لم يكن انحسار مياه النيل هذا الصيف مجرد تغير موسمي في مناسيب النهر، بل تحول إلى أزمة مست حياة مئات الآلاف من السودانيين، بعد تعطل محطات لمياه الشرب وتراجع الإمدادات في عدد من المناطق، وسط مخاوف من امتداد تداعياتها إلى الموسم الزراعي والأمن الغذائي.
ورغم تأكيدات الحكومة بأن التراجع مؤقت وأن الموقف المائي لا يزال تحت السيطرة، يرى خبراء أن ما يحدث يعكس تعقيدات جديدة في إدارة الموارد المائية، فرضها تشغيل السدود الإقليمية وغياب التنسيق الكافي بشأن إدارة تدفقات النيل، إلى جانب تحديات داخلية فاقمت هشاشة البنية التحتية للمياه.
تطمينات رسمية
أكدت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري استقرار الموقف المائي في البلاد، مشيرة إلى أن إيرادات النيلين الأبيض والأزرق ظلت أعلى من متوسطاتها حتى منتصف يوليو (تموز) الحالي. وأوضحت، في بيان رسمي، أن الانخفاض الذي شهدته مناسيب النيل بين السابع والعاشر من يوليو (تموز) كان مؤقتاً، وعزته إلى تراجع تصريف المياه من سد النهضة، الأمر الذي انعكس على الوارد إلى خزاني الروصيرص وسنار، وأدى إلى انخفاض محدود في مناسيب المياه عند عدد من المحطات. وأكدت الوزارة أن هذه التغيرات جرى التعامل معها عبر التشغيل الفني للخزانات، معلنة تشكيل لجنة عليا لمتابعة الموقف المائي بصورة مستمرة، ومشددة على أن إدارة الخزانات تتم وفق أسس علمية تكفل استقرار إمدادات مياه الشرب والري ودعم الموسم الزراعي.

لكن على أرض الواقع، انعكس انخفاض المناسيب سريعاً على خدمات مياه الشرب، خصوصاً في ولاية الخرطوم، حيث توقفت المضخات الساحبة في محطتي مياه الصالحة جنوب أم درمان وريف شمال بحري، ما أدى إلى شح الإمدادات في عدد من الأحياء والقرى. وأظهرت صور حديثة التقطها القمر الاصطناعي الأوروبي «سنتينل-2» انحساراً واضحاً في مجرى النيل خلال شهر واحد، مع تقلص المجرى المائي وظهور مساحات واسعة كانت مغمورة بالمياه، وهو ما أدى إلى خروج محطة مياه الصالحة الرئيسية عن الخدمة مؤقتاً.
وقال المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، إن تعطل المحطتين أثر على إمدادات المياه لنحو 600 ألف مواطن، مشيراً إلى أن السلطات تمكنت من إعادة تشغيلهما بعد معالجات عاجلة، فيما تتواصل الأعمال الفنية لتنفيذ حلول دائمة تضمن استقرار الإمداد المائي.
السدود... معادلة أكثر تعقيداً
يرى الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري أحمد المفتي أن التراجع الحالي يرتبط بعمليات ملء سد النهضة وتشغيله، موضحاً أن السد يحجز جزءاً من الإيراد الطبيعي خلال مراحل الملء، بينما قد يؤدي إطلاق كميات كبيرة من المياه لاحقاً إلى مخاطر فيضانية إذا تم من دون تنسيق مع السودان. وأضاف أن السودان كان يدير خزاناته سابقاً وفق التدفقات الطبيعية للنيل، إلا أن التشغيل الأحادي للسد غيّر هذه المعادلة، مؤكداً أن الحل يكمن في اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد، ويضمن تبادل البيانات والإخطار المسبق بين الدول المعنية.

من جانبه، يرى خبير الري والموارد المائية، الصادق شرفي، أن تفسير الأزمة لا يقتصر على سد النهضة وحده، بل يرتبط أيضاً بوقوع السودان بين السد العالي في مصر وسد النهضة في إثيوبيا، الأمر الذي جعل إدارة تدفقات المياه تتم إلى حد كبير خارج حدوده، في ظل محدودية التنسيق وتبادل المعلومات.
وأوضح أن الانخفاض الموسمي في مناسيب النيل أصبح يحدث في توقيت مبكر منذ إنشاء سد النهضة، إلا أن تأثر بعض محطات المياه يعود كذلك إلى قصور في تصميمها وعدم ملاءمتها للتغيرات الجديدة في المناسيب، مؤكداً أن إدارة الموارد المائية في حوض النيل أصبحت أكثر تعقيداً، ما يجعل تبادل البيانات والتنسيق بين دول الحوض ضرورة وليس خياراً.
كما دعا إلى التعامل مع ملف السدود بمنظور أشمل، لا يقتصر على سد النهضة، وإنما يشمل أيضاً آثار السد العالي، مشيراً إلى أن تقليل حجم التخزين فيه يمكن أن يسهم في استعادة أجزاء من الأراضي الزراعية المغمورة في منطقة حلفا، وتقليص مساحات الغرق داخل السودان.
مخاوف على الموسم الزراعي
ولا تقف تداعيات انخفاض المناسيب عند حدود مياه الشرب، إذ يحذر مختصون من انعكاساتها على الموسم الزراعي، خصوصاً مع تراجع الوارد المائي إلى خزاني سنار والروصيرص. وقال رئيس تحرير صحيفة «صوت الفلاح» والمهتم بالشأن الزراعي أيوب ود السليك، لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تقلص المساحات المروية، وحدوث فجوة غذائية، وارتفاع أسعار الحبوب بأكثر من 40 في المائة إذا استمرت المناسيب في الانخفاض، مشيراً إلى أن تحسن الوارد المائي سيحد من هذه المخاطر.
وتتضاعف هذه التحديات في مشروع الجزيرة، الذي يمتد على نحو 2.2 مليون فدان ويعد أكبر مشروع زراعي مروي في السودان، إذ يعاني من تدهور كبير في قنوات الري وضعف انسياب المياه بسبب الأضرار التي خلفتها الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، وهو ما يقلص قدرته على استيعاب أي صدمات جديدة في الإمداد المائي.
ما وراء الأزمة
يرى مراقبون أن أزمة انخفاض مناسيب النيل كشفت عن هشاشة منظومة إدارة الموارد المائية في السودان، حيث تداخلت عوامل إقليمية تتعلق بتشغيل السدود مع تحديات داخلية تشمل ضعف البنية التحتية للمياه وتأثيرات الحرب على منشآت الري والخدمات. وبينما تؤكد الحكومة أن الوضع تحت السيطرة وأن الانخفاض كان مؤقتاً، يحذر الخبراء من أن تكرار مثل هذه الأحداث قد يصبح أكثر شيوعاً ما لم تتطور آليات التنسيق الإقليمي وتبادل البيانات، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية لمحطات المياه وشبكات الري.
وفي بلد يعتمد على النيل بوصفه المصدر الرئيس لمياه الشرب والري وتوليد الكهرباء، لم تعد تقلبات المناسيب مجرد مسألة فنية، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي والاستقرار الاقتصادي. لذلك، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى رؤية شاملة لإدارة الموارد المائية، تجمع بين التخطيط العلمي والتعاون الإقليمي والاستثمار في البنية التحتية، بما يحول دون تحول التغيرات الموسمية إلى أزمات تمس حياة ملايين السودانيين.
