تجربة نزوح قاسية يواجهها مئات الآلاف من الغزيين

قصة يرويها نازح من مدينة غزة

TT

تجربة نزوح قاسية يواجهها مئات الآلاف من الغزيين

فلسطينيون يتفقدون الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي بمخيم النصيرات للاجئين بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يتفقدون الدمار الناجم عن هجوم إسرائيلي بمخيم النصيرات للاجئين بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)

في ساعة مبكرة من صباح يوم صيفي حار، انطلق الغزي أحمد الشنطي (56 عاماً) في رحلة نزوح جديدة، نحو مصير مجهول لا يعلم عنه شيئاً؛ فقد كان مجبراً على ترك منزله في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تحت نار القصف الجوي والمدفعي.

وبدأ الشنطي رحلة بحث شاقة عن مكان يؤويه وعائلته المكونة من 16 فرداً، ويوفر لهم ولو قدراً بسيطاً من الأمن والأمان.

كان عثوره، هو ومئات الآلاف غيره من سكان مدينة غزة، على مأوى ينجيهم من جحيم الصواريخ والعربات العسكرية المفخخة أشبه بالمعجزة، بينما تدمر العملية العسكرية الإسرائيلية المكثفة ما تبقى من المدينة، مع تركيز الهجمات على الأحياء المكتظة بالسكان والنازحين وعلى ما بقي من مبانٍ سكنية.

دخان يتصاعد جراء ضربات إسرائيلية بقطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

ورغم النزوح المتكرر، كانت هذه المرة هي الأقسى على أهالي مدينة غزة الذين تركوا منازلهم من قبل ولاذوا بوسط القطاع وجنوبه، ثم تنقلوا بعدها مرتين على الأقل، في حين نزح آخرون داخل المدينة نفسها، هرباً مما يحدق بهم من خطر داهم.

«عجز وقهر»

يروي الشنطي تجربة نزوحه الجديدة، ويقول: تمثلت فيها «كل معاني العجز والقهر».

ويستطرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، فيقول: «كل من مر بهذه التجربة واجه ظروفاً لم يرها من قبل».

ففي نزوحه الأول إلى رفح أقصى جنوب القطاع، مع بدايات الاجتياح البري في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023، خرج من منزله تحت القصف مجبراً، لكنه لم يحمل معه سوى بعض الملابس البسيطة، على أمل العودة قريباً.

لم يكن يعرف أن البُعد سيطول لأكثر من عام، فارق فيها بيته ومدينته قبل أن يعود إليها ويقيم في منزله المتضرر جزئياً.

غير أن النزوح هذه المرة مختلف، فهو يترك بيته وهو يخشى تدميره بعد أن لجأت القوات الإسرائيلية في الأشهر الماضية لسياسة نسف وتفجير ممنهجة لا تترك فيها مبنى على حاله.

يحمل النازحون معهم هذه المرة أمتعتهم، لا يعلمون متى سيعودون، أو حتى إن كانوا سيعودون أصلاً، وسط حملة تدمير لا تُبقي ولا تذر. يخرجون من المدينة، منهكين نفسياً وجسدياً ومادياً، لا يملكون المال للانتقال، وإن وجدوه فالمركبات المهترئة تزيد من قسوة النزوح، وأسعار النقل طاحنة، ولا أماكن متوافرة لاستقبال النازحين؛ فإن توفرت فالإيجار باهظ، حتى ولو كانت المساحة المنشودة مجرد أرض قاحلة.

مركبات متهاوية محملة بأمتعة النازحين من مدينة غزة (الشرق الأوسط)

يقول الشنطي: «منذ قررت أنا وعائلتي النزوح، صُدمنا من هول أعداد النازحين الذين ينتظرون دوراً طويلاً حتى يجدوا مركبة تنقلهم وأمتعتهم إلى جنوب القطاع».

ويستطرد: «بقيت أبحث عدة أيام عن مركبة قادرة على نقلنا دون مشاكل، فغالبية المركبات المتوفرة مهترئة وتتعطل في الطريق. واجهنا صعوبات بسبب الطلب الشديد على المركبات. وبعدما وصلت إلى أحد السائقين، طلب مني الانتظار 3 أيام حتى يحل دوري. وبعد هذه المدة، وعند موعد الانطلاق، فوجئت أنه حدد لحظة وصوله عند الثانية فجراً، ثم أجَّل الوقت بسبب ظروف الازدحام إلى السادسة صباحاً. وبعدما حمَّلنا أمتعتنا، تحركنا من مخيم الشاطئ في السابعة».

الزحام شديد والأسعار «فلكية»

وبمرارة يمضي الشنطي في روايته: «كان الطريق مزدحماً جداً بأعداد المركبات التي تنقل المواطنين. استمرت رحلتنا أكثر من 8 ساعات ونصف الساعة، انطلاقاً من مخيم الشاطئ وصولاً إلى تبة النويري غرب مخيم النصيرات وسط قطاع غزة؛ ثم مضت ساعة أخرى حتى وصلنا إلى منطقة مواصي القرارة شمال خان يونس جنوب القطاع».

كان الزحام شديداً لكثرة أعداد النازحين وعدد المركبات التي تمر من طريق الرشيد الساحلي والوحيد المخصص للنزوح، إلى جانب تعطل كثير من العربات، مما زاد من التكدس ومن تأخر الحركة.

ورغم كل هذه الصعوبات، يرى الشنطي أن الحظ حالفه حين تمكن من إيجاد مكان ينزح إليه بعدما نجح نجله البكر في ذلك بعد رحلة ذهاب وإياب استمرت عدة أيام للبحث عن مكان في خان يونس.

نجح هو، لكنّ كثيرين غيره لم ينجحوا.

نازحون من شمال غزة يتجهون جنوباً يوم الخميس (رويترز)

وما إن وصل الشنطي إلى قطعة الأرض التي تبلغ مساحتها نحو 500 متر، التي استأجرها مقابل 1000 شيقل شهرياً (ما يعادل نحو 300 دولار)، حتى واجه عقبات أخرى تتمثل في إيجاد الخشب ولوازم إقامة مأوى على الأرض المفتوحة، أو الخيام الجاهزة التي لا تتوافر بسهولة، فإن توافرت كانت بأثمان باهظة.

ويتراوح ثمن الخيمة من 2000 إلى 3500 شيقل (من 600 إلى 1045 دولاراً)، في حين يصل سعر متر الخشب الواحد إلى 90 شيقلاً (27 دولاراً). أما سعر الشادر الذي تبلغ مساحة نحو 4 في 6 أمتار فيصل إلى 600 شيقل (نحو 180 دولاراً)، ويصل ثمن تركيبها لما يقرب من 2000 شيقل (نحو 600 دولار).

ويقول الشنطي: «هذه أسعار فلكية لم تكن في موجة النزوح الأولى، لكن حالياً تجار الحروب يستغلون الظروف القاسية التي نعيشها، ويبيعون ما يتوفر لديهم من مواد وما يُسرق من مساعدات مثل الشوادر والخيام ويبيعونها بهذه الأثمان الباهظة».

ويشير إلى أن التجار يشترطون البيع بالسيولة النقدية والتي لا تتوفر لدى السكان، وفي حال استطاع المواطن توفيرها من بعض التجار كان المقابل دفع عمولة تصل إلى 40 في المائة، ومن ثم تكون التكلفة الإجمالية كبيرة جداً، لمجرد العيش في مكان بأبسط مقومات الحياة.

أما توفير المياه في المكان الجديد فمأساة أخرى يضطر فيها أبناء الشنطي للسير يومياً لمسافة ليست بالقليلة، ثم الاصطفاف في طابور طويل لأكثر من ساعة، من أجل الحصول على 22 لتراً من المياه الصالحة للشرب، وعلى نحو 200 لتر من المياه المخصصة للاستخدام الآدمي، كل يومين.

فلسطينيون يجلبون مياهاً بمنطقة الزوايدة بوسط قطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

يقول: «نعاني ظروفاً قاسية لتوفير أبسط مقومات الحياة. بعدما استقررنا نسبياً في منازلنا التي عدنا لها بعد الهدنة الأولى في يناير (كانون الثاني) الماضي، ها نحن نعود للمعاناة من جديد في ظروف مريرة».

النزوح سيراً

وبينما ابتسم الحظ قليلاً للشنطي عندما تمكن من إيجاد مركبة تنقله وعائلته وأمتعته للجنوب، اضطرت عوائل كثيرة للسير على الأقدام من مدينة غزة وصولاً إلى وسط القطاع، وقطع مسافة لا تقل عن ستة كيلومترات من ميناء غزة وحتى تبة النويري بالنصيرات، في رحلة قاسية امتدت لأكثر من ست ساعات، حاملين فيها أهم الأمتعة التي تخصهم وأبناءهم.

وهناك من الأسر من أمضى ساعات أطول لقطع مسافات أكبر.

من بين هؤلاء سامي النجار (32 عاماً)، وهو من سكان حي الشيخ رضوان بشمال مدينة غزة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه تناوب هو وزوجته على حمل أمتعتهما وأطفالهما الثلاثة في رحلة النزوح من الحي إلى مخيم النصيرات بعدما فشلوا في إيجاد مركبة تقلهم بأسعار في متناولهم.

وكثيراً ما اضطر النجار وعائلته للجلوس على قارعة الطريق بعدما خرجوا من غزة في وقت مبكر من الصباح طمعاً في تجنب ساعات ذروة الزحام.

بالكاد تمكن النجار من العثور على قطعة أرض مفتوحة مساحتها 60 متراً، دفع مقابل استئجارها ما يقرب من 150 دولاراً، وسط ظروف قاسية في توفير المياه والطعام بسبب بُعد الأسواق وغلاء الأسعار.

ورغم هذا، كانت أيضاً حالته أفضل من غيره ممن لم يجدوا أي مكان يضمهم.


مقالات ذات صلة

محاولة لاختطاف نشطاء من «القسام» تنتهي بمجزرة وسط غزة

خاص فلسطينيون بجوار جثامين ضحايا غارة جوية إسرائيلية في وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle 02:23

محاولة لاختطاف نشطاء من «القسام» تنتهي بمجزرة وسط غزة

أسفرت محاولة عناصر عصابة مسلحة موالية لإسرائيل اختطاف نشطاء من «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس» وسط غزة عن مقتل ما لا يقل عن 10 فلسطينيين وإصابة 15.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية انتشار كثيف للشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقرُّ القنصلية الإسرائيلية في حي بيشكتاش بإسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين استهدفوه الثلاثاء (أ.ف.ب)

استهداف القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول... والشرطة تقتل مهاجماً وتقبض على اثنين

حددت السلطات التركية هوية 3 أشخاص اشتبكوا مع عناصر الشرطة، التي تتولى تأمين مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة الآخرَين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في القاهرة (رويترز)

«استفزاز مرفوض»... مصر تدين اقتحام بن غفير المسجد الأقصى

أكدت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الثلاثاء، رفضها الكامل لمثل هذه الممارسات التي تمس بحرمة المقدسات الإسلامية في القدس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي جنازة فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

«الصحة العالمية» تعلّق عمليات الإجلاء الطبي من غزة بعد مقتل متعاقد معها

علّقت منظمة الصحة العالمية عمليات الإجلاء الطبي من قطاع غزة إلى مصر على خلفية «حادث أمني» أدى إلى مقتل أحد المتعاقدين معها.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي شاحنات الإغاثة خلال عبورها معبر رفح البري (الهلال الأحمر المصري)

«الصحة العالمية»: مقتل متعاقد خلال واقعة أمنية في قطاع غزة

قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس إن شخصا متعاقدا لتقديم خدمات للمنظمة في غزة قُتل اليوم الاثنين خلال واقعة أمنية.


محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)
طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)
TT

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)
طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)

نفى رجل سوري متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية عشرات التهم الموجهة إليه بالتعذيب والعنف الجنسي، وذلك في افتتاح محاكمته في هولندا، الأربعاء، حسب وكالة «أسوشييتد برس».

وادعى الرجل، البالغ من العمر 58 عاماً، والذي عُرف باسم (رفيق ق) فقط -التزاماً بقوانين الخصوصية الهولندية- أنه ضحية مؤامرة، ونفى اتهامات دعمه الرئيس السوري السابق بشار الأسد. وقال المدعون في محكمة لاهاي الجزئية إنه كان عضواً في قوات (الدفاع الوطني) الموالية للأسد، وعمل محققاً رئيسياً في هذه الجماعة شبه العسكرية خلال الحرب السورية.

ووصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

المتهم أبلغ القضاة بأنه كان يعمل موظفاً حكومياً في مدينة سلمية وسط البلاد، ونفى تورطه في أي أعمال تعذيب. وخلال إحدى جلسات المحاكمة، حاول الرجل تقديم دليل، ولوّح بورقة أمام القاضي، غير أن محاميه، أندريه سيبرغتس، قال إنه لم تتضح ماهية الدليل، فأجاب المتهم: «لا أخبر محاميّ بأي شيء».

هذا وتستند المحاكمة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مبدأ قانوني يسمح بمحاكمة المشتبه بهم عن جرائم دولية، كجرائم الحرب، حتى لو ارتُكبت في بلد آخر. وكان المتهم قد طلب اللجوء في هولندا عام 2021، وأقام في بلدة دروتن الصغيرة شرق البلاد عندما أُلقي القبض عليه عام 2023.

وحاكمت هولندا عدداً من السوريين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال النزاع السوري. وفي عام 2024، أدانت محكمة هولندية عضواً سابقاً رفيع المستوى في ميليشيا موالية للحكومة السورية بتهمة الاحتجاز غير القانوني والتواطؤ في التعذيب. كما أُدين رجل سوري آخر عام 2021 بارتكاب جرائم حرب لدوره في إعدام سجين بإجراءات موجزة.

وقفة في بلدة دوما بريف دمشق 7 أبريل إحياءً للذكرى الثامنة لمجزرة الكيماوي (سانا)

كان الصراع في سوريا قد بدأ باحتجاجات سلمية ضد حكومة الأسد في مارس (آذار) 2011، لكنه سرعان ما تحول إلى حرب أهلية شاملة استمرت نحو 14 عاماً، بعد قمع الحكومة الوحشي للمتظاهرين.

وفي نهاية عام 2024، زحف مسلحون بقيادة «هيئة تحرير الشام»، التي يتزعمها الرئيس الحالي أحمد الشرع، إلى دمشق وأطاحوا بالأسد من السلطة. ومنذ ذلك الحين، يُحسّن الشرع العلاقات مع الدول الغربية، وأصبح العام الماضي أول رئيس دولة سوري يزور واشنطن منذ استقلال سوريا عام 1946.

قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

للتذكير، رفعت هولندا وكندا دعوى قضائية منفصلة ضد سوريا أمام أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة، متهمتين دمشق بحملة تعذيب استمرت لسنوات ضد مواطنيها. وفي عام 2023، أمرت محكمة العدل الدولية الحكومة باتخاذ «جميع التدابير الممكنة» لمنع التعذيب.

تجدر الإشارة إلى أن جلسات الاستماع ستستمر لمدة أسبوعين آخرين، ومن المتوقع أن تُصدر المحكمة حكمها في التاسع من يونيو (حزيران) المقبل.


العراق يتنفس الصعداء... والفصائل ترفض نزع السلاح

صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

العراق يتنفس الصعداء... والفصائل ترفض نزع السلاح

صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

تنفّس العراقيون الصعداء بعد ليلة مليئة بالأحداث الأمنية الخطيرة التي سبقت إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، حيث تعرضت أكثر من 10 مناطق عديدة في بغداد إلى هجمات صاروخية وضربات جوية أدت إلى مقتل مدنيين اثنين وعشرات الإصابات، فضلاً عن جانب الهجمات التي طالت مواقع لـ«لحشد الشعبي».

ورغم أن الحكومة العراقية تقول إنها على «الحياد» في الحرب بين واشنطن وطهران، فإن الفصائل الموالية لإيران أدخلت العراق رسمياً في أتون المعركة، بحيث تعرضت البلاد لأكثر من 1000 ضربة وهجمة صاروخية، سواء من خلال تلك التي نفَّذها الطيران الأميركي على مواقع تابعة لـ«الحشد الشعبي» والفصائل المسلحة، أو الهجمات التي نفذتها الأخيرة وإيران على مواقع مدنية ودبلوماسية ونفطية في عديد من المناطق، كان لإقليم كردستان النصيب الأكبر فيها.

شرارات من مبنى مشتعل عقب غارات جوية متعددة مساء 7 أبريل 2026 (رويترز)

ألقى هذا الانخراط الفعلي في الحرب بظلاله القاتمة على البلاد بشكل عام، سواء من خلال المخاوف التي سيطرت على السكان، أو عبر تعطيل معظم النشاطات التجارية والمالية في البلاد، إلى جانب المخاوف من فقدان كثير من الخدمات نتيجة الحرب، خصوصاً المتعلقة بتجهيز الطاقة الكهربائية والوقود وأزمة أسطوانات غازل المنازل.

ورحبت وزارة الخارجية العراقية، الأربعاء، بإعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وعدّت الخطوة، تطوراً من شأنه الإسهام في خفض التوترات وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة.

وقالت الوزارة في بيان، إن «العراق يدعم أي جهود إقليمية ودولية تُسهم في احتواء الأزمات وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، وعلى أهمية البناء على هذه الخطوة عبر إطلاق مسارات حوار جاد ومستدام».

وفي بيان منفصل، أدانت الوزارة الاعتداء على القنصلية العامة لدولة الكويت في البصرة، فضلاً عن الهجوم الصاروخي الذي استهدف قضاء الزبير، مؤكدةً رفض بغداد القاطع أي مساس بالبعثات الدبلوماسية أو بسيادة البلاد.

لا نزع للسلاح

وبينما رحّب معظم الفعاليات السياسية بوقف الحرب، وسارع معظم الأحزاب والجماعات الشيعية إلى تهنئة إيران بما وصفته بـ«النصر» خلال الحرب، جدد رئيس المجلس التنفيذي لـ«حركة النجباء» ناظم السعيدي، الأربعاء، تأكيده أن «سلاح المقاومة لن يسلَّم»، مستبعداً الاستجابة لأي دعوات مستقبلية لنزع سلاح الفصائل، مما يرجح بقاء حالة الانقسام العراقية القائمة بين السلطات الحكومية الرسمية والأجنحة المسلحة الموالية لإيران، حسب مراقبين.

ويقول مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط»، إنه «من الصعب جداً التكهن بمسار الأمور في العراق بعد نهاية الحرب خلال هذه الأيام، خصوصاً أن إمكانية تجدد الحرب بعد أسبوعين ما زالت قائمة».

ويضيف: «يبدو أننا أمام تحدي الانتهاء من ملف الحكومة، أما ملف القوى والفصائل الموازية لقوى الدولة، فسيكون غالباً بترتيبات ما بعد المفاوضات الأميركية - الإيرانية وما قد ينتج عنها من تخلي إيران عن أذرعها في العراق والمنطقة».

ويستبعد المصدر «قدرة القوى السياسية العراقية على حسم ملف الفصائل من دون صيغة للتفاهم مع طهران، وقد شاهدنا كيف أن السلطات العراقية عجزت عن إقناع الفصائل بعدم توريط العراق في الحرب».

متظاهر يحاول تفادي الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته الشرطة العراقية خلال احتجاج أمام القنصلية الكويتية في البصرة 8 أبريل 2026 (أ.ب)

تنشيط الاقتصاد

ومع سريان هدنة وقف الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران، تشير مصادر مقربة من الحكومة إلى تركيزها على «إعادة تنشيط الاقتصاد عبر تسريع إعادة تصدير النفط»، حيث تمثل مداخيله 95 في المائة من موارد البلاد المالية، وهو الذي توقف نتيجة الحرب وإغلاق مضيق هرمز. وتشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى خسارة العراق بين 6 و10 مليارات دولار خلال فترة الحرب ووقف تصدير النفط، الأمر الذي ستكون له تداعياته المالية والاقتصادية الكبيرة خلال الأشهر المقبلة.

وأعلنت شركة نفط البصرة، الأربعاء، إمكانية إعادة إنتاج مليوني برميل نفط خلال ساعات.

وقال مدير الشركة، باسم عبد الكريم، لوكالة الأنباء العراقية، إن «عمليات الإنتاج المحلية لتغطية الحاجة المحلية من شركة نفط البصرة تبلغ 900 ألف برميل يومياً لتغطية المصافي ومحطات الغاز، وإن الغاز المستثمر يُستخدم لإنتاج المحطات الكهربائية».

عودة الطيران

نتيجة لوقف الحرب، أعلنت قيادة العمليات المشتركة، الأربعاء، وبالتنسيق مع سلطة الطيران المدني والدفاع الجوي والجهات القطاعية المختصة، استئناف العمل في جميع المطارات العراقية وعودة الرحلات الجوية خلال الساعات القليلة المقبلة.

يأتي هذا الإعلان، حسب بيان لقيادة العمليات، بعد استكمال الإجراءات الفنية والأمنية اللازمة لضمان سلامة الملاحة الجوية، حيث تؤكد الجهات المعنية أنها عملت بشكل مشترك لإعادة تنظيم حركة الطيران وفق المعايير المعتمدة.

وأضافت أن «سلطة الطيران المدني ستتولى إصدار التعليمات الخاصة بجداول الرحلات وتوقيتاتها»، داعيةً المواطنين إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عنها بشكل مستمر عبر مواقعها الإلكترونية المعلنة.

ومنذ أكثر من شهر تجدد السلطات العراقية تعليمات إغلاق أجواء البلاد نتيجة الحرب، الأمر الذي تسبَّب في خسائر مالية كبيرة لهذا القطاع، فضلاً عن عرقلة سفر معظم المواطنين العراقيين والاكتفاء بالسفر براً عبر الأراضي التركية أو الأردنية.

Your Premium trial has ended


جمود سياسي في بغداد رغم وقف إطلاق النار الإقليمي

إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)
إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

جمود سياسي في بغداد رغم وقف إطلاق النار الإقليمي

إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)
إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

وسط استمرار الانقسامات داخل القوى السياسية الرئيسة في العراق، تظل استحقاقات انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس الوزراء عالقة، في وقت ينتظر البرلمان عقد جلسته المرتقبة السبت المقبل برئاسة هيبت الحلبوسي.

فـ«الإطار التنسيقي» الشيعي، الذي يشكل أحد أبرز المكونات السياسية، لم ينجح بعد في تجاوز انقسامات داخلية واضحة، ولا يزال يعتمد بيانات تتسم بالعمومية دون تقديم حلول عملية لمسار الاستحقاقات الدستورية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الحكومة الحالية بلا صلاحيات كاملة، ما يعقد دور الحكومة في إدارة البلاد، ومواجهة التحديات.

وأكد مصدر من «الإطار التنسيقي» أن اجتماع قوى الإطار الذي عقد مساء الاثنين الماضي انتهى بانقسام داخلي لثلاثة أجنحة حول مواقفها من الفصائل المسلحة، ما يعكس تعقيدات إضافية أمام حسم ملف رئاسة الجمهورية، وتكليف رئيس الحكومة.

وتبقى الشراكة السياسية في العراق، خصوصاً بين المكونات الشيعية، والكردية، رهينة خلافات حول مرشحي المناصب الرئاسية، والتنفيذية، مع استمرار وجود عقدة كردية تتعلق بالموازنة بين أربيل والسليمانية وبغداد، فضلاً عن التباين حول صياغة علاقة الحكومة الاتحادية مع إقليم كردستان بما يتوافق مالدستور.

من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

عقدة المالكي

في السياق، نفى صلاح العبيدي، الممثل الخاص لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن موافقة الصدر على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، مؤكداً أن التصريحات المنسوبة إليه مزورة.

وأوضح العبيدي أن موقف التيار الصدري تجاه ترشيح المالكي أصبح مرتبطاً بإجماع القوى الشيعية الأخرى، وأن أي توافق حقيقي سيُتاح للتيار الوطني الشيعي للمضي فيه دون عرقلة هو القرار الموحد.

وكانت تقارير محلية تداولت منشوراً نسبته إلى العبيدي يعلن فيه أن موافقة مقتدى الصدر على رئاسة المالكي مرهونة بالإجماع داخل «الإطار التنسيقي».

وقال سياسي عراقي مقرب من الحكومة إن «القوى السياسية غير قادرة على تغيير ترشيح نوري المالكي خشية اتهامها بالخضوع لموقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بينما لا يريد المالكي التنازل شخصياً حتى لا تلتصق به التهمة نفسها».

وبذلك يبقى الطريق أمام استكمال الاستحقاقات الدستورية في العراق معقداً، ويحتاج إلى توافق داخلي حقيقي بين القوى الشيعية والكردية، في ظل حكومة مؤقتة بلا صلاحيات كاملة، ووسط ضغط شعبي وإعلامي متزايد على ضرورة حسم ملفي الرئاسة والحكومة.

رغم ذلك، عادت الحياة إلى قبة البرلمان العراقي، في أعقاب الإعلان عن وقف النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران. وعقد النواب، الأربعاء، جلسة اعتيادية بعد انقطاع، وصوتوا على تشكيل عدد من اللجان النيابية، لاستكمال البنية التنظيمية للعمل التشريعي والرقابي داخل البرلمان.

وذكرت الدائرة الإعلامية للمجلس في بيان أن «عمليات التصويت شملت لجان المالية، والنزاهة، والأمن والدفاع، والنفط والغاز والثروات الطبيعية، وحقوق الإنسان، فضلاً عن لجنة الهجرة والمهجرين والمصالحة المجتمعية، ولجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام».