في وقت دعت كتائب «حزب الله» في العراق القادة العسكريين والقضاة إلى «عدم زج أنفسهم في التجاذبات السياسية»، فإن الخلاف بين الفصائل المسلحة لا يزال مستمراً وسط ضغوط أميركية ووساطة إيرانية غير معلنة.
وفيما تواصل الولايات المتحدة الأميركية منذ أشهر ضغوطها بشكل حاد على الحكومة العراقية لإنهاء دور الفصائل المسلحة وحلها والسيطرة على السلاح خارج الدولة، واشترطت ألاّ تشارك الفصائل في الحكومة الجديدة، خصوصاً بعد أن حصلت على عدد كبير من المقاعد النيابية في الانتخابات الأخيرة، فإنه ورغم عدم صدور مواقف أو بيانات معلنة من قِبَل إيران بشأن آلية نزع السلاح المختلف عليها، فإن وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، تسلم رسالة الثلاثاء من نظيره الإيراني، عباس عراقجي، تتناول «العلاقات الثنائية وتشكيل الحكومة العراقية المقبلة».

وطبقاً لبيان صادر عن المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية، فإن «وزير الخارجية استقبل في بغداد سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى العراق، محمد كاظم آل صادق، وتسلم منه رسالة خطية من وزير الخارجية الإيراني، عراقجي، تضمنت وجهة نظر طهران بشأن أبرز القضايا الدولية، إضافة إلى الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة».
وأضاف البيان أن الرسالة تضمنت «التطرّق إلى تطورات الوضع السياسي في العراق في مرحلة ما بعد الانتخابات، والخطوات المتّخذة باتجاه تشكيل الحكومة، بما يسهم في دعم الاستقرار وتعزيز العملية السياسية».
وبينما تنشغل الأطراف العراقية في عملية تشكيل الحكومة بدءاً من الرئاسات الثلاث، فإن الضغوط الأميركية بشأن نزع سلاح الفصائل المسلحة مستمرة رغم تحوّل الحكومة الحالية التي يترأسها محمد شياع السوداني، إلى حكومة تصريف أعمال ولا تستطيع اتخاذ قرارات ملزمة لتلك التي تأتي بعدها.

إلا أن قوى السلاح في العراق، التي بدأ بعضها «يتفهم الضغوط الأميركية» في وقت لم تعد إيران قادرة على حمايتها مع استمرار تداعي وضعها الداخلي في ظلّ استمرار المظاهرات المناهضة للنظام هناك، تحاول المماطلة قدر الإمكان في عملية نزع السلاح، سعياً إلى الحصول على نفوذ واضح في تشكيلة الحكومة الجديدة.
وطبقاً لنتائج الانتخابات الأخيرة، فإن تلك الفصائل تمكنت من زيادة عدد مقاعدها في البرلمان الجديد عما كانت عليه في الدورة الماضية، مثل «عصائب أهل الحق»، فيما سجّل فوز قوى أخرى مسلحة أو قريبة منها، بحيث أصبح عدد نواب قوى السلاح، نحو 80 نائباً في البرلمان الذي يضم من 329 نائباً.
نزع السلاح أم حصره؟
وفي وقت رفضت العديد من الفصائل المسلحة الدعوة التي وجهها رئيس «مجلس القضاء الأعلى»، فائق زيدان، إليها لتسليم سلاحها للدولة، مثل «كتائب حزب الله» و«النجباء»، فإن العديد من الفصائل الأخرى، أعلنت موافقتها على الآلية المطروحة (من قِبَل زيدان)، الأمر الذي أدى إلى إغضاب «الكتائب» وعدّته تدخلاً «من القضاة في التجاذبات السياسية».

وطبقاً لما يراه سياسي عراقي مقرب من الفصائل المسلحة في حديث لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم الإشارة إلى اسمه، فإن «هناك عدم وضوح بشأن مسألة السلاح... وهناك قوى سياسية وفصائلية تذهب إلى القول إن المطلوب هو حصر السلاح لا تسليمه في الوقت الحاضر»، مبيناً أن «عملية الحصر تعني معرفة ما لدى الفصائل المسلحة من أسلحة سواء كانت خفيفة أو ثقيلة، ومعرفة أنواعها ومخازنها طبقاً لاتفاق واضح بهذا الشأن، ومن ثم يصار في وقت لاحق يتفق عليه، إلى وضع آلية أخرى لنزعه وتسليمه بيد الدولة».
وأوضح أن «هذا الأمر يتطلب فترة زمنية، قسم منها مرتبط بتشكيل حكومة جديدة، وهو ما يستغرق بعض الوقت طبقاً للمدد الدستورية، بينما يرتبط الجانب الآخر بانسحاب الأميركيين من العراق نهاية العام الحالي وبعد ذلك يمكن القول إن الفصائل تسلم أسلحتها طالما أنه لم يعد هناك احتلال، وفقاً لمفهومها للوجود الأميركي في العراق».
الجديد والقديم
وعلى الرغم مما هو معلن، فإن ما يعرف بـ«تنسيقية المقاومة الإسلامية»، أعلنت في بيان لها أنها ترفض الدعوات الخاصة بحصر السلاح أو نزعه طالما لم يخرج الأميركيون من العراق. وفي وقت وقعت العديد من الفصائل على البيان، فإن «عصائب أهل الحق» نفت علمها به، وأعلنت أن موقفها من عملية حصر السلاح بيد الدولة معلن منذ عام 2017. ودعت في بيان لها مساء الثلاثاء، إلى «ضرورة دعم بناء الدولة وترسيخ النظام الدستوري، وإعطاء الأولوية للتشريعات والقوانين التي تُعزز قدرات القوات المسلحة العراقية، وتحفظُ حقوقَ منتسبيها، ولا سيما مؤسسة (الحشد الشعبيَّ) ومنتسبيها».

كما دعا بيان «العصائب»، إلى «ضرورة صون السيادة الوطنية الكاملة، ورفض أي شكل من أشكال الوجود العسكري الأجنبي غير القانوني على الأراضي العراقية وفي سمائها، وبما يضمن استقلال القرار العسكري والأمني العراقي». وتابع البيان: «نُجددُ موقفَنا الواضح والمُعلن منذُ عام 2017 بحصرِ السلاحِ بيد الدولةِ العراقية، وذلك استناداً إلى الدستور، وتوجيهاتِ المرجعيةِ الدينية الرشيدة، وبإرادةٍ عراقيةٍ خالصةٍ دون تدخل أجنبي، ووفقاً للظروف التي تحددها المصالحُ العُليا للدولة».


