«أبشع أشكال التعذيب»... أسرى فلسطينيون محررون يصفون أهوال السجون الإسرائيلية

فلسطينيون مُحررون من سجون إسرائيل داخل حافلة في رام الله (د.ب.أ)
فلسطينيون مُحررون من سجون إسرائيل داخل حافلة في رام الله (د.ب.أ)
TT

«أبشع أشكال التعذيب»... أسرى فلسطينيون محررون يصفون أهوال السجون الإسرائيلية

فلسطينيون مُحررون من سجون إسرائيل داخل حافلة في رام الله (د.ب.أ)
فلسطينيون مُحررون من سجون إسرائيل داخل حافلة في رام الله (د.ب.أ)

«أبشع أشكال التعذيب ونظام ممنهج من الانتهاكات»... هكذا وصف أحد الأسرى الفلسطينيين المحررين من السجون الإسرائيلية ما تعرض له خلال فترة احتجازه، التي انتهت قبل يومين بعد إطلاق إسرائيل سراح 1700 من المعتقلين بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بوساطة أميركية.

وقال نسيم الراضي، لصحيفة «الغارديان» البريطانية، إن قبل إطلاق سراحه من سجن نفحة بصحراء النقب، قرر حراس السجن الإسرائيليون «تقديم هدية وداع له»، حيث قيدوا يديه ووضعوه على الأرض وضربوه بلا رحمة، مودعين إياه «كما لو كانوا يلقون عليه التحية بقبضاتهم» حسب وصفه.

وكانت أول نظرة للراضي إلى غزة عقب عودته لها بعد قرابة عامين في السجن «ضبابية» إذ تركته ضربة حذاء من الحراس على عينه يعاني من تشوش في الرؤية لمدة يومين. وقد أُضيفت مشكلات البصر إلى قائمة طويلة من الأمراض التي أصيب بها خلال فترة احتجازه.

نظام ممنهج من الانتهاكات

واعتقل جنود إسرائيليون الراضي، الموظف الحكومي البالغ من العمر 33 عاماً من بيت لاهيا في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2023. وقد أمضى أكثر من 22 شهراً في الأسر، بما في ذلك 100 يوم في زنزانة تحت الأرض.

ومثل العديد من المعتقلين الآخرين الذين أُفرج عنهم وتمت إعادتهم إلى غزة، لم تُوجّه إلى الراضي أي تهمة جنائية. ومثل كثيرين غيره، اتسم احتجازه بالتعذيب والإهمال الطبي والتجويع على أيدي حراس السجون الإسرائيليين.

وقال راضي: «كانت ظروف السجن قاسية للغاية، من تقييد أيدينا وأقدامنا إلى التعرض لأبشع أشكال التعذيب».

وأضاف أن الضرب لم يكن استثناءً، بل كان جزءاً مما وصفه بأنه «نظام ممنهج من الانتهاكات».

وأكمل قائلاً: «استخدموا الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لترهيبنا، بالإضافة إلى الشتائم والإهانات المتواصلة. كان لديهم نظام قمع صارم. وحين كان يُفتح الباب الإلكتروني للقسم ويدخل الجنود، كانوا يقتحمون المكان برفقة كلابهم وهم يصرخون: (على بطنك، على بطنك)، ثم يبدأون بضربنا بلا رحمة».

ولفت إلى أن الزنازين كانت مكتظة «حيث كان 14 شخصاً محشورين في غرفة بدت وكأنها مصممة لخمسة أشخاص».

وقد أدت الظروف غير الصحية إلى إصابته بأمراض فطرية وجلدية لم تُشفَ من خلال العلاج الطبي الذي قدمه السجن.

وبعد إطلاق سراحه، حاول الراضي الاتصال بزوجته، ليجد هاتفها معطلاً. ثم علم أن زوجته وجميع أطفاله باستثناء واحد قد قُتلوا في غزة أثناء احتجازه.

وقال الراضي: «كنت سعيداً جداً بإطلاق سراحي لأن التاريخ تزامن مع عيد ميلاد ابنتي الصغرى صبا الثالث في 13 أكتوبر (تشرين الأول). كنت قد خططت لتقديم أفضل هدية لها لتعويضها عن عيد ميلادها الأول، الذي لم نتمكن من الاحتفال به لاندلاع الحرب».

وأضاف: «حاولت أن أجد بعض الفرح في إطلاق سراحي في هذا اليوم، لكن للأسف، ذهبت صبا مع عائلتي، وذهبت فرحتي معها».

بيئة غير صحية وطعام ملوث

من جانبه، قال محمد الأصلية، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاماً، أُفرج عنه من سجن نفحة يوم الاثنين، إنه أُصيب بالجرب خلال فترة احتجازه.

وقال الأصلية، الذي تم اعتقاله في 20 ديسمبر 2023 من مدرسة في جباليا: «لم يكن هناك أي رعاية طبية. حاولنا علاج أنفسنا بوضع مواد تعقيم وتطهير الأرضيات على جروحنا، لكنها زادت الأمر سوءاً. كانت المراتب قذرة، والبيئة غير صحية، ومناعتنا ضعيفة، والطعام كان ملوثاً».

وأضاف: «كان هناك مكان يُسمى (الديسكو)، حيث يشغّلون موسيقى صاخبة بلا توقف لمدة يومين متتاليين. كانت هذه واحدة من أكثر وسائل التعذيب شهرة وقسوة. كما كانوا يعلّقوننا على الجدران، ويرشّون علينا الماء البارد، وأحياناً يرمون مسحوق الفلفل الحار علينا».

وفقد الراضي والأصلية الكثير من وزنهما أثناء الاحتجاز. فقد دخل الراضي السجن بوزن 93 كيلوغراماً وخرج منه بوزن 60 كيلوغراماً. في حين كان وزن الأصليّة 75 كيلوغراماً وقت الاعتقال، وانخفض إلى 42 كيلوغراماً في إحدى مراحل احتجازه.

دعوه يموت

ومن جهته، قال أكرم البسيوني (45 عاماً) إنه احتُجز في 10 ديسمبر 2023 من مدرسة إيواء في جباليا، وقضى قرابة عامين في سجن سدي تيمان الإسرائيلي.

وقال لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية: «تعرض العديد من زملائنا السجناء للضرب حتى الموت. وعندما كنا نستغيث بالحراس، كانوا يجيبون ببرود: (دعوه يموت). بعد خمس دقائق كانوا يأخذون الجثة، ويلفونها في كيس، ويغلقون الباب».

وأضاف البسيوني أن المعتقلين كانوا يتعرضون للتعذيب بشكل روتيني، والضرب بالهراوات والأيدي، والهجوم بالكلاب، والاختناق بالغاز. «ضربونا بوحشية حتى تهشمت أضلاعنا. صبوا الماء المغلي على وجوه وظهور الشباب حتى تقشرت جلودهم. جلسنا على أرضيات معدنية باردة لأيام، نعاقب حتى على طلب المساعدة».

آثار ضرب وتعذيب واضحة

وتتوافق تصريحات الأسرى المحررين مع اتهام منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان إسرائيل بإساءة معاملة المعتقلين الفلسطينيين في السجون ومراكز الاحتجاز.

وأفاد مسؤولون طبيون فلسطينيون بأن العديد من المعتقلين المفرج عنهم يوم الاثنين وصلوا في حالة صحية سيئة.

قال إياد قديح، مدير العلاقات العامة في مستشفى ناصر جنوب غزة، الذي استقبل المعتقلين يوم الاثنين: «كانت آثار الضرب والتعذيب واضحة على أجساد المعتقلين، كالكدمات والكسور والجروح وآثار السحل على الأرض وآثار القيود التي كانت تُقيد أيديهم بإحكام».

وأضاف أن العديد من العائدين نُقلوا إلى قسم الطوارئ بسبب تدهور حالتهم الصحية. وإلى جانب الإصابات الجسدية الناجمة عن الضرب، بدا أن المعتقلين لم يتناولوا الطعام لفترات طويلة.

واحتُجز عدد كبير من الفلسطينيين من غزة في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية دون توجيه تهم إليهم، وفقاً للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل (PCATI)، وهي منظمة غير حكومية.

وقد سُمح باحتجاز الفلسطينيين من غزة بشكل جماعي دون محاكمة عادلة بموجب تعديلات أُجريت على القانون الإسرائيلي منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي شنته حركة «حماس»، وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص.

وقالت تال شتاينر، المديرة التنفيذية للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل: «بشكل عام، فإن حجم وأساليب التعذيب وسوء المعاملة في السجون الإسرائيلية والمعسكرات ارتفعت بشكل هائل منذ 7 أكتوبر. ونحن نرى ذلك جزءاً من سياسة تقودها شخصيات في الحكومة الإسرائيلية مثل إيتمار بن غفير وآخرين».

ولم تستجِب مصلحة السجون والجيش الإسرائيلي على الفور لطلب التعليق، لكنهما قالتا في الماضي إن «ظروف السجن تتوافق مع القانون الدولي».


مقالات ذات صلة

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

المشرق العربي امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز) p-circle

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

في تصعيد لافت، أفاد سكان في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بأن عناصر تابعة لعصابات مسلحة موالية لإسرائيل أحرقت، يوم الخميس، أراضي ومنازل ثابتة، وصوبات زراعية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يقف الناس قرب سيارة محترقة عقب غارة إسرائيلية أسفرت عن مقتل في قناة الجزيرة (د.ب.أ)

إسرائيل تقتل 4 في غزة بينهم صحافي

أفادت ‌السلطات الصحية في قطاع غزة وشبكة تلفزيون الجزيرة بأن الغارات الجوية الإسرائيلية على القطاع، اليوم الأربعاء، أودت بحياة أربعة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

خنق غزة يُفسِدُ الجيش الإسرائيلي

كثّفت إسرائيل من الحصار على قطاع غزة، وبسبب تفاقم أزمة نقص الغذاء وارتفاع الأسعار دخل بعض أفراد القوات الإسرائيلية على خط الأزمة لتحقيق بعض المكاسب.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

خاص هل تعوِّل «حماس» على مفاوضات إيران لحل أزمة «نزع السلاح»؟

فرضَ وقف النار الذي أعلنته أميركا وإيران لأسبوعين والتفاوض لإبرام اتفاق نهائي، تساؤلات حول تعويل «حماس» على مخرجاته لإرجاء أو تعديل مسار «نزع السلاح» من غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون بجوار جثامين ضحايا غارة جوية إسرائيلية في وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle 02:23

خاص محاولة لاختطاف نشطاء من «القسام» تنتهي بمجزرة وسط غزة

أسفرت محاولة عناصر عصابة مسلحة موالية لإسرائيل اختطاف نشطاء من «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس» وسط غزة عن مقتل ما لا يقل عن 10 فلسطينيين وإصابة 15.

«الشرق الأوسط» (غزة)

توغلات إسرائيلية جديدة بريف القنيطرة... و«أندوف» تراقب

جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

توغلات إسرائيلية جديدة بريف القنيطرة... و«أندوف» تراقب

جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع استمرار توغلات الجيش الإسرائيلي في الأراضي السورية المحاذية لخط وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل، أكد مصدر رسمي سوري لـ«الشرق الأوسط»، أن تكثيف «قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك» (أندوف) من انتشارها ودورياتها في المنطقة، يأتي في إطار تفاهمات اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وليس بموجب تفاهمات جديدة بين سوريا وإسرائيل.

وتوغلت قوة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، الخميس، في قرية العجرف بريف القنيطرة الشمالي. وأوضحت «وكالة الأنباء السورية» الرسمية (سانا)، أن القوة الإسرائيلية تألفت من 8 آليات عسكرية، وأكثر من 30 عنصراً، ونصبت حاجزاً مؤقتاً، ونفذت عمليات تفتيش دقيقة للمارة، قبل أن تنسحب من المنطقة دون تسجيل أي حالات اعتقال.

ويأتي توغل إسرائيل الجديد داخل الأراضي السورية في سياق توغلات متكررة تقوم بها في منطقة عازلة كانت تخضع لمراقبة قوات «أندوف» وتفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية في الجولان بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وذلك منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وفي وقت لاحق، كثّفت إسرائيل من توغلاتها في الأراضي السورية، وباتت شبه يومية وتطول أيضاً عدداً من القرى والبلدات خارج المنطقة العازلة، وقد أقامت فيها 9 قواعد عسكرية.

وعرضت وكالة «سانا»، الخميس، صوراً لقوة تابعة لـ«أندوف» وهي تقف على مفرق قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، بهدف تسيير دوريات للمراقبة على طول الخط الفاصل مع المرتفعات المحتلة.

ويلفت الانتباه، أن «أندوف» كثّفت في الآونة الأخيرة من دورياتها في البلدات والقرى التابعة لمحافظتي القنيطرة ودرعا المحاذية لخط وقف إطلاق النار، والتي يعمد الجيش الإسرائيلي إلى التوغل فيها، وباتت تعقد اجتماعات مع الأهالي، لتوثيق انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم.

جنود من قوات الأمم المتحدة على مفرق قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي (سانا)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أوضح مدير إعلام القنيطرة، محمد السعيد، أن انتشار قوات «أندوف» في المنطقة الجنوبية، ومنها القنيطرة يأتي في إطار تفاهمات اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وليس نتيجة تفاهمات جديدة بين سوريا وإسرائيل.

وأشار السعيد إلى أن دور «أندوف» في المنطقة هو مراقبة وقف إطلاق النار بموجب اتفاقية 1974، ومراقبة الأطراف جميعاً، «وفي المرحلة الحالية لتوثيق انتهاكات إسرائيل بحق السيادة السورية والمدنيين السوريين وممتلكاتهم في المناطق التي يتوغل إليها جيش الاحتلال». وأضاف: «هذا الانتشار روتيني واعتيادي وقد كان سابقاً، وتفعّل في الآونة الأخيرة بشكل أكثر».

مدير إعلام القنيطرة، ذكر أن تكثيف قوات «أندوف» من انتشارها ودورياتها «لم يحد من حركة التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة، لكنه يترك ارتياحاً لدى السكان المحليين، كونه يرصد تحركات جيش الاحتلال، ويوثق خروقاته وانتهاكاته بحق المدنيين وممتلكاتهم».

وتقوم عناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال توغلاتهم بعمليات مداهمة للمنازل واعتقال المدنيين وإقامة الحواجز ونقاط لتفتيش المارة وإغلاق الطرق وتقطيع أوصال البلدات والقرى وتعطيل الخدمات، إضافة إلى إطلاق النار لترهيب المواطنين.

من دورية قوات الأمم المتحدة قرب صيدا في القنيطرة (سانا)

وأوضح السعيد «أن ما تقوم به إسرائيل من توغلات وانتهاكات بحق المواطنين يأتي في سياق ضغوط تهدف إلى إيجاد حالة من التهجير الذاتي للسكان».

وأشار إلى «أن جيش الاحتلال من خلال تغييبه للخدمات، ومع وجود جنوده واستمرار انتهاكاتهم، يعمل على إيجاد بيئة طاردة للسكان، لكن المواطنين متنبهون لهذه الترتيبات ولهذا الوضع، ولا يريدون تكرار مأساة آبائهم وأجدادهم في عام 1967 عندما عمد جيش الاحتلال إلى هذه الممارسات فنزحوا وخسروا قراهم».

وأكد السعيد «أن السكان يرفضون ترك قراهم وبلداتهم، على الرغم من كل الانتهاكات التي تُمارس عليهم ليلاً ونهاراً من قبل جيش الاحتلال والتحديات التي تواجههم».


لبنان يتمسّك بثنائية حصرية التفاوض... والسلاح

الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة التي عقدت الخميس في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة التي عقدت الخميس في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان يتمسّك بثنائية حصرية التفاوض... والسلاح

الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة التي عقدت الخميس في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة التي عقدت الخميس في القصر الرئاسي (رئاسة الجمهورية)

بدا في بيروت أن لبنان الرسمي ماض في قراره «حصر التفاوض» بالتزامن مع الاستمرار في مسعى «حصر السلاح» الذي خطت الحكومة خطوة إضافية باتجاهه بقرار تكليف الجيش والقوى الأمنية «المباشرة فوراً، بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها»، فيما سيبدأ رئيس الحكومة القاضي نواف سلام جولة خارجية تبدأ في الولايات المتحدة، ويلتقي خلالها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. كما يزور الأمم المتحدة ويلتقي أمينها العام أنطونيو غوتيريش.

وفيما لا يزال التواصل مع الجانب الأميركي يسير بالحد الأدنى عبر سفير واشنطن ميشال عيسى، تسعى السلطات اللبنانية إلى فصل مسار المعالجة لبنانياً عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ويبدي مسؤولون لبنانيون استياءهم من محاولات المسؤولين الإيرانيين ربط الملف اللبناني بما يسمونه «محور المقاومة». وهو ما بدا واضحاً من تصريحات رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بأننا «لا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا» بعد تصريحات مماثلة لرئيس الحكومة نواف سلام.

وأبلغ الرئيس نواف سلام «الشرق الأوسط» أنه سيقوم بجولة خارجية لدعم الموقف اللبناني، وحشد التأييد لمساعي وقف الحرب، واستعادة سلطة الدولة على ترابها وقرار السلم والحرب فيها، مشيراً إلى أن مسار حل الأزمة لبنانياً واضح، يبدأ بوقف إطلاق نار وانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء مفاوضات مباشرة بالتوازي مع استكمال عملية حصر السلاح التي أخذت الحكومة خطوة إضافية نحوها في بيروت التي تستحق كل ما يعزز أمنها وأمن سكانها والنازحين إليها.

وأكد سلام أن اتصاله مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف كان إيجابياً، وأنه قال له إن «الطريق الوحيد لوقف الاعتداءات الإسرائيلية تبدأ بوقف إطلاق النار»، وإنه طالب خلاله «التأكيد أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان»، فيما أكد الأخير «دعم بلاده للاستقرار وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية».

عون: تجاوب دولي مع طرح التفاوض

وأكد الرئيس عون «أن الحل الوحيد للوضع الذي يعيشه لبنان حالياً هو في تحقيق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، تعقبه مفاوضات مباشرة بينهما». وأوضح في بيانات لمكتبه أنه «أجرى، ولا يزال، اتصالات دولية مكثفة في هذا الإطار، وأن هذا الطرح يلقى ترحيباً دولياً كبيراً، وبدأ يتفاعل إيجاباً في الأروقة السياسية الدولية».

وتلقى عون اتصالات هاتفية عديدة، أبرزها من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين قدم خلاله تعازيه والشعب الأردني بضحايا الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، واستهداف المدنيين والأماكن السكنية الآهلة والآمنة، معرباً عن تضامن الأردن ملكاً وحكومة وشعباً مع لبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها، وواضعاً إمكانات الأردن للمساعدة في كل ما يؤدي إلى وقف التصعيد العسكري من جهة، ودعم مواقف الرئيس عون والحكومة اللبنانية من جهة أخرى، لا سيما لجهة شمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

كما تلقى عون اتصالاً هاتفياً من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قدم خلاله تعازيه والشعب القطري بضحايا الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، معرباً عن تضامن دولة قطر مع لبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها، واستعدادها للمساعدة في كل ما يؤدي إلى وقف التصعيد العسكري، لا سيما لجهة شمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

وأعرب الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، خلال اتصال هاتفي مع عون، عن إدانة بلاده للاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، والتي شملت أحياء في العاصمة والضواحي والجبل والبقاع إضافة إلى الجنوب.

مجلس الوزراء: حصر سلاح... وشكوى دولية

وانعقد مجلس الوزراء اللبناني صباحاً برئاسة عون الذي قال في كلمته الافتتاحية: «تعبنا من عبارات الاستنكار، وكلنا كنا نتطلع إلى أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، لكنكم سمعتم للأسف التصريحات الصادرة بهذا الخصوص. إن الاتصالات التي نقوم بها، دولة الرئيس وأنا، مع عدد من أصدقاء لبنان في العالم، نطالب فيها بإعطاء فرصة كما أعطيت للولايات المتحدة الأميركية وإيران لوقف إطلاق النار والذهاب إلى المفاوضات، والضغط في اتجاه أن يكون لبنان جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار لكي ننطلق في المفاوضات».

وأضاف: «النقطة الأساسية الثانية هي أننا دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض، ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا. فنحن لنا القدرة والإمكانيات للتفاوض، وتالياً لا نريد أن يفاوض أي أحد عنا. هذا أمر لا نقبل به».

سلام: شكوى دولية وخطة لحصر السلاح بيد الدولة

وبعد انتهاء جلسة الحكومة، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي عن تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتوسعها، يوم الأربعاء في 8 أبريل (نيسان)، ولا سيما في العاصمة بيروت، مما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين. ويأتي هذا التصعيد بمواجهة كل المساعي الدولية والإقليمية لوقف الحرب في المنطقة، ويضرب عرض الحائط بمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، بل يتمادى في خرقها.

وأضاف سلام: «وسنداً لوثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف، وقرارات مجلس الوزراء ذات الصلة، وحفاظاً على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم يطلب من الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً، بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها، والتشدد في تطبيق القوانين، واتخاذ التدابير كافة المطلوبة بحق المخالفين وإحالتهم على القضاء المختص».

اعتراض وزراء «حزب الله» على «بيروت منزوعة السلاح»

وأعلن وزير الإعلام بول مرقص أن وزيري «حزب الله» الصحة ركان نصر الدين، والعمل محمد حيدر، اعترضا على طرح «بيروت منزوعة السلاح».

في المقابل، أكد وزير العدل عادل نصّار خلال الجلسة، كما أفادت وسائل إعلام لبنانية، بأنه «لم يعد مسموحاً تحويل لبنان إلى قاعدة عسكرية مرتبطة بالدفاع عن إيران»، مشيراً إلى أنه يعمل على إعداد ملف قانوني وسياسي بهذا الخصوص، وضرورة حماية لبنان من الاعتداءات، ومنع التضحية بأمن اللبنانيين دفاعاً عن مصالح خارجية.

جانب من الدمار في منطقة كورنيش المزرعة بعد يوم على القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)

أما وزير العمل محمد حيدر فقال في مداخلة تلفزيونية: «نحن شددنا على أننا مع حفظ الأمن، ومع وجود القوى الأمنية حيث يجب أن تكون، ومع التشدد في مراقبة أي سلاح غير شرعي أو غير مرخّص موجود بين الناس، لكن من دون اعتماد تعبير يوحي بأننا نتحدث عن واقع مختلف تماماً عن واقع حفظ الأمن في بيروت». وفيما يتعلق بالموقف الحكومي، قال وزير الصحة عن احتمالية الاستقالة: «مستمرون بمهامنا الوزارية وموقفنا السياسي نقوله في مجلس الوزراء».

إعادة فتح معبر المصنع

وقبيل الجلسة، كان قد قال وزير الاتصالات شارل الحاج: «نجحنا بتجربة صغيرة، وهي عدم تعريض معبر المصنع للقصف الإسرائيلي، ويجب أن يبنى على ذلك»، مضيفاً: «لبنان يجب ألا يكون ساحة أو ورقة تفاوض، ولا يجوز لأحد أن يأخذ شعبه رهينةً».

وكانت قد أعلنت رئاسة الحكومة إعادة فتح معبر المصنع الحدودي مع سوريا بعد أيام من إغلاقه، بسبب تهديد إسرائيلي باستهدافه.

عنصر في الدفاع المدني أمام أحد المباني التي دمرت نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف بيروت الأربعاء (أ.ب)


عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز)
امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز)
TT

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز)
امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز)

في تصعيد لافت، أفاد سكان في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بأن عناصر تابعة لعصابات مسلحة موالية لإسرائيل أحرقت، يوم الخميس، أراضي ومنازل ثابتة، وصوبات بلاستيكية (بركسات) للزراعة.

وقال شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» إن الحرائق وقعت في مناطق سيطرة حركة «حماس» الواقعة غرب «الخط الأصفر» الافتراضي الذي يتمركز الجيش الإسرائيلي شرقه. واتهم عدد من سكان المنطقة مجموعة تُعرف باسم «عصابة أبو نصيرة»، ويقودها أمني سابق، بتنفيذ الهجوم.

ويمثل نشاط تلك العصابات هاجساً متصاعداً لـ«حماس» وأذرعها الأمنية المختلفة، في ظل ازدياد محاولات الاختطاف والاغتيال لنشطاء الحركة وجناحها العسكري «كتائب القسام» وقواها الأمنية المختلفة، وكان آخرها ما جرى منذ أيام، شرق مخيم المغازي وسط القطاع، بعد استدراج عنصرين من «الكتائب» بهدف اختطافهما قبل أن تتحول العملية لاشتباكات مصحوبة بتدخل نيراني إسرائيلي أسفرت عن مقتل 10 فلسطينيين.

وقال أحد شهود العيان لـ«الشرق الأوسط» إنه «قبيل ظهر الخميس، بتوقيت فلسطين، اقتحمت عناصر مسلحة المنطقة، وكانوا على متن عدة مركبات رباعية الدفع وبحوزتهم أسلحة، وتقدموا عشرات الأمتار غرب (الخط الأصفر)، شرق مخيم المغازي، وتحديداً في محيط (مسجد حسني المصدر)، وسط تحليق لطائرات مسيّرة إسرائيلية، تبعه وصول تعزيزات لعدة آليات مشاة، وسط إطلاق نار متقطع».

وأضاف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه «بعد وقت قصير شوهدت حرائق كبيرة في المنطقة». وتبين لاحقاً، وفق شهادات سكان وتأكيدات مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، أنها «نتيجة حرق عدد من الأراضي، والصوبات البلاستيكية الزراعية، والمنازل الموجودة في المنطقة».

وقال أحد عناصر الفصائل المسلحة في المنطقة إنه «لوحظ انتشار عناصر (عصابة أبو نصيرة) المسلحة في المكان، وهي التي كانت تقوم بعملية الإحراق، تحت تغطية من القوات الإسرائيلية التي كثفت إطلاق النار باتجاه المناطق الغربية التي يوجد بها سكان ونازحون».

أسرة صحافي فلسطيني قتلته إسرائيل خلال تشييعه يوم الخميس من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وكرر مصدر من «حماس» اتهام «عصابة أبو نصيرة» بتنفيذ الهجوم، وقال إنها «تحاول أن تثبت وجودها من خلال تكثيف العمليات التي تقوم بها»، مؤكداً أنها باتت «تشكل خطراً كبيراً وتقوم بعمليات جريئة لم تسبقها إليها عصابات أخرى، مثل الاختطاف وعمليات الاغتيال، والاقتحامات المباشرة، تحت دعم القوات الإسرائيلية التي توفر بدورها الغطاء الجوي، وفي بعض الأحيان البري عند الحاجة».

وتواكب الهجوم شرق مخيم المغازي مع تصعيد إسرائيلي في مناطق متفرقة بالقطاع، ما أدى إلى مقتل شاب وطفلة في حادثين منفصلين؛ إذ قتلت طائرة مسيّرة إسرائيلية الشاب يوسف منصور (33 عاماً) الذي قال شهود إنه «كان يصطاد العصافير في مواصي رفح جنوب القطاع».

كما قتلت قذائف أطلقتها دبابة إسرائيلية على «مدرسة أبو عبيدة بن الجراح» في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، الطفلة ريتاج ريحان، خلال وجودها في فصل مدرسي من الخيام، يوجد فيه عشرات الطالبات من الصف الثالث الابتدائي، جميعهن من أهالي النازحين في المدرسة نفسها، حيث نُقلت مصابة بجروح حرجة إلى عيادة جباليا البلد، ولفظت أنفاسها الأخيرة هناك.

فتاة تقف في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأدانت وزارة التربية والتعليم بغزة هذه الحادثة، وحملت الاحتلال المسؤولية عنها، مشيرةً إلى أن مئات الطلبة في قطاع غزة قُتلوا خلال الحرب وبعدها إثر الاستهدافات المتكررة لهم، وداعيةً المجتمع الدولي للتدخل العاجل والفوري لوقف الجرائم الإسرائيلية.

وبعد وقت قصير من الهجوم على الصف الدراسي أصيب 4 فلسطينيين في إطلاق نار من رافعات إسرائيلية تحمل أسلحة مثبتة شرق مدينة غزة وتطلق النار عن بعد، واستهدفت النيران «مدرسة ابن الهيثم» على الأطراف الغربية لحي الشجاعية، والتي تضم مئات النازحين، وأصيب عدد من النازحين في إطلاق نار مماثل باتجاه مخيم حلاوة في جباليا البلد، ووُصفت حالة أحدهم بالخطيرة.

وقُتل مساء الأربعاء فلسطينيان في غارتين منفصلتين، إحداهما طالت الصحافي محمد وشاح، وسط تنديد بقتل الصحافيين، الذين أدت الغارات إلى مقتل 262 منهم منذ بداية الحرب، والأخرى طالت مواطناً آخر، وذلك في المناطق الغربية والشرقية من مدينة غزة.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 740 قتيلاً.