النيل ينحسر... والسودان يواجه اختبار المياه

تراجع المناسيب يعطل محطات مياه الشرب ويثير مخاوف على الموسم الزراعي... تطمينات حكومية وتحذيرات الخبراء

انحسار مياه النيل تسبب في خروج كثير من محطات المياه عن الخدمة (موقع ولاية الخرطوم على «فيسبوك»)
انحسار مياه النيل تسبب في خروج كثير من محطات المياه عن الخدمة (موقع ولاية الخرطوم على «فيسبوك»)
TT

النيل ينحسر... والسودان يواجه اختبار المياه

انحسار مياه النيل تسبب في خروج كثير من محطات المياه عن الخدمة (موقع ولاية الخرطوم على «فيسبوك»)
انحسار مياه النيل تسبب في خروج كثير من محطات المياه عن الخدمة (موقع ولاية الخرطوم على «فيسبوك»)

لم يكن انحسار مياه النيل هذا الصيف مجرد تغير موسمي في مناسيب النهر، بل تحول إلى أزمة مست حياة مئات الآلاف من السودانيين، بعد تعطل محطات لمياه الشرب وتراجع الإمدادات في عدد من المناطق، وسط مخاوف من امتداد تداعياتها إلى الموسم الزراعي والأمن الغذائي.

ورغم تأكيدات الحكومة بأن التراجع مؤقت وأن الموقف المائي لا يزال تحت السيطرة، يرى خبراء أن ما يحدث يعكس تعقيدات جديدة في إدارة الموارد المائية، فرضها تشغيل السدود الإقليمية وغياب التنسيق الكافي بشأن إدارة تدفقات النيل، إلى جانب تحديات داخلية فاقمت هشاشة البنية التحتية للمياه.

تطمينات رسمية

أكدت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري استقرار الموقف المائي في البلاد، مشيرة إلى أن إيرادات النيلين الأبيض والأزرق ظلت أعلى من متوسطاتها حتى منتصف يوليو (تموز) الحالي. وأوضحت، في بيان رسمي، أن الانخفاض الذي شهدته مناسيب النيل بين السابع والعاشر من يوليو (تموز) كان مؤقتاً، وعزته إلى تراجع تصريف المياه من سد النهضة، الأمر الذي انعكس على الوارد إلى خزاني الروصيرص وسنار، وأدى إلى انخفاض محدود في مناسيب المياه عند عدد من المحطات. وأكدت الوزارة أن هذه التغيرات جرى التعامل معها عبر التشغيل الفني للخزانات، معلنة تشكيل لجنة عليا لمتابعة الموقف المائي بصورة مستمرة، ومشددة على أن إدارة الخزانات تتم وفق أسس علمية تكفل استقرار إمدادات مياه الشرب والري ودعم الموسم الزراعي.

انحسار مياه النيل تسبب في خروج كثير من محطات المياه عن الخدمة (موقع ولاية الخرطوم على «فيسبوك»)

لكن على أرض الواقع، انعكس انخفاض المناسيب سريعاً على خدمات مياه الشرب، خصوصاً في ولاية الخرطوم، حيث توقفت المضخات الساحبة في محطتي مياه الصالحة جنوب أم درمان وريف شمال بحري، ما أدى إلى شح الإمدادات في عدد من الأحياء والقرى. وأظهرت صور حديثة التقطها القمر الاصطناعي الأوروبي «سنتينل-2» انحساراً واضحاً في مجرى النيل خلال شهر واحد، مع تقلص المجرى المائي وظهور مساحات واسعة كانت مغمورة بالمياه، وهو ما أدى إلى خروج محطة مياه الصالحة الرئيسية عن الخدمة مؤقتاً.

وقال المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، إن تعطل المحطتين أثر على إمدادات المياه لنحو 600 ألف مواطن، مشيراً إلى أن السلطات تمكنت من إعادة تشغيلهما بعد معالجات عاجلة، فيما تتواصل الأعمال الفنية لتنفيذ حلول دائمة تضمن استقرار الإمداد المائي.

السدود... معادلة أكثر تعقيداً

يرى الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري أحمد المفتي أن التراجع الحالي يرتبط بعمليات ملء سد النهضة وتشغيله، موضحاً أن السد يحجز جزءاً من الإيراد الطبيعي خلال مراحل الملء، بينما قد يؤدي إطلاق كميات كبيرة من المياه لاحقاً إلى مخاطر فيضانية إذا تم من دون تنسيق مع السودان. وأضاف أن السودان كان يدير خزاناته سابقاً وفق التدفقات الطبيعية للنيل، إلا أن التشغيل الأحادي للسد غيّر هذه المعادلة، مؤكداً أن الحل يكمن في اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد، ويضمن تبادل البيانات والإخطار المسبق بين الدول المعنية.

«سد النهضة» يتسبب في انحسار مياه النيل بالسودان (رويترز)

من جانبه، يرى خبير الري والموارد المائية، الصادق شرفي، أن تفسير الأزمة لا يقتصر على سد النهضة وحده، بل يرتبط أيضاً بوقوع السودان بين السد العالي في مصر وسد النهضة في إثيوبيا، الأمر الذي جعل إدارة تدفقات المياه تتم إلى حد كبير خارج حدوده، في ظل محدودية التنسيق وتبادل المعلومات.

وأوضح أن الانخفاض الموسمي في مناسيب النيل أصبح يحدث في توقيت مبكر منذ إنشاء سد النهضة، إلا أن تأثر بعض محطات المياه يعود كذلك إلى قصور في تصميمها وعدم ملاءمتها للتغيرات الجديدة في المناسيب، مؤكداً أن إدارة الموارد المائية في حوض النيل أصبحت أكثر تعقيداً، ما يجعل تبادل البيانات والتنسيق بين دول الحوض ضرورة وليس خياراً.

كما دعا إلى التعامل مع ملف السدود بمنظور أشمل، لا يقتصر على سد النهضة، وإنما يشمل أيضاً آثار السد العالي، مشيراً إلى أن تقليل حجم التخزين فيه يمكن أن يسهم في استعادة أجزاء من الأراضي الزراعية المغمورة في منطقة حلفا، وتقليص مساحات الغرق داخل السودان.

مخاوف على الموسم الزراعي

ولا تقف تداعيات انخفاض المناسيب عند حدود مياه الشرب، إذ يحذر مختصون من انعكاساتها على الموسم الزراعي، خصوصاً مع تراجع الوارد المائي إلى خزاني سنار والروصيرص. وقال رئيس تحرير صحيفة «صوت الفلاح» والمهتم بالشأن الزراعي أيوب ود السليك، لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تقلص المساحات المروية، وحدوث فجوة غذائية، وارتفاع أسعار الحبوب بأكثر من 40 في المائة إذا استمرت المناسيب في الانخفاض، مشيراً إلى أن تحسن الوارد المائي سيحد من هذه المخاطر.

وتتضاعف هذه التحديات في مشروع الجزيرة، الذي يمتد على نحو 2.2 مليون فدان ويعد أكبر مشروع زراعي مروي في السودان، إذ يعاني من تدهور كبير في قنوات الري وضعف انسياب المياه بسبب الأضرار التي خلفتها الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، وهو ما يقلص قدرته على استيعاب أي صدمات جديدة في الإمداد المائي.

ما وراء الأزمة

يرى مراقبون أن أزمة انخفاض مناسيب النيل كشفت عن هشاشة منظومة إدارة الموارد المائية في السودان، حيث تداخلت عوامل إقليمية تتعلق بتشغيل السدود مع تحديات داخلية تشمل ضعف البنية التحتية للمياه وتأثيرات الحرب على منشآت الري والخدمات. وبينما تؤكد الحكومة أن الوضع تحت السيطرة وأن الانخفاض كان مؤقتاً، يحذر الخبراء من أن تكرار مثل هذه الأحداث قد يصبح أكثر شيوعاً ما لم تتطور آليات التنسيق الإقليمي وتبادل البيانات، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية لمحطات المياه وشبكات الري.

وفي بلد يعتمد على النيل بوصفه المصدر الرئيس لمياه الشرب والري وتوليد الكهرباء، لم تعد تقلبات المناسيب مجرد مسألة فنية، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي والاستقرار الاقتصادي. لذلك، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى رؤية شاملة لإدارة الموارد المائية، تجمع بين التخطيط العلمي والتعاون الإقليمي والاستثمار في البنية التحتية، بما يحول دون تحول التغيرات الموسمية إلى أزمات تمس حياة ملايين السودانيين.


مقالات ذات صلة

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

شمال افريقيا اجتماع وزيري الري المصري والسوداني في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الري المصرية على «فيسبوك»)

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

أكد وزير الري المصري، هاني سويلم، خلال لقاء نظيره السوداني عصمت قرشي عبد الله في القاهرة، الأربعاء، «حقوق بلديهما التاريخية في مياه النيل».

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم العربي الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

عشرات القتلى في انهيار منجم ذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

60 قتيلاً على الأقل في انهيار منجم ذهب بالسودان

قضى مَن لا يقلون عن 60 عاملاً في انهيار منجم ذهب بولاية غرب كردفان في السودان...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)

منظمة الهجرة تحذّر من انهيار نظامها للمساعدات في السودان «خلال أسابيع»

حذّرت المنظمة الدولية للهجرة الاثنين من خطر انهيار النظام الذي يمكّنها مع أكثر من مائة منظمة غير حكومية من إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، «خلال أسابيع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، خلال اجتماع وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السلطة الفلسطينية تصف عدم منح عباس تأشيرة لحضور اجتماعات الأمم المتحدة بـ«غير المبرر»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
TT

السلطة الفلسطينية تصف عدم منح عباس تأشيرة لحضور اجتماعات الأمم المتحدة بـ«غير المبرر»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

رفضت السلطة الفلسطينية، الخميس، قرار وزارة الخارجية الأميركية عدم منح تأشيرة للرئيس محمود عباس لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل للعام الثاني على التوالي، ووصفته بأنه «إجراء غير مبرَّر».

وأعربت وزارة الخارجية الفلسطينية، في بيان، «عن رفض دولة فلسطين للقرار... وترى فيه إجراءً غير مبرَّر يتعارض مع الجهود المبذولة لاستعادة الثقة، وتطوير العلاقات الفلسطينية - الأميركية، وتهيئة المناخ السياسي اللازم لتنفيذ حل الدولتين وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة».

رفضت الولايات المتحدة، للعام الثاني على التوالي، منح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل، وفق ما أفاد به مصدر مطلع، الأربعاء.

في السياق، أفاد بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية بأن «الولايات المتحدة ستمدد العقوبات التي تحظر منح تأشيرات دخول لأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية ومسؤولي السلطة الفلسطينية، بسبب عجزهم عن إنجاز الإصلاحات، خلافاً للالتزامات التي قطعوها للولايات المتحدة، واستمرار نشاطاتهم المقوّضة لآفاق السلام».


أحكام بالإعدام والسجن لمدانين بالتورط في أحداث الساحل السوري العام الماضي

جانب من جلسة محكمة الجنايات العسكرية (سانا)
جانب من جلسة محكمة الجنايات العسكرية (سانا)
TT

أحكام بالإعدام والسجن لمدانين بالتورط في أحداث الساحل السوري العام الماضي

جانب من جلسة محكمة الجنايات العسكرية (سانا)
جانب من جلسة محكمة الجنايات العسكرية (سانا)

حكم القضاء السوري، الخميس، بالسجن 20 عاماً بحقّ عنصر من وزارة الدفاع لتورطه في أعمال العنف التي وقعت في منطقة الساحل العام الماضي، وأوقعت مئات القتلى، بينما أصدر حكماً بالإعدام وآخر بالمؤبد بحق متهمَين اثنين من الموالين للحكم السابق.

وأعلن رئيس محكمة الجنايات العسكرية زكريا بكار، في قاعة المحكمة، الحكم بالإعدام على أحد المتهمين لإدانته بجنايات «الاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والاشتراك في عصابة مسلحة بقصد مواجهة القوى العامة أدت إلى مقتل أكثر من شخصين».

وجرّم متهماً آخر «بجناية الاشتراك في عصابة مسلحة كلفت بقصد ارتكاب جنايات القتل والسلب والنهب»، ومعاقبته «بالسجن المؤبد»، بينما أعلن تجريم عنصر في وزارة الدفاع «بجناية القتل القصد... ومعاقبته عنها بالسجن مدة 20 عاماً مع احتساب مدة التوقيف الاحتياطي».


بيروت تخشى «ارتدادات زلزالية» لتفجيرات إسرائيل

شهد اليوم الثاني من جلسة مناقشة الحكومة سجالات بين نواب «حزب الله» ومعارضيه (الوكالة الوطنية للإعلام)
شهد اليوم الثاني من جلسة مناقشة الحكومة سجالات بين نواب «حزب الله» ومعارضيه (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بيروت تخشى «ارتدادات زلزالية» لتفجيرات إسرائيل

شهد اليوم الثاني من جلسة مناقشة الحكومة سجالات بين نواب «حزب الله» ومعارضيه (الوكالة الوطنية للإعلام)
شهد اليوم الثاني من جلسة مناقشة الحكومة سجالات بين نواب «حزب الله» ومعارضيه (الوكالة الوطنية للإعلام)

حذّرت بيروت من التداعيات الجيولوجية المحتملة للتفجيرات الإسرائيلية الضخمة في جنوب لبنان، والتي قد تتجاوز أضرارها المباشرة إلى مخاطر تمسّ السلامة العامة.

وقالت وزيرة البيئة تمارا الزين إن تفجير تلة «علي الطاهر» بنحو 1100 طن من المتفجرات ولّد، وفق بيانات المركز الوطني للجيوفيزياء، موجات أرضية مشابهة لهزة بقوة 4.2 درجة على مقياس ريختر. ولفتت إلى أن الموقع يبعد نحو كيلومتر واحد عن فالق روم ونحو سبعة كيلومترات عن فالق اليمونة، ما يثير مخاوف من ارتدادات إضافية بالنظر إلى حجم التفجير وموقعه.

في موازاة ذلك، تستضيف باريس، اليوم الخميس، اجتماعاً في إطار «مسار العقبة» مخصصاً للبنان، بمشاركة الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، إلى جانب قادة وخبراء عسكريين.

من جهة أخرى، جدّد البرلمان اللبناني ثقته بحكومة الرئيس نواف سلام، للمرة الثالثة، وذلك بأغلبية 68 نائباً بمن فيهم كتلة رئيس البرلمان نبيه بري وامتناع نائبين عن التصويت، فيما حجبت كتلة «التيار الوطني الحر» الثقة عنها، أما كتلة «حزب الله» فتفادت التصويت بانسحاب نوابها من الجلسة قبيل بدء التصويت.