ما مصير أركان نظام بشار الأسد؟

55 من كبار المسؤولين والضباط في النظام السابق فرّوا من البلاد بطرق متعددة

عدد كبير من المسؤولين والضباط في النظام السابق استقر في روسيا (أرشيفية-رويترز)
عدد كبير من المسؤولين والضباط في النظام السابق استقر في روسيا (أرشيفية-رويترز)
TT

ما مصير أركان نظام بشار الأسد؟

عدد كبير من المسؤولين والضباط في النظام السابق استقر في روسيا (أرشيفية-رويترز)
عدد كبير من المسؤولين والضباط في النظام السابق استقر في روسيا (أرشيفية-رويترز)

بعد مرور سنة على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، تتزايد الأسئلة حول مصير أبرز أركان حكمه المتهمين بارتكاب انتهاكات واسعة بحق ملايين السوريين خلال 14 عاماً من الحرب.

ووفق تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن 55 من كبار المسؤولين والضباط في النظام السابق فرّوا من البلاد بطرق متعددة، وإن عدداً كبيراً منهم استقر في روسيا.

كان من بين الفارين قائد «الفرقة الرابعة» ماهر الأسد ومدير استخبارات سلاح الجو السوري قحطان خليل، المتَّهَم بالمسؤولية المباشرة عن واحدة من أكثر المجازر دموية في الحرب الأهلية. ولحق به علي عباس وعلي أيوب، وهما وزيرا دفاع سابقان يخضعان لعقوبات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم ارتُكبت خلال سنوات النزاع ورئيس هيئة الأركان عبد الكريم إبراهيم المتهم بتسهيل عمليات تعذيب وعنف جنسي ضد المدنيين ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية كمال الحسن ومدير مكتب الأمن الوطني علي المملوك واللواء بسام الحسن المتهم بالإشراف على الهجمات الكيميائية واختطاف الصحافي الأميركي أوستن تايس ومدير المخابرات العامة حسام لوقا.

ماهر الأسد

كان ماهر الأسد، قائد «الفرقة الرابعة» التي تُعدّ من أكثر وحدات النظام رهبة، يسابق الوقت لترتيب عملية فراره. وبحسب اثنين من المقرّبين، اتصل ماهر بصديق للعائلة وأحد رجال الأعمال المقرّبين منه، محذّراً إياهما من البقاء في منزليهما، وداعياً إلى الخروج فوراً وانتظاره في الخارج. وبعد دقائق، ظهر بسيارته المسرعة في الشارع، وتوقّف للحظات لاصطحابهما قبل أن ينطلق بهما بسرعة للحاق برحلته إلى موسكو. ووفق الصحيفة، يعيش ماهر الأسد حياة مترفة في منفاه، برفقة بعض قادته الكبار السابقين مثل جمال يونس.

كمال الحسن

يُتهم كمال الحسن، الذي تولّى رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية، بالإشراف على حملات اعتقال واسعة وتعذيب وإعدام معتقلين. غير أن عملية فراره لم تسر بسهولة. فقد أُصيب خلال تبادل لإطلاق النار مع مقاتلين من المعارضة أثناء محاولته مغادرة منزله في ضاحية قرب دمشق كانت تُعرف سابقاً بـ«قرى الأسد»؛ المنطقة التي أقام فيها عدد من كبار مسؤولي النظام في فلل فخمة. ووفق الصحيفة، اضطر الحسن إلى الانتقال متخفّياً من منزل إلى آخر قبل أن يتمكن في النهاية من الوصول إلى السفارة الروسية التي وفّرت له الحماية.

علي المملوك

ولجأ مسؤول آخر إلى السفارة الروسية هو علي مملوك، المدير السابق لمكتب الأمن الوطني، والذراع الأبرز في بناء منظومة الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري التي طبعت عقود حكم آل الأسد. وقال صديق مقرّب منه وأحد أقاربه إن مملوك علم بانهيار النظام عند الرابعة فجراً عبر اتصال هاتفي. وحين حاول اللحاق بمسؤولين آخرين في طريقهم إلى المطار، تعرّض موكبه لكمين. ورغم عدم التأكد من الجهة التي هاجمته، فإن مصادره قالت إن «أعداءه كُثر».

ومملوك، الذي خدم مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد ثم مع بشار الأسد، كان يُنظر إليه باعتباره «الصندوق الأسود للنظام». وقال أحد أصدقائه: «لم يكن فقط شاهداً على كل شيء... كان يعرف كل شيء».

وتقول ثلاثة مصادر مطلعة إن مملوك تمكن من الفرار دون إصابة، ووصل إلى السفارة الروسية. وهناك بقي مع كمال الحسن إلى أن نظّم الجانب الروسي موكباً محمياً نقلهما إلى قاعدة حميميم، قبل أن يغادرا لاحقاً إلى روسيا.

بسام الحسن

نجح اللواء بسام الحسن في الهرب دون أن يلفت الأنظار، رغم أنه كان نائماً خلال الساعات الأولى المضطربة من سقوط النظام. وتقول ثلاثة مصادر مطّلعة إن أحد كبار قادته أيقظه قبل الخامسة فجراً بقليل لتنبيهه إلى انهيار الوضع.

وبحسب مصدرين على دراية بتفاصيل فراره، سارع حسن إلى تجهيز موكب من ثلاث سيارات تقلّ زوجته وأولاده البالغين وحقائب مكدّسة بالأموال. وكان قلقه من التعرّض لهجوم كبيراً إلى حد أنه وزّع أفراد أسرته على سيارات مختلفة، لضمان عدم إصابتهم جميعاً في حال تعرضت إحدى المركبات لكمين.

وعندما اقترب الموكب من مدينة حمص، على بعد نحو 160 كيلومتراً شمال دمشق، أوقف مقاتلون السيارة الأولى، وهي رباعية الدفع، وأجبروا زوجة حسن وابنته على النزول منها، آمِرين بترك كل ما بحوزتهما داخل السيارة، بما في ذلك الحقائب اليدوية، وفق شهادة أحد الحاضرين. ويبدو أن المقاتلين اكتفوا بالغنيمة، إذ لم ينتبهوا إلى أن المرأتين استقلّتا السيارة الثانية التي كان يجلس فيها أحد أبرز رجال النظام سمعةً ورُعباً.

وبعد تجاوزه الحاجز، تمكّن حسن من الوصول إلى لبنان ثم إلى إيران بمساعدة مسؤولين إيرانيين.

وبحسب «نيويورك تايمز»، عاد الحسن لاحقاً إلى بيروت في إطار صفقة يزوّد بموجبها أجهزة الاستخبارات الأميركية بمعلومات. ويقول مقربون إنه يمضي وقته حالياً في المقاهي والمطاعم الراقية برفقة زوجته.

حسام لوقا

وقال صديق مقرّب من لوقا إنه اتصل به مراراً ليلة 7 ديسمبر للاطمئنان على الوضع، وكان يتلقى في كل مرّة تطمينات بأن «لا شيء يدعو للقلق». ولكن عند الثانية فجراً، أجاب لوقا على الهاتف على عجل ليقول فقط إنه «يجهّز نفسه للفرار».

وبعد ساعة، دخل ضباطه إلى مكتبه ليكتشفوا أنه غادر دون أن ينبس بكلمة، وأنه - وخلال خروجه - أمر محاسب الجهاز بفتح خزنة المقر، وفق ما أفاد به أحد ضباطه الذين حضروا الواقعة. وقد أخذ لوقا كل ما في داخلها من أموال، والتي قُدّرت بنحو 1.36 مليون دولار. وتقول ثلاثة مصادر من مسؤولين سابقين في النظام إنهم يعتقدون أن لوقا وصل إلى روسيا منذ ذلك الحين.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (الرئاسة السورية)

مرسوم رئاسي سوري بتعيين نور الدين أحمد عيسى محافظاً للحسكة

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً رئاسياً، يوم الجمعة، بتعيين نور الدين أحمد عيسى محافظاً لمحافظة الحسكة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سوريون يرفعون لافتات في «ساحة الكرامة» المركزية بمدينة السويداء في جنوب سوريا 25 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

مصادر درزية غير متفائلة بحل أزمة السويداء في القريب المنظور

يسيطر الهجري و«الحرس الوطني» على أجزاء واسعة من السويداء، ضمن السعي لما يسمى «دولة باشان» في المحافظة بدعم من إسرائيل.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي آليات إسرائيلية بريف القنيطرة الجنوبي (متداول)

توغل إسرائيلي جديد بريف القنيطرة السورية

توغلت قوة إسرائيلية، فجر الجمعة، في قرية عين زيوان بريف القنيطرة الجنوبي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي البرلمان الأوروبي (البرلمان الأوروبي)

البرلمان الأوروبي يدعو لالتزام دائم بوقف إطلاق النار في شمال شرقي سوريا

رحّب القرار باتفاق وقف إطلاق النار وعدَّه «تطوراً إيجابياً يجب البناء عليه»، داعياً إلى احترام التفاهمات.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ)

ترمب يخلط أوراق بغداد... وانقسام حاد حول المالكي

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يخلط أوراق بغداد... وانقسام حاد حول المالكي

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)

تتعمق أزمة تشكيل الحكومة العراقية مع تصريح جديد للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن ترشيح نوري المالكي، كاشفاً حجم الانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، ومسلطاً الضوء على تداخل العوامل الداخلية مع الإشارات الخارجية في رسم مآلات الاستحقاق التنفيذي.

وكان ترمب قد نشر موقفاً رافضاً لترشيح المالكي، فُهم في بغداد على أنه «فيتو» مباشر على عودته إلى رئاسة الوزراء لولاية ثالثة. غير أن توضيحاته الجديدة، التي قال فيها مساء الجمعة إنه «ينظر في مسألة تعيين رئيس وزراء جديد في العراق» وإن لدى واشنطن «بعض الخيارات»، فتحت باب التأويل على مصراعيه داخل القوى الشيعية.

ورأى فريق داخل «الإطار التنسيقي» في الصياغة الجديدة تراجعاً عن الرفض الصريح، أو على الأقل تخفيفاً لحدته، بما يسمح بالمضي في ترشيح المالكي. في المقابل، عَدّ معترضون أن حديث ترمب عن «خيارات» يعني عملياً الإبقاء على التحفظ، وربما التمهيد للبحث عن بدائل توافقية، خصوصاً في ظل حساسية العلاقة بين بغداد وواشنطن في ملفات الأمن والطاقة والوجود العسكري.

وتأتي هذه السجالات في سياق مألوف منذ 2005، إذ كثيراً ما تداخل العامل الأميركي مع حسابات تشكيل الحكومات العراقية، سواء عبر الضغط العلني أو الإشارات الدبلوماسية غير المباشرة.

انقسام يتسرب إلى العلن

ورغم البيانات الأسبوعية التي تؤكد وحدة موقف «الإطار»، فإن الخلافات بشأن المالكي خرجت إلى العلن عبر بيانات متبادلة وبرامج حوارية على قنوات محسوبة على أطرافه.

ويضم «الإطار التنسيقي» قوى شيعية رئيسية، من بينها ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، و«حركة عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي.

وحسب معطيات، فإن 10 من أصل 12 مكوناً في «الإطار» وافقوا على ترشيح المالكي، لكن اعتراض قوى وازنة جعل الحسم صعباً.

وتفاقمت الأزمة مع استمرار خرق المُدد الدستورية لتشكيل الحكومة، في ظل غياب نصوص جزائية صريحة تعاقب على تجاوزها، ما حوّل التأخير إلى عرف سياسي متكرر كلما استعصى التوافق.

صورة نشرها موقع بارزاني من استقباله المالكي في أربيل (أرشيفية)

حذر كردي

وعلى الضفة الكردية، بدا الموقف أكثر حذراً، فقد كان الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني قد هنأ المالكي على ترشيحه في 24 يناير (كانون الثاني) الماضي، في مؤشر إلى قبول مبدئي بخياره داخل «الإطار». إلا أن تغريدة ترمب دفعت القوى الكردية إلى إعادة تقييم المشهد، من دون إعلان تغيير رسمي في موقفها.

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، إن بلاده «تتعامل بجدية مع إشارات أميركا بشأن تعيين المالكي»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ترشيح رئيس الوزراء «شأن داخلي»، في موقف عكس توازناً بين عدم تحدي واشنطن وعدم الانقلاب على التفاهمات الداخلية.

ويترقب الحزبان الكرديان الرئيسيان قرار «الإطار» النهائي: هل يثبت على ترشيح المالكي أم يذهب إلى خيار بديل، قبل حسم موقعهما النهائي، خصوصاً أن رئيس الجمهورية الكردي المقبل سيكون معنياً دستورياً بتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة.

رسائل ملتبسة

بالتوازي، كانت أطراف داخل «الإطار» قد سعت إلى «استمزاج» الموقف الإيراني. فقد فسرت قوى مقربة من المالكي إشارات صادرة من طهران على أنها دعم ضمني، فيما قرأها معترضون على أنها حياد إيجابي تجاه «المرشح» لا الشخص بعينه. وهذا التباين في تفسير الرسائل الخارجية عمّق الانقسام، بدلاً من حسمه.

ومع تصاعد السجالات إلى مستوى هدد تماسك التحالف، أعلنت الأمانة العامة لـ«الإطار التنسيقي» وقف ما سمته «حملات التصعيد الإعلامي» فوراً، مع التلويح بمحاسبة مَن يخالف القرار. وجاءت الخطوة بعد اجتماع طارئ للجنة مكلفة، في محاولة لاحتواء الانقسام ومنع انتقاله من الإعلام إلى القواعد التنظيمية.

غير أن وقف الحملات لا يعني انتهاء الخلاف. فتصريح ترمب الأخير، بدلاً من أن يحسم الجدل، أعاد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيداً: هل هو تراجع يتيح تمرير المالكي، أم رسالة ضغط تدفع نحو صفقة جديدة؟ وبين هذين التفسيرين، يبقى مصير الترشيح معلقاً على توازنات داخلية دقيقة، وإشارات خارجية لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال.


الجيش الأميركي قصف أكثر من 30 هدفاً لـ«داعش» في سوريا

صورة رُفعت عنها السرية نشرتها القيادة المركزية الأميركية للضربات ضد أهداف لـ«داعش» (سنتكوم)
صورة رُفعت عنها السرية نشرتها القيادة المركزية الأميركية للضربات ضد أهداف لـ«داعش» (سنتكوم)
TT

الجيش الأميركي قصف أكثر من 30 هدفاً لـ«داعش» في سوريا

صورة رُفعت عنها السرية نشرتها القيادة المركزية الأميركية للضربات ضد أهداف لـ«داعش» (سنتكوم)
صورة رُفعت عنها السرية نشرتها القيادة المركزية الأميركية للضربات ضد أهداف لـ«داعش» (سنتكوم)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، السبت، تنفيذ 10 ضربات جوية استهدفت أكثر من 30 موقعاً تابعاً لتنظيم «داعش» في سوريا خلال الفترة من 3 إلى 12 فبراير (شباط) الحالي، في إطار ما وصفتها بـ«مواصلة الضغط العسكري المتواصل» على بقايا الشبكة المتشددة.

وقالت القيادة إن القوات الأميركية استهدفت بنى تحتية ومخازن أسلحة للتنظيم باستخدام ذخائر دقيقة أُطلقت من طائرات ثابتة الجناح، ومروحيات، وطائرات مسيّرة.

وكانت «سنتكوم» قد نفّذت في وقت سابق 5 ضربات بين 27 يناير (كانون الثاني) و2 فبراير، طالت موقع اتصالات للتنظيم، وعقدة لوجيستية رئيسية، ومنشآت لتخزين الأسلحة.

صورة رُفعت عنها السرية نشرتها القيادة المركزية الأميركية للضربات ضد أهداف لـ«داعش» (سنتكوم)

وجاءت العملية رداً على هجوم وقع في 13 ديسمبر (كانون الأول) استهدف قوات أميركية وسورية في مدينة تدمر، وأسفر عن مقتل جنديَّين ومترجم أميركيِّين.

وبحسب البيان، أسفرت العمليات المركزة خلال شهرين عن مقتل أو اعتقال أكثر من 50 عنصراً من التنظيم، مع استهداف ما يزيد على 100 موقع من بنيته التحتية باستخدام مئات الذخائر الدقيقة.


فلسطينيون يتطلعون لإنقاذ تاريخ غزة من تحت أنقاض الحرب الإسرائيلية

عمال يقومون بأعمال ترميم ويبحثون عن قطع أثرية مفقودة في قصر الباشا بمدينة غزة بعد أن ألحقت به غارة إسرائيلية أضراراً خلال الحرب (أ.ب)
عمال يقومون بأعمال ترميم ويبحثون عن قطع أثرية مفقودة في قصر الباشا بمدينة غزة بعد أن ألحقت به غارة إسرائيلية أضراراً خلال الحرب (أ.ب)
TT

فلسطينيون يتطلعون لإنقاذ تاريخ غزة من تحت أنقاض الحرب الإسرائيلية

عمال يقومون بأعمال ترميم ويبحثون عن قطع أثرية مفقودة في قصر الباشا بمدينة غزة بعد أن ألحقت به غارة إسرائيلية أضراراً خلال الحرب (أ.ب)
عمال يقومون بأعمال ترميم ويبحثون عن قطع أثرية مفقودة في قصر الباشا بمدينة غزة بعد أن ألحقت به غارة إسرائيلية أضراراً خلال الحرب (أ.ب)

يتذكر منير الباز فرحته بزيارة مسجد العمري الكبير في غزة مع أسرته، ليصلي في المكان الذي تعبد فيه الناس على مر القرون مع تعاقب الإمبراطوريات.

وقال الباز: «هذه كانت أفضل الأيام»، حيث تذكر كيف كان يتجول في الأسواق النابضة بالحياة حول المسجد قبل الحرب الإسرائيلية على غزة. واليوم، أصبح معظم المسجد أطلالاً - مثل معظم مدينة غزة - عقب أن تعرض لهجمات إسرائيلية في الحرب التي استمرت عامين، وخفّت حدتها بسبب وقف إطلاق نار غير مستقر. وقال الباز، وهو مستشار في شؤون التراث الفلسطيني يشارك في أعمال الترميم بالموقع، إن مشهد الأنقاض يذكّره بـ«الشجرة التي تم اجتثاثها من جذروها».

أعمدة أثرية معروضة خارج قصر باشا وهو متحف يضم قطعاً أثرية تعرض للتلف لاحقاً في الحرب (أ.ب)

وقد أدت الحرب الإسرائيلية إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، وفقاً لوزارة الصحة في غزة، كما مسحت بالكامل من الوجود أسراً ممتدة. وقضى الهجوم أيضاً على بعض من التراث الذي يحمل تاريخاً غنياً يعود للعصور القديمة. وكان قد تم بناء المسجد على موقع كنيسة بيزنطية، وتعاقب عليه الحكام والديانات مع تعاقب الغزاة.

ومع توقف العمليات العسكرية الكبرى، تتضح صورة الدمار للفلسطينيين. وتحاول منظمات إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الأماكن التاريخية، حتى في الوقت الذي تواجه فيه عمليات الترميم الشامل - وعملية إعادة الإعمار الأوسع نطاقاً للمنطقة - عقبات ضخمة.

زائر يتفقد القطع الأثرية المعروضة في قصر الباشا وهو متحف بمدينة غزة تعرض لأضرار لاحقة في الحرب الإسرائيلية على مدينة غزة (أ.ب)

وكانت إسرائيل قد شنت هجومها بعدما قتل مسلحو حركة «حماس» نحو 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، واحتجزوا 251 رهينة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ويتهم الجيش «حماس» بإخفاء المعدات العسكرية أسفل، أو بجانب المواقع التراثية، بالإضافة إلى المنشآت المدنية الأخرى.

وقالت وكالة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في تقييم مستمر بناء على صور الأقمار الاصطناعية، إنها تتحقق بشأن وقوع أضرار فيما لا يقل عن 150 موقعاً منذ بداية الحرب. وتشمل هذه المواقع 14 موقعاً دينياً و115 مبنى له أهمية تاريخية أو فنية، و9 آثار و8 مواقع أثرية.

وقال عصام جحا، المدير المشارك في مركز الحفاظ على التراث الثقافي، ومقره الضفة الغربية لوكالة «أسوشييتد برس»: «هذه المواقع تعدّ عنصراً مهماً يرسخ وجود الشعب الفلسطيني على هذه الأرض، ويمثل استمراراً لهويته الثقافية». وأضاف: «هم يريدون محو الهوية الفلسطينية والتراث الفلسطيني والقضاء على أي صلة تربط المجتمع الفلسطيني بهذه الأرض». وأوضح جحا أن المركز يقوم بعمل إنقاذ طارئ في قصر باشا المتضرر بشدة، الذي يضم أعمالاً فنية تعود لقرون مضت، يبدو أنه تم نهب كثير منها.

عمال يتفقدون حمام السمارة وهو حمام تاريخي في مدينة غزة بعد تعرضه لأضرار بالغة خلال الحرب (أ.ب)

وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف «مجمعاً عسكرياً لـ(حماس) ومنظومة صواريخ مضادة للدبابات» في الموقع. وأضاف أن قواته ضربت «نفقاً إرهابياً» عند مسجد العمري. ولم يقدم دليلاً على أقواله بشأن أي من الواقعتين. ونفى أمير أبو العمرين، المسؤول بوزارة الأوقاف في غزة، الادعاءات المتعلقة بالمسجد. وقالت لجنة مستقلة تابعة لمجلس حقوق الإنسان الدولي، إنها ليست على علم بوجود أي دليل على وجود نفق في المسجد. وفيما يتعلق بالادعاءات الإسرائيلية بشأن المسجد، قالت اللجنة إنه حتى وجود «هدف عسكري مشروع... لا يبرر إحداث الضرر». وكانت إسرائيل قد اتهمت سابقاً اللجنة بالتحيز.

فلسطينيون يستريحون في ردهة حمام السمارة وهو حمام تاريخي بمدينة غزة (أ.ب)

وقد تعرضت كنيسة القديس بورفيريوس الأرثوذكسية التي تعود لقرون مضت، والتي كانت تؤوي فلسطينيين نازحين، لهجوم إسرائيلي في بداية الحرب، ما تسبب في وقوع وفيات وإصابات. وقال الجيش إنه استهدف مركزاً قريباً تابعاً لقيادة «حماس». وقالت «اليونيسكو» إن الكنيسة تضررت بصورة متوسطة.

ويبدو أن بعض المواقع التراثية في غزة نجت من الهجمات. وقالت «اليونيسكو» إنها لم تتوصل إلى دليل على حدوث ضرر لدير القديس هيلاريون، الذي يعود إلى القرن الرابع. ووفقاً للقانون الدولي، فإنه لا يجب استخدام أو استهداف المنشآت الثقافية لأغراض عسكرية.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يضع في الحسبان حساسية المواقع الثقافية والدينية، ويسعى لتقليص الضرر الذي تتعرض له البنية التحتية المدنية ويلتزم بالقانون الدولي. وكان كثير من المواقع التاريخية يعاني من الإهمال قبل الحرب. ومثل الحصار والحرب السابقة، بالإضافة إلى الافتقار للموارد والتوسع العمراني، تحديات خطيرة. وكانت السلطات قد قامت بتسوية أجزاء مما يعتقد علماء الآثار أنها مستوطنة من العصر البرونزي لإفساح المجال لمشاريع البناء.

وقال الباز إنه قبل وقف إطلاق النار، كان الحزن ترفاً لا يمكن تحمله - فأسرته كانت تحاول فقط النجاة. وقال: «ما الذي ستبدأ البكاء عليه؟ المساجد التاريخية أم منزلك أم تاريخك أم مدارس أطفالك أم الشوارع؟». والآن، بينما يستوعب حجم الدمار الناجم عن الحرب، يبكي في بعض الأحيان، بعيداً عن أعين أطفاله. وقال: «غزة هي أمنا». وأضاف: «لدينا ذكريات في كل مكان - في هذه الشجرة وهذه الوردة وهذه الحديقة وهذا المسجد. نعم، نحن نبكي على كل جزء من غزة».