تآكل معادلات الردع: «من بيروت مقابل تل أبيب» إلى «الضاحية مقابل الشمال»

«حزب الله» يفقد قدرته على ضبط حدود المواجهة

مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
TT

تآكل معادلات الردع: «من بيروت مقابل تل أبيب» إلى «الضاحية مقابل الشمال»

مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
مواطنون في الضاحية الجنوبية حيث الدمار يعم المكان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)

على مدى ما يقارب العقدين، شكّلت معادلة «بيروت مقابل تل أبيب» إحدى الركائز الأساسية التي استند إليها «حزب الله» في تثبيت توازن الردع مع إسرائيل. فمنذ حرب يوليو (تموز) 2006، ترسخت معادلة مفادها بأن استهداف بيروت سيقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما في ذلك تل أبيب.

إلا أن حربي «إسناد غزة» و«إيران» وما أفرزتهما من تحولات ميدانية وعسكرية وسياسية أظهرت أن تلك المعادلة لم تعد تحكم المواجهة بين الطرفين بالشكل نفسه. فبدلاً من الحديث عن ردود للحزب تصل إلى العمق الإسرائيلي، باتت قواعد الاشتباك تدور حول مستوطنات الشمال والمواقع القريبة من الحدود، في مؤشر إلى انتقال واضح من مستوى الردع الاستراتيجي إلى مستوى محدود من حيث الجغرافيا والأهداف.

إسرائيل تفرض معادلتها

التطور الأبرز الذي كشف حجم هذا التحول برز بعد التهديد الإسرائيلي باستهداف الضاحية الجنوبية مساء الاثنين على خلفية إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل. ومع تصاعد المخاوف من توسع المواجهة، تحركت الاتصالات على أكثر من خط داخلي وخارجي لاحتواء الموقف ومنع انزلاق الأمور إلى حرب واسعة، لتنتهي عملياً إلى تثبيت معادلة جديدة غير معلنة مفادها بأن أي استهداف لمستوطنات الشمال سيقابله استهداف للضاحية الجنوبية.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن الطرفين يتصرفان على أساسها. فإسرائيل أعلنت صراحة أنها ستضرب الضاحية رداً على استهداف الشمال، فيما تجنب «حزب الله» اتخاذ خطوات من شأنها تفعيل هذا التهديد، ما يعني عملياً أن الطرفين يتعاملان مع القاعدة الجديدة باعتبارها أمراً واقعاً، حتى وإن بقيت خارج إطار الإعلان الرسمي.

سيدة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال تجمع دعا له «حزب الله» في عيد المقاومة والتحرير في 25 مايو الماضي (إ.ب.أ)

«حزب الله» عاد من «جيش رديف» إلى مقاومة

ويرى اللواء المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن ما جرى لا يمكن فصله عن التحولات العسكرية التي أصابت «حزب الله» خلال الحرب الأخيرة، معتبراً أن الحزب عاد عملياً إلى ما يفترض أن يكون عليه باعتباره حركة مقاومة بعد سنوات من امتلاكه قدرات وتنظيمات جعلته أقرب إلى جيش نظامي.

ويقول شحيتلي لـ«الشرق الأوسط»: «(حزب الله) وصل إلى مرحلة كان يعتبر نفسه فيها جيشاً من جيوش المنطقة، لكنه عاد اليوم إلى الوضع الأساسي الذي يفترض أن تكون عليه المقاومة». ويوضح: «المقاومة لا يكون عندها أسلحة ثقيلة، لأنها تقاوم العدو المحتل عبر مجموعات صغيرة وعمليات محددة وكمائن، وتعمل على إيقاع الخسائر البشرية ومنع العدو من تثبيت وجوده على الأرض وليس منعه من دخولها».

ويعتبر أن «(حزب الله) عاد إلى مواصفات المقاومة بعدما كان يسعى إلى أن يكون قوة إقليمية أو جيشاً رديفاً»، مشيراً إلى أنه «لم يعد يتمتع بقوة الجيوش بما فيها من أسلحة ومراكز قيادة وغرف عمليات»، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم الدور الذي يستطيع لعبه وعلى طبيعة المواجهة التي يخوضها اليوم.

تآكل الردع

أما الخبير العسكري العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو، فيرى أن الحرب الأخيرة كشفت حدود معادلة الردع التي كان الحزب يتحدث عنها منذ سنوات، وأن الوقائع الميدانية أثبتت عدم قدرة تلك المعادلة على منع إسرائيل من تحقيق أهدافها العسكرية.

ويقول الحلو لـ«الشرق الأوسط»: «التهديدات التي كان يطلقها الأمين العام السابق حسن نصر الله بأن الصواريخ ستصل إلى تل أبيب والعمق الإسرائيلي وما بعد حيفا لم نر منها شيئاً فعلياً»، مشيراً إلى أن «الصواريخ الثقيلة دمرت إسرائيل جزءاً كبيراً منها قبل استخدامها، فيما لم يتم إطلاق سوى أعداد محدودة منها».

جانب من الدمار في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

ويضيف أن «قوة الردع التي كان يتباهى بها الحزب لم تنفع مع الإسرائيلي، ولم ينجح في فرضها، بدليل أن إسرائيل استمرت في استهداف بيروت والضاحية وواصلت عمليات الاغتيال حتى بعد اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024». ويلفت إلى أن الحزب حاول خلال الحرب العودة إلى قواعد اشتباك شبيهة بتلك التي أعقبت عملية «عناقيد الغضب» عام 1996، من خلال حصر المواجهات بالأهداف العسكرية وعدم استهداف المدنيين، إلا أن إسرائيل واصلت ضرب الضاحية وتنفيذ الاغتيالات، ما دفع الحزب لاحقاً إلى توسيع ردوده باتجاه المستوطنات الشمالية، ولا سيما عبر المسيّرات.

ويشير الحلو إلى أن «الجهود السياسية والأمنية التي بُذلت لمنع ضرب الضاحية، إضافة إلى الضغوط الدولية والإقليمية، أدت عملياً إلى تكريس معادلة جديدة عنوانها (الضاحية مقابل المستوطنات الإسرائيلية)»، معتبراً أن «معادلة الردع المرتبطة بـ(حزب الله) لم تعد تنفع، ومظاهر القوة التي كان يحاول إظهارها أثبتت عدم جدواها خلال حرب إسناد غزة ثم خلال المواجهة المرتبطة بإسناد إيران».

ويخلص إلى أن إسرائيل «لم تعد تقبل بأقل من القضاء على سلاح (حزب الله)»، معتبراً أن الحزب بات اليوم في موقع دفاعي مختلف تماماً عن ذلك الذي كان يشغله خلال السنوات السابقة.

الدخان يتصاعد من النبطية إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (رويترز)


مقالات ذات صلة

أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

أفادت مصادر مطلعة بأن «حزب الله» اللبناني تلقى أموالاً إيرانية، على الرغم من ⁠تشديد الولايات ⁠المتحدة عقوباتها على طهران وتزايد صعوبة إيصال الأموال إلى حليفها.

محمد شقير (بيروت) كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن تعرّض موقع لها قرب الحدود مع إسرائيل لإطلاق نار الأربعاء بالأسلحة الخفيفة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

200 مليون دولار من طهران إلى «حزب الله» لمساعدة النازحين

تلقى «حزب الله» 200 مليون دولار من طهران، بهدف مساعدة اللبنانيين الذين نزحوا جراء الحرب مع إسرائيل هذا العام

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يتسوقون في أحد المتاجر الكبرى في بيروت (الشرق الأوسط)

لبنان بين صدمات الخارج وأزمات الداخل: الغلاء يرهق المواطنين

يكشف المشهد في أحد أكبر المتاجر في منطقة جل الديب الواقعة شرق بيروت، عن جانب من الواقع المعيشي الصعب الذي يرزح تحته اللبنانيون

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة خلال افتتاح معرض «بين سطور الدستور» (الشرق الأوسط)

سلام: القرارات السيادية يجب أن تتخذ داخل المؤسسات الدستورية

أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن «التمسك بـ(اتفاق الطائف) يفرض تطبيقه بكامل بنوده»

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
TT

أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

أفادت مصادر مطلعة بأن «حزب الله» اللبناني تلقى أموالاً إيرانية، على الرغم من ⁠تشديد الولايات ⁠المتحدة عقوباتها على طهران وتزايد صعوبة إيصال الأموال إلى حليفها اللبناني.

ونقلت وكالة «رويترز» عن المصادر أن الحزب تلقى 200 مليون دولار من إيران الشهر الماضي بهدف مساعدة اللبنانيين الذين نزحوا جراء الحرب مع إسرائيل العام الحالي. وأفاد وسطاء نقلوا الأموال، بأنهم تقاضوا عمولة 20 في المائة، وهي تعادل 4 أمثال العمولة المعتادة. وقال مسؤول في الحزب ردّاً على طلب للتعليق، إنه تسنى توفير مبلغ من المال، من دون الخوض في تفاصيل مصدره.

في سياق متصل، أكّد مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، أن لبنان سيطرح في الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي برعاية أميركية في فلوريدا، بين 20 و22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، انسحاب إسرائيل من البلدات الواقعة في محيط قلعة «الشقيف»، بما يتيح لجيشه الانتشار فيها.وشدّد المصدر على أن مواصلة الجيش الإسرائيلي تجريف البلدات الواقعة ضمن «الخط الأصفر»، وتدميره الممنهج لما تبقى فيها من منازل، سيكونان على جدول أعمال الاجتماع أيضاً.


هجمات لخلايا «داعش» تباغت الأمن شمال بغداد

عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
TT

هجمات لخلايا «داعش» تباغت الأمن شمال بغداد

عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

فرض الأمن العراقي حظراً للتجول، أمس (الأربعاء)، في قرى بمدينة الحويجة (شمال بغداد)، إثر هجمات مباغتة، يُعتقد أنها من تنفيذ خلايا «داعش».

وهاجم مسلحون مفارز للشرطة الاتحادية، يومي الاثنين والثلاثاء، ما أسفر عن مقتل وإصابة عناصر أمن. وقالت مصادر أمنية إن المسلحين استخدموا أسلحة رشاشة وبنادق قنص، فيما أكدت مصادر أمنية أن كاميرات حرارية خرجت عن الخدمة.

من جانبها، قالت قيادة قوات الشرطة الاتحادية، في بيان، إن أحد منتسبيها قضى خلال تصديه للهجوم، فيما أكّد رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس كركوك أحمد رمزي أن «الهجوم يؤكد استمرار خطر الخلايا النائمة»، داعياً إلى تكثيف الجهد الاستخباري والعمليات الأمنية لمنع تكرار هذه الهجمات.

واستبعد خبراء قدرة «داعش» على تثبيت وجوده على الأرض، لكنهم أشاروا إلى أن الخلايا النشطة ما زالت تمتلك «عبوات وأحزمة ناسفة».


إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
TT

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن تعرّض موقع لها قرب الحدود مع إسرائيل لإطلاق نار الأربعاء بالأسلحة الخفيفة، من دون أن يسفر الحادث عن إصابات، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت «يونيفيل» في بيان: «تعرّض موقع تابع لـ(يونيفيل) بالقرب من كفرشوبا على الخط الأزرق في القطاع الشرقي صباح اليوم لإطلاق نار من أسلحة خفيفة».

وأضافت أن جميع عناصرها المتمركزين في الموقع سارعوا إلى «الاحتماء»، من دون أن تسجّل إصابات في صفوفهم، بينما أصابت الطلقات «الجدار الخارجي» للموقع وطال بعضها «وحدات سكنية وآليات تابعة للأمم المتحدة داخل القاعدة».

وندّدت «يونيفيل» بإطلاق النار عادّةً أنه «غير مقبول» ويحمل «علامات واضحة».

وأضافت أن «مثل هذه الهجمات المتعمّدة تعرّض حياة حفظة السلام لخطر بالغ»، مشيرةً إلى أنها فتحت تحقيقاً في الحادث.

وتضمّ قوة «يونيفيل» المنتشرة في جنوب لبنان منذ عام 1978 نحو 7500 عنصر من 46 دولة.

لكن مجلس الأمن الدولي قرر في أغسطس (آب) من العام الماضي، تحت ضغط أميركي، إنهاء ولاية «يونيفيل» في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ويأتي اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل» في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان.

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد أكد في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في سبتمبر (أيلول) أن لبنان منفتح على أي قوّة تستبدل قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان، مؤكداً ضرورة تجنّب حصول أي «فراغ» بعد انسحاب «يونيفيل».