وزير الزراعة اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: تدهور الإنتاج يرفع نسبة المحتاجين إلى الغذاء لـ24 %

22.5 % من الأراضي الزراعية خارج الخدمة... وخطة طارئة لاحتواء الانهيار

جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)
TT

وزير الزراعة اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: تدهور الإنتاج يرفع نسبة المحتاجين إلى الغذاء لـ24 %

جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)

لم تعد الأضرار التي أصابت القطاع الزراعي اللبناني نتيجة الحرب الإسرائيلية مجرّد خسائر ميدانية، بل تحوّلت تدريجياً إلى أزمة تمتدّ من الحقول إلى موائد اللبنانيين. ومع كل معطى جديد تتضح صورة أكثر قتامة، حيث يتقاطع تراجع الإنتاج مع ارتفاع الحاجة، في معادلة تضغط على الأمن الغذائي وتضعه أمام اختبار غير مسبوق.

وتكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الزراعة اللبنانية عن حجم التدهور المتسارع، وتفتح الباب أمام تساؤلات ملحّة حول قدرة البلاد على احتواء التداعيات.

وحذّر وزير الزراعة اللبناني، نزار هاني، عبر «الشرق الأوسط»، من التداعيات المتفاقمة للأضرار، كاشفاً عن أن «نحو 22.5 في المائة من الأراضي الزراعية في لبنان باتت متأثرة بشكل مباشر».

الأمن الغذائي

ولا يقف الأمر عند حدود الأرقام الزراعية، إذ يربط هاني هذه الخسائر مباشرةً بالأمن الغذائي، موضحاً أن «هذا الواقع ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي في البلاد».

وهذا ما أكّده أيضاً تقرير مؤشر الأمن الغذائي الذي صدر الأسبوع الماضي بالتعاون بين وزارة الزراعة وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو).

ويضيف هاني أن «نسبة السكان المحتاجين إلى مساعدات غذائية طارئة ارتفعت من 18 في المائة إلى 24 في المائة»، في مؤشر واضح على تسارع التدهور.

انفجار قذيفة يُعتقد أنها من الفوسفور الأبيض أطلقها الجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود (رويترز)

ومن هنا، يكتسب هذا الارتفاع بعداً أشمل، إذ يشير وزير الزراعة إلى أن «هذه الأرقام تشمل جميع المقيمين على الأراضي اللبنانية، من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، ما يعكس حجم الضغوط المتزايدة على النظام الغذائي ككل»، لافتاً إلى أن «التقرير يُفصّل بدقة حجم الأضرار التي لحقت بالمزارعين، ويُظهر الترابط المباشر بين تراجع الإنتاج الزراعي وتدهور الأمن الغذائي».

عوامل متداخلة

ولعلّ ما يزيد الصورة تعقيداً، حسب هاني، هو تداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية، إذ يقول إن «تدهور الأمن الغذائي يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها تراجع إنتاج الغذاء كما حصل خلال الحرب، إلى جانب تقلص فرص العمل وانخفاض مداخيل الأسر»، مشدداً على أن «هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ارتفاع عدد المحتاجين إلى مساعدات غذائية، وعجز شريحة أوسع من السكان عن تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء».

ويخلص إلى تحذير صريح مفاده أن «استمرار هذا المسار من دون تدخلات عاجلة سيُفاقم الأزمة، سواء على مستوى المزارعين أو على مستوى الأمن الغذائي الوطني».

56 ألف هكتار متضرر

وبالتوازي مع هذه التحذيرات، تأتي المعطيات التفصيلية التي أوردتها وزارة الزراعة اللبنانية لتؤكد حجم الكارثة. فقد أعلن التقرير الأسبوعي الصادر في 5 مايو (أيار) 2026 أن الاعتداءات الأخيرة أدت إلى تضرر 56,264 هكتاراً من الأراضي الزراعية في مختلف المناطق اللبنانية، بينها 4,308 هكتارات خلال الأسبوعين الأخيرين فقط، ما يعادل نحو 22.5 في المائة من إجمالي المساحات المتضررة.

وإذا كانت هذه الأرقام تعكس الصورة العامة، فإن التمحيص فيها يُظهر بوضوح أن الجنوب يتحمّل العبء الأكبر. فحسب الوزارة، لا تزال 64 بلدة تتعرض للقصف والتدمير رغم إعلان وقف إطلاق النار، فيما بلغت المساحات المتضررة هناك نحو 18,559 هكتاراً، أي ما نسبته 6.4 في المائة من إجمالي الأراضي الزراعية في لبنان، ما يجعل هذه المنطقة بؤرة الخسائر الأساسية.

ضربة قاسية للركائز الإنتاجية

وما يضاعف خطورة المشهد أن الأضرار لم تطل مساحات عشوائية، بل استهدفت ركائز الإنتاج الزراعي الأساسية. إذ تشير بيانات الوزارة إلى أن الموز تضرر بنسبة 95 في المائة، والحمضيات بنسبة 97 في المائة، والزيتون بنسبة 91 في المائة، وهي محاصيل تشكّل عماد الأمن الغذائي والدخل الزراعي في الجنوب.

وفي سياق متصل، تكبّدت الحيازات الزراعية الصغيرة، التي تمثل نحو 80 في المائة من المساحات الزراعية، خسائر واسعة، ما يهدد بشكل مباشر صغار المزارعين. وعلى مستوى لبنان، تصدّرت أشجار الفاكهة (11,075 هكتاراً) والزيتون (6,600 هكتار) قائمة المحاصيل الأكثر تضرراً، في دلالة إضافية على عمق الضربة التي تلقّاها القطاع.

نزوح المزارعين

ولا تنفصل الخسائر الزراعية عن تداعياتها الاجتماعية، إذ تكشف الأرقام عن نزوح واسع للمزارعين، ما يفاقم الأزمة من زاوية أخرى. فقد نزح 77.9 في المائة من المزارعين في الجنوب من بلداتهم، مقابل 22.1 في المائة فقط ما زالوا في مناطقهم، وهو ما يعني عملياً فقدان اليد العاملة الزراعية في أكثر المناطق إنتاجاً.

وفي هذا الإطار، سجّلت منصة الوزارة 23611 مزارعاً متضرراً، بينهم 5803 خلال الأسبوعين الماضيين، ما يعكس تسارعاً واضحاً في وتيرة التدهور، ويؤشر إلى أن الأزمة لا تزال في طور التصاعد.

الدخان يتصاعد نتيجة تفجيرات نفّذتها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

وإذا كانت الأرض قد أصيبت في عمقها، فإن البنية التحتية الزراعية لم تكن بمنأى عن الأضرار. فقد تضرر نحو 4,265 هكتاراً بشكل مباشر، إضافة إلى 1,617 مزرعة و793 خيمة زراعية، ما يهدد استمرارية الإنتاج حتى في حال توقف الاعتداءات.

ويمتد هذا التدهور إلى الثروة الحيوانية، حيث سُجّل نفوق نحو 1.84 مليون رأس من الحيوانات والدواجن، إضافة إلى 29,121 قفير نحل ونحو 2,030 طناً من الأسماك، في خسارة تضرب أحد أهم مصادر البروتين الغذائي في البلاد.

محاولات احتواء

أمام هذا الواقع الضاغط، تحاول وزارة الزراعة اللبنانية احتواء التداعيات عبر خطة طارئة، إلا أن حجم الأزمة يفرض تحديات كبيرة. وتشمل هذه الخطة تقديم مساعدات نقدية لنحو 4840 مزارعاً بقيمة تقارب 1.65 مليون دولار، إلى جانب مساعدات عينية لنحو 1850 مزارعاً، تتضمن مدخلات زراعية وأعلافاً وتجهيزات ري بالطاقة الشمسية.

وفي موازاة ذلك، تعمل الوزارة على إجراءات أوسع لضبط الأمن الغذائي، من خلال مراقبة سلاسل الإمداد، وتسريع استيراد المنتجات الزراعية، والتنسيق مع وزارة الاقتصاد لضبط الأسواق والأسعار، فضلاً عن تأمين الدعم الطارئ للمزارعين في المناطق المتضررة.

كما تؤكد الوزارة استمرار التنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين لتأمين الموارد اللازمة، عبر منصة مخصصة لتحديد الاحتياجات ومتابعة الدعم، في محاولة لضمان الحد الأدنى من استمرارية الإنتاج.


مقالات ذات صلة

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

المشرق العربي مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

جدّدت مسيّرة إسرائيلية إغارتها على محيط «مستشفى غندور» في يبلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى السراي الحكومي في بيروت (أ.ب)

وزير الخارجية السوري في بيروت لتبديد مخاوف لبنان من تدخل عسكري

بدّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الخميس، مخاوف لبنان من تدخل عسكري سوري في البلاد، وطمأن إلى أنه «لا نية لسوريا في القيام بأي خطوة عسكرية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من بلدة الخيام بجنوب لبنان كما يُرى من الجانب الإسرائيلي من الحدود في الجليل الأعلى شمال إسرائيل 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يفجّر عدداً من المنازل في جنوب لبنان

نفّذت القوات الإسرائيلية، بعد ظهر الخميس، عملية تفجير استهدفت عدداً من المنازل في بلدة حداثا بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يعرضان اتفاقية إنشاء «اللجنة العليا» بعد توقيعها (إ.ب.أ)

«لجنة عليا» بين لبنان وسوريا تؤسس لمرحلة «التكافؤ والنديّة»

دشّن لبنان وسوريا مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية، عنوانها إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة عن تلك التي حكمتها منذ تسعينات القرن الماضي.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي دبابات إسرائيلية تتمركز على طول الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تبدّل قواعد المواجهة في جنوب لبنان باتجاه «حرب منخفضة الوتيرة»

تتجه إسرائيل إلى تكريس نمط جديد لإدارة المواجهة في جنوب لبنان، يقوم على عمليات عسكرية منخفضة الوتيرة، مع الحفاظ على حرية الحركة والوجود العسكري بمناطق الحدود

صبحي أمهز (بيروت)

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

جدّدت مسيّرة إسرائيلية إغارتها على محيط «مستشفى غندور»، في يبلدة النبطية الفوقا بجنوب لبنان، «للمرة الثانية في أقل من نصف ساعة»، وفق ما نقلته «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.

ونفّذت القوات الإسرائيلية، بعد ظهر الخميس، عملية تفجير استهدفت عدداً من المنازل في بلدة حداثا بجنوب لبنان؛ ما أسفر عن دويّ انفجارات قوية وصل صداها إلى البلدات والقرى المجاورة في منطقة بنت جبيل، وفق ما أعلنته «الوكالة الوطنية».

ويستمرّ الجيش الإسرائيلي في استهداف مناطق واسعة بجنوب لبنان والبقاع شرق لبنان، بعد الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل (نيسان) الماضي، ثم تمديده في 23 من الشهر نفسه لمدة 3 أسابيع، وتمديده مرة أخرى في 15 مايو (أيار) الماضي لمدة 45 يوماً.

وأعلن، في 20 يونيو (حزيران) الماضي، عن وقف لإطلاق النار، انخفضت بعده وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية لجنوب لبنان.


إسرائيليون يحيون ذكرى 1000 يوم على «7 أكتوبر» بمظاهرات وانقسامات

سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
TT

إسرائيليون يحيون ذكرى 1000 يوم على «7 أكتوبر» بمظاهرات وانقسامات

سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)

أحيا إسرائيليون، الخميس، ذكرى مرور 1000 يوم على هجوم «حماس» على البلدات والمواقع العسكرية المحيطة بقطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بمظاهرات ونشاطات أظهرت عمق الشرخ في المجتمع والخلافات الحادة حول القضايا الجوهرية والانفضاض عن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو.

وعبَّر المتظاهرون عبر اللافتات عن أن هجوم «حماس» كان «كارثة على إسرائيل، وأكبر كارثة لليهود منذ الحرب العالمية الثانية».

كما ركزوا إفادات لمتفاعلين مع الحدث ومعلقين سياسيين استنتاجات مختلفة، منها أن الجيش غيّر العقيدة القتالية بشكل حاد، بعدما ظهر أن مجرد النجاح في احتلال 21 بلدة و11 موقعاً عسكرياً لعدة ساعات في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يعتبر إخفاقاً استراتيجياً، متهمين إياه باستغلال ممارسات «حماس» ليرد بحرب إبادة على غزة أسفرت عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني، وتوسيعها إلى حرب على سبع جبهات (لبنان والضفة الغربية وإيران والعراق واليمن وسوريا، إضافة إلى غزة).

وعلى المستوى الشعبي، فقد الإسرائيليون ثقتهم بقادتهم وبمؤسساتهم؛ ففي استطلاع معمق لمعهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، جاء أن نحو 80 في المائة لا يشعرون بالأمان الشخصي.

وقال 31 في المائة فقط إنهم يثقون برئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وقال 25 في المائة إنهم يثقون بالحكومة (61 في المائة يثقون برئيس الأركان إيال زامير و73 في المائة يثقون بالجيش).

مزيد من الحروب

وعلى الرغم من أن الحرب الدائرة منذ 1000 يوم لا تتوقف، ولا تنتهي بحلول سياسية كما تنتهي عادة الحروب، فإن غالبية الإسرائيليين تطلب مزيداً من الحروب.

ووفقاً للاستطلاع ذاته، قال 57 في المائة إنهم يعارضون الانسحاب من لبنان حتى لو التزم «حزب الله» باتفاق وقف النار، وقال 59 في المائة إنهم يؤيدون شن حرب على لبنان، و42 في المائة شن حرب مع إيران حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ناقلة جند إسرائيلية تغادر غزة بينما يتجمع جنود قرب تلة متاخمة للقطاع (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بترمب، وعلى الرغم من مساندته الكبيرة لإسرائيل ومشاركتها في الحرب على إيران وإغراقها بالأسلحة ودعمها سياسياً ومالياً وعسكرياً، تعلن الغالبية الإسرائيلية عن فقدان الثقة به، وفقط 12 في المائة يثقون بأن ترمب ملتزم حقاً بأمن إسرائيل، وقال 57 في المائة إن ترمب يدعم أمن إسرائيل فقط إذا كان هذا الدعم يخدم مصالحه.

الانفصال عن الفلسطينيين

وعلى الرغم من ذلك، وجد الاستطلاع أنه في حال تقديم طروحات عقلانية لتغيير الواقع، يستجيب قسم جدي من الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، لا يطرح الإسرائيليون حلولاً سلمية. ولا يلتفتون إلى الفلسطينيين والعدد الهائل من الضحايا الذي أوقعوه.

لكن عندما سئلوا عن آفاق الحل للقضية الفلسطينية قال 27 في المائة إنهم يؤيدون الانفصال عن الفلسطينيين، وقال 25 في المائة إنهم يؤيدون حل الدولتين.

وعندما سئلوا كذلك عن توسيع «اتفاقيات إبراهيم» بشرط أن يتضمن ذلك إقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام مع إسرائيل، انقسم الإسرائيليون إلى نصفين، فأجاب بالإيجاب 42 في المائة، وأجاب بالرفض 41 في المائة.

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم قتل في غزة (إ.ب.أ)

والمعروف أن نتنياهو يتباهى بالحروب ويعتبر أنها حققت لإسرائيل مكاسب ضخمة، وبفضل قيادته لها تغير وجه الشرق الأوسط.

وقد علق الكاتب شاحر كلاين على ذلك في صحيفة «هآرتس» بالقول: «اغتيال كبار قادة المحور الإيراني وسقوط نظام الأسد واتفاق الإطار مع لبنان، تدل فعلاً على أن الشرق الأوسط تغير بالفعل، لكن ليس بالضرورة لصالح إسرائيل». ورأى أن «قوة الحوثيين ازدادت، و(حماس) صمدت في غزة، و(حزب الله) صمد في لبنان، وإيران ما زالت صامدة وتفرض إرادتها على إسرائيل والولايات المتحدة».

وكتب بن درور يميني في «يديعوت أحرونوت»: «نحن مغرمون قليلاً بالمقولة المبتذلة (العالم كله ضدنا). هذه المقولة غير دقيقة. صحيح أن الكثيرين ضدنا، لكن ليس الجميع ضدنا... المشكلة تكمن في أننا ضد أنفسنا. الحماقة مسجلة باسمنا، والهزيمة السياسية من صنع أيدينا».

واستدرك: «عندما قال دونالد ترمب، أعظم وأهم وأقوى حليف لإسرائيل في العالم، على الأقل حتى قبل أسبوعين، لنتنياهو: (الجميع سئم منك)، فقد جسّد الهزيمة».


إسرائيليون تسللوا إلى قرية فلسطينية فاحتلها الجيش خشية «اختطافهم»

جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيليون تسللوا إلى قرية فلسطينية فاحتلها الجيش خشية «اختطافهم»

جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

تعرضت قرية مخماس الفلسطينية لعملية احتلال طيلة 6 ساعات، فجر الخميس، قامت خلالها قوات من الجيش والمخابرات الإسرائيلية بالتفتيش عن 10 من اليهود المتدينين دخلوا إليها.

وقد قاد عملية الاحتلال كبار الجنرالات، الذين اعتبروه حدثاً أمنياً خطيراً، ولكن في ختام العملية تبين أنها محاولة من يهود دخلوا للصلاة في مقام قبر يوسف في نابلس خلافاً للتعليمات. فأثاروا الهلع في أروقة القيادات العسكرية والسياسية.

وبحسب تقرير لصحيفة «معاريف» العبرية، وقع الحادث في الساعات الأولى بعد منتصف الليل، واتضح في ختام العملية أن 10 إسرائيليين حريديم قدموا من إسرائيل إلى مدينة نابلس للصلاة في مقام يوسف، وهو ضريح يعتقد اليهود أنه قبر النبي يوسف، ويعتقد الفلسطينيون أنه مقام لأحد الولاة.

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

وقد انسحب الجيش الإسرائيلي من هذا المقام، بموجب اتفاقيات أوسلو التي نصّت على تسليم السلطة الفلسطينية 40 في المائة من مساحة الضفة الغربية أواسط التسعينات من القرن الماضي.

ويعدّ اليهود الموقع مقاماً مقدساً، سمح لهم بدخوله والصلاة فيه، ولكن وفق ترتيبات أمنية صارمة، حيث يرافق الجيش المصلين من لحظة دخولهم حتى عودتهم.

تسللوا في الليل وزعموا حصارهم

ويبدو أن اليهود العشرة المذكورين قرروا مخالفة التعليمات وعدم انتظار دخول وفد منظم، فتسللوا في الساعة الواحدة بعد منتصف الليلة الفائتة، إلى نابلس وأقاموا الصلاة وعادوا أدراجهم بسلام.

إلا أنه في هذه الأثناء وصلت معلومات إلى جهاز الأمن العام (الشاباك) الإسرائيلي تفيد بأن سيارة ترانزيت إسرائيلية دخلت إلى المنطقة المحظورة في نابلس، فتم إرسال سيارة شرطة إسرائيلية إلى المكان. وعندما شاهد المواطنون اليهود سيارة الشرطة هربوا منها بسرعة جنونية، وبعد المرور مسافة 60 كيلومتراً، دخلوا إلى قرية مخماس الفلسطينية الواقعة جنوب شرق رام الله، وهم يقودون السيارة بسرعة عالية وبطريقة مهووسة، وأصابوا سيارات فلسطينية في الشارع، واختفوا في أزقة القرية.

جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)

وبعد فترة من عمليات التعقب الاستخبارية، شوهدت السيارة وعرف صاحبها، وبعد الفحص في حاسوب الشرطة، اتصلوا بصاحبها، فحاول تبرير فعلته بأنه دخل بالخطأ للقرية الفلسطينية، وزعم أنه ورفاقه يتعرضون للمحاصرة من قبل مجموعة من الفلسطينيين الذين يرشقون مركبتهم بالحجارة.

وفي الحال تم الإعلان عن حدث أمني كبير وخطير يخشى أن يتحول إلى عملية اختطاف، فتم استنفار عدد هائل من قوات الجيش والكوماندوز والمخابرات فحاصروا قرية مخماس الفلسطينية وأقاموا حواجز التفتيش في جميع مداخلها وبداخلها، وأوقفوا السيارات وراحوا ينكلون بالفلسطينيين حتى «يعترفوا بالتهمة»، وفق شهادات محلية، وراحت طيارة مروحية مقاتلة تحوم في سماء القرية وطائرات مسيرة.

ولكن سيارة الإسرائيليين كانت قد غادرت القرية في طريقها إلى وسط إسرائيل. وفي ساعات الصباح، أعلن الجيش عن انتهاء الحدث وتم توقيف المتدينين اليهود للتحقيق، وفكّ الحصار عن القرية الفلسطينية.

الفلسطيني سعود الأطرش يعانق والدته بينما تهدم قوات إسرائيلية منزل العائلة يوم الثلاثاء جنوب الخليل بالضفة الغربية بحجة عدم الحصول على ترخيص بناء (أ.ف.ب)

يذكر أن قرية مخماس تعرضت خلال سنوات الاحتلال الستين إلى العديد من الاقتحامات والاعتداءات من الجنود الإسرائيليين، وكذلك من ميليشيات المستوطنين التي أقيمت بتشجيع الحكومة.

وخلال سنوات أوسلو الثلاثين الماضية دخل مئات من الإسرائيليين بالخطأ إلى بلدات فلسطينية، وفي العادة كان يتم تسليمهم إلى الجيش الإسرائيلي بسلام، باستثناء بعض الحالات النادرة.

ولكن الجيش والمخابرات الإسرائيلية يعتقدون أنه في أعقاب «حرب الإبادة» في غزة والاعتداءات اليومية في الضفة الغربية يوجد فلسطينيون يخططون لعمليات انتقام، باختطاف إسرائيليين أو تنفيذ عمليات تفجير.

وتتأهب أجهزة الأمن الإسرائيلية، طيلة الوقت لمواجهة محاولات كهذه. وتغلق مدن الضفة الغربية بأكثر من ألف بوابة حديدية صفراء تقيد بها حياة المواطنين ومجالات التعليم والعمل والخدمات الطبية وتكبل التنقل من بلدة لأخرى وتجعل حياة الناس قاسية تفتقر في بعض الأحيان للقمة العيش وأبسط العلاجات الطبية وللحد الأدنى من الأمان.

وتدير سلطات الاحتلال سياستها بهذا الشأن وسط هلع وفزع دائمين، وتبطش بلا رحمة. الأسبوع الماضي، كانت حالة شبيهة عندما نشر أن الشرطة في الضفة الغربية أنقذت جندياً إسرائيلياً من فلسطينيي بلدة ترقوميا قرب رام الله، وتبين لاحقاً أن جندياً دخل البلدة وتخاصم مع فلسطيني من سكانها على خلفية جنائية. ما تسبب أيضاً في استنفار عسكري ضخم.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون في حقل بينما يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

والمعروف أن اتفاقيات أوسلو قسّمت الضفة الغربية إلى 3 مناطق إدارية وأمنية رئيسية. تشمل المنطقة (أ) المدن الفلسطينية الكبرى، مثل رام الله ونابلس والخليل وجنين، وتخضع لسيطرة مدنية وأمنية فلسطينية كاملة، والمنطقة (ب) تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية مشتركة، في حين تقع المنطقة (ج) تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، وتشمل المستوطنات والمناطق العسكرية. ويمنع دخول الإسرائيليين اليهود إليها بموجب أوامر عسكرية، حيث تُوضع لافتات تحذيرية عند مداخلها. وإذا دخلها أي إسرائيلي يتلقى بلاغاً من تطبيق «وييز» يقول: «احذر. أنت تدخل منطقة محظورة على الإسرائيليين».