مأزق «حزب الله»: ضغط سياسي وعسكري يهدد بارتداده على الداخل اللبناني

مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
TT

مأزق «حزب الله»: ضغط سياسي وعسكري يهدد بارتداده على الداخل اللبناني

مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)

يواجه «حزب الله» مرحلة دقيقة مع تقاطع الضغوط العسكرية على الأرض والتحولات السياسية الداخلية والإقليمية المتسارعة؛ ففي حين أثبتت الحرب الحالية أن الحزب لم يصل إلى مرحلة الانهيار، فإن الوقائع تثبت أنه بات في «مأزق سياسي وعسكري»، ما من شأنه أن يعكس ردة فعل على الداخل اللبناني تصل إلى محاولة متجددة لإسقاط حكومة نواف سلام وقراراتها المرتبطة بنزع سلاحه.

مأزق «حزب الله»

ويرى مدير مركز «المشرق للدراسات الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، أن «(حزب الله) يواجه مأزقاً عميقاً على أكثر من مستوى؛ إذ لم ينجح الخيار العسكري في تحقيق أهدافه، فيما لم يتمكن المسار الدبلوماسي الإيراني حتى الآن من إحداث خرق يُذكر»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الفشل المزدوج وضع الحزب في حالة انسداد واضحة، رغم محاولاته إعادة تنظيم صفوفه وإظهار قدرته على الاستمرار في المواجهة».

وفيما يتحدث عن استمرار المواجهات العسكرية، لافتاً إلى استمرار التوغل الإسرائيلي، الذي يعكس عجزاً عن فرض توازن ردع جديد، يشير إلى واقع لـ«حزب الله» الداخلي، حيث «خسر الغطاء الشرعي الذي كانت تؤمّنه له الحكومة اللبنانية، كما أخفق في الضغط عبر الشارع؛ إذ لم تنجح التحركات في إسقاط الحكومة أو تعديل مسارها، ما يعني أن الأدوات السياسية لم تعد فعالة».

«المظلة الإيرانية»

بدوره، يتحدث الباحث في مؤسسة «كارنيغي» مهند الحاج علي عن «الأهداف الاستراتيجية لـ(حزب الله) في هذه الحرب التي تتمثل، أولاً بالانضمام إلى مظلة إيرانية لوقف إطلاق النار، في ظل إصرار إيران على ذلك كجزء من أي اتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل»، أما الهدف الثاني فهو «إسقاط حكومة نواف سلام وقرارات نزع سلاح الحزب، لأن تغيير الحكومة يتيح له التأثير في مسار العهد»، مضيفاً: «وبالتالي، فإن هذين الهدفين يلتقيان مع الأهداف الإسرائيلية من حيث النتائج؛ إذ تسعى إسرائيل إلى احتلال الجنوب وفرض منطقة عازلة، وهو ما يتحقق في ظل عدم قدرة الحزب على الحفاظ على هذه المناطق. وفي المقابل، يمنح هذا الاحتلال الحزب مبرراً للاستمرار بصفته مقاومة. كذلك، تعمل إسرائيل على إضعاف الدولة اللبنانية عبر الاحتلال وفرض شروط كبيرة، وإظهار الحكومة كأنها خاضعة للحزب».

سيدة أمام مبنى مدمر تعرض لقصف إسرائيلي في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت (رويترز)

الرهان على الوقت

في ضوء هذا المأزق، لم يعد أمام «حزب الله»، بحسب نادر، سوى اعتماد استراتيجية قائمة على الرهان على عامل الوقت. فالحزب يدرك أنه غير قادر حالياً على تغيير موازين القوى لصالحه، سواء عسكرياً أو سياسياً، لذلك يتجه إلى انتظار متغيرات خارجية قد تعيد خلط الأوراق. وبذلك، ينتقل من موقع المبادرة إلى موقع الترقب، في محاولة لإدارة الأزمة بدل حسمها، مع ما يحمله ذلك من مخاطر استمرار الاستنزاف.

«أزمة داخلية»

وبانتظار ما ستؤول إليه نتائج المفاوضات، يرى الحاج علي أن «(حزب الله) يستمد قوته من نتائج العملية الإسرائيلية؛ إذ إن دخول الحكومة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يضعها في موقع ضعيف، باعتبار أن الحكومة تفاوض على ورقة لا تملكها، فيما يربط الحزب موقفه بالموقف الإيراني، سواء من حيث التوقيت أو الشروط، وبالتالي قد نشهد أزمة داخلية في المرحلة المقبلة، وهو ما سيظهر عبر محاولة متجددة من جانب (حزب الله) لإسقاط الحكومة لما يوفره ذلك من راحة استراتيجية له على المدى المتوسط، مع احتمال حصول تحركات على الأرض وفتح ملف حصر السلاح».

ورغم ذلك، يرى الحاج علي «أنه يمكن للحكومة التي تتمتع بعلاقات عربية أن تحاول الوصول إلى حل وسط يقوم على حصر السلاح بشكل تدريجي، بالتوازي مع تعزيز دور الدولة، وهو أمر ليس بعيداً، وتوجد مؤشرات عليه».

مواطن نازح في مركز للنزوح في منطقة صيدا بجنوب لبنان (رويترز)

التصعيد العسكري: استنزاف وتراجع هجومي

كما في السياسة، كذلك على الأرض، يتعرض الحزب لضغط مستمر على الجبهة الجنوبية، خصوصاً في مناطق مثل بنت جبيل، مع خسائر بشرية ومادية وتدمير واسع، إلى جانب سيطرة الجيش الإسرائيلي على أراضٍ جنوب الليطاني.

وفي هذا الإطار، يرى اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن مسار المواجهة يشهد تحولاً نحو تراجع في العمليات الهجومية مقابل تصاعد منطق الاستنزاف، حيث لم يعد الهدف تحقيق اختراقات ميدانية كبيرة بقدر ما بات التركيز على إدارة المعركة ضمن سقف الإمكانيات المتاحة.

ويشير إلى أن القصف باتجاه الداخل الإسرائيلي تراجع، وأصبح يتركّز أكثر على استهداف القوات داخل الأراضي اللبنانية، مع اعتماد استهدافات محدودة، ما يعكس تراجع القدرة على الإسناد الناري المكثف.

كما يلفت إلى أن التقدم الإسرائيلي باستخدام وحدات مدرعة فرض تراجع الحزب إلى خطوط خلفية لتفادي خسائر كبيرة، من دون أن يعني ذلك خروجه من المعركة، بل تكيفه مع طبيعة المواجهة. ويؤكد أن الحزب لا يستطيع خوض حرب تقليدية، لكنه لا يزال قادراً على تنفيذ عمليات محدودة تُبقي الجيش الإسرائيلي في حالة استنزاف دائم، خصوصاً في القتال داخل المناطق المأهولة.

الحسم السياسي

في المحصلة، يؤكد شحيتلي «أن ما يجري هو حرب استنزاف مفتوحة من دون حسم، حيث يتكبد الطرفان خسائر مستمرة. إلا أن القرار الحاسم لا يبقى عسكرياً، بل سياسياً؛ إذ يرتبط وقف القتال بنتائج المفاوضات، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران».

ويرى أن «(حزب الله) سيستمر في هذا النمط من القتال إلى حين صدور قرار سياسي من إيران بوقفه، أما في غياب هذا القرار، فسيبقى الاستنزاف هو المسار السائد».


مقالات ذات صلة

أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

أفادت مصادر مطلعة بأن «حزب الله» اللبناني تلقى أموالاً إيرانية، على الرغم من ⁠تشديد الولايات ⁠المتحدة عقوباتها على طهران وتزايد صعوبة إيصال الأموال إلى حليفها.

محمد شقير (بيروت) كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن تعرّض موقع لها قرب الحدود مع إسرائيل لإطلاق نار الأربعاء بالأسلحة الخفيفة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

200 مليون دولار من طهران إلى «حزب الله» لمساعدة النازحين

تلقى «حزب الله» 200 مليون دولار من طهران، بهدف مساعدة اللبنانيين الذين نزحوا جراء الحرب مع إسرائيل هذا العام

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يتسوقون في أحد المتاجر الكبرى في بيروت (الشرق الأوسط)

لبنان بين صدمات الخارج وأزمات الداخل: الغلاء يرهق المواطنين

يكشف المشهد في أحد أكبر المتاجر في منطقة جل الديب الواقعة شرق بيروت، عن جانب من الواقع المعيشي الصعب الذي يرزح تحته اللبنانيون

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة خلال افتتاح معرض «بين سطور الدستور» (الشرق الأوسط)

سلام: القرارات السيادية يجب أن تتخذ داخل المؤسسات الدستورية

أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن «التمسك بـ(اتفاق الطائف) يفرض تطبيقه بكامل بنوده»

«الشرق الأوسط» (بيروت)

قتيلة وإصابات بقصف مدفعي إسرائيلي شمال غربي مدينة غزة

فلسطينيون يحضرون جنازة طفل ١٤ عاماً في مجمع ناصر الطبي بخان يونس بعد وفاته متأثراً بجراحه إثر إصابته برصاصة قالت عائلته إنها أُطلقت من الجانب الإسرائيلي قرب خيمتهم في وسط المدينة (د.ب.أ)
فلسطينيون يحضرون جنازة طفل ١٤ عاماً في مجمع ناصر الطبي بخان يونس بعد وفاته متأثراً بجراحه إثر إصابته برصاصة قالت عائلته إنها أُطلقت من الجانب الإسرائيلي قرب خيمتهم في وسط المدينة (د.ب.أ)
TT

قتيلة وإصابات بقصف مدفعي إسرائيلي شمال غربي مدينة غزة

فلسطينيون يحضرون جنازة طفل ١٤ عاماً في مجمع ناصر الطبي بخان يونس بعد وفاته متأثراً بجراحه إثر إصابته برصاصة قالت عائلته إنها أُطلقت من الجانب الإسرائيلي قرب خيمتهم في وسط المدينة (د.ب.أ)
فلسطينيون يحضرون جنازة طفل ١٤ عاماً في مجمع ناصر الطبي بخان يونس بعد وفاته متأثراً بجراحه إثر إصابته برصاصة قالت عائلته إنها أُطلقت من الجانب الإسرائيلي قرب خيمتهم في وسط المدينة (د.ب.أ)

قُتلت امرأة وأصيب عدد من الفلسطينيين، اليوم الخميس، جراء قصف مدفعي إسرائيلي في محيط محطة الخزندار شمال غربي مدينة غزة.

ونقلت وكالة الأنباء والمعلومات «وفا» عن مصادر محلية القول إن «القصف المدفعي الإسرائيلي استهدف محيط محطة الخزندار، ما أدى إلى استشهاد امرأة، وإصابة عدد من المواطنين».

«وتواصل قوات الجيش الإسرائيلي يومياً قصفها واعتداءاتها على مختلف مناطق قطاع غزة، ما يسفر عن سقوط شهداء وجرحى، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع» بحسب «وفا».

وأسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 1460 فلسطينياً منذ إعلان وقف النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بحسب وزارة الصحة في غزة. وقُتل أكثر من 74 ألفاً و200 فلسطيني منذ بدء الحرب قبل ثلاث سنوات، وفق بيانات وزارة الصحة. وأسفر هجوم «حماس» على الدولة العبرية عن مقتل أكثر من 1200 شخص، بحسب بيانات رسمية إسرائيلية.


أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
TT

أموال إيرانية لـ«حزب الله» رغم العقبات... والعقوبات

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

أفادت مصادر مطلعة بأن «حزب الله» اللبناني تلقى أموالاً إيرانية، على الرغم من ⁠تشديد الولايات ⁠المتحدة عقوباتها على طهران وتزايد صعوبة إيصال الأموال إلى حليفها اللبناني.

ونقلت وكالة «رويترز» عن المصادر أن الحزب تلقى 200 مليون دولار من إيران الشهر الماضي بهدف مساعدة اللبنانيين الذين نزحوا جراء الحرب مع إسرائيل العام الحالي. وأفاد وسطاء نقلوا الأموال، بأنهم تقاضوا عمولة 20 في المائة، وهي تعادل 4 أمثال العمولة المعتادة. وقال مسؤول في الحزب ردّاً على طلب للتعليق، إنه تسنى توفير مبلغ من المال، من دون الخوض في تفاصيل مصدره.

في سياق متصل، أكّد مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، أن لبنان سيطرح في الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي برعاية أميركية في فلوريدا، بين 20 و22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، انسحاب إسرائيل من البلدات الواقعة في محيط قلعة «الشقيف»، بما يتيح لجيشه الانتشار فيها.وشدّد المصدر على أن مواصلة الجيش الإسرائيلي تجريف البلدات الواقعة ضمن «الخط الأصفر»، وتدميره الممنهج لما تبقى فيها من منازل، سيكونان على جدول أعمال الاجتماع أيضاً.


هجمات لخلايا «داعش» تباغت الأمن شمال بغداد

عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
TT

هجمات لخلايا «داعش» تباغت الأمن شمال بغداد

عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

فرض الأمن العراقي حظراً للتجول، أمس (الأربعاء)، في قرى بمدينة الحويجة (شمال بغداد)، إثر هجمات مباغتة، يُعتقد أنها من تنفيذ خلايا «داعش».

وهاجم مسلحون مفارز للشرطة الاتحادية، يومي الاثنين والثلاثاء، ما أسفر عن مقتل وإصابة عناصر أمن. وقالت مصادر أمنية إن المسلحين استخدموا أسلحة رشاشة وبنادق قنص، فيما أكدت مصادر أمنية أن كاميرات حرارية خرجت عن الخدمة.

من جانبها، قالت قيادة قوات الشرطة الاتحادية، في بيان، إن أحد منتسبيها قضى خلال تصديه للهجوم، فيما أكّد رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس كركوك أحمد رمزي أن «الهجوم يؤكد استمرار خطر الخلايا النائمة»، داعياً إلى تكثيف الجهد الاستخباري والعمليات الأمنية لمنع تكرار هذه الهجمات.

واستبعد خبراء قدرة «داعش» على تثبيت وجوده على الأرض، لكنهم أشاروا إلى أن الخلايا النشطة ما زالت تمتلك «عبوات وأحزمة ناسفة».