إسرائيل تبدّل قواعد المواجهة في جنوب لبنان باتجاه «حرب منخفضة الوتيرة»

خبير عسكري: البوابات الحدودية تعكس نية بقاء طويل

دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تبدّل قواعد المواجهة في جنوب لبنان باتجاه «حرب منخفضة الوتيرة»

دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

تتجه إسرائيل إلى تكريس نمط جديد لإدارة المواجهة في جنوب لبنان، يقوم على عمليات عسكرية منخفضة الوتيرة، مع الحفاظ على حرية الحركة والوجود العسكري في المناطق الحدودية، من دون حرب شاملة أو احتلال واسع، بالتزامن مع تعثر تنفيذ «اتفاق الإطار» واستمرار فرض وقائع ميدانية جديدة، ما يعكس انتقالاً إلى استراتيجية «الحرب منخفضة التكلفة» التي تتيح إدارة الصراع لفترات طويلة بأكلاف عسكرية وسياسية أقل.

وبالتوازي مع المسار السياسي، صعّد الجيش الإسرائيلي ميدانياً، فنفذ عمليات تفجير استهدفت منازل في حداثا وبيت ياحون والطيري، سُمعت أصداؤها في بلدات بنت جبيل، فيما سُجلت رشقات نارية كثيفة من الخيام. كما أنشأ بوابات عبور بين «المنطقة الصفراء» والمنطقة الحدودية وجنوب الليطاني، وواصل تجريف الطرق من حامول إلى الناقورة وصولاً إلى عيتا الشعب، وقطع أشجار معمرة على جانبي الطريق.

من حرب الاستنزاف إلى الحرب منخفضة الوتيرة

في السياق، قال العميد المتقاعد فادي داود لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يجري في جنوب لبنان لا يمكن توصيفه بأنه حرب شاملة، بل يندرج ضمن ما يعرف عسكرياً بـ(الحرب منخفضة الوتيرة)، وهي نمط من المواجهات يسمح للطرف الأقوى بمواصلة عملياته العسكرية لفترات طويلة بتكلفة محدودة، مع الحفاظ على الضغط المستمر على الخصم من دون الانزلاق إلى حرب واسعة».

وأوضح داود أن «التوصيف العسكري الأدق لما يجري اليوم هو حرب منخفضة الوتيرة، وليس مجرد خفض للتكلفة العسكرية»، مشيراً إلى أن هذا النوع من الحروب «يختلف عن الحروب التقليدية أو الحروب الشاملة، لأنه يقوم على عمليات عسكرية متقطعة ومستمرة يمكن أن تمتد لفترات طويلة بتكلفة زهيدة نسبياً بالنسبة إلى الطرف الذي يمتلك التفوق العسكري».

جندي إسرائيلي يعمل على دبابة قرب الحدود مع لبنان (أ.ب)

إسرائيل تقلب معادلة الاستنزاف

ويرى داود أن إسرائيل نجحت في قلب معادلة الاستنزاف التي حكمت المواجهات السابقة مع «حزب الله»، موضحاً أن «الحزب كان يراهن دائماً على إطالة أمد الحرب لرفع التكلفة على إسرائيل، لكن إسرائيل عكست هذه المعادلة، وأصبحت هي من تدير حرباً منخفضة الوتيرة بتكلفة تستطيع تحملها، مستفيدة من تفوقها الجوي وحرية عمل طيرانها داخل الأراضي اللبنانية».

ويشير إلى أن «هذا التحول لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يعكس توجهاً استراتيجياً لإدارة الصراع على المدى الطويل، بحيث تبقى إسرائيل صاحبة المبادرة الميدانية، فيما تفرض على خصومها معادلة ردع جديدة تجعل أي محاولة للرد أكثر تكلفة عليهم من تأثيرها عليها».

البوابات العسكرية... مؤشر إلى بقاء طويل

ولفت داود إلى أن أحد أبرز المؤشرات الميدانية على هذا التحول يتمثل في إنشاء إسرائيل ما وصفه بـ«البوابات العسكرية» على امتداد القطاع الحدودي، معتبراً أنها «لا تحمل بعداً أمنياً مؤقتاً فحسب، بل تعكس رؤية عملياتية طويلة الأمد».

ورأى أن «إقامة بوابات من هذا النوع تعني عملياً وجوداً احتلالياً، لأنها تتحكم بحركة الدخول والخروج، وتفرض رقابة على المدنيين، وتقيّد حرية التنقل، ولا تُنشأ عادة إذا كان الوجود العسكري سيقتصر على أيام أو أسابيع».

وتابع: «حين تنشئ قوة عسكرية بوابات ثابتة، فهذا يعني أنها تستعد لوجود طويل نسبياً، لأن أحداً لا يقيم بنية ميدانية من هذا النوع إذا كان ينوي الانسحاب بعد عشرة أيام أو شهر».

قاعدة تابعة لقوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

خيارات أكثر تعقيداً أمام «حزب الله»

وفي المقابل، رأى داود أن خيارات «حزب الله» في مواجهة هذا الواقع أصبحت أكثر تعقيداً، موضحاً أن إطلاق الصواريخ أو المسيّرات لم يعد يحقق المعادلات السابقة، لأن «أي هجوم من هذا النوع يستجلب رداً إسرائيلياً أشد قسوة من حجم العملية نفسها».

وأضاف أن البديل المحتمل يتمثل في العمليات المحدودة التي تنفذها مجموعات صغيرة، قائلاً: «قد نشهد عمليات نوعية تنفذها مجموعات صغيرة مؤلفة من شخصين أو ثلاثة أو خمسة عناصر، عبر كمائن أو استهداف دوريات أو ضباط، وهو النموذج الذي كان سائداً في جنوب لبنان قبل عام 2000، إلا أن الجيش الإسرائيلي بات أكثر احتياطاً واستعداداً لمواجهة هذا النوع من العمليات».

آليات عسكرية إسرائيلية تمر بمحاذاة منازل مدمرة في إحدى القرى الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

الاشتباكات ستبقى محصورة داخل المناطق المحتلة

وفي قراءة موازية، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ«الشرق الأوسط» أن «استمرار انخفاض وتيرة العمليات لا يعني بالضرورة انتهاء احتمالات المواجهة، لكنه يعكس حتى الآن استمرار الالتزام النسبي بوقف إطلاق النار، رغم الاعتراضات السياسية على (اتفاق الإطار)».

واعتبر ملاعب أن موقف «حزب الله» الرافض لـ«اتفاق الإطار» في الأيام الأولى «لم يترجم عملياً بعودة إلى خرق وقف إطلاق النار، باستثناء الحادثة الفردية التي وقعت في دير سريان، عندما أطلق أحد الأشخاص النار من على دورية إسرائيلية، ما أدى إلى مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود. وأضاف أنه، منذ ذلك الحين، لم تُسجل عمليات للحزب، ما يدل، بحسب تقديره، على استمرار التزامه بوقف إطلاق النار».

وقال: «لا أتوقع عودة إطلاق النار إذا نجحت الرعاية الأميركية في فرض تنفيذ التفاهمات على الأرض، لكن استمرار التوغلات والعمليات الإسرائيلية قد يؤدي إلى اشتباكات موضعية أو إلى إعادة تنشيط العمل العسكري، على أن يبقى ذلك محصوراً داخل المناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، من دون أن يتوسع إلى مواجهة شاملة».

ويخلص هذا المشهد، وفق القراءة العسكرية، إلى أن الجنوب اللبناني يشهد تحولاً في شكل إدارة الصراع أكثر مما يشهد تحولاً في أهدافه. فإسرائيل تبدو ماضية في تكريس معادلة تقوم على حرية الحركة العسكرية والإبقاء على الضغط الميداني بتكلفة منخفضة، فيما يبقى مستقبل هذه المعادلة مرتبطاً بمدى نجاح المسار السياسي في فرض انسحاب إسرائيلي فعلي، أو بتحول الاشتباكات الموضعية مجدداً إلى مواجهة أوسع داخل المناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر عليها.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السوري في بيروت لتبديد مخاوف لبنان من تدخل عسكري

المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى السراي الحكومي في بيروت (أ.ب)

وزير الخارجية السوري في بيروت لتبديد مخاوف لبنان من تدخل عسكري

بدّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الخميس، مخاوف لبنان من تدخل عسكري سوري في البلاد، وطمأن إلى أنه «لا نية لسوريا في القيام بأي خطوة عسكرية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من بلدة الخيام بجنوب لبنان كما يُرى من الجانب الإسرائيلي من الحدود في الجليل الأعلى شمال إسرائيل 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يفجّر عدداً من المنازل في جنوب لبنان

نفّذت القوات الإسرائيلية، بعد ظهر الخميس، عملية تفجير استهدفت عدداً من المنازل في بلدة حداثا بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يعرضان اتفاقية إنشاء «اللجنة العليا» بعد توقيعها (إ.ب.أ)

«لجنة عليا» بين لبنان وسوريا تؤسس لمرحلة «التكافؤ والنديّة»

دشّن لبنان وسوريا مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية، عنوانها إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة عن تلك التي حكمتها منذ تسعينات القرن الماضي.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رئاسة مجلس النواب)

بري يدعو إلى تسوية ولا يتحدث عن جبهة لإسقاط «اتفاق الإطار»

إصرار «الثنائي الشيعي» على موقفه لا يعني أن لدى الرئيس بري توجهاً لتشكيل جبهة سياسية مناوئة لـ«اتفاق الإطار» وتدعو إلى إسقاطه على غرار إسقاط اتفاق 17 مايو.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني مستقبلاً الشيباني (رئاسة الجمهورية على إكس) p-circle

الشيباني من بيروت: منفتحون على لقاء «حزب الله» إذا اقتضت المصلحة

فتح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الباب أمام احتمال عقد لقاء مع «حزب الله» مستقبلاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تركيا تُطالب الأمم المتحدة بوقف عدوان إسرائيل على جنوب سوريا

تحركات للجيش الإسرائيلي في الخط الفاصل في الجولان (رويترز)
تحركات للجيش الإسرائيلي في الخط الفاصل في الجولان (رويترز)
TT

تركيا تُطالب الأمم المتحدة بوقف عدوان إسرائيل على جنوب سوريا

تحركات للجيش الإسرائيلي في الخط الفاصل في الجولان (رويترز)
تحركات للجيش الإسرائيلي في الخط الفاصل في الجولان (رويترز)

طالبت تركيا قوة الإشراف على وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذ اتفاقية فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة (أوندوف) باتخاذ التدابير اللازمة في مواجهة الهجمات الإسرائيلية في سوريا.

وقال مصدر عسكري تركي مسؤول إن الهجمات الإسرائيلية في سوريا، وآخرها الهجمات في درعا والقنيطرة جنوب البلاد، تُشكل انتهاكاً للقانون الدولي، وتلحق الضرر بوحدة أراضي سوريا واستقرارها وأمنها.

وأضاف المصدر، خلال إفادة صحافية أسبوعية لوزارة الدفاع التركية الخميس: «نؤكد ضرورة أن توقف إسرائيل فوراً هجماتها الرامية إلى تصعيد التوتر القائم في المنطقة، كما ندعو بعثة الأمم المتحدة إلى مراقبة فض الاشتباك على الحدود الإسرائيلية السورية (أوندوف)، التي مُدّدت ولايتها 6 أشهر بداية من 29 يونيو (حزيران) الماضي، إلى الاضطلاع بواجباتها واتخاذ التدابير اللازمة في مواجهة هذه الهجمات الإسرائيلية التي تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي».

إسرائيل تواصل الاعتداءات

وأفادت وسائل إعلام سورية رسمية، الخميس، بتعرض مناطق زراعية وحدودية عدة في ريفي درعا والقنيطرة جنوب البلاد لقصف مدفعي من قِبَل الجيش الإسرائيلي، تزامناً مع تحليق مكثف لطيران الاستطلاع في أجواء المنطقة.

عناصر من الجيش الإسرائيلي خلال تحركات داخل درعا (أرشيفية - سانا)

وذكرت أن القصف المدفعي تركَّز فجر الخميس على محاور عدة، واستهدفت المدفعية الإسرائيلية محيط قرية عابدين في منطقة حوض اليرموك بريف درعا، كما طال القصف السهول الزراعية المحيطة بقرية جملة، وسط تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية فوق المنطقة المستهدفة.

أما في ريف القنيطرة، فقد سقطت قذائف مدفعية إسرائيلية عدة في الأراضي الزراعية الواقعة بين بلدتي بريقة وكودنا.

ولم تتوفر معلومات رسمية عن حجم الخسائر المادية، أو ما إذا كانت أسفرت عن وقوع خسائر في الأرواح أو إصابات.

وتشهد محافظتا درعا والقنيطرة منذ إطاحة حكم بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 توغلات وتحركات إسرائيلية، تجاوزت المنطقة العازلة منزوعة السلاح في الجولان، وتصاعدت وتيرتها في الأسابيع الأخيرة.

وتتقدّم القوات الإسرائيلية بين الحين والآخر إلى مناطق في عمق الجنوب السوري؛ حيث تؤكد عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح.

جنود إسرائيليون قرب خط الحدود في الجولان (رويترز)

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أن قواته أقدمت، يوم السبت، على «تصفية عدد من الإرهابيين المسلحين في المنطقة الأمنية» في جنوب سوريا، من دون أن تذكر الموقع أو تُحدد عددهم، ولم ترد أي ملابسات عن هذا الحادث في وسائل الإعلام السورية الرسميّة.

وشهدت قرية عابدين توتراً، الأحد، إثر توغل قوات إسرائيلية إليها، ما دفع سكاناً لمحاولة قطع الطريق أمام إحدى الدوريات بالحجارة، وردّت إسرائيل بقصف مدفعي، دفع أهالي القرية للنزوح ليلاً إلى القرى المجاورة، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي السوري.

وتقع القرية، التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية للمرة الأولى، في منطقة حوض اليرموك غرب محافظة درعا في الجنوب، قرب مرتفعات الجولان التي احتلت إسرائيل أجزاء منها في حرب 1967، ثم ضمتها عام 1981، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، باستثناء الولايات المتحدة.

ونددت وزارة الخارجية التركية، بشدة، بالتوغلات والهجمات الإسرائيلية في جنوب سوريا، غداة توترات قرب هضبة الجولان دفعت سكاناً إلى الفرار مؤقتاً.

وقالت الوزارة، في بيان الاثنين: «ندين بشدة الهجمات الإسرائيلية على القنيطرة ودرعا، التي تنتهك سلامة أراضي سوريا ووحدتها وسيادتها... إن هذه الهجمات التي تمسّ أرواح وممتلكات الشعب السوري، وتجعل حياة المدنيين في المنطقة أكثر صعوبة، تُشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي».

وأضافت: «نجدد دعوتنا للمجتمع الدولي إلى الوفاء بالتزاماته، ووضع حد لهذه الهجمات».

عقبة أمام السلام

وفي إشارة إلى التطورات الأخيرة، أكد المتحدث الإعلامي باسم وزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك، الخميس، أن إسرائيل تُشكل العقبة الأكبر أمام إرساء سلام واستقرار دائمين في منطقة الشرق الأوسط.

المتحدث الإعلامي باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك خلال إفادة صحافية في أنقرة في 2 يوليو (الدفاع التركية - «إكس»)

ولفت أكتورك إلى أن إسرائيل تواصل هجماتها في المنطقة رغم الاتفاق المبرم مع لبنان، كما تواصل شنّ هجمات في القنيطرة ودرعا، متجاهلةً سيادة سوريا وأرواح وممتلكات شعبها.

وتطرق إلى قرار الحكومة الإسرائيلية، الأحد الماضي، الاعتراف بما يُسمى «إبادة الأرمن» على يد الدولة العثمانية في شرق الأناضول عام 1915، إبان الحرب العالمية الأولى، عاداً أنه ليس إلا محاولة من الحكومة الإسرائيلية، التي تُحاكم بتهمة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، وقادتها، الذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، للتستر على جرائمهم.

وأضاف: «في هذا السياق، نؤكد ضرورة أن يتخذ المجتمع الدولي موقفاً أكثر حزماً وخطوات ملموسة لوقف سياسات إسرائيل التوسعية والمزعزعة للاستقرار والاستفزازية في المنطقة، كما نؤكد مجدداً أهمية أن تُبدي الأطراف المعنية موقفاً حكيماً ومسؤولاً في المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران لتحقيق سلام واستقرار دائمين في المنطقة».


وزير الخارجية السوري في بيروت لتبديد مخاوف لبنان من تدخل عسكري

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى السراي الحكومي في بيروت (أ.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى السراي الحكومي في بيروت (أ.ب)
TT

وزير الخارجية السوري في بيروت لتبديد مخاوف لبنان من تدخل عسكري

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى السراي الحكومي في بيروت (أ.ب)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى السراي الحكومي في بيروت (أ.ب)

بدّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الخميس، مخاوف لبنان من تدخل عسكري سوري في البلاد، وطمأن إلى أنه «لا نية لسوريا في القيام بأي خطوة عسكرية»، وذلك أثناء زيارته إلى بيروت التي لم تقتصر لقاءاتها على الرسميين، وبينهم رئيس البرلمان نبيه بري للمرة الأولى، بل شملت مروحة واسعة من القوى السياسية. وأعرب خلالها عن انفتاح دمشق على لقاء «حزب الله»، «إذا اقتضت المصلحة ذلك».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يرحب بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في القصر الرئاسي في بعبدا (أ.ف.ب)

وحملت هذه اللقاءات الواسعة في بيروت رسائل انفتاح سوري على القوى السياسية اللبنانية، وهي تجري للمرة الأولى بين مسؤول سوري بارز، وممثلي أحزاب لبنانية، ما يحيل الزيارة إلى تكريس رغبة دمشق بفتح صفحة جديدة مع جميع اللبنانيين بمختلف أطيافهم.

وكان لافتاً الزيارة الأولى من نوعها لمسؤول سوري إلى رئيس البرلمان نبيه بري، أحد أبرز حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني، والتأكيد بعد الزيارة أن اللقاء كان ممتازاً، فضلاً عن قوله إنه منفتح على عقد لقاء مع «حزب الله» مستقبلاً، مؤكداً أن ذلك «ممكن إذا اقتضت المصلحة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لا يوجد أي لقاء مقرر مع الحزب خلال زيارته الحالية للعاصمة اللبنانية بيروت.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (أ.ف.ب)

لغط التدخل العسكري

ووصل الشيباني صباح الخميس إلى لبنان، في زيارة هي الثانية له إلى هذا البلد المجاور، التقى خلالها مسؤولين لبنانيين، واستهلها بلقاء الرئيس اللبناني جوزيف عون، حيث حرص الوفد السوري على «توضيح اللغط الذي ساد بالنسبة إلى الحديث عن تدخل عسكري سوري في لبنان»، فلفت إلى «أن لا نية لسوريا في القيام بمثل هذه الخطوة»، معرباً عن الحرص «على التعامل مع لبنان من دولة إلى أخرى، وأن دمشق تقف إلى جانب الدولة اللبنانية في قراراتها وخياراتها، وتطوير العلاقات الثنائية والاقتصادية والمساهمة في أمن واستقرار لبنان كونه يعود بالنفع على سوريا أيضاً».

وأشار الشيباني إلى «أن هذه الزيارة تهدف إلى تعزيز العلاقة بين البلدين وتطويرها بشكل مستمر»، مشيداً بالتنسيق القائم بينهما. وأوضح وزير الخارجية السوري «أن السلطة السورية الحالية تعمل على طي صفحة التدخلات المتبادلة بين البلدين التي كانت سائدة في السابق، وأنها تسعى إلى تعزيز التعاون على الصعد كافة، والتعاطي مع كل الفرقاء في لبنان».

ودعا الوزير الشيباني إلى «استمرار التنسيق وتعزيزه بين لبنان وسوريا، والتركيز على رؤية مشتركة للحل في المنطقة وفي البلدين»، لافتاً إلى «مساعٍ لإقامة شراكة اقتصادية لبنانية - سورية مع دول الخليج المنفتحة على هذا الموضوع، وإلى أهمية التنسيق في هذا المجال من خلال اللجنة التي تم إنشاؤها بين البلدين، والعمل على هذا الموضوع، وفتح الآفاق في مجالات الاقتصاد والطاقة وغيرها».

ووجّه الوزير الشيباني دعوة رسمية إلى الرئيس عون لزيارة دمشق، وعقد قمة مع الرئيس الشرع.

عون

وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن عون «أكّد تمسك لبنان بإقامة علاقات أخوية مع سوريا قائمة على التعاون والتنسيق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، وتطويرها وتعزيزها على الصعد كافة، خصوصاً بعد فترة سابقة شهدت تدخلات متبادلة في الشؤون الداخلية للبلدين، ما خلق أجواء من التوتر والحذر الذي يجب وضع حد له من خلال إقامة علاقات من دولة إلى أخرى، واحترام خصوصية البلدين، والحفاظ على حسن علاقات حسن الجوار، لأن ما يصيب سوريا إيجاباً أو سلباً يطول لبنان أيضاً، والعكس صحيح».

وأعرب الرئيس اللبناني عن ارتياحه للتنسيق الأمني بين البلدين، «وخصوصاً لجهة ضبط الحدود ومنع التهريب بكافة أنواعه (سلاح، مخدرات، أشخاص...) بالاتجاهين، لما فيه مصلحة كل من لبنان وسوريا»، ورحّب بتشكيل اللجنة العليا بين البلدين للحفاظ على مصالحهما معاً.

وقال الرئيس عون: «إن لبنان يتابع الأحداث التي تشهدها سوريا، وخصوصاً في الجنوب»، وشدد على أنه يدعو دائماً خلال لقاءاته واتصالاته الإقليمية والدولية إلى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وسوريا، لتنعم المنطقة بالاستقرار والامن، مبدياً حرصه على استقرار سوريا تماماً كما حرص سوريا على استقرار لبنان.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

تعاون اقتصادي

والتقى الشيباني كذلك رئيس مجلس الوزراء نواف سلام. وأعلن الطرفان في مؤتمر صحافي مشترك عن تشكيل لجنة عليا مشتركة ستكون «منصة لجميع الوزارات المعنية لتطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية حتى التفاهمات الأمنية وتوسيع نطاق التعاون بين البلدين»، وفق ما قال الشيباني. وتطرّق الطرفان أيضاً، بحسب رئيس الوزراء اللبناني، إلى «مسألة الربط الكهربائي بين لبنان وسوريا وموضوع النقل وتبادل البضائع وتسهيل حركة المرور» بين حدود البلدين الممتدّة على أكثر من 300 كيلومتر، وهي قضايا أشار سلام إلى أنه ناقشها مع الشرع خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق في مايو (أيار) الماضي.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يصافح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بعد توقيع اتفاقية «اللجنة العليا» (إ.ب.أ)

دار الفتوى

وزار الشيباني مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان. وأفاد «دار الفتوى» بأن اللقاء بحث في الشؤون الإسلامية والوطنية وتعزيز العلاقات بين البلدين، وتأكيد أهمية التشاور والتواصل والتعاون والتنسيق بين الدولتين اللبنانية والسورية.

هدية تذكارية من رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

وأثنى المفتي دريان على «الجهود والمساعي التي يقوم بها الرئيس السوري أحمد الشرع وحرصه على سيادة لبنان ووحدته وعروبته وبسط سلطته على الأراضي اللبنانية كافة». وعوّل دريان أهمية كبرى على زيارة وزير خارجية الجمهورية العربية السورية إلى لبنان في الظروف الصعبة التي يشهدها، وقال: «سيبقى لبنان متضامناً ومتعاوناً مع سوريا ومع كل الدول العربية الشقيقة بعيداً من المحاور والنزاعات التي تهدد أمن لبنان والمنطقة العربية».

كما زار الشيباني البطريرك الماروني بشارة الراعي.

البطريرك الماروني بشارة الراعي يستقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (البطريركية المارونية)

جنبلاط

الرئيس السابق للحزب «التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط يستقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

واستقبل الرئيس السابق لـ«الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، الشيباني، وقال جنبلاط عقب الاجتماع: «بين علاقة متوازنة وموضوعية مع سوريا، واتفاقٍ قد يؤدي إلى أسوأ من اتفاق 17 أيار، أفضّل العلاقة المتوازنة مع سوريا». وأضاف: «العلاقة الجيدة بين لبنان وسوريا قدر تاريخي».


الجيش الإسرائيلي يفجّر عدداً من المنازل في جنوب لبنان

تصاعد الدخان من بلدة الخيام بجنوب لبنان كما يُرى من الجانب الإسرائيلي من الحدود في الجليل الأعلى شمال إسرائيل 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة الخيام بجنوب لبنان كما يُرى من الجانب الإسرائيلي من الحدود في الجليل الأعلى شمال إسرائيل 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يفجّر عدداً من المنازل في جنوب لبنان

تصاعد الدخان من بلدة الخيام بجنوب لبنان كما يُرى من الجانب الإسرائيلي من الحدود في الجليل الأعلى شمال إسرائيل 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة الخيام بجنوب لبنان كما يُرى من الجانب الإسرائيلي من الحدود في الجليل الأعلى شمال إسرائيل 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

نفّذت القوات الإسرائيلية، بعد ظهر الخميس، عملية تفجير استهدفت عدداً من المنازل في بلدة حداثا بجنوب لبنان، ما أسفر عن دويّ انفجارات قوية وصل صداها إلى البلدات والقرى المجاورة في منطقة بنت جبيل، وفق ما أعلنت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.

واستمرّت الغارات الإسرائيلية في استهداف مناطق واسعة بجنوب لبنان والبقاع شرق لبنان، بعد الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل (نيسان) الماضي، ثم تمديده في 23 من الشهر نفسه لمدة 3 أسابيع، وتمديده مرة أخرى في 15 مايو (أيار) الماضي لمدة 45 يوماً.

وأعلن، في 20 يونيو (حزيران) الماضي، عن وقف لإطلاق النار، انخفضت بعده وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية لجنوب لبنان.