لليوم الثاني على التوالي، بقي الوضع الأمني مهيمناً على الأجواء السورية العامة، حيث أعلنت قوى الأمن الداخلي، ليل الجمعة - السبت، تحييد عنصرين من تنظيم «داعش» الإرهابي، كانا يزرعان عبوة ناسفة في منطقة «السيدة زينب» بريف دمشق، بعد يوم واحد من انفجار عبوة ناسفة داخل حافلة نقل ركاب صغيرة (سرفيس) وسط مدينة جرمانا.
وما حصل في اليومين الماضيين هو سيناريو مشابه لما حدث في الثالث من يوليو (تموز) الماضي، عندما تم استهداف حاجز أمني عند مدخل جرمانا، عقب يوم واحد على تفجير استهدف مقهى قرب القصر العدلي في وسط دمشق، أسفر عن مقتل 10 أشخاص.
وتبع ذلك تفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ألقت السلطات الأمنية السورية بعد يومين، القبض على الخلية المسؤولة عنهما، وأظهرت التحقيقات أنها تتبع تنظيم «داعش».

وفي ظل استمرار هذه التفجيرات بين فترة وأخرى، تواصلت «الشرق الأوسط» مع خبراء عسكريين وأمنيين سوريين ومراقبين متابعين لتطورات الأحداث الأمنية في عموم البلاد، وللجهود التي تقوم بها السلطات المختصة لمكافحة الإرهاب... وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري والأمني عصمت العبسي إن «تنظيم (داعش) لا يزال يمتلك خلايا نائمة وقادرة على تنفيذ هجمات انتحارية أو متفرقة، كما أثبتت عمليات التفكيك في حلب والرقة والسيدة زينب، لكن الاعتماد على (داعش) كفاعل وحيد هو تفسير ناقص؛ لأن الواقع يشير إلى وجود منظومة إرهابية هجينة، هي خلايا داعشية مستقلة تعمل بشكل لا مركزي، وتنظيمات جهادية جديدة أو مغمورة مثل (منبر أنصار الرسول) التي قد تكون واجهة إعلامية لمجموعات مسلحة صغيرة تبحث عن الظهور والتأثير، إضافة إلى فلول النظام المجرم السابق التي تستغل الفراغ الأمني أحياناً لأغراض ابتزازية، أو إثارة نعرات طائفية محلية».
وعن الظهور الحديث لجماعة «منبر أنصار الرسول» (قبل نحو الشهر)، تحدث العبسي لـ«الشرق الأوسط» عن احتمالين: الأول: هو الانتماء الآيديولوجي - التكتيكي، إذ غالباً ما تنشأ هذه التسميات الجديدة إما كأذرع إعلامية لـ«داعش» لتجنب كشف خلاياه الحقيقية، أو كمجموعات انفصلت عنه، لكنها تحتفظ بنفس المرجعية الجهادية العالمية، مشيراً إلى أن اللغة المستخدمة في بيانات المجموعة والأسلوب التشغيلي «يشبهان أسلوب (داعش) الكلاسيكي».

أما الاحتمال الثاني، فهو الاستخدام كأداة... فالمجموعة قد تكون مستقلة فعلياً، ولكن يتم توجيهها أو تمويلها لتحقيق أهداف محددة تختلف قليلاً عن الأجندة العالمية لـ«داعش»، ربما تكون مرتبطة بنزاعات داخلية بين الجماعات المسلحة أو أجندات خارجية تريد زعزعة الاستقرار عبر وكلاء محليين.
والرأي الأرجح أمنياً هو، حسب العبسي، «أنها جزء من النسيج الجهادي نفسه، سواء كانت فرعاً رسمياً لـ(داعش) أو مجموعة تتبنى نفس المنهج وتعمل بتناغم معه، ومن ثم يجب التعامل معها كتهديد واحد متكامل، وليس كظاهرة منعزلة».
وفي ظل ربط محللين هذه الأحداث بعامل خارجي، غير بعيد عن إسرائيل أو عن خدمة أجندتها في المشرق العربي عموماً، ذكر العبسي «أن هؤلاء المحللين لديهم نقاط قوة في حجتهم، لا سيما إذا نظرنا إلى أن إسرائيل تسعى لمنع أي استقرار سريع في سوريا يسمح بتشكيل حكومة قوية ومتحدة قادرة على مواجهة الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري»، موضحاً أن إسرائيل «تعمل على زعزعة الأمن الداخلي لإضعاف شرعية الحكومة الانتقالية، وتعطيل جهود إعادة الإعمار، والدعم الدولي. كما أن لدى المخابرات الإسرائيلية خبرة طويلة في دعم وتنظيم جماعات معارضة، وأسلحة دقيقة، ومع ذلك، فإن أسلوب التفجيرات العشوائية نسبياً، قد لا يعكس دائماً الدقة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، بل قد يعكس عمل وكلاء محليين مدرَّبين ومدعومين».
ولم يستبعد العبسي أيضاً دور «أطراف إقليمية أخرى ترفض عودة سوريا إلى مسارها الطبيعي، وتحاول استخدام الإرهاب ورقة ضغط، أو للتدخل غير المباشر».

ويقول: «حتى لو لم تكن إسرائيل هي منفذة التفجير بيدها مباشرة، فمن المرجح جداً أن الفوضى الناتجة تخدم أجندتها، وقد يكون هناك تنسيق ضمني أو دعم غير مباشر لهذه المجمعات لضمان استمرار حالة عدم اليقين».
أما بالنسبة لأهداف من هذه التفجيرات، فهي وفق العبسي متعددة المستويات، «وتتمثل في إثبات الوجود، وإشاعة الخوف، ومحاولة إثبات أن الدولة الضعيفة أو المنتصرة عسكرياً ليست قادرة على حماية مواطنيها، وزرع الرعب في صفوف المدنيين لكسر الثقة بالحكومة الجديدة».
ومن الأهداف أيضاً «تعطيل العملية السياسية والإصلاحية، فأي هجوم كبير يدفع المجتمع الدولي والمجتمع المحلي لإعادة النظر في أولويات الدعم، ويحوّل التركيز من الإصلاح السياسي والاقتصادي إلى الطوارئ الأمنية فقط، إضافة إلى أن استهداف مناطق معينة (مثل السيدة زينب ذات الحساسية الدينية، أو جرمانا القريبة من دمشق) هو محاولة لإشعال فتيل صراعات فرعية داخل النسيج الاجتماعي السوري المكسور أصلاً».
وفي أحدث إعلاناتها عن حصيلة عمل الأجهزة الأمنية، أعلنت وزارة الداخلية، الجمعة، «أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت خلال شهر يوليو الماضي 1036 شخصاً، وأحالت 285 إلى النيابية العامة»، وذلك بعدما أعلنت في يونيو (حزيران) الماضي عن تفكيك 7 خلايا لتنظيم «داعش»، وتوقيف 235 شخصاً من عناصره، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

ويُنظر محلياً وإقليمياً من قبل مراقبين، إلى «أن الإدارة السورية الجديدة تمكنت من تجاوز الكثير من الفخاخ التي وُضعت في طريقها، وأن الأداء الرسمي أمنياً وسياسياً يبدو ناجحاً رغم التفجيرات المتنقلة».
العبسي وصف الأداء الحالي للحكومة الانتقالية بأنه يتسم بـ«الصمود تحت الضغط، لكنه يواجه تحديات جمة؛ فالجانب الإيجابي هو سرعة الرد العسكري والأمني كما في تحييد العنصرين في السيدة زينب بعد يوم من تفجير جرمانا، والذي يظهر قدرة العمليات الخاصة والجيش الجديد على العمل الميداني الفعال، كذلك فإن الشفافية النسبية في الإعلان عن النتائج تعزز مصداقية المؤسسة الأمنية أمام المواطن، لكن المشكلة ليست في القتال المفتوح، بل في الاستخبارات الوقائية، والتفجيرات المتكررة تشير إلى وجود ثغرات في مراقبة الاتصالات والتنقلات المالية للخلايا النائمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة (الجيش، قوى الأمن الداخلي، المخابرات) يحتاج إلى مزيد من التكامل ليكون فعالاً ضد شبكات مترابطة».

من وجهة نظر العبسي يمكن وصف أداء السلطات السورية بأنه «مقبول في مرحلة الانتقال الصعبة، لكنه ليس كافياً بعد؛ لأن ما يحدث ليس مجرد خرمشات بسيطة، بل محاولات منهجية لإعاقة المشروع الوطني».
وخلص العبسي، إلى أن نجاح الحكومة «يعتمد الآن على قدرتها على تحويل هذا الزخم الأمني إلى إصلاح مؤسسي جذري في الجهاز الاستخباراتي، وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي لعزل مصادر التمويل والتدريب الخارجية للإرهاب».
