خطة ترمب لغزة تتلاقى مع بنود بالمبادرة السعودية - الفرنسية واقتراحات بلير

وقف النار نهائياً وإطلاق الرهائن... وإنشاء لجنة انتقالية وقوة متعددة الجنسيات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في نيوجيرسي (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في نيوجيرسي (أ.ب)
TT

خطة ترمب لغزة تتلاقى مع بنود بالمبادرة السعودية - الفرنسية واقتراحات بلير

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في نيوجيرسي (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في نيوجيرسي (أ.ب)

خلال أسبوع حافل بالجهود الدبلوماسية العربية والدولية خلال الاجتماعات رفيعة المستوى للدورة السنوية الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، احتل وقف الحرب في غزة مركز الصدارة، وخرجت إلى العلن اقتراحات كثيرة لتحقيق هذا الهدف، وما يتعداه إلى حكم القطاع بوصفه مع الضفة الغربية جزءاً لا يتجزأ من أراضي الدولة الفلسطينية، التي ستنشأ على أساس حل الدولتين.

وشكلت المبادرة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية وفرنسا باكورة هذه الجهود العربية والدولية التي تُوجت بـ«إعلان نيويورك»، الذي تبنته 142 من الدول الـ193 الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وانعكس هذا الاهتمام بالمبادرة السعودية - الفرنسية إيجاباً على الجهود التي يبذلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل وقف الحرب في غزة. وتوصل المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف إلى خطة تتألف من 21 نقطة تتلاقى، وفق ما تسرب عن تفاصيلها، في عدد من البنود مع «إعلان نيويورك».

وكان «إعلان نيويورك»، والملحق الخاص به هو الثمرة الرئيسية للمؤتمر الدولي الخاص «التسوية السلمية لقضية فلسطين وتطبيق حل الدولتين». وجاءت الاعترافات التاريخية بالدولة الفلسطينية من 11 دولة - منها فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا - لترفع عدد الاعترافات الإجمالية إلى 160، في إشارة إلى الإجماع الدولي المتجدد على ضرورة منح الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم على أرضهم المحتلة منذ عام 1967، وإنهاء النزاع مع الإسرائيليين.

المبادرة السعودية - الفرنسية

ينص «إعلان نيويورك» أولاً على «إنهاء الحرب في غزة» عبر «العمل من أجل وقف إطلاق نار فوري ودائم، وإطلاق جميع الرهائن، وتبادل الأسرى الفلسطينيين، وإعادة رفات جميع القتلى، وإيصال المساعدات على نطاق واسع إلى كل أنحاء قطاع غزة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2735».

وتشمل الخطوة التالية «توحيد غزة مع الضفة الغربية» على أساس أن القطاع «يشكل جزءاً لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، مع الضفة الغربية، ومعارضة الاحتلال والحصار وتقليص الأراضي والتهجير القسري»، على أن تنشأ «لجنة إدارية انتقالية تعمل في غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية فترة مؤقتة قصيرة».

ويتضمن العمل على إنشاء بعثة دولية باسم «بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار» تشمل قوة دولية ونشرها «بتفويض من مجلس الأمن، بدعم إقليمي ودولي مناسب، لحماية السكان المدنيين، والحفاظ على اتفاق وقف النار، ودعم جهود السلطة الفلسطينية لاستعادة النظام، بما في ذلك من خلال تقديم الدعم الفعال لقوات الأمن التابعة لها، وتوفير ضمانات لأمن كلا الطرفين داخل أراضيهما»، على أن يجري «تعزيز أمن الحدود من خلال البعثات الدولية ذات الصلة وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين».

ويدعو الإعلان إلى إنهاء دور «حماس» في غزة، والاستفادة من تجارب بعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في كوسوفو «أنميك»، والقوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان «يونيفيل»، وقوة الأمم المتحدة لمراقبة فك الاشتباك «أندوف» بين سوريا وإسرائيل في مرتفعات الجولان.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متحدثاً في الجمعية العامة (أ.ف.ب)

وتشكل مسألة إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وموحدة ومستقلة العمود الفقري في العمل على تأمين «الدعوة إلى تأييد عالمي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما في ذلك حقه في دولته المستقلة، التي تضم الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل».

وينص الإعلان على «تعزيز الاعتراف المتبادل والتعايش السلمي والتعاون بين كل دول المنطقة، بما يرتبط بتسوية القضية الفلسطينية سلماً وتنفيذ حل الدولتين بشكل لا رجعة فيه»، وإنشاء «مسار» يشمل سوريا وإسرائيل، ولبنان وإسرائيل، عبر «تجديد الجهود على مساري سوريا وإسرائيل ولبنان وإسرائيل بهدف تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط، استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومعالجة كل المطالبات».

خطة ويتكوف... وبلير

المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف خلال اجتماع بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيويورك (رويترز)

وتتلاقى البنود المعلنة حول خطة ترمب، والتي وضعها ويتكوف مع الخطوط العريضة للمبادرة السعودية - الفرنسية، وقدمها الرئيس الأميركي خلال اجتماعه مع قادة ومسؤولين من الدول العربية والمسلمة في الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وبموجب الخطة، ستوافق إسرائيل على وقف نهائي للنار عند خطوط القتال الراهنة، وستطلق «حماس» جميع الرهائن الأحياء ورفات الموتى الإسرائيليين لديها في غضون 48 ساعة، على أن يصدر عفو عن عناصر «حماس» الذين يلتزمون التعايش السلمي مع إسرائيل، وتأمين ممر لمن يرغبون في مغادرة غزة.

ويتضمن الاقتراح الأميركي أيضاً التزاماً من الجانبين ببدء حوار جديد حول التعايش السلمي، وتعهداً من إسرائيل بعدم شن هجمات أخرى على قطر، التي اضطلعت مع مصر والولايات المتحدة بدور رئيسي للوساطة في المفاوضات لإنهاء الحرب.

وساد ترقب لمعرفة ما إذا كان الرئيس ترمب سيضغط على نتنياهو للموافقة على نتنياهو، الذي رفض حتى الآن وقف الحملة العسكرية الإسرائيلية. ووجَّه انتقادات حادة لدول العالم التي اعترفت بالدولة الفلسطينية.

توافق على إدارة انتقالية

وعلى غرار ما أوردته المبادرة السعودية - الفرنسية لجهة إنشاء «لجنة إدارية انتقالية» تعمل في غزة، تتضمن المقترحات الأميركية أن تُحكم غزة من «السلطة الانتقالية الدولية في غزة»، على أن يتولى رئيس الوزراء البريطاني سابقاً توني بلير منصب الإشراف على السلطة الانتقالية التي تدعمها «قوة أمنية متعددة الجنسيات»، توفر الأمن عند المعابر الحدودية، و«تمنع عودة ظهور الجماعات المسلحة، وتُعطل تهريب الأسلحة، وتُحيِّد التهديدات غير المتكافئة». ويأمل الأميركيون في أن يؤدي اقتراح بلير إلى تهدئة المخاوف المتزايدة من تهجير الفلسطينيين من غزة.

نازحون من شمال قطاع غزة صوب جنوب القطاع (رويترز)

ومن الواضح أن ترمب تبنَّى أيضاً جزءاً من اقتراحات قدمها بلير بالتعاون مع صهر ترمب، جاريد كوشنر. وتمثل إعادة بلير إلى الواجهة فصلاً جديداً من علاقته مع الشرق الأوسط، علماً أنه تعامل مع النزاع بصفته رئيس وزراء بريطانياً، ومبعوثاً للأمم المتحدة، ومستشاراً خاصاً، ووسيطاً في الظل.

ودائماً ما حافظ بلير على موقف بريطانيا التقليدي المتمثل في الدعم الثابت لإسرائيل، لكنه دعا إلى تسوية دائمة تفاوضية تضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل آمنة.

ويرى الكثيرون أن فكرة تولي بلير أي منصب حاكم في غزة تثير الاستياء، لا سيما بالنظر إلى دوره في غزو العراق عام 2003 مع الرئيس جورج دبليو. بوش، بناءً على تقارير كاذبة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.