«أسوأ من البدء من الصفر»... ما حجم مهمة إعادة إعمار غزة؟https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5197928-%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%A3-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%B1-%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%BA%D8%B2%D8%A9%D8%9F
«أسوأ من البدء من الصفر»... ما حجم مهمة إعادة إعمار غزة؟
صورة التقطتها طائرة مسيرة تظهر الدمار الذي لحق بغزة جراء الحرب (رويترز)
بينما عاد آلاف من سكان غزة إلى أحيائهم بعد وقف إطلاق النار، كان العديد منهم يعلم بالفعل أن منازلهم قد دُمرت.
وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فإن احتمال إعادة بناء المنازل والشركات وجميع المؤسسات والخدمات اللازمة لعودة الحياة الطبيعية في غزة أمر مرهق بكل المقاييس؛ إذ تُقدّر الأمم المتحدة الأضرار بنحو 70 مليار دولار.
ويقول البروفسور أندرياس كريغ، خبير أمن الشرق الأوسط في كلية كينغز كوليدج لندن: «الأمر أسوأ من البدء من الصفر. هنا لا تبدأ من الرمال، بل من الأنقاض».
ومن جهته، يقول جاكو سيلييه، الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للفلسطينيين، إن مستوى الدمار في القطاع «يقترب الآن من 84 في المائة. وفي بعض أجزاء غزة، مثل مدينة غزة، يصل إلى 92 في المائة».
لقد خلّف هذا الدمار كميات هائلة من الأنقاض. وتشير تقييمات «بي بي سي» المستندة إلى بيانات الأقمار الاصطناعية الحديثة إلى احتمال وجود أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض في غزة تنتظر إزالتها، من أجل البدء في إعادة إعمار غزة.
إزالة الأنقاض
ملايين الأطنان من الأنقاض المتناثرة الآن في قطاع غزة ليست مجرد أكوام من الخرسانة والمعادن الملتوية، بل تحتوي أيضاً على رفات بشرية وقنابل غير منفجرة.
وقال فيليب بوفرات، المدير التنفيذي السابق لشركة «جي سي بي»، وهي شركة بريطانية تُصنع معدات البناء والزراعة: «من منظور السلامة والإنسانية، أول ما يجب فعله هو جعل المواقع التي تم قصفها آمنة».
وأضاف: «تلي ذلك عملية فرز وفصل وسحق الأنقاض. وبعد إزالة مواد، مثل البلاستيك والفولاذ، يمكن طحن الخرسانة المتبقية وإعادة استخدامها. سيشكل هذا أساسات البناء، ولكن جهود البناء ستتطلب استيراد كميات ضخمة من المواد».
جانب من الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)
وأكمل قائلاً: «لن يتم ذلك عن طريق الشاحنات التي تعبر الحدود. أول ما نحتاج إلى فعله هو بناء ميناء عميق، لأنه عندها يمكننا جلب آلاف الحاويات».
وأشار بوفرات إلى أنه، عند الانتهاء من تطهير المواقع وتنظيفها، يمكن حينها استعادة الخدمات الأساسية مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء».
المياه والصرف الصحي
تُعدّ المياه النظيفة حاجة ملحة وعاجلة لسكان غزة. ووفقاً لتقديرات «اليونيسف»، فقد تضرر أو دُمّرت أكثر من 70 في المائة من مرافق المياه والصرف الصحي الـ600 في القطاع منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وتُعدّ معالجة مياه الصرف الصحي أمراً بالغ الأهمية لمنع تراكم مياه الصرف الصحي وانتشار الأمراض. وقد أفاد الأطباء بأن غزة تعاني من معدلات مرتفعة من أمراض الإسهال، التي قد تودي بحياة الأطفال. بالإضافة إلى خطر الإصابة بالكوليرا في بعض المناطق.
وفي صور الأقمار الاصطناعية، يُمكنك رؤية الأضرار التي لحقت بالأبراج الحيوية لمحطة الشيخ عجلين لمعالجة مياه الصرف الصحي، وهي المكونات الرئيسية المستخدمة في معالجة مياه الصرف الصحي.
فلسطينيون يملأون عبوات المياه من أنبوب مكسور وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)
وتوجد ست محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي في غزة. وقال ماهر نجار، نائب مدير مصلحة مياه بلديات الساحل (CMWU)، التي تُشرف وتُدير إصلاحات البنية التحتية للمياه في غزة: «جميعها مُتضررة».
وأضاف أنه منذ بداية الحرب، تعرقلت أعمال الإصلاحات بشكل كبير، بسبب الهجمات الجوية والمدفعية الإسرائيلية ونقص الأدوات. وتعرضت بعض المرافق للهجوم مرة أخرى بعد إصلاحها.
وإلى جانب مرافق معالجة مياه الصرف الصحي، يوجد في غزة محطات منفصلة تُوفر مياه شرب نظيفة، وقد تعرضت هي الأخرى لأضرار جسيمة.
فقي مايو (أيار) الماضي، دُمرت محطة تحلية مياه البحر التي كانت تُغذي شمال غزة ومدينة غزة.
وقال نجار: «نحن نتحدث عن آبار مياه وشبكات وخزانات وخطوط نقل مدمرة. من الصعب جداً أن نعرف من أين نبدأ. في البداية نحتاج على الأقل إلى 50 مليون دولار لإعادة نحو 20 في المائة من الخدمات للسكان».
وأضاف: «الخسارة الإجمالية تُقدَّر بنحو مليار دولار، وربما أكثر».
السكن
خلال الحرب، يُقدّر مركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية (يونوسات) أن نحو 283 ألف منزل وشقة سكنية في جميع أنحاء غزة قد تضررت أو دُمرت.
لكن من المرجح أن تكون هذه الأرقام أقل من الواقع، لأنها لا تشمل العمليات العسكرية الأخيرة في مدينة غزة، مثل الدمار الذي لحق بحي الشيخ رضوان.
وصرحت بلدية مدينة غزة بأن 90 في المائة من طرقها قد تضررت أيضاً.
فلسطينيون يتجمعون خارج مبنى مدمر في خان يونس بقطاع غزة (رويترز)
ووفقاً لشيلي كولبيرتسون، وهي باحثة سياسات بارزة في «مؤسسة راند البحثية»، ومقرها واشنطن، فإن إعادة بناء مساكن غزة «قد تستغرق عقوداً».
وقالت: «بعد القصف الإسرائيلي لغزة عامي 2014 و2021. كانت عملية إعادة بناء المساكن بطيئة لأن إسرائيل لم تسمح بدخول الكثير من مواد البناء».
وأضافت: «إذا أُعيد البناء الآن بنفس الطريقة التي تمت بها إعادة البناء في عامي 2014 و2021، فسيستغرق الأمر 80 عاماً. لكن إذا كان هناك تخطيط جيد، فقد يستغرق الأمر وقتاً أقل».
وتابعت: «التخطيط الجيد يتمثل في تصميم مخيمات يمكن تحويلها إلى أحياء سكنية، ومساعدة الناس على العودة إلى منازلهم المتضررة وإعادة بنائها».
الطاقة
كان نظام الكهرباء في غزة يعاني من ضغوط شديدة قبل الحرب الحالية. وكان انقطاع التيار الكهربائي أمراً شائعاً.
وتاريخياً، كان معظم إمداد الكهرباء في غزة يأتي من خطوط الكهرباء المتصلة بإسرائيل، ومن محطة توليد الكهرباء التي تعمل بالديزل في غزة، مع إضافة بعض الألواح الشمسية على أسطح المنازل والمرافق العامة في السنوات الأخيرة.
ومنذ 11 أكتوبر 2023، شهدت غزة انقطاعاً شبه كامل في الكهرباء بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء الخارجية.
لكن بالنسبة لمحطة تحلية المياه في جنوب غزة، التي توفر مياه الشرب النظيفة، فقد أعادت إسرائيل توصيل إمدادها بها في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ثم قطعته مرة أخرى في 9 مارس (آذار) 2025. قبل أن تعيد توصيلها مرة أخرى.
وأصبحت محطة توليد الكهرباء في غزة معطَّلة عن العمل بسبب نقص الوقود، وتعرضت مرافق الطاقة الشمسية لأضرار واسعة النطاق.
ومع انقطاع التيار الكهربائي بشكل كبير، اعتمدت الخدمات الأساسية على مولدات ديزل محدودة، والألواح الشمسية المتبقية.
وقدر تقييم مشترك أجراه البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في وقت سابق من هذا العام أن أكثر من 80 في المائة من أصول توليد وتوزيع الكهرباء إما دُمرت أو أصبحت معطلة منذ بدء الحرب، بتكلفة أضرار تُقدر بأكثر من 494 مليون دولار.
وأفادت شركة توزيع كهرباء غزة (GEDCO)، المسؤولة عن إدارة إمدادات الكهرباء في جميع أنحاء قطاع غزة، بأن 70 في المائة من مبانيها ومنشآتها دُمرت منذ أكتوبر 2023.
الزراعة
أظهرت صورة أقمار اصطناعية لمنطقة شرق جباليا، اطلعت عليها «بي بي سي»، كيف أُبيدت 4 كيلومترات مربعة من المحاصيل (يُحتمل أنها أشجار زيتون وحمضيات) خلال الحرب.
ويمر عبر الأرض المدمرة طريق أو مسار أنشأه الجيش الإسرائيلي، على الأرجح لتسهيل الوصول إلى المناطق الشمالية من مدينة غزة المجاورة.
ووجد تحليل أجراه البروفسور هي ين، من جامعة ولاية كينت، أن 82.4 في المائة من المحاصيل السنوية وأكثر من 97 في المائة من محاصيل الأشجار في قطاع غزة قد تضررت منذ بدء الحرب وحتى 10 أغسطس (آب) من هذا العام.
وأدى تراجع الزراعة، إلى جانب القيود المطولة على المساعدات، إلى انعدام حاد في الأمن الغذائي طوال فترة الصراع، وبلغ ذروته بإعلان المجاعة في مدينة غزة، سبتمبر (أيلول).
ويعزو مركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية «يونوسات»، هذا التراجع إلى «تأثير أنشطة مثل التجريف، ونشاط المركبات الثقيلة، والقصف بالقنابل، وغيرها من العوامل المرتبطة بالصراع».
ويقول بوفرات إنه لكي تتعافى الزراعة، يجب تطهير الأرض من القنابل والقذائف والألغام غير المنفجرة «بشكل عاجل للغاية».
ويضيف: «إذا تمكنوا من زراعة محاصيلهم بأنفسهم، فسيتمكنون من إطعام أنفسهم، وكلما أسرعنا في ذلك كان ذلك أفضل».
التعليم
كان نحو نصف سكان غزة قبل الحرب دون سن 18 عاماً، لذا فإن إعادة بناء المدارس أمر ضروري لأي عودة إلى الحياة الطبيعية.
وأصبحت المباني المدرسية ملاجئ للنازحين الفلسطينيين طوال فترة النزاع، وكثيراً ما استهدفتها قوات الجيش الإسرائيلي بذريعة أنها تضم مراكز «قيادة وسيطرة» لـ«حماس» والجماعات التابعة لها.
وتقول وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي كانت تدير 288 مدرسة في غزة، إن 91.8 في المائة من إجمالي المباني المدرسية ستحتاج إلى «إعادة بناء كاملة أو أعمال تأهيل كبرى لتعود للعمل مجدداً».
ولم تسلم مؤسسات التعليم العالي من القصف.
على سبيل المثال، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، قصفت القوات الإسرائيلية جامعة الأزهر جنوب مدينة غزة. ويُعد الموقع الآن جزءاً من ممر نتساريم، إحدى المناطق العسكرية العديدة التي أنشأها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب. كما حدث المصير نفسه لجامعة الإسراء في غزة.
تُسيطر حالة من الهلع المتزايد في شوارع قطاع غزة، بعد تزامن الاغتيالات الإسرائيلية مع عودة العام الدراسي، وتنفيذ غارتين في مواعيد خروج تلاميذ المدارس وعودتهم.
مطلع سبتمبر الحالي، اختطفت قوة خاصة إسرائيلية المسؤول الأمني البارز في «حماس»، معين العرابيد، من قلب المنطقة التي تسيطر عليها الحركة في غرب مدينة غزة.
«الشرق الأوسط» (غزة)
العراق يعيد فتح معابره مع إيرانhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5317944-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D9%87-%D9%85%D8%B9-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86
مواطنون ورجال أمن عند الجانب العراقي من معبر الشلامجة (أ.ف.ب)
أعلنت السلطات العراقية، أمس (الأحد)، إعادة فتح تدريجي للمنافذ البرية الثلاثة مع إيران، التي كانت أغلقتها على خلفية الاعتداء بطائرات مسيّرة على خط أنابيب للنفط في المملكة العربية السعودية، وأقرت بغداد بأنها انطلقت من العراق.
وقالت «خلية الإعلام الأمني» الرسمية، إن توجيهات صدرت عن رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، «بوضع توقيتات محددة لعملية افتتاح منافذ: الشلامجة، ومندلي، والشيب».
وتقع المنافذ الثلاثة المذكورة في محافظات البصرة وميسان ومندلي. ونُفذت الاعتداءات ضد السعودية، من قرب منفذ الشيب في محافظة ميسان، ما دفع رئيس الوزراء إلى إعفاء قائد شرطة المحافظة من منصبه، ونقل مديري الأجهزة الأمنية فيها إلى «الإمرة» وإحالتهم للتحقيق.
ورأى محللون أن خطوة غلق الحدود مثّلت نوعاً من «رسالة تحذير» غير مسبوقة للجانب الإيراني، بعد أن أعلنت الخلية نفسها، أن «الجهات الأمنية المختصة باشرت عمليات ترتيب إداري وأمني في عدد من المنافذ الحدودية، وهذا يستوجب إغلاقها، واتُّخِذَت سلسلة من الإجراءات القانونية اللازمة، وتكثيف العمل الاستخباري والتحقيق والتدقيق لمعرفة ملابسات الخروقات والمخالفات التي حصلت في هذه المنافذ».
مخاوف لبنانية من تداعيات زلزالية للتفجيرات الإسرائيلية في الجنوبhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5317900-%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88%D9%81-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B2%D9%84%D8%B2%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A
مخاوف لبنانية من تداعيات زلزالية للتفجيرات الإسرائيلية في الجنوب
الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر قصف إسرائيلي إستهدفها (أ.ب)
لم تعد التفجيرات الإسرائيلية المتتالية في جنوب لبنان مجرد عمليات عسكرية تستهدف منشآت ومواقع لـ«حزب الله»، بل بدأت تثير أسئلة ومخاوف عما يمكن أن يحدث في باطن الأرض بعد هذه الانفجارات الهائلة.
فالتفجيرات التي تنفذها إسرائيل في بلدات ومناطق جنوبية، لا سيما تلك التي تستهدف منشآت وأنفاقاً تحت الأرض، تتم بكميات ضخمة من المتفجرات، وتُنتِج موجات ارتدادية واهتزازات تتجاوز في بعض الأحيان محيط الموقع المستهدف.
ومع تكرارها، تتزايد المخاوف من ألا تكون تداعياتها محصورة بالدمار الذي يحدث فوق سطح الأرض، بل أن تمتد إلى الطبقات الجيولوجية والفوالق التي تنشط أصلاً في المنطقة.
لبنانيون يقضون وقتهم على شاطئ في صور بجنوب لبنان، فيما يتصاعد الدخان في بلدة المنصوري عقب غارة إسرائيلية استهدفتها (رويترز)
وكان آخر هذه التفجيرات وأكبرها، بحسب الخبراء، ذلك الذي استهدف منشآت تحت الأرض داخل تلة علي الطاهر. المشاهد التي انتشرت على شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي أظهرت ألسنة لهب ضخمة تصاعدت من باطن التلة، فيما شعر سكان مناطق واسعة بالاهتزازات الناتجة عن الانفجار.
وأفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بتسجيل هزة بلغت قوتها 4.1 درجة.
في تلك الليلة، عاش سكان المنطقة لحظات من الذعر. أحد السكان الذين يقطنون على مسافة نحو 20 كيلومتراً من موقع التفجير وصف المشهد بالقول إن «الأرض ارتجَّت بنا لنحو خمس ثوانٍ»، في وصف يعكس مدى اتساع دائرة الارتدادات التي شعر بها الأهالي.
طائرة إسرائيلية مسيرة تحمل صندوقاً من المتفجرات لإسقاطه على منازل في قرية المنصوري وتفجيره، كما تبدو من قرية حنية، جنوب لبنان (أ ب )
ضغط إضافي في الأرض يحتاج لمزيد من الدراسات
وفي ظل هذه المخاوف يبدو أن تداعيات هذه الانفجارات، وما إذا كانت ستؤدي إلى هزات أو زلازل في المستقبل، تحتاج إلى المزيد من الوقت والدراسات.
وهذا ما تشير إليه مديرة مركز «الجيوفيزياء» التابع لـ«المجلس الوطني للبحوث العلمية»، الدكتورة مارلين البراكس، لافتة إلى أنه «تم بالفعل تسجيل موجات ناتجة عن التفجير يمكن تشبيهها بهزة أرضية بقوة 4.2 درجة، مشيرة إلى أن تفجير علي الطاهر كان الأكبر، يليه تفجير الشقيف. وتوضح أن «التفجيرات الضخمة تخلق ضغطاً إضافياً في الأرض، يُضاف إلى الضغوط الموجودة أصلاً على الفوالق، لكن لا يمكن في الوقت الراهن تحديد حجم هذا الضغط أو الجزم بما إذا كان كافياً لإحداث كسر في الصخور أو تحفيز هزات وزلازل».
وتشدد البراكس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الأمر يحتاج إلى مراقبة علمية دقيقة للنشاط الزلزالي الطبيعي بعد التفجيرات. فإذا طرأ تغير غير طبيعي على هذا النشاط، فقد يشكل ذلك مؤشراً يستدعي القلق». إلا أنها تؤكد أن المركز لم يسجل حتى الآن نشاطاً غير طبيعي يمكن ربطه بهذه التفجيرات، لافتة في الوقت نفسه إلى أن حسم المسألة يحتاج إلى بيانات ودراسات أكثر دقة.
تلة علي الطاهر التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي وقام بتفجير شبكة أنفاق تابعة لحزب الله ليلة الخميس قرب بلدة النبطية، جنوب لبنان (أ ب)
خوف من تأثير التفجيرات المتكررة
وينظر الاختصاصي في إدارة وطب الكوارث الدكتور جبران قرنعوني إلى المسألة من زاوية أكثر إثارة للقلق. ويشير إلى أن «تلة علي الطاهر تقع على فالق الروم المتفرع عن فالق اليمونة، وهي منطقة تضم فوالق نشطة؛ ما يجعل تأثير التفجيرات المتكررة عليها موضع خشية، خصوصاً في ظل استمرار عمليات التفجير وبكميات كبيرة من المتفجرات».
وتوجَد في لبنان عدة فوالق زلزالية. يتركز فالق روم في جنوب لبنان، ويمتد من جزين، ويصل إلى بلدة روم الواقعة شرق صيدا، ثم ينحرف باتجاه إقليم الخروب والدامور حتى يصل إلى خلدة وراس بيروت، كما أن هناك فرضيات تقول إنه يمتد شمالاً إلى البحر الأبيض المتوسط.
ويقول قرنعوني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطر لا يُختصر بلحظة الانفجار نفسها؛ إذ إن التحدي يكمن في احتمال تراكم التأثيرات مع تكرار التفجيرات، لا سيما عندما تقع في مناطق قريبة من الفوالق».
لكنه يشير أيضاً إلى أن تحديد ما إذا كانت هذه العمليات قادرة فعلاً على تحفيز نشاط زلزالي يحتاج إلى تقييمات جيولوجية وزلزالية متخصصة.
وعما إذا كانت هذه التفجيرات تؤثر سلباً على إسرائيل أيضاً، وتعزز احتمالات حصول هزات وزلازل، يقول قرنعوني: «صحيح أنه لا يمكن الجزم، ولكن قد يتمكن الإسرائيليون من التحكم بعصف الانفجارات، فيكون توجهها شمالاً باتجاه لبنان لا جنوباً ليطال الشمال الإسرائيلي».
ولا تقتصر المخاوف المطروحة على الزلازل؛ فالتفجيرات العميقة والعنيفة يمكن أن تطرح، بحسب قرنعوني، أسئلة حول تأثير الضغط على الطبقات الصخرية والمياه الجوفية وشبكات الصرف الصحي في المناطق المحيطة، واحتمال حدوث أضرار في البنى التحتية أو تلوث مصادر المياه، في حال تضررت الشبكات واختلطت المياه المبتذلة بمياه الشرب.
المخاوف متواصلة منذ 2023
وهذه المخاوف ليست جديدة؛ فمنذ اندلاع الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، أكتوبر 2023، ومع توسُّع العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوباً خلال عام 2024، ثم استمرار عمليات التدمير والتفجير بعد ذلك، بدأ الحديث يتكرر عن الآثار التي يمكن أن تتركها التفجيرات المتعاقبة في مناطق تشهد أصلاً نشاطاً زلزالياً.
وأبرز المناطق التي شهدت تفجيرات كبيرة في السنوات الماضية كانت العديسة وكفركلا.
وسبق هذه التفجيرات تفجيران كبيران ضربا الضاحية الجنوبية لبيروت، حين استخدمت 85 قنبلة خارقة للتحصينات، تزن الواحدة منها ألفَي رطل، لاغتيال الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، وقنابل يصل وزنها إلى 73 طناً لاغتيال رئيس المجلس التنفيذي، هاشم صفي الدين.
«اتفاق أوسلو» بعد 33 عاماً: ليس حياً ولم يمت... فما الذي تبقَّى منه؟https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5317855-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A3%D9%88%D8%B3%D9%84%D9%88-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-33-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D9%88%D9%84%D9%85-%D9%8A%D9%85%D8%AA-%D9%81%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%AA%D8%A8%D9%82%D9%91%D9%8E%D9%89-%D9%85%D9%86%D9%87%D8%9F
«اتفاق أوسلو» بعد 33 عاماً: ليس حياً ولم يمت... فما الذي تبقَّى منه؟
القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)
ربما لم يتبقَّ من «اتفاق أوسلو» الذي وُقع قبل 33 عاماً بين الفلسطينيين والإسرائيليين سوى سلطة بلا سلطة في الضفة الغربية، والكثير من الفوضى والدمار والدم في قطاع غزة، وقدس شرقية تماثل الغربية، وكلتاهما ترزحان تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. كان يُفترض أن تشكل المواقع الثلاثة جميعاً (الضفة وغزة والقدس الشرقية) «الدولة الفلسطينية» بعد 5 سنوات فقط من توقيع الاتفاق عام 1993، أو هكذا ظن وأمل الفلسطينيون حينها.
ومع ذلك لا يمكن اعتبار مشكلة «اتفاق أوسلو» الرئيسية أنه لم يأتِ بالدولة المرجوة فقط، بل إنه منذ توقيعه تراجعت في ظله قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم، وتقلصت، يوماً بعد يوم، المساحات التي تسيطر عليها.
لقد تغيرت وظيفة السلطة إلى حد كبير؛ إذ جعلتها الحكومات الإسرائيلية محاصرة وعاجزة وشبه مفلسة، مع كثير من المشكلات المالية والأمنية، ومشاكل داخلية لا تحصى تطولها وكل الفلسطينيين، في السياسة والأمن والأمان والرواتب والصحة والاقتصاد والكهرباء والماء والوقود والنظام المصرفي...
واليوم بعد 33 عاماً على الاتفاق، يجد الفلسطينيون أنفسهم في معركة رئيسية تقوم على منع تصفية القضية الفلسطينية وتهجيرهم من أرضهم، بعدما كانت معركتهم بعد الاتفاق هي معركة إقامة الدولة.
المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع «اتفاق أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)
يمكن إلقاء اللوم - كل اللوم - على «اتفاق أوسلو» ومساره وخياره، وهذا ما يفعله كثير من الفلسطينيين، لكن لا يمكن إغفال طرفه الآخر؛ أي إسرائيل التي لم توقع ذلك الاتفاق لكي ينجح، وهذا بالضبط ما وعد به رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير آنذاك الجميع بمفاوضات تبدأ ولا تنتهي حتى لا يتبقى شيء للتفاوض حوله.
كما لا يمكن إغفال أن جزءاً كبيراً من الفلسطينيين أنفسهم لم يرد الاتفاق كذلك، وقد عملت فصائل مسلحة على إجهاضه حتى النهاية، بلا كلل ولا ملل، بكل ما أوتوا من قوة وأسلحة.
كان الكثيرون هنا وهناك يرونه خنجراً في الخاصرة، ويجاهرون بأنهم لا يريدونه، وهو في حقيقة الأمر لم يعطهم السلام أو الأمن، لكنه رغم ذلك ظل - حتى الآن - حياً لا يموت، حتى بعد «طوفان الأقصى» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أطلقته «حماس»، وجرف أشياء كثيرة، إلا ما تبقى من «اتفاق أوسلو».
ما «اتفاق أوسلو»؟
إنه «اتفاق إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 13 سبتمبر (أيلول) 1993. ونص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنشاء «سلطة حكم ذاتي لسلطة فلسطينية مؤقتة» ضمن مرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على قرارَي مجلس الأمن «242» و«338».
تحدث الاتفاق عن «وضع حد لعقود من المواجهة والنزاع»، وعن اعتراف كل جانب بـ«الحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة» للجانب الآخر.
وتعامل الاتفاق مع الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم بوضوح تام آنذاك، وتضمن أن تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا. وتبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، ولكن بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.
كما جاء فيه أنه من المفهوم أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك.
وتمخض الاتفاق، كذلك، عن تشكيل لجنة الارتباط المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية من أجل معالجة القضايا التي تتطلب التنسيق وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، وكذلك المُنازعات.
ويقسم «اتفاق أوسلو» الضفة الغربية إلى 3 مناطق: «أ» و«ب» و«ج». وتتضمن المنطقة «أ» المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية، وتقع تحت السيطرة الفلسطينية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية، في حين تقع المنطقة «ب» تحت السيطرة الإدارية الفلسطينية، والسيطرة الأمنية لإسرائيل، وتبلغ مساحتها 21 في المائة من مساحة الضفة الغربية، أما المنطقة «ج» فتقع تحت السيطرة الإسرائيلية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 61 في المائة من مساحة الضفة الغربية. وبعد أكتوبر لم تعد إسرائيل تؤمن بهذه التقسيمات.
ماذا حدث بعد الاتفاق؟
كانت نصوص «أوسلو» سياسية وأمنية واقتصادية تنظم العلاقة بين الطرفين، فما الذي طُبّق منه على الأرض؟ وماذا بقي منه اليوم؟
بعد سنوات قليلة من التوقيع توقفت إسرائيل عن استكمال عملية انسحاب قواتها المقررة، وبدلاً من ذلك استباحت المناطق المصنفة «أ»، وهي الأراضي الواقعة تحت الولاية الأمنية الفلسطينية الكاملة، واتخذت إجراءات أدّت إلى تعطيل المرحلة الانتقالية الهادفة إلى تحقيق الاستقلال.
كانت إسرائيل تغتال وتقتل وتقتحم المناطق «أ»، وتبني المزيد من المستوطنات، وتضيق على السلطة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، كأن «أوسلو» لم يكن، ثم تطالب السلطة بمزيد من التنسيق الأمني وفق الاتفاق.
كذلك فإن الإسرائيليين الذين لم يريدوا «أوسلو» لم يسقطوه رسمياً، وأرادوه في غرفة العناية المركّزة لا حياً ولا ميتاً، ولم يكن الفلسطينيون يحبون «أوسلو»، لكنهم جاهدوا لإبقائه حياً رغم أنهم أعلنوا مراراً أنه منتهٍ.
مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
لم يستطع الفلسطينيون التخلص منه؛ لأنهم ببساطة لا يمكن لهم أن يحتفظوا بالسلطة من دون «أوسلو»، وهو ما يعني عودة الاحتلال؛ أي ألف خطوة للوراء، أما الإسرائيليون فإن إعلانهم أنهم في حِل منه يعني حل السلطة الفلسطينية وعودتهم إلى احتلال الضفة الغربية، وهو آخر ما يريدون أن يصلوا إليه. باختصار كان يمقته الجميع، لكنهم يريدونه، حتى إنه ظل يحاصرهم، وينتج اتفاقات أخرى.
مَلاحق «أوسلو»
يمكن القول إنه حتى سنوات طويلة جداً وجد الطرفان الفلسطينيون والإسرائيليون أنفسهم معلقين بـ«أوسلو»، وفي محاولة إبقائه على قيد الحياة عقد الفلسطينيون اتفاقات أخرى مع إسرائيل يمكن وصفها بمَلاحق «أوسلو»، مثل اتفاق «غزة – أريحا» (1994)، واتفاق «باريس الاقتصادي» (يوليو/ تموز، 1994)، واتفاقية «طابا» أو «أوسلو الثانية» (1995)، واتفاق «واي ريفر الأول» (1998)، و«واي ريفر الثاني» (1999)، ثم «خريطة الطريق»، ثم اتفاق «أنابوليس» (2007).
بعد ذلك عقد الطرفان سلسلة من الاجتماعات، ودفعوا إلى الأمام تفاهمات من بينها مفاوضات أطلقها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في 2013، وأخرى تم عقدها ثنائياً، وصولاً إلى اجتماعات خماسية أمنية في العقبة بالمملكة الأردنية وشرم الشيخ في مصر عام 2023، لكنها جميعها لم تنجح.
لم يلتزم الإسرائيليون بأي اتفاق عقدوه، بل أوصلوا السلطة إلى مرحلة ضعف غير مسبوقة بعدما غيروا إلى حد كبير وظيفتها، وبدأت تعيش واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق، تقلصت فيها المساحات التي تسيطر عليها من دون أفق سياسي واقتصادي، مع أزمة مالية خانقة، وأخرى أمنية، ويكفي ما أشارت إليه منظمة «السلام الآن» اليسارية الإسرائيلية حول أن اتفاقية «أوسلو» ساهمت بشكل كبير في زيادة عدد المستوطنات والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية.
كان كل ذلك سواء «مكانك سِر» أو «للخلف دُر»، واقعاً أرادته إسرائيل، واستمر ذلك حتى «حرب الطوفان» التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023.
بعد الحرب تغير كل شيء، وبدأت إسرائيل ما يشبه حرباً ضد السلطة والفلسطينيين وحلم الدولة. بدا أن إسرائيل تريد التراجع عن «أوسلو» فعلاً وشطبه، ولا تريد الفلسطينيين، ولا تريد اتفاقاً يربطها بهم.
«أوسلو» ونتنياهو... و7 أكتوبر
لم يخفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه لا يريد «أوسلو»، وبعد أشهر من الحرب على قطاع غزة قال نتنياهو إن «اتفاق أوسلو» كان خطأ إسرائيل الكبير، زاعماً أن «السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و(حماس) في غزة يريدان تدمير إسرائيل... طرف يقول ذلك صراحة، والآخر يفعل ذلك من خلال التعليم والمحكمة الجنائية الدولية».
هجوم نتنياهو على السلطة لم يكن جديداً، لكنه الأوضح الذي يكشف جزءاً من خطته القائمة على تقويض السلطة. ومنذ السابع من أكتوبر 2023 بدأت إسرائيل تتعامل مع السلطة كأنها غير موجودة. صعّدت إسرائيل في الضفة الغربية، وهاجم الجيش مدناً ومخيمات وبلدات، واحتل بعضها بشكل دائم، وراح يقتل الفلسطينيين قصفاً بالطائرات ويعتقلهم، كما يدمر البنى التحتية، في حين تم إطلاق يد المستوطنين ليقتلوا ويهاجموا ويحتلوا مناطق شاسعة بالقوة.
وأثناء ذلك دفعت إسرائيل خطة لتوسيع المستوطنات القائمة وإقامة جديدة، وربطها معاً في أحزمة استيطانية متصلة، لخدمة فكرة توسيع الاستيطان من جهة، وتطويق وتقطيع الضفة وتشكيل جدار بين الضفة وإسرائيل من جهة ثانية.
كان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الدفاع، واضحاً عندما قال إنه لا يفعل شيئاً سرياً، وهو يعمل ضد السلطة في الضفة، ويسعى لمنع إقامة دولة فلسطينية عبر ما سماه «درع إسرائيل»، وهم المستوطنون.
دفع سموتريتش المستوطنين إلى مهاجمة الفلسطينيين، واحتلال التلال، وإقامة بؤر زراعية ورعوية إلى جانب المستوطنات الكبيرة. وبعدما كان المستوطنون يخشون السير في شوارع يسير فيها الفلسطينيون، تبدلت المعادلة. لقد أصبحوا مثل سرطان شرس ينتشر ويتمدد ويقتل.
خريطة الضفة المحاصرة
تُظهر الخريطة الحالية للضفة الغربية المدن الرئيسية جميعاً في المنطقة «أ»، المفترض أنها تحت حكم السلطة الفلسطينية، وهي محاطة بمستوطنات وبؤر وطرق التفافية في المنطقتين «ب» و«ج»، وبهذا تحولت المنطقة «أ» إلى جزر معزولة تماماً.
ويعيش في الضفة الغربية اليوم 940 ألف مستوطن في أكثر من 200 مستوطنة بعدما كانوا أثناء توقيع «اتفاق أوسلو» 248 ألفاً. وإضافة إلى ذلك يوجد في الضفة الغربية اليوم 243 بؤرة استيطانية جديدة لم تكن موجودة قبل «أوسلو»، وقد تم إنشاء 129 بؤرة رعوية في الضفة بعد 7 أكتوبر.
لم تكتفِ إسرائيل بذلك، بل أنشأت في الضفة نحو 1000 حاجز عسكري وبوابة في محاولة للمراكمة على فكرة سجن الفلسطينيين داخل المنطقة «أ».
نفق يوصل مدينة القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
لم يفكر سموتريتش في «أوسلو» كثيراً وهو يعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، كبرى مدن الضفة الغربية، في ضربة أخرى للسلطة الفلسطينية. قال سموتريتش آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود (أوسلو) عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».
وأضاف سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)».
وقالت «القناة 12» إن الخطوة تعني نهاية حقبة «أوسلو» في البلدة القديمة في قلب الخليل. وفعلاً أنهى سموتريتش «أوسلو» في البلدة القديمة في الخليل، وتسلم المهام هناك، وراح ينفذ أعمالاً مدنية مثل ترميم وسقف الحرم الإبراهيمي، الذي وصفه بأنه «أول ملكية سيادية لإسرائيل في الضفة».
سموتريتش يتوجه لحضور مؤتمر صحافي بشأن توسيع المستوطنات بالقرب من مستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية المحتلة يوم 14 أغسطس 2025 (رويترز)
لم يمنعه شيء، وربما كانت «بروفة» لما يجب أن يكون عليه الوضع في باقي المناطق، خصوصاً أنه قال إن أهم مهمة للحكومة الإسرائيلية القادمة هي إلغاء «اتفاق أوسلو»، وضم الضفة، وتهجير الفلسطينيين، باعتبار ذلك الحل الوحيد طويل الأمد.
تنافس يميني على إضعاف وإسقاط السلطة
والمطالبة بإسقاط السلطة الفلسطينية ليست حكراً على سموتريتش، بل إنها باتت محل تنافس بين تيار اليمين المتطرف الإسرائيلي، فسموتريتش يؤيده وزراء آخرون كثر، بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي هدد السلطة الفلسطينية بحرب شاملة.
وقبل ذلك أطلقت إسرائيل نظام «سجل الأراضي وتسوية الحقوق» الإلكتروني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة دراماتيكية من شأنها أن تعمّق عملية ضم الضفة، تاركة السلطة الفلسطينية بلا سيادة ووظيفة، والفلسطينيين بلا حماية قانونية.
وأظهرت هذه الخطوة، إلى جانب الخطوات الأخرى الكثيرة، تحولاً خطيراً في السياسة الإسرائيلية فيما يخص مستقبل السلطة الفلسطينية والضفة الغربية.
ويتيح فتح سجل الأراضي في الضفة الغربية (الطابو) لجميع اليهود معرفة أسماء الملاك الفلسطينيين للأراضي والتواصل معهم مباشرة أو الضغط عليهم بطرق مختلفة لشرائها، مما يسهل عملية الاستحواذ على الأراضي والعقارات. والأخطر أن هذا سيشمل للمرة الأولى المنطقة «أ»، وهي المنطقة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، والتي كانت ممنوعة على الإسرائيليين.
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
واختراق «المناطق المحرمة» (أ وكذلك ب) هو الأكثر خطورة في المسألة؛ لأنه يلغي عملياً دور السلطة الفلسطينية في هذه المناطق؛ إذ لا تعود الجهة المخولة بتنظيم ملكية الأراضي والعقارات والبيع والشراء... كما أنه يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحية الرقابة والهدم في المنطقتين (اللتين تخضعان إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب «اتفاق أوسلو»).
ابتلاع الضفة وهندسة السيطرة
وقال معهد الحقوق في «جامعة بيرزيت» إن إسرائيل عملياً تبتلع الضفة، عبر إعادة هندسة السيطرة عليها، ما يعتبر ضماً فعلياً للأراضي المحتلة.
وأضاف أن إسرائيل تعزز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة، وتحدّ من دور السلطة الفلسطينية نحو إلغاء تدريجي لها، ما يشكل تحولاً ملموساً في موازين القوة على الأرض، كما أن ذلك يؤثر مباشرة على البنية القانونية لملكية الأرض في الضفة، وتغير التوزيع الديمغرافي وحقائق الوجود على الأرض، ويضفي «شرعية» على التوسع الاستيطاني، ويعد «تسهيلاً قانونياً» للاستيطان، وتغيير حقائق الأرض بشكل يصعب التراجع عنه لاحقاً.
وإضافة إلى الحصار السياسي والهجمات والسيطرة على الأرض ودفع الاستيطان، حاصرت إسرائيل السلطة مالياً، وأوقفت تحويل أموال المقاصة لها، ووضعتها في أزمة مالية معقدة وصعبة، في حين رفضت استقبال فائض الشيقل من البنوك الفلسطينية، ما خلق أزمة مالية أخرى.
واعتبرت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية أن السياسة التي تطبقها الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى إسقاطها وإلغاء اتفاقات أوسلو الموقعة بين الجانبين.
واتهمت «السلام الآن» حكومة بنيامين نتنياهو باتباع سياسة ممنهجة لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً وأمنياً بخرق الاتفاقات الموقعة في أوسلو، عبر توسيع الاستيطان ونقل صلاحيات في مناطق مصنفة «أ» و«ب» في الضفة الغربية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، محذرة من أن هذه الممارسات تمضي بإسرائيل نحو عملية ضم غير معلن للأراضي.
فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
ووصف التقرير «تصرفات الحكومة الإسرائيلية في المنطقتين (أ) و(ب)» بأنها «ليست حوادث معزولة»، بل «هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف في نهاية المطاف إلى إسقاط السلطة الفلسطينية وخلق فوضى تُمكّنها من توسيع المستوطنات في المدن والقرى الواقعة في عمق الضفة الغربية».
السلطة متمسكة بنهج «أوسلو» السلمي
إذن، بعد 33 عاماً بقي من «أوسلو» إسرائيل التي تتوسع مع صلاحيات أكبر، وسلطة ورئيس وأجهزة أمنية ووزارات، لكن بلا دولة مع صلاحيات أقل، ومستوطنين أكثر، وغزة مدمرة، وقدس تحت السيطرة الإسرائيلية... ومع ذلك تتمسك السلطة التي تعيش، اليوم، واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق بـ«اتفاق أوسلو» كاملاً.
وفي مايو (أيار) الماضي، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه متمسك بـ«اتفاق أوسلو» وبالاتفاقات اللاحقة، وبـ«منظمة التحرير» وبرنامجها القائم على وحدة النظام السياسي الفلسطيني والسلاح الواحد، وبالإصلاحات، وبإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في تأكيد على تمسكه بنهجه السلمي وسط سلسلة من الحروب الدامية في المنطقة.
وبخلاف ما يعتقده الكثيرون، أو يطالبون به، أكد عباس في كلمة ألقاها في أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» في رام الله، في مايو الماضي، أن ارتكاب نكبة جديدة في قطاع غزة، وقتل وجرح أكثر من 270 ألف فلسطيني هناك، وجعل القطاع غير قابل للحياة، والعمل على ضم الضفة الغربية من خلال قوانين سرقة الأراضي، وإطلاق إرهاب المستوطنين في الضفة، إضافة إلى استمرار احتجاز أموال الشعب الفلسطيني، ومحاصرة الاقتصاد، وارتكاب الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومحاولة تقسيم المسجد الأقصى... تتطلب العودة لتنفيذ الاتفاقات الموقعة: «اتفاق أوسلو»، و«اتفاق باريس الاقتصادي»، وتفاهمات العقبة وشرم الشيخ عام 2023، والتوقف عن اتخاذ الإجراءات الأحادية التي تنتهك القانون الدولي.
وأضاف: «(اتفاق أوسلو) الخياني بدّنا إياه، بدّنا نحافظ عليه»، متهكماً على الانتقادات التي تطول الاتفاق.
وفوراً هاجم عباس هجوم «حماس» في 7 أكتوبر، قائلاً: «أياً كان تقييم ما حصل في 7 أكتوبر، بين قوسين، المجيد (ساخراً)، إلا أن الأمور تقاس بخواتيمها»، مضيفاً: «ذُبحنا وهُجّرنا ودُمّرت بلادنا بسبب هذا العمل»، كأنما كان عباس يريد أن يقول ما يقوله الكثير من أنصاره وأبناء حركة «فتح» من أن «(أوسلو) أعاد الفلسطينيين إلى الوطن، ووضع لبنات الدولة، وجاء بمطار في غزة وميناء، و7 أكتوبر دمّر كل شيء، وهجّر الفلسطينيين إلى الخارج». لكن المنطق السابق يرد عليه مناهضو عباس و«فتح» بالسؤال: «لماذا تفتك إسرائيل بالضفة الغربية التي لم تأتِ بـ7 أكتوبر؟ ولماذا لا يحميكم (أوسلو)؟».
ولا يبدو أن حسم المواجهة بين المنطقين قريب، في حين يبقى التاريخ حكماً بين التجربتين، وتظل إسرائيل تواصل استباحة حلم الدولة الفلسطينية.