتمالان أساسيان: إما توسيع المنطقة العازلة والعمليات العسكرية باتجاه إقليم التفاح ومجرى نهر الزهراني، وإما العودة إلى ما سبق أن طُرح تحت عنوان (الخط الرمادي)، عبر إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على امتداد هذا الخط، بعمق يقارب أربعة كيلومترات، على الصف الأول من التلال المشرفة على المستوطنات».

وأضاف: «يمكن أن تنتشر إسرائيل في نحو 20 إلى 25 نقطة على هذا الخط، بعد استكمال عمليات التدمير في المنطقة التي حددتها ضمن (الخط الأصفر)، بالإضافة إلى مناطق أخرى، بينها علي الطاهر، وتبقي بعد ذلك المنطقة المقابلة تحت المراقبة والاستطلاع الجوي والسيطرة بالنار».

وشدد على أن «تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار»، وقال: «بعد حجم التدمير الذي نفذته إسرائيل في القرى والمناطق الجنوبية، أصبحت قادرة على مراقبة أي تحرك في هذه المنطقة واستهدافه بالطيران، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى العدد نفسه من القوات البرية. يمكنها خفض عدد القوات أو سحب فرقة أو فرقتين والإبقاء على الانتشار الحالي، كما يمكنها تقليص القوات إذا تراجعت إلى (الخط الرمادي)».

وأضاف: «أما إذا كان القرار هو التقدم وتوسيع نطاق العمليات فلا يمكن عندها تقليص القوات، بل تحتاج إسرائيل إلى قوات إضافية. لذلك، إذا كان الاتجاه فعلاً نحو خفض عديد القوات، فهذا يرجح عدم التقدم براً، مع الحفاظ في المقابل على السيطرة النارية».

وأكد قزح أن إسرائيل «ستحافظ على السيطرة بالنار والمراقبة الجوية والرصد، ولا سيما في المناطق التي تعتبر أنها تشكل خطراً مباشراً على المستوطنات»، مشيراً إلى أن «مواقع الرصد في جبل الشيخ تمنحها قدرة واسعة على مراقبة البقاع الغربي وأجزاء كبيرة من الجنوب، فيما تتيح المواقع والتلال التي تسيطر عليها مراقبة مساحة واسعة تمتد من مجرى الليطاني شرقاً باتجاه البقاع الغربي، وغرباً باتجاه الساحل».

تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان

ميدانياً، توغلت قوة إسرائيلية، صباح الجمعة، إلى محلة سدانة في خراج كفرشوبا، وطوّقت مزرعة يوجد داخلها عدد من الرعاة، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي في المنطقة.

وتعرضت أطراف الهبارية لقصف مدفعي وتمشيط بالرشاشات الثقيلة، مع تحركات لآليات إسرائيلية، فيما أضرمت القوات الإسرائيلية النار في عدد من المنازل بمنطقة الجلاحية في الخيام.

وطال القصف المدفعي أطراف زوطر الشرقية وميفدون والنبطية الفوقا، بالتزامن مع غارات على زوطر الشرقية وبني حيان والمنطقة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وأخرى بين فرون والغندورية أدت إلى اندلاع حريق.

كما نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في دير سريان ومحيط الطيبة، وقصف وادي الخنازير وأطراف كفرتبنيت، فيما سجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه المنصوري وبيت ياحون. وكان القصف المدفعي قد استهدف ليلاً وادي الحجير ومجدل زون والأودية المجاورة.