القصة الكاملة لاعتقال السعدي... «منسق هجمات» في 3 قارات

«يحب كنية سليماني»... وكثير التنقل بين بغداد وبيروت ودمشق

محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​
محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​
TT

القصة الكاملة لاعتقال السعدي... «منسق هجمات» في 3 قارات

محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​
محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​

أثارت عملية اعتقال السلطات الأميركية القيادي في «كتائب حزب الله» محمد باقر السعدي المزيد من الاهتمام بدور هذا الفصيل في عمليات عابرة للحدود، ونظر إليها كثيرون على أنها بداية إجراءات أميركية متشددة حيال الأفراد والشخصيات المرتبطة بـ«قوة القدس»، الذراع الإقليمية لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وما يسمى «محور المقاومة».

نظراً للبيئة السرية شديدة الصرامة التي عملت بها «الكتائب» منذ تأسيسها على يد نائب هيئة «الحشد الشعبي» السابق أبو مهدي المهندس، الذي قُتل بغارة أميركية 2020، بوقت مبكر من تاريخ إطاحة نظام الرئيس الراحل صدام حسين 2003، فإن الغموض وقلة المعلومات تحيطان بمعظم الشخصيات القيادية داخل هذه الجماعة، بالنظر لامتناعهم عن الظهور العام رغم النفوذ الذي تتمتع به محلياً بوصفها من أكثر الفصائل قرباً وارتباطاً بالحرس الثوري.

السعدي في حراسة عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك الجمعة (وزارة العدل الأميركية)

صلة بـ«قوة القدس»

تفيد معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أوساط فصائلية بأن السعدي كان على صلة وثيقة بما تسمى هيئة استخبارات «قوة القدس»، وتشير أيضاً إلى أنه كان على صلة وثيقة مع أحد عناصر هذه الهيئة الإيرانية الذي قتل خلال حرب الـ11 يوماً بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، رغم أن مصادر قالت إنه «كان يحب الادعاء بهذه الصلات».

ومن خلال فحص أرشيف صوره في منصة «إكس»، حيث يتفاعل السعدي منذ عام 2014، يتبين أنه دائم الظهور رفقة قيادات الحرس الثوري، وفي واحد من مقاطع الفيديو بدا أنه يتبادل حديثاً وابتسامات مع الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي.

وحسب الأوساط الفصائلية، فإن السعدي «كثف زياراته إلى لبنان عقب مقتل زعيم (حزب الله) اللبناني حسن نصر الله في أواخر سبتمبر (أيلول) 2024، كما نشط في التنقل بين لبنان وسوريا خلال فترة حكم بشار الأسد».

وتشير مصادر إلى أن حصول السعدي على «جواز خدمة» يمنح عادة للشخصيات العسكرية المهمة والمسؤولين الرسميين «منحه مرونة في التحرك والسفر إلى دول أخرى»، ومن هذه الزاوية تفسر المصادر سفره الأخير إلى تركيا، وعملية الإطاحة به، وإلقاء القبض عليه هناك، كما يشاع أنه كان يستعد لرحلة إلى دولة أوروبية.

وظهر السعدي في أكثر من صورة متداولة مع قائد «فيلق القدس» الإيراني السابق قاسم سليماني، وشخصيات أخرى مرتبطة بالفصائل المسلحة، والحرس الثوري. وتشير بعض المصادر إلى أنه كان يفضل أن يضع لقب «سليماني» في نهاية اسمه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعليه إشارة تصويب نشرها السعدي في حسابه بـ«إكس» في 2020

كيف اعتقل السعدي؟

طبقاً لمعظم المصادر الغربية التي تناولت خبر اعتقال السعدي في تركيا، ونقله إلى الولايات المتحدة الأميركية، فإنه متهم بالتنسيق والتخطيط لما لا يقل عن 18 هجوماً إرهابياً في أوروبا استهدفت أميركيين، ويهوداً، وكل ذلك باسم إنهاء الحرب في إيران، وفقاً لشكوى جنائية فيدرالية.

وظهر السعدي بعد عملية الاعتقال وهو يوجه رسالة إلى والدته عبر شاشة هاتف جوال يطالبها بـ«الصبر» ويتحدث عنه أنهم «لن ينكسروا».

وتتحدث المصادر الغربية عن أنه «وجّه وحثّ آخرين على مهاجمة المصالح الأميركية والإسرائيلية» انتقاماً للحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب ضد طهران.

كما يُتهم السعدي بتنسيق هجومين إضافيين في كندا، وتوجيه آخرين، ومحاولة تنسيق هجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك ضد كنيس يهودي في مدينة نيويورك، وفقاً للادعاء.

صورة متداولة لمحمد باقر السعدي مع إسماعيل قاآني قائد قوة القدس التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني

وتضع الولايات المتحدة الأميركية «كتائب حزب الله» على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وتقول إن السعدي منخرط مع الجماعة منذ عام 2017. وتشير بعض المصادر إلى أن والده مرتبط بمنظمة «بدر» التي يقودها هادي العامري.

ووضعت واشنطن قبل نحو أسبوعين لقائد «الكتائب» أبو حسين الحميداوي جائزة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.

كانت قناة «CNN» الأميركية كشفت عن وجود صلة بين «كتائب حزب الله» والجماعة التي أعلنت مسؤوليتها عن سلسلة هجمات الحرق المتعمد التي استهدفت مواقع يهودية في أنحاء أوروبا، بما في ذلك كُنُس، ومدارس، وسيارات إسعاف.

وتوجه إلى السعدي سلسلة من التهم، منها التآمر لتقديم دعم مادي لمنظمة إرهابية أجنبية، والتآمر لتقديم دعم مادي لأعمال إرهابية، والتآمر لتفجير مكان عام. ومثل أمام المحكمة يوم الجمعة في المنطقة الجنوبية من نيويورك، حيث أمر القاضي باحتجازه من دون كفالة. ولم يدفع ببراءته أو إدانته خلال الجلسة.

ولا يعرف على وجه الدقة التداعيات المحتملة، وانعكاسات إلقاء القبض على السعدي على «كتائب حزب الله»، وما هي طبيعة المعلومات التي قد تحصل عليها الأجهزة الأميركية منه، وإمكانية أن تؤدي إلى انكشاف الجماعة المسلحة التي تقف حالياً في عين العاصفة الأميركية.

وحسب محامي السعدي، أندرو ج. دالاك الذي تحدث لوسائل إعلام غربية، فإنه «تم اعتقاله في تركيا من قبل السلطات التركية، على الأرجح بطلب من السلطات الأميركية، وتم تسليمه إلى السلطات الأميركية دون منحه فرصة للطعن في قانونية احتجازه، أو نقله إلى الولايات المتحدة».

وتطال السعدي الكثير من المزاعم والاتهامات، وضمنها محاولته تدبير تفجير كنيس يهودي بارز في مدينة نيويورك، إلى جانب استهداف موقعين آخرين في الولايات المتحدة، هما مركزان يهوديان في لوس أنجليس، وسكوتسديل بولاية أريزونا.

وتشير مزاعم أخرى إلى أن السعدي وافق على دفع 10 آلاف دولار مقابل تنفيذ الهجوم، لكنه أصر على تصويره. ويقول المحققون إنه أصر على تنفيذ الهجوم في 6 أبريل (نيسان)، وعندما لم يقع الهجوم أرسل رسالة نصية إلى العميل السري صباح اليوم التالي يسأله عن السبب.

لقطة من تطبيق خرائط لجزيرة أنديان كريك في ولاية فلوريدا الأميركية نشرها السعدي في «إكس» في يونيو 2023

سجل السعدي في «إكس»

يبدو أن السعدي ينشط من سنوات في منصة «إكس»، وغالباً ما يوجه انتقادات حادة إلى حكومة رئيس الوزراء السابق محمد السوداني التي قامت برفع دعوى «تشهير» ضده عام 2024.

وفي يوليو (تموز) 2020، نشر السعدي على حسابه بالمنصة صورة لمبنى الكابيتول الأميركي وهو مدمّر، إلى جانب صور قادة قتلى مثل سليماني، مع عبارة: «انتقامنا للقادة الشهداء مستمر. لا مفاوضات مع المحتل».

كما أنه يعلن من خلال المنصة موقفه الصريح بدعم إيران، و«محور المقاومة»، ويهاجم خصومهم.

وفي عام 2023، نشر السعدي لقطة من تطبيق خرائط لجزيرة أنديان كريك في ولاية فلوريدا الأميركية، وهي جزيرة سكنية صغيرة محصّنة في مقاطعة ميامي-ديد، وتُعرف إعلامياً باسم مخبأ المليارديرات، حيث يقيم عدد من رجال الأعمال، والمشاهير، والسياسيين. من بين السكان البارزين جاريد كوشنر، وزوجته إيفانكا ترمب.


مقالات ذات صلة

«سرقة القرن» العراقية تعود إلى الواجهة برصيد 5 مليارات دولار

المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي السابق محمد السوداني لدى إعلانه استرداد أموال من «سرقة القرن» (أ.ف.ب)

«سرقة القرن» العراقية تعود إلى الواجهة برصيد 5 مليارات دولار

عادت قضية سرقة الأموال الضريبية في العراق، أو ما تعرف بـ«سرقة القرن»، إلى الواجهة، برصيد جديد بلغ نحو 5 مليارات دولار...

الخليج الإمارات تعلن اعتراض 6 مسيّرات وتكشف مصدر هجوم «براكة»

الإمارات تعلن اعتراض 6 مسيّرات وتكشف مصدر هجوم «براكة»

أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن منظومات الدفاع الجوي رصدت وتعاملت خلال الساعات الـ48 الماضية مع 6 طائرات مسيّرة وصفتها بـ«المعادية».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
المشرق العربي محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​

«كتائب حزب الله» العراقية تنفي صلتها بموقوف لدى واشنطن

نفت «كتائب حزب الله» العراقية الاثنين صلتها بموقوف قالت واشنطن إنه قيادي في الفصيل وإنها اعتقلته بتهمة التخطيط لهجمات «إرهابية» بالولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

انقسامات حادة تطيح بوحدة «الإطار التنسيقي» العراقي

كشفت جلسة البرلمان العراقي للتصويت على حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، الخميس الماضي، عن حجم الانقسامات الخطيرة داخل قوى «الإطار التنسيقي».

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي جانب من الحدود الإيرانية - العراقية (أرشيفية - رويترز)

أربيل تؤكد عدم رغبتها الدخول في «نزاع» مع طهران

نفى مسؤول أمني كردي بارز مزاعم «الحرس الثوري» الإيراني المتكررة لإقليم كردستان، بالسماح بعبور شحنات أسلحة أميركية إلى المعارضة الكردية الإيرانية.

فاضل النشمي (بغداد)

تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
TT

تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)

دخلت العلاقة بين الممثل الأعلى لمجلس السلام في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، وحركة «حماس»، مرحلة شدّ وجذب لا تتوقف عن تبادل الاتهامات وتحميل كل طرف المسؤولية للآخر، وسط تعثر لاتفاق وقف إطلاق النار منذ أشهر.

تجاذبات زادت وتيرتها بعد تعثر مفاوضات جرت بالقاهرة بين الجانبين، وكان أحدثها تقرير ملادينوف لمجلس الأمن «يعتبر (حماس) عقبة أمام تنفيذ الاتفاق»، قبل أن ترد الحركة وتفند ذلك، وهو مسار يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» سينعكس سلباً على تنفيذ الاتفاق كاملاً ويعمق التعثر الحالي.

وأفاد «مجلس السلام بغزة» في تقرير قدّمه إلى مجلس الأمن الدولي بأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة صمد لمدة 7 أشهر رغم الانتهاكات والتحديات المستمرة، مؤكداً أن «العقبة الرئيسية أمام تنفيذ الخطة الشاملة رفض حركة (حماس) نزع السلاح والتخلي عن السيطرة على القطاع».

فيما رفضت «حماس»، في بيان، الثلاثاء، ما ورد في تقرير مجلس السلام المُقدم لمجلس الأمن، مؤكدة أنه «احتوى على جملة من المغالطات التي تُعفي حكومة الاحتلال من مسؤولياتها عن الانتهاكات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والتركيز على مسألة نزع السلاح، بهدف خلط الأوراق، وتعطيل اتفاق وقف إطلاق النار الواضح في مساره ومراحله». ولفتت إلى أن «الحركة أكدت مراراً وتكراراً جاهزيتها لتسليم إدارة غزة للجنة الوطنية».

وبعد تعثر مفاوضات جرت أخيراً بالقاهرة قبل نحو أسبوع، توسع نطاق الخلافات العلنية بين «حماس» وملادينوف، حيث شنّ عضو المكتب السياسي لـ«حماس»، باسم نعيم، هجوماً على المسؤول البارز في «مجلس السلام».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أحمد فؤاد أنور يرى أن «التباينات بين ملادينوف و(حماس) تزداد، وبشكل أكيد ستنعكس سلباً على اتفاق غزة، خاصة وذلك المسؤول بمجلس السلام يحاول تبييض وجه إسرائيل والتمهيد لها بشنّ ضربات شاملة ضد القطاع». ويشير إلى أن «حماس» لم ترد على مقتل قائد «القسام» عز الدين الحداد، ورغم ذلك تستمع لنقد من ملادينوف، وهذا «لا يساعد على نجاح أي وسيط أو مسار اتفاق».

وأكّد أنور «أنه لا يمكن القبول بتنفيذ نزع سلاح (حماس) بينما إسرائيل تواصل خروقاتها يومياً، وليس هناك أي ضمانات على جديتها للالتزام بالاتفاق»، داعياً إلى «ضرورة مراجعة ملادينوف مواقفه لعدم إفشال مسار المفاوضات والاستقرار بالمنطقة خاصة؛ إذ صار عبئاً على مسار المفاوضات، وليس مسهلاً لها».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

واعتبر المحلل السياسي الفلسطيني، حسام الدجني، أن «ملادينوف يتبنى بشكل كامل الرؤية الإسرائيلية التي تركز بشكل حصري على قضية السلاح، وتتجاهل جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال وحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره»، ويشير إلى أن هذا الانحياز «يعرقل أي تقدم حقيقي لتنفيذ الاتفاق، وقد يقود إلى سيناريوهات خطيرة، بما في ذلك انهيار التهدئة وعودة التصعيد العسكري».

ويشدد على أن المشكلة ليست في شخص ملادينوف، لكن المشكلة تكمن في طبيعة الوظيفة التي يشغلها حالياً، والتي تلزم أي من كان يشغلها بسحب السلاح ورسم واقع جديد لقطاع غزة لا يتوافق مع تطلعات شعب يعيش تحت الاحتلال.

يأتي هذا في وقت أشار وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي خلال لقاء مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، في لندن، الثلاثاء، إلى «أهمية مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة مهامها من داخل القطاع، وسرعة نشر قوة الاستقرار الدولية».

ويرى أنور أن مصر تواصل التأكيد على أهمية دخول لجنة التكنوقراط وقوات الاستقرار للدفع بالاتفاق للأمام، وتجاوز أي مناورات تهدده حالياً.

فيما يتوقع الدجني سيناريوهات، أولها أن «يتدخل الوسطاء بمقاربة جديدة لجميع الأطراف تلقى قبولاً، خاصة أن مصر تحاول إيجاد نافذة للحل بدخول اللجنة ونشر قوات الاستقرار؛ لكن هذا يحتاج أولاً لوقف التصعيد الإسرائيلي وفتح باب المساعدات، وتهيئة مناخ إيجابي»، لافتاً إلى أن السيناريو الثاني بقاء الوضع كما هو عليه، أما الثالث فهو عودة الإبادة والنزوح والقتل، لكن إسرائيل تفضل السيناريو الثاني، خاصة مع احتمالية عودة الحرب على إيران.


تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
TT

تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)

يبدو «حزب الله» في موقع متناقض حيال ملف التفاوض المرتبط بالحرب على لبنان. فالحزب الذي يرفض بشدة أي مفاوضات مباشرة تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ويعدّها مساراً يقود إلى التنازلات، لا يبدي الموقف نفسه تجاه التفاهمات الإيرانية - الأميركية التي تقول طهران إنها تشمل لبنان، بل يذهب إلى اعتبارها مدخلاً أساسياً لوقف الحرب. هذا التباين يطرح تساؤلات سياسية حول خلفية موقف الحزب، وما إذا كان اعتراضه يرتبط بطبيعة التفاوض نفسه، أم بالجهة التي تتولى التفاوض، وبالنتائج المحتملة على سلاحه ودوره داخل لبنان.

وفي هذا الإطار، جاء إعلان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، الثلاثاء بأن الاقتراح الإيراني يشمل «إنهاء الحرب على كل الجبهات بما في ذلك لبنان»، ليعيد فتح النقاش حول موقع لبنان داخل أي تسوية إقليمية محتملة، وحول كيفية تعاطي «حزب الله» مع مسارات التفاوض المختلفة.

التناقض في موقف «حزب الله»

فالحزب الذي يهاجم باستمرار أي مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، يعوّل في المقابل على المفاوضات الإيرانية - الأميركية عندما تتصل بوقف الحرب على لبنان.

وكان الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، قد أكد في وقت سابق أنَّ «الاتفاق الإيراني - الأميركي الذي يتضمَّن وقف العدوان على لبنان يكاد يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان»، شاكراً إيران على «اهتمامها بلبنان وشعبه».

كما قال النائب في كتلة «حزب الله»، حسن فضل الله: «إن الجميع يعلق آمالاً على مسار إسلام آباد»، مضيفاً أن «إيران علقت المفاوضات لأجل لبنان»، قبل أن يهاجم في المقابل «المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل» عادّاً أنَّها «مأزق، ومسار مسدود الأفق».

لبنانية توثّق الدمار بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال جولة للصحافيين نظّمها «حزب الله» الأربعاء (أ.ف.ب)

بدوره، رأى النائب عن الحزب، حسين الحاج حسن، أن «المفاوضات المباشرة التي أجرتها السلطة في لبنان مع إسرائيل أدخلتها في مأزق، وأوصلتها إلى مسار مسدود لن يؤدي بها إلا إلى تنازلات دون نتيجة».

هذه الازدواجية بين موقف الحزب من التفاوض اللبناني المباشر وموقفه من التفاوض الإيراني - الأميركي يدفع، إلى طرح سؤال أساسي: هل يرفض الحزب مبدأ التفاوض بحدِّ ذاته، أم يرفض فقط المسار الذي تقوده الدولة اللبنانية وما قد ينتج عنه داخلياً؟

مصدر وزاري: موقف «حزب الله» مستغرق ومتناقض

وفي هذا الإطار، وصف مصدر وزاري مقرَّب من الرئاسة اللبنانية موقف «حزب الله» الرافض لأي تفاوض مباشر بين الدولة اللبنانية وإسرائيل بأنَّه يتسم بـ«التناقض الواضح»، عادّاً أنّ «ما هو مسموح لإيران يبدو ممنوعاً على لبنان، رغم أنَّ الدولة اللبنانية تفاوض حصراً حول قضايا تتصل بالسيادة اللبنانية، ومعالجة تداعيات الاحتلال الإسرائيلي».

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «لبنان يفاوض حول ملفات لبنانية بحتة مرتبطة بواقع قائم فرضه الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة اللبنانية تتحرَّك انطلاقاً من مصلحة لبنان فقط، وبالتالي فإنَّ أي محاولة لتصوير الأمر بشكل مختلف تبقى غير مفهومة».

وأشار المصدر إلى أنَّ موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون والحكومة كان ثابتاً منذ البداية، ومفاده أنَّ «لا أحد يفاوض بالنيابة عن لبنان، وهو المبدأ الذي يحكم المقاربة الرسمية الحالية».

ورداً على من يعدّ أنّ «إيران تفاوض الولايات المتحدة وليس إسرائيل»، أوضح المصدر أنّ «الوضع اللبناني مختلف بالكامل، لأنَّ إسرائيل تحتل أراضي لبنانية ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون التفاوض مع العدو بهدف الانسحاب وإنهاء الاحتلال، وهذا ما تقوم به كل الدول عندما تكون أراضيها محتلة».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

التفاوض اللبناني يهدّد معادلة السلاح

وفي قراءته لموقف «حزب الله»، يرى رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية، الدكتور عماد سلامة، أن «حزب الله» يرفض المفاوضات المباشرة؛ لأنَّه يدرك أنَّ أي مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية، وبدعم عربي ودولي، سيفرض تدريجياً إخراج ملف المواجهة مع إسرائيل من التداول لمصلحة دعم مؤسسات الدولة وبياناتها الوزارية، بما يتضمَّن ترتيبات أمنية، وضبط الحدود، وحصرية السلاح بيد الدولة، وحصر قرار السلم والحرب بالمؤسسات الرسمية.

من هنا يقول سلامة: «وهذا يعني عملياً إنهاء الحالة العسكرية المستقلة للحزب، وتقليص النفوذ الإيراني داخل لبنان».

ويلفت سلامة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنَّ «غالبية القوى والطوائف اللبنانية باتت تميل إلى مقاربة مختلفة تقوم على أولوية الاستقرار الداخلي، وإعادة الإعمار، والانفتاح على الحلول الدبلوماسية، حتى لو قاد ذلك مستقبلاً إلى تفاهمات أمنية أو مسارات سلام تدريجية مع إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه يعكس تباعداً متزايداً بين حزب الله، وبقية المكونات اللبنانية حول معنى السيادة، ودور الدولة، ومستقبل لبنان الإقليمي».

لبنانية توثّق الدمار بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال جولة للصحافيين نظّمها «حزب الله» الأربعاء (أ.ف.ب)

من هنا يعدُّ سلامة أن «جوهر اعتراض الحزب لا يقتصر على شكل التفاوض أو طبيعته، بل يرتبط أيضاً بما يمكن أن يفرضه أي تفاوض مباشر برعاية دولية وعربية من إعادة ترتيب للتوازنات الداخلية في لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بحصرية السلاح ومرجعية قرار السلم والحرب».

لماذا يفضّل الحزب التفاوض الإيراني؟

وفي المقابل، يقبل «حزب الله» بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية لأنه يعدُّ، بحسب سلامة، أن «طهران تفاوض من موقع إقليمي أشمل يربط ملفات لبنان وغزة والعراق واليمن بالأمن الإقليمي وبمصالح الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، يراهن الحزب على أنَّ أي تفاوض إيراني لن يؤدي إلى تفكيكه، بل إلى تثبيت دوره بوصفه جزءاً من توازنات المنطقة وقوةً سياسيةً وأمنيةً داخل لبنان. لذلك يفضِّل الحزب أن يبقى مصير سلاحه ودوره مرتبطاً بتفاهمات إقليمية تقودها إيران، لا بمفاوضات لبنانية مباشرة قد تضعه في مواجهة إجماع داخلي ودولي يسعى لإعادة بناء الدولة اللبنانية على حساب ازدواجية السلطة والسلاح».


مرسوم للشرع يتشدد مع تهريب المخدرات والأسلحة و«البضائع الإسرائيلية»

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
TT

مرسوم للشرع يتشدد مع تهريب المخدرات والأسلحة و«البضائع الإسرائيلية»

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتضمن قانوناً جديداً للجمارك في سوريا، ليكون بديلاً شاملاً للقانونين رقم 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما، باعتباره التشريع الناظم لعمل الأمانات الجمركية وحركة البضائع والرسوم عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، تحت إشراف الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.

ويتضمن القانون تحديث التشريعات المرتبطة بالحدود والمنافذ وتبسيط الإجراءات الجمركية بهدف تسريع حركة الشحن والتبادل التجاري، إضافة إلى منح الهيئة العامة للمنافذ والجمارك الصلاحيات التنفيذية الكاملة لإدارة المنافذ البرية والمرافئ البحرية.

غير أن تسمية البضائع الإسرائيلية ضمن نص المادة 112 من المرسوم الجديد، لفتت انتباه المتابعين، إذ نصّت المادة 112 على أنه يمنع دخول أصناف من البضائع إلى المنطقة الحرة المشتركة مع الأردن، من بينها «البضائع الممنوعة لمخالفتها لأحكام مقاطعة إسرائيل، أو لأحكام النظام العام التي تحدد من السلطات ذات الاختصاص».

فيما جاء في المادة 206 أن المحكمة الجمركية تحكم بـ«النفاذ المعجل» في عدة حالات، بينها «إذا كانت البضاعة المهربة مخدرات، أو أسلحة حربية، أو ذخائر، أو بضائع إسرائيلية، أو بضائع ممنوعة معينة مهما بلغت قيمتها».

وتأتي هذه الإجراءات تأكيداً على الموقف الرسمي السوري تجاه «قوانين مقاطعة إسرائيل» الصادرة عن جامعة الدول العربية منذ خمسينات القرن الماضي.

وتحظر القوانين السورية أي شكل من أشكال العلاقات التجارية أو الاقتصادية أو الاستثمارية مع إسرائيل، وتعتبر دخول أي منتج إسرائيلي إلى الأسواق المحلية أو المناطق الحرة جريمة تهريب كبرى تمس الأمن القومي.

المديرية العامة للموانئ في اللاذقية (سانا)

ومنح المرسوم إدارة الجمارك شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً، محدداً مقرها في دمشق، مرتبطة برئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، في خطوة تشريعية واسعة تستهدف تنظيم حركة الاستيراد والتصدير والعبور، وضبط الإيرادات العامة، ومكافحة التهريب، وتعزيز الرقابة على الحدود والمرافئ والمطارات والمناطق الحرة.

وسبق أن أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (244) لعام 2025 القاضي بإحداث هيئة عامة تسمى «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، ويكون مقرها مدينة دمشق.

ووسع المرسوم (109) تطبيق أحكامه ليشمل الأراضي والحدود البحرية والمياه الإقليمية الخاضعة لسيادة الدولة، وأخضع كل بضاعة تجتاز الخط الجمركي في الإدخال أو الإخراج لأحكامه والأنظمة الجمركية، مع اعتماد مبادئ التبسيط والعلنية والشفافية، والانتقال نحو قبول بيانات الحمولة والتصريحات والمستندات إلكترونياً، واعتماد المعاينة الانتقائية والتدقيق اللاحق والتبادل الإلكتروني للمعلومات وطرق دفع حديثة عبر الائتمان والضمانات المصرفية.

وأجاز القانون إنشاء مناطق حرة بتخصيص أجزاء من المرافئ أو خارجها واعتبارها خارج المنطقة الجمركية، وسمح بإدخال البضائع الأجنبية من أي نوع وأياً كان منشؤها أو مصدرها إلى المناطق الحرة وإخراجها إلى غير المنطقة الجمركية دون الخضوع لقيود الاستيراد أو إعادة التصدير أو القطع أو المنع أو وجوب الرسوم والضرائب، باستثناء رسوم الخدمات، مع مراعاة القيود الخاصة بالبضائع الوطنية التي تدخل تلك المناطق.

المرسوم من جهة أخرى وضع قيوداً واضحة على المناطق الحرة، إذ منع أيضاً دخول البضائع المخالفة لأحكام مقاطعة إسرائيل أو للنظام العام التي تحددها السلطات المختصة، كما منع البضائع النتنة أو الخطرة إلا ضمن شروط تسمح بها الهيئة، والأسلحة الحربية والذخائر والمتفجرات بأنواعها، والبضائع المخالفة لقوانين حماية الملكية التجارية والصناعية والأدبية والفنية، والمخدرات بأنواعها ومشتقاتها، والبضائع التي يكون منشؤها بلداً تقرر مقاطعته اقتصادياً.

وتحظر القوانين السورية أي شكل من أشكال العلاقات التجارية أو الاقتصادية أو الاستثمارية مع إسرائيل، وتعتبر دخول أي منتج إسرائيلي إلى الأسواق المحلية أو المناطق الحرة جريمة تهريب كبرى تمس الأمن القومي.

تشارلز ليستر مدير قسم سوريا في معهد «ميدل إيست» يدير حواراً مع الرئيس الشرع في نيويورك سبتمبر الماضي (سانا)

تجدر الإشارة إلى أن الرئيس السوري أعلن منذ توليه السلطة بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أنه يسعى إلى التوصل لـ«اتفاق أمني» يضمن إنهاء الضربات الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي في الجولان المحتل، وصولاً إلى ترتيبات شبيهة باتفاق عام 1974.

وأعلن الرئيس أحمد الشرع في 22 سبتمبر (أيلول) 2025 من نيويورك، أن المحادثات مع إسرائيل وصلت إلى مرحلة متقدمة، وعبر عن أمله في أن تفضي نتيجة المناقشات إلى الحفاظ على سيادة سوريا ومعالجة مخاوف إسرائيل الأمنية.

وقال خلال حوار في قمة كونكورديا السنوية في نيويورك على هامش مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة: «لدينا مراحل في التفاوض مع إسرائيل، المرحلة الأولى هي الاتفاق الأمني الذي يعيد إسرائيل إلى هدنة 1974».

وأكّد الشرع أن «النقاش جارٍ» في الوقت الحالي «حول الاتفاق الأمني» مع إسرائيل، وأن بلاده قد تناقش مسألة الجولان المحتلّ مع إسرائيل إذا التزمت الأخيرة بالتهدئة، مؤكداً في الوقت نفسه أن المفاوضات الهادفة للتوصل إلى اتفاق أمني معها بلغت مراحل «متقدمة».