هاجس الأمن يهيمن على دمشق... من جرمانا إلى «السيدة زينب»

خبير أمني يتحدث عن وجود «منظومة إرهابية هجينة» تعمل ضد الدولة السورية

دورية أمنية في منطقة «السيدة زينب» (أرشيفية - وزارة الداخلية)
دورية أمنية في منطقة «السيدة زينب» (أرشيفية - وزارة الداخلية)
TT

هاجس الأمن يهيمن على دمشق... من جرمانا إلى «السيدة زينب»

دورية أمنية في منطقة «السيدة زينب» (أرشيفية - وزارة الداخلية)
دورية أمنية في منطقة «السيدة زينب» (أرشيفية - وزارة الداخلية)

لليوم الثاني على التوالي، بقي الوضع الأمني مهيمناً على الأجواء السورية العامة، حيث أعلنت قوى الأمن الداخلي، ليل الجمعة - السبت، تحييد عنصرين من تنظيم «داعش» الإرهابي، كانا يزرعان عبوة ناسفة في منطقة «السيدة زينب» بريف دمشق، بعد يوم واحد من انفجار عبوة ناسفة داخل حافلة نقل ركاب صغيرة (سرفيس) وسط مدينة جرمانا.

وما حصل في اليومين الماضيين هو سيناريو مشابه لما حدث في الثالث من يوليو (تموز) الماضي، عندما تم استهداف حاجز أمني عند مدخل جرمانا، عقب يوم واحد على تفجير استهدف مقهى قرب القصر العدلي في وسط دمشق، أسفر عن مقتل 10 أشخاص.

وتبع ذلك تفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ألقت السلطات الأمنية السورية بعد يومين، القبض على الخلية المسؤولة عنهما، وأظهرت التحقيقات أنها تتبع تنظيم «داعش».

أفراد من الأمن السوري بالقرب من فندق «فور سيزونز» بعد انفجارين في دمشق يوم 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وفي ظل استمرار هذه التفجيرات بين فترة وأخرى، تواصلت «الشرق الأوسط» مع خبراء عسكريين وأمنيين سوريين ومراقبين متابعين لتطورات الأحداث الأمنية في عموم البلاد، وللجهود التي تقوم بها السلطات المختصة لمكافحة الإرهاب... وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري والأمني عصمت العبسي إن «تنظيم (داعش) لا يزال يمتلك خلايا نائمة وقادرة على تنفيذ هجمات انتحارية أو متفرقة، كما أثبتت عمليات التفكيك في حلب والرقة والسيدة زينب، لكن الاعتماد على (داعش) كفاعل وحيد هو تفسير ناقص؛ لأن الواقع يشير إلى وجود منظومة إرهابية هجينة، هي خلايا داعشية مستقلة تعمل بشكل لا مركزي، وتنظيمات جهادية جديدة أو مغمورة مثل (منبر أنصار الرسول) التي قد تكون واجهة إعلامية لمجموعات مسلحة صغيرة تبحث عن الظهور والتأثير، إضافة إلى فلول النظام المجرم السابق التي تستغل الفراغ الأمني أحياناً لأغراض ابتزازية، أو إثارة نعرات طائفية محلية».

وعن الظهور الحديث لجماعة «منبر أنصار الرسول» (قبل نحو الشهر)، تحدث العبسي لـ«الشرق الأوسط» عن احتمالين: الأول: هو الانتماء الآيديولوجي - التكتيكي، إذ غالباً ما تنشأ هذه التسميات الجديدة إما كأذرع إعلامية لـ«داعش» لتجنب كشف خلاياه الحقيقية، أو كمجموعات انفصلت عنه، لكنها تحتفظ بنفس المرجعية الجهادية العالمية، مشيراً إلى أن اللغة المستخدمة في بيانات المجموعة والأسلوب التشغيلي «يشبهان أسلوب (داعش) الكلاسيكي».

دوار بلدة حجيرة باتجاه «السيدة زينب» (الشرق الأوسط)

أما الاحتمال الثاني، فهو الاستخدام كأداة... فالمجموعة قد تكون مستقلة فعلياً، ولكن يتم توجيهها أو تمويلها لتحقيق أهداف محددة تختلف قليلاً عن الأجندة العالمية لـ«داعش»، ربما تكون مرتبطة بنزاعات داخلية بين الجماعات المسلحة أو أجندات خارجية تريد زعزعة الاستقرار عبر وكلاء محليين.

والرأي الأرجح أمنياً هو، حسب العبسي، «أنها جزء من النسيج الجهادي نفسه، سواء كانت فرعاً رسمياً لـ(داعش) أو مجموعة تتبنى نفس المنهج وتعمل بتناغم معه، ومن ثم يجب التعامل معها كتهديد واحد متكامل، وليس كظاهرة منعزلة».

وفي ظل ربط محللين هذه الأحداث بعامل خارجي، غير بعيد عن إسرائيل أو عن خدمة أجندتها في المشرق العربي عموماً، ذكر العبسي «أن هؤلاء المحللين لديهم نقاط قوة في حجتهم، لا سيما إذا نظرنا إلى أن إسرائيل تسعى لمنع أي استقرار سريع في سوريا يسمح بتشكيل حكومة قوية ومتحدة قادرة على مواجهة الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري»، موضحاً أن إسرائيل «تعمل على زعزعة الأمن الداخلي لإضعاف شرعية الحكومة الانتقالية، وتعطيل جهود إعادة الإعمار، والدعم الدولي. كما أن لدى المخابرات الإسرائيلية خبرة طويلة في دعم وتنظيم جماعات معارضة، وأسلحة دقيقة، ومع ذلك، فإن أسلوب التفجيرات العشوائية نسبياً، قد لا يعكس دائماً الدقة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، بل قد يعكس عمل وكلاء محليين مدرَّبين ومدعومين».

ولم يستبعد العبسي أيضاً دور «أطراف إقليمية أخرى ترفض عودة سوريا إلى مسارها الطبيعي، وتحاول استخدام الإرهاب ورقة ضغط، أو للتدخل غير المباشر».

رجال إطفاء ومسعفون سوريون يتفقدون المركبات المتضررة بموقع الانفجار في ضاحية جرمانا بدمشق سوريا 6 أغسطس الحالي (أ.ب)

ويقول: «حتى لو لم تكن إسرائيل هي منفذة التفجير بيدها مباشرة، فمن المرجح جداً أن الفوضى الناتجة تخدم أجندتها، وقد يكون هناك تنسيق ضمني أو دعم غير مباشر لهذه المجمعات لضمان استمرار حالة عدم اليقين».

أما بالنسبة لأهداف من هذه التفجيرات، فهي وفق العبسي متعددة المستويات، «وتتمثل في إثبات الوجود، وإشاعة الخوف، ومحاولة إثبات أن الدولة الضعيفة أو المنتصرة عسكرياً ليست قادرة على حماية مواطنيها، وزرع الرعب في صفوف المدنيين لكسر الثقة بالحكومة الجديدة».

ومن الأهداف أيضاً «تعطيل العملية السياسية والإصلاحية، فأي هجوم كبير يدفع المجتمع الدولي والمجتمع المحلي لإعادة النظر في أولويات الدعم، ويحوّل التركيز من الإصلاح السياسي والاقتصادي إلى الطوارئ الأمنية فقط، إضافة إلى أن استهداف مناطق معينة (مثل السيدة زينب ذات الحساسية الدينية، أو جرمانا القريبة من دمشق) هو محاولة لإشعال فتيل صراعات فرعية داخل النسيج الاجتماعي السوري المكسور أصلاً».

وفي أحدث إعلاناتها عن حصيلة عمل الأجهزة الأمنية، أعلنت وزارة الداخلية، الجمعة، «أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت خلال شهر يوليو الماضي 1036 شخصاً، وأحالت 285 إلى النيابية العامة»، وذلك بعدما أعلنت في يونيو (حزيران) الماضي عن تفكيك 7 خلايا لتنظيم «داعش»، وتوقيف 235 شخصاً من عناصره، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

من حملة أمنية سابقة في منطقة «السيدة زينب» (أرشيفية - وزارة الداخلية)

ويُنظر محلياً وإقليمياً من قبل مراقبين، إلى «أن الإدارة السورية الجديدة تمكنت من تجاوز الكثير من الفخاخ التي وُضعت في طريقها، وأن الأداء الرسمي أمنياً وسياسياً يبدو ناجحاً رغم التفجيرات المتنقلة».

العبسي وصف الأداء الحالي للحكومة الانتقالية بأنه يتسم بـ«الصمود تحت الضغط، لكنه يواجه تحديات جمة؛ فالجانب الإيجابي هو سرعة الرد العسكري والأمني كما في تحييد العنصرين في السيدة زينب بعد يوم من تفجير جرمانا، والذي يظهر قدرة العمليات الخاصة والجيش الجديد على العمل الميداني الفعال، كذلك فإن الشفافية النسبية في الإعلان عن النتائج تعزز مصداقية المؤسسة الأمنية أمام المواطن، لكن المشكلة ليست في القتال المفتوح، بل في الاستخبارات الوقائية، والتفجيرات المتكررة تشير إلى وجود ثغرات في مراقبة الاتصالات والتنقلات المالية للخلايا النائمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة (الجيش، قوى الأمن الداخلي، المخابرات) يحتاج إلى مزيد من التكامل ليكون فعالاً ضد شبكات مترابطة».

من أحد شوارع منطقة «السيدة زينب» بريف دمشق الجنوبي (الشرق الأوسط)

من وجهة نظر العبسي يمكن وصف أداء السلطات السورية بأنه «مقبول في مرحلة الانتقال الصعبة، لكنه ليس كافياً بعد؛ لأن ما يحدث ليس مجرد خرمشات بسيطة، بل محاولات منهجية لإعاقة المشروع الوطني».

وخلص العبسي، إلى أن نجاح الحكومة «يعتمد الآن على قدرتها على تحويل هذا الزخم الأمني إلى إصلاح مؤسسي جذري في الجهاز الاستخباراتي، وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي لعزل مصادر التمويل والتدريب الخارجية للإرهاب».


مقالات ذات صلة

«جهاز أمن العاصمة» في دمشق... لإحباط أي زعزعة استقرار قبل وقوعها

المشرق العربي وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من الفندق الذي كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

«جهاز أمن العاصمة» في دمشق... لإحباط أي زعزعة استقرار قبل وقوعها

قال مسؤول عسكري سوري رفيع لـ«الشرق الأوسط» إن استحداث «جهاز أمن العاصمة» وتعيين العميد عبد العزيز هلال الأحمد مديراً له يهدف لـ«حماية أمن دمشق بشكل أكبر، ومركز»

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاصفة الغبارية في دير الزور (سانا)

271 حالة اختناق في دير الزور جراء عاصفة غبارية تضرب شرق سوريا

تسببت العاصفة الغبارية التي ضربت، الاثنين، مناطق شرق سوريا، في أكثر من 271 حالة اختناق بمحافظة دير الزور وفق قناة الإخبارية السورية الرسمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عثرت الوحدات الأمنية في منطقة القدموس بمحافظة طرطوس على مخبأ أسلحة وذخائر في إحدى المناطق الجبلية (الأمن الداخلي السوري)

ضبط مخبأ أسلحة وذخائر من النظام البائد في القدموس السورية

أعلن الأمن الداخلي في محافظة طرطوس العثور على مخبأ للأسلحة والذخائر في إحدى المناطق الجبلية، أثناء عمليات البحث والتمشيط في منطقة القدموس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)

ضبط «سي ــ 4» يوقظ مخاوف الاغتيالات في لبنان

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)
TT

ضبط «سي ــ 4» يوقظ مخاوف الاغتيالات في لبنان

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الاجتماع الوزاري الأسبوعي (رئاسة الحكومة)

أعلن الجيش اللبناني ضبط شحنة متفجرات حاول مهربون نقلها من الأراضي السورية، مما أثار مخاوف من الاغتيالات في البلاد. وأوضح الجيش في بيان أن هذه الشحنة هي الثالثة منذ مطلع الشهر الجاري، وبلغت نحو 200 كيلوغرام، وبينها مادة «سي - 4» الشديدة الانفجار. وقال إن الشحنة ضُبطت مرتبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى لبنان، مشيراً إلى أن المهربين فرّوا إلى الداخل السوري.

وضُبطت الشحنة في منطقة الهرمل بالبقاع، وهي متجهة إلى بيروت، علماً بأن مادة «سي - 4» استخدمت في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وعدد من الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان في العقدين الماضيين.

بدوره، أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أنه «لا تساهل ولا تغاضي» عن ملاحقة جميع المتورطين في تهريب شحنات من المتفجرات، مشدداً على أن حكومته لن تتهاون مع أي سلاح خارج إطار الشرعية. وقال سلام إن الحكومة لن تتهاون في متابعة التحقيق والتوسع فيه «بهدف تحديد هوية جميع المتورطين والجهات التي تقف وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا العقاب الذي يستحقونه».


مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
TT

مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)
مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب)

قدّر مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا توجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، رغم الدعوة الفرنسية الصريحة لذلك، مضيفاً أن «تقديم موعدها (المقرر في سبتمبر/أيلول 2027) إذا سمحت الظروف، مسألة محتملة».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» مشترطاً عدم ذكر اسمه، إن «توافقاً فصائلياً واسعاً، وعقبات جوهرية كانت تقف وراء القرار، وقد تم إبلاغ الفرنسيين تحديداً مع أطراف أخرى بكل التفاصيل».

وأضاف: «صحيح أن الرئيس عباس تعهد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإجراء الانتخابات، وهو يدرك ضرورتها بالتأكيد، وأهمية الموقف الفرنسي في دعم السلطة ومسار حل الدولتين؛ لكن لا يمكن إجراء الانتخابات فعلاً الآن، وستجري في موعدها الجديد».

وبحسب المصدر، فقد «أبلغت القيادة الفلسطينية فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، وجهات أخرى بقرار التأجيل وأسبابه قبل إصداره، وكانت تتوقع من الجميع تفهم أسباب ومنطلقات القرار وخصوصية الحالة الفلسطينية».

وأصدر عباس، السبت الماضي، مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، في 11 سبتمبر من العام المقبل 2027، ملغياً بذلك الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر المقبل.

وقدر مراقبون محليون أن عباس لجأ إلى إصدار مرسوم يجمع الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، للبرهنة على الجدية في إتمام الاستحقاق وطمأنة الأطراف الدولية والإقليمية.

باريس غير مقتنعة

يبدو أن تلك المحاولات من رام الله لم تقنع باريس؛ إذ قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين في لوكسمبورغ، إن تأجيل الانتخابات الفلسطينية هو «أسوأ ما يمكن تقديمه للفلسطينيين الذين يحق لهم التعبير عن تطلعهم إلى تقرير المصير، والقيام بذلك عبر انتخابات حرّة وديمقراطية».

وجدّد بارو دعوة السلطات الفرنسية الرئيس عباس إلى التراجع عن قراره، وقال إنه طلب إرسال بعثة من الاتحاد الأوروبي إلى الأراضي الفلسطينية «لتقييم العقبات المادية والسياسية التي تحول دون إجراء هذه الانتخابات».

وكانت فرنسا، أحد أبرز داعمي السلطة الفلسطينية، دعت الأحد، قادتها إلى «التراجع عن قرارهم» تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى سبتمبر 2027، و«تنظيم هذه الانتخابات في أقرب وقت»، وفق بيان لوزارة الخارجية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمسك بيد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لدى وصوله الثلاثاء إلى قصر الإليزيه (د.ب.أ)

وفيما بدا رداً على وزير الخارجية الفرنسي، قال حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني، إن «السلطة ملتزمة بتطبيق القانون الأساسي والجزء المتعلق بإجراء الانتخابات العامة إيماناً بالتعددية وتداول السلطة بالطرق السلمية، وتجديد القيادات وشرعيتها عبر طريق واحد وهو صندوق الاقتراع».

وطالب الشيخ بالضغط على سلطات الاحتلال لخلق مناخ يساعد في إجراء هذه الانتخابات بالقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.

وتابع: «نتعهد بتقديم موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن ومترابط فور توفر الظروف المناسبة التي تضمن نزاهة وشفافية ومصداقية العملية الانتخابية. الانتخابات ليست استعراضاً شكلياً؛ بل مسألة جوهرية تعبر عن إرادة شعب يجب أن تمارس بالحد الأدنى من الكرامة والاستقلالية».

وكان عباس برر قراره بتأجيل الانتخابات، بالاتفاق بين الفصائل الفلسطينية على التأجيل ومن أجل إتاحة الفرصة لإجراء حوار وطني فلسطيني، وحتى تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية المناسبة في الضفة وغزة والقدس.

وبخلاف التأجيل السابق، حظي قرار عباس بموافقة فلسطينية نادرة من مختلف الأطراف بما فيها المعارضة.

وكانت حركة «فتح» أوصت بتأجيل الانتخابات، ثم عدّت «حماس» قرار عباس «خطوة في الطريق الصحيح». كما وافقت «الجبهة الشعبية» و«الجهاد الإسلامي»، وفصائل أخرى في «منظمة التحرير»، على هذا التأجيل. ولأول مرة تؤيد النقابات الفلسطينية تأجيل الانتخابات.

لافتة عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية في شارع قرب مدينة جنين بالضفة الغربية (أرشيفية - إ.ب.أ)

لكن «التيار الإصلاحي» المنشق عن «فتح» الذي يقوده محمد دحلان، هاجم قرار التأجيل، وعدّه «ازدراءً صريحاً للإرادة الشعبية». كما رفضت الجبهة الديمقراطية قرار التأجيل، وقالت إنه «قفزة في الهواء».

وكتب عضو مجلس نقابة المحامين الفلسطينيين، المحامي أنس الكسواني، أن التوافق الفصائلي لا يشكّل سنداً قانونياً لتأجيل الانتخابات، ولا يمنح أي جهة صلاحية تعطيل إرادة المواطنين أو مصادرة حقهم في اختيار ممثليهم، مشدداً على أن «التفاهمات السياسية لا تعلو على القانون، والشعب هو مصدر الشرعية والسلطات».


إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)
الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

واصلت إسرائيل لليوم السابع على التوالي، إغلاق معبر رفح البري المخصص لسفر المرضى والجرحى وعودة العالقين من وإلى غزة عبر الحدود مع مصر، كما فرضت قيوداً جديداً على إجلاء المسافرين بمن فيهم المرضى والجرحى عبر معبر كرم أبو سالم باتجاه الأردن، ومنها إلى دول أخرى عربية وأوروبية.

وتمنع قوات الاحتلال الإسرائيلي خروج المسافرين والمرضى والجرحى ومرافقيهم، دون توضيحات، في وقت تشير فيه معلومات متداولة في القطاع إلى خلافات تتعلق بترتيبات جديدة حول إمكانية نشر شركة أمن خاصة لتأمين عملية نقل المرضى من القطاع إلى بوابة معبر رفح.

ولم تُحدَّد، حتى إعداد هذا التقرير بعد ظهر الاثنين، أي معلومات عن موعد إعادة فتح المعبر، بينما رجحت مصادر في القطاع إمكانية تشغيله خلال يوم الثلاثاء أو بعده بأيام قليلة.

كانت وزارة الصحة بغزة قد قالت منذ أيام إن «القائمة الحالية من المرضى والجرحى والبالغ عددهم 21 ألف مريض، تحتاج إلى 4 سنوات كاملة كمدة مطلوبة لإجلائهم في ظل الآلية المتبعة للسفر، من دون حساب أي حالات مرضية جديدة».

وبيَّنت أنه «مع استمرار اعتماد التحويلات الطبية الجديدة شهرياً، تتطلب عملية السفر 4 سنوات إضافية للتعامل مع الحالات المتراكمة حديثاً»، مبينةً أن «الإجمالي التقريبي المروّع لسفر المرضى يمتد إلى 8 سنوات كاملة، وهو ما يمثل حكماً بالإعدام المباشر والبطيء على آلاف المرضى الذين لا تحتمل أجسادهم الانتظار لأيام أو أسابيع».

يأتي إغلاق معبر رفح البري مع فرض إسرائيل قيوداً جديدة على حركة إجلاء المرضى والجرحى عبر معبر كرم أبو سالم، وهي عملية تنظمها «منظمة الصحة العالمية» مرتين أو ثلاثاً أسبوعياً في الأفضل الأحوال، أو مرة على الأقل، وكانت تشمل جرحى ومرضى وحالات إنسانية من طلاب وغيرهم، ويتم نقلهم من القطاع إلى الأردن ومنها إلى دول مختلفة، وتشمل العشرات وأحياناً يقترب العدد من 100 فأكثر.

ووفقاً لمصدر أمني معنيّ بحركة المعابر في غزة تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «تم تقليص عدد رحلة الإجلاء التي غادرت القطاع يوم الأحد، إلى 10 مرضى ومرافقيهم فقط، فيما تم إرجاع مرضى آخرين وطُلب من حالات إجلاء أخرى عدم التوجه إلى نقطة اللقاء تمهيداً لنقلهم إلى معبر كرم أبو سالم من دون إبداء أي أسباب.

وأوضح المصدر أن بعض الجهات التي تشرف على عملية السفر أوضحت أن هناك قيوداً جديدة ستُفرض على الأعداد التي سيسمح لها بالسفر لأسباب أمنية لم توضحها إسرائيل.

في سياق متصل، تواصلت الهجمات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، وقُتل 6 فلسطينيين منذ وقت متأخر من مساء الأحد حتى ظهر الاثنين، من بينهم 5 قُتلوا بغارتين منفصلتين في مواصي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة.

فلسطينيون يتفقدون مبنى دُمِّر جراء غارة جوية إسرائيلية في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة 11 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وهاجمت طائرة مسيَّرة إسرائيلية، خيمة للنازحين بمواصي خان يونس، مما أدى إلى مقتل 3 فلسطينيين بينهم نشطاء من «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل ناشطان آخران من «حماس» بغارة استهدفتهما في أثناء وجودهما في منطقة مواصي رفح، وذلك فجر الاثنين. كما أُعلن عن مقتل فلسطيني سادس متأثراً بجروحه الحرجة التي أُصيب بها قبل أيام في غارة استهدفته بمدينة غزة. وأُصيب 4 فلسطينيين بإطلاق نار من آليات ومسيَّرات إسرائيلية في مناطق متفرقة قرب الخط الأصفر.

وشاهد سكان من قطاع غزة، إقدام جرافات إسرائيلية على هدم منازل في المنطقة الموسعة حديثاً داخل الخط الأصفر شرق دير البلح وسط القطاع، وذلك تزامناً مع إطلاق نار وقصف مدفعي طال المناطق الغربية من المدينة.

في السياق، أعربت المديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة، عن بالغ قلقها من ارتفاع وتيرة النزوح القسري للمواطنين، وتضرر مئات خيام النازحين، وتصدع كثير من المنازل المستهدفة سابقاً الواقعة في محيط «الخط الأصفر» شرقي قطاع غزة.

وحذرت من أن استمرار هذا العدوان الإسرائيلي زاد من معاناة آلاف النازحين، ودفعهم للبحث عن أماكن إيواء جديدة، كما أنه يضعهم أمام خطر حدوث انهيارات في منازلهم بسبب تصدعها، مناشدةً دول العالم والضامنين لاتفاق وقف النار في القطاع التدخل العاجل، والضغط على الاحتلال لوقف هذه الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات بحق المواطنين.