تكثف إسرائيل عمليات التفجير، والهدم، والتجريف في بلدة المنصوري الساحلية، الواقعة جنوب مدينة صور، وحولتها إلى واحدة من أكثر نقاط الجنوب تعرضاً للتدمير خلال الأيام الأخيرة، وسط أسئلة عن أسباب التركيز عليها، وما إذا كانت العمليات تستهدف إزالة منشآت عسكرية محددة، أم تتجاوز ذلك إلى تغيير طبيعة الأرض، وفرض واقع يسمح بالسيطرة على البلدة بالنار من دون الحاجة إلى احتلالها بشكل كامل.
وتُظهر حصيلة موثقة للاستهدافات الإسرائيلية للمنصوري خلال الأيام السبعة الماضية تصاعداً لافتاً في عمليات التفجير داخل البلدة، ومشاعها، إذ نُفذت أكثر من 75 عملية تفجير منذ 3 سبتمبر (أيلول) وحتى ظهر الخميس، إلى جانب غارات جوية، وقصف مدفعي متكرر. وبلغ التصعيد ذروته الأربعاء، مع تسجيل عشرات عمليات التفجير في يوم واحد، قبل أن تُسجل 12 عملية إضافية صباح الخميس. وتشكل هذه الأرقام حداً أدنى، في ظل ورود تقارير عن عمليات تفجير إضافية من دون تحديد أعدادها بدقة.

وبحسب المعلومات الواردة، استخدمت القوات الإسرائيلية أخيراً أسلوباً لتفجير المنازل والأحياء السكنية من مسافة عبر مسيّرات تلقي براميل محملة بمواد شديدة الانفجار فوق أسطح المنازل قبل تفجيرها، فيما سُجل استخدام أسلوب مماثل في بني حيان، حيث ألقت مسيّرة مواد متفجرة على منازل تمهيداً لنسفها.
وتكتسب المنصوري أهمية خاصة بحكم موقعها على المسار الساحلي، وقربها من عدد من المواقع التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية، فيما يضع حجم التدمير المتصاعد البلدة أمام اختبار يتجاوز العمليات اليومية إلى طبيعة الواقع العسكري الذي تحاول إسرائيل فرضه فيها، وفي محيطها.
تغيير للجغرافيا
ويربط العميد المتقاعد حسن جوني بين التركيز الإسرائيلي على المنصوري وطبيعة موقعها وجغرافيتها، لكنه يرى أن تفسير التدمير بالبحث عن بنى تحتية لـ«حزب الله» وحده لا يكفي لفهم ما يجري.
وقال جوني لـ«الشرق الأوسط»: «يرتبط الأمر بطبيعة الجغرافيا في المنصوري، وامتدادها. هذه المنطقة تشكل ممراً جغرافياً كان مستغلاً بشكل كبير من قبل (حزب الله) في عملياته تاريخياً، وأعتقد، في إطار التحليل، أن هناك بنى تحتية موجودة في المنطقة».
وأوضح أن «طبيعة الجغرافيا، والكثافة الحرجية، ووجود ممر طويل يربط شمال صور وصولاً إلى الحدود، جعلت هذه المنطقة مستغلة بشكل كبير من قبل (حزب الله)»، مضيفاً: «يُتوقع وجود بنى تحتية متشعبة ومتنوعة فيها، فضلاً عن قربها أساساً من الحدود، وكانت الأنباء تتحدث خلال المواجهات عن إطلاق مسيّرات وصواريخ من هذه المنطقة خلال الحرب».
لكن جوني يشدد على أن ذلك «لا يعني أن كل التفجيرات التي تنفذها إسرائيل تستهدف هذه البنى التحتية»، معتبراً أن «هناك عملية تطويع للجغرافيا، وتغييراً في التضاريس لمصلحة إنشاء جغرافيا عسكرية أكثر ملاءمة للجيش الإسرائيلي».
ويقول: «هناك عملية تغيير للجغرافيا الطبيعية بالشكل الذي يسمح للجيش الإسرائيلي بالمراقبة، والرصد، والمتابعة. وبالتالي نحن أمام عملية تغيير في الجغرافيا أكثر من كونها مجرد استهداف لبنى تحتية في المنصوري».
ويربط جوني بهذا السياق استهداف المباني أيضاً، قائلاً: «هناك منازل مشيدة في نقاط مشرفة، وحاكمة، ومراقبة يجري تدميرها انطلاقاً من أهمية موقعها، وليس بالضرورة بسبب وجود بنى تحتية أو ذخيرة فيها، أو لأنها تعود إلى (حزب الله)، أو إلى عناصر فيه. بعضها يُدمر فقط بناء على موقعه المشرف، ومكان تشييده».
ويتوسع جوني في قراءة موقع المنصوري ضمن الخريطة العسكرية، واصفاً إياها بأنها «هدف محوري» بالنسبة إلى إسرائيل، لأنها «تقع بين خطوط وجود الجيش الإسرائيلي في القطاع الغربي ومدينة صور».

منطقة عمليات متحركة
ولا يتعامل جوني مع «الخط الأصفر» باعتباره حدوداً ميدانية جامدة، قائلاً: «الخط الأصفر الذي يُتحدث عنه لا يمكن تجسيده بخط على الأرض، بل هو مناطق عمليات تمتد في الغرب من محيط المنصوري، ومجدل زون، وتصعد باتجاه حداثا، وصولاً شرقاً إلى محيط علي الطاهر».
ويضيف: «لا يوجد خط أصفر بالمعنى الموجود في غزة، أي خط مجسد بعلامات، أو كتل خرسانية. نحن نتحدث هنا عن منطقة عمليات متحركة، ودينامية. أُطلقت عليها تسمية الخط الأصفر، لكنها عملياً ليست خطاً ثابتاً».
ويقول جوني إن «حدود وجود الجيش الإسرائيلي في الجنوب ليست محددة بخط ثابت، وإنما تحددها عمليات متحركة»، معتبراً أن المنصوري تمثل في الحسابات الإسرائيلية «هدفاً حيوياً وسطياً يفصل بين مدينة صور ونقاط وجود الجيش الإسرائيلي عند الحدود الجنوبية، أو المناطق العازلة».
ويضيف: «نحن نتحدث عن نظرة استراتيجية إسرائيلية إلى المنصوري، ويجري التعامل معها من خلالها كقرية حاجز، ويراد إزالة هذا الحاجز بهذا المعنى».

سيطرة بالنار
ويقدم العميد المتقاعد سعيد قزح قراءة تركز على محاولة إسرائيل كشف البلدة عسكرياً، والتحكم بها من المواقع المحيطة، بدلاً من افتراض اتجاه إلى احتلالها، والتمركز فيها.
وقال قزح لـ«الشرق الأوسط»: «يظهر أن في المنصوري منشآت وبنى تحتية كثيرة لـ(حزب الله) ولا أعرف ما إذا كان عناصر الحزب لا يزالون قادرين على التسلل إليها، أو التحرك فيها، وهذا قد يكون من أسباب استهداف الإسرائيليين لها بهذا التركيز».
ويضيف: «يبدو أنهم يحاولون تدمير المنصوري، سواء البنى التحتية، أو المباني، لجعل المنطقة مكشوفة أمامهم من دون الحاجة إلى احتلالها جسدياً، لأنهم قادرون من مجدل زون والبياضة وشمع على التحكم بها بالنار. وعندما تُدمّر الأبنية، وتصبح المنطقة مكشوفة، يمكن رصد أي تحرك داخلها، والتعامل معه».
ويرى قزح أن كثافة التدمير لا تعني بالضرورة الاستعداد لاحتلال البلدة، موضحاً أن «المنصوري تقع على تخوم ما أُعلن عنه بوصفه الخط الأصفر، وهي قريبة من مجدل زون، والبياضة، وشمع، ومجدل زون تقع في منطقة مرتفعة بالنسبة إليها».
ويقول: «الإسرائيليون يدخلون، ويفجرون، ويدمرون البنى التحتية والمنازل لجعل المنطقة أشبه بأرض محروقة، ومكشوفة».
ويشرح قزح طبيعة السيطرة التي يرجح أن إسرائيل تسعى إليها قائلاً: «يبدو أن ما يريدونه في المنصوري هو أرض ممسوحة، ومكشوفة، بحيث يستطيعون مراقبة أي تحرك فيها من التلال، والمواقع المحيطة، والتعامل بالنار مع أي تحركات لمسلحين داخلها، من دون أن يكونوا مضطرين إلى التمركز في قلب البلدة ما داموا قادرين على التحكم بها نارياً».
ويحدد المواقع التي تتيح، وفق قراءته، هذا النوع من السيطرة، قائلاً إن «مجدل زون تقع إلى الجنوب الشرقي من المنصوري، فيما تقع البياضة وشمع إلى جنوبها، إضافة إلى منطقة بيوت السياد»، مشيراً إلى أن طبيعة هذه المواقع وارتفاعاتها تتيح مراقبة البلدة، ومحيطها.
ويختم قزح: «المنصوري مرتبطة بهذا المسار الساحلي. ويظهر أن فيها منشآت كثيرة يجري الدخول إليها، وتدميرها، بالتوازي مع تدمير المنازل، وجعل المنطقة مهدمة، ومكشوفة بالكامل لرصد أي تحرك محتمل داخلها، خصوصاً أن أي تحرك انطلاقاً من المنصوري يمكن أن يتجه نحو مجدل زون، أو نحو المناطق التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية».






