أثار الموقف المفاجئ لعضو المجلس السياسي في «حزب الله» الوزير السابق محمود قماطي بأن الحزب لم يغلق الباب بصورة نهائية أمام التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار يُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة، تساؤلات لم تقتصر على الخصوم، بل شملت الحلفاء من خارج «الثنائي الشيعي»، وخصوصاً أنه لم يصدر أي نفي عن «العلاقات الإعلامية» للحزب التي حصرت نفيها بتصويب قوله بأن المقصود هو مسار إسلام آباد وليس مسار واشنطن للتوصل إلى التحرير الكامل وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
وعلى الرغم من أن موقف قماطي المستجد تلازم مع موقف للسفير الأميركي لدى تركيا توم برّاك لفت فيه إلى أنه لا يمكن التوصل لحل الأزمة اللبنانية من دون جلوس المؤثرين على الطاولة، وسمى إيران و«حزب الله» بالاسم، فإن مصادر متعددة مقرّبة من «الثنائي الشيعي»، وبعضها أقرب إلى الحزب من حركة «أمل»، أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن ما أعلنه قماطي «ليس عفوياً ولا يأتي من باب الاجتهاد الشخصي، وإنما هو مطلوب منه، وإلا لما تدخلت (العلاقات الإعلامية) الناطقة باسم الحزب للتوضيح».

مفاجأة للخصوم
لفتت المصادر أيضاً إلى أن قماطي، الذي يعتبر رأس حربة للحزب، فاجأ خصومه ليس بالهجوم عليهم فحسب، وإنما بتهديده لرئيسَي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام، وإطلاق الوعيد تلو الآخر للنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة، رافضاً تسليم سلاح «حزب الله»، ومراهناً على «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية كبديل عن «اتفاق الإطار».
تبادل رسائل بين واشنطن و«حزب الله»
وحول سؤال ما الذي تبدّل بخصوص التواصل مع الأميركيين، بعدما كان الحزب ينظر إلى الولايات المتحدة على أنها «الشيطان الأكبر»؟ تكشف المصادر أنه جرى تبادل رسائل بين قيادة الحزب وواشنطن عبر وسطاء محليين، فضّلت عدم ذكر أسمائهم، إلى جانب تركيا وقطر، ولم تستبعد حصول لقاءات بالواسطة، وربما أبعد من ذلك، لكن قماطي غير مكلف بالإفصاح عنها.

وأكدت المصادر أن الحزب كان يتحاشى التعليق على التواصل غير المباشر مع واشنطن أو الرد على ما يتم تداوله في هذا الشأن عبر بعض وسائل الإعلام اللبنانية والأجنبية، حتى إن النائب حسن فضل الله عندما سئل عن صحة ذلك أبقى جوابه معلقاً. وتم تفسير موقفه بأنه ينم عن رغبة قيادة الحزب في عدم التشويش على إيداع أوراقها بعهدة رئيس المجلس النيابي نبيه برّي؛ كونه يتولى المفاوضات بالإنابة، وهو توصل مع الوسيط الأميركي آنذاك أموس هوكستين إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية جاء تتويجاً للبيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة وفرنسا.
ورأت المصادر أن تفويض الحزب لبرّي لا يزال قائماً، وإن كانت قيادة «حركة أمل» تبدي تحفّظها على المواقف النارية الصادرة عن قماطي، بما فيها هجومه على عون وسلام، وتهديده بالنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة.
تواصل عبر وسطاء
لفتت المصادر إلى أن الحزب لا يمانع التواصل عبر وسطاء مع واشنطن لكن بعيداً عن الأضواء ما دامت إيران مشمولة بالتواصل بعد توقيعها معها على «مذكرة التفاهم» بوساطة باكستانية. وقالت إن تواصل الحزب بالواسطة يأتي في سياق تأييده مسار إسلام آباد، في مقابل إصراره على إسقاط «اتفاق الإطار». وسألت: لماذا لاذ الحزب بالصمت رافضاً التعليق على قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء اجتماعه بعون إنه لا مانع من الاتصال بالحزب إذا طُلب منه؟ وهل امتناعه عن التعليق مدروس لحجب الأنظار المحلية عن تواصله بالواسطة مع واشنطن من موقع الاختلاف برفضه السير بـ«اتفاق الإطار»؟

وتوقفت مصادر سياسية في معرض حرصها على التدقيق بكلام قماطي عند رأي الطرف المعني؛ أي واشنطن، ليكون في وسع خصومه، بحسب قولهم لـ«الشرق الأوسط»، أن يبنوا على الشيء مقتضاه، من دون أن يغيب عن بالهم التساؤل حول الأسباب الكامنة وراء انقطاع الحزب عن التواصل مع عون، في حين تدرك قيادة الحزب جيداً أن مجرد استعدادها لتطوير تواصلها بواشنطن لن يكون على حساب عون والأكثرية المؤيدة لـ«اتفاق الإطار»، وإنما في سياق استعداد الحزب للانخراط في التسوية على قاعدة التسليم بحصرية السلاح بيد الدولة.
معركة «علي الطاهر»
توقفت المصادر أيضاً أمام قول قماطي إن عدم الرد على كل اعتداء إسرائيلي يستهدف «علي الطاهر» لا يعني ضعفاً أو عجزاً، وإن أي محاولة للعدو للتقدم باتجاه التلال ستواجه بمقاومة بما يتناسب مع طبيعة التطور الميداني، مع دراستها لجميع الخيارات المتعلقة بالوضع.
وفي هذا السياق، سألت المصادر: هل يقصد قماطي بقوله إن الحزب يدرس جميع الخيارات وجود استعداد لوضع تلال علي الطاهر بعهدة الجيش، أو بإيداع ورقتها لدى برّي، علماً أن خياره النهائي يتوقف على فتح ثغرة لتزخيم التواصل مع واشنطن لعلها تؤدي لإقناعه بتخليه عن التلال مقابل انخراطه في مشروع الدولة، لكن على قاعدة تسليمه سلاحه، أو أنه لا يزال يصر على ربط مصير التلال بـ«مذكرة التفاهم» التي ما زالت معلقة، ورهانه على أن القيادة الإيرانية لن تتركه وحيداً وستتدخل في الوقت المناسب؟
واعتبر بعض خصوم الحزب ممن لم يفاجئهم كلام قماطي أن ما قاله لم يكن زلة لسان أو هفوة، بل جاء مدروساً بتأنٍّ، لكن تكثيف التواصل يتوقف على مدى استعداد الحزب للسير بالتسوية المترتبة على «اتفاق الإطار» وفصله عن «مذكرة التفاهم» التي يستحيل تنفيذها ما لم تُحل أزمة الشرق الأوسط، وهذا يتطلب منه أن يكون شريكاً، ولو بالتواصل مع عون والحكومة، في الجهود اللبنانية لتطبيق الاتفاق الذي وحده يفصل أزمة لبنان عن الشرق الأوسط، شرط أن تضغط واشنطن كما يجب على نتنياهو لإزالة العراقيل التي ما زالت تعوق التنفيذ، وبذلك تكون قد أمّنت دعماً لعون الذي لا يرى من خيار سوى التفاوض المباشر ليتفوّق به على خصومه، وتحديداً «حزب الله»؛ لأن الدوران في حلقة مفرغة لن يكون لمصلحة مؤيدي الاتفاق.








