نزوح نحو المجهول... شارع الرشيد يختنق بجحافل الفارين من قصف غزة

مسار ضيق... وعربات مهترئة... وأسعار باهظة

نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)
نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)
TT

نزوح نحو المجهول... شارع الرشيد يختنق بجحافل الفارين من قصف غزة

نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)
نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)

يقف شارع الرشيد الساحلي، المسار الوحيد المتاح للتنقل من مدينة غزة وإليها، شاهداً على عناء يزداد حدة ورحلة شقاء تشتد وطأة يوماً بعد يوم.

فالنازحون من مدينة غزة باتجاه وسط وجنوب القطاع لا يجدون لهم سبيلاً سوى هذا الطريق الضيق للخروج من المدينة بعد أوامر الإخلاء المتواصلة وعمليات القصف المستمرة.

الظروف المأساوية، وشراسة الضغط العسكري الإسرائيلي، والإمعان في تدمير مراكز الإيواء والأبراج السكنية المتبقية بمدينة غزة، كلها تجبر السكان على النزوح، وسط توقعات باتخاذ خطوات عسكرية أخرى في الفترة المقبلة لتكثيف الضغط والتضييق.

ويقول عاطف صبح (53 عاماً)، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، إن أعداداً كبيرة ممن يعتزمون النزوح يعودون أدراجهم بسبب الازدحام الشديد، مشيراً إلى أن طوابير طويلة تقف لساعات ممتدة من أجل الخروج، في مشهد مأساوي يختلف تماماً عن رحلة النزوح الأولى التي كانت تتم عبر مسارين، هما الرشيد وصلاح الدين.

وفي الأيام الثلاثة الماضية، باتت رحلة قطع مسافة 1.5 كيلومتر تقريباً من مدينة غزة إلى وسط القطاع تستغرق من 6 إلى 7 ساعات. ومع الزيادة البالغة في أعداد النازحين، أصبحت تستغرق أكثر من 10 ساعات، بل و12 ساعة في بعض الأحيان، ناهيك بأسعار الانتقال الباهظة.

وقال صبح لـ«الشرق الأوسط» إن موجة النزوح الحالية تصاعدت بقوة بعد تكثيف القوات الإسرائيلية ضرباتها على مراكز الإيواء، منذ يوم الجمعة الماضي، وعلى الأبراج والعمارات السكنية، ما جعل كثيراً من العائلات بلا مأوى، الأمر الذي دفعها للإسراع بالنزوح لأي مكان يؤويها.

الأكتاف تنوء

ومما يفاقم أزمة الازدحام الشديد على شارع الرشيد أن المركبات التي تنقل السكان وأمتعتهم قديمة ومتهالكة، وتسير بصعوبة، وكثير منها يتعطل في الطريق فيوقفه تماماً.

نازحة تحمل أغراضها خلال الفرار من شمال غزة باتجاه الجنوب يوم الاثنين (رويترز)

وتروي مي عابد (37 عاماً)، وهي من سكان حي الزيتون جنوب مدينة غزة، تفاصيل رحلة نزوحها إلى وسط قطاع غزة، فتقول إنها استغرقت أكثر من 11 ساعة متواصلة، وتصفها بأنها رحلة «صعبة جداً ومنهكة جسدياً ونفسياً».

ورضخت السيدة الفلسطينية، تحت وطأة الإنذارات والتفجيرات، لفكرة النزوح فرحلت عن مدينتها برفقة زوجها وأبنائها في شاحنة نصف نقل تحمل أيضاً أمتعتهم.

قالت: «عانينا من الجوع والعطش ونحن ننتظر لساعات أن يتحسن الطريق، إلا أن المسار كان صعباً جداً وقاسياً. لم نكن نتوقع أن يكون هكذا»، إذ إنها خرجت مع عائلتها بعد منتصف الليل أملاً في أن يكون الأمر أيسر، لكن الليل لم يختلف كثيراً عن النهار.

والتهبت أسعار النقل، فأصبحت الرحلة من مدينة غزة إلى أطراف وسط القطاع تتكلف ما بين 1000 و1500 دولار تقريباً، في حمل تنوء أكتاف الغزيين عن حمله.

قصف جديد وضحايا آخرون

وميدانياً، تواصلت العمليات العسكرية الإسرائيلية بمدينة غزة، يوم الاثنين، وسط تكثيف واضح لاستهداف المنازل والمباني والأبراج السكنية، ومنها برج الغفري الذي كان يضم وسائل إعلامية وشركات وغيرها، وكان مدمراً جزئياً. واستُهدف البرج بغارة جوية مباشرة أعقبها انهيار كامل للمبنى الواقع على شاطئ البحر في الجهة الغربية من مدينة غزة.

آثار الدمار بعد قصف برج الغفري بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

وكان برج الغفري يضم عشرات الشقق السكنية، إلى جانب مكاتب مؤسسات دولية وصحافية وحقوقية، ما يجعل تدميره من أبرز الضربات التي استهدفت مباني مدنية كبرى في القطاع منذ اندلاع الحرب.

وشهدت المنطقة حالة من الهلع والفوضى عقب إصدار الجيش الإسرائيلي بياناً تحذيرياً دعا فيه السكان إلى إخلاء محيط ميناء غزة، وحي الرمال، ولا سيما المبنى المستهدف. وجاء في البيان: «سيهاجم جيش الدفاع الإسرائيلي المبنى في الوقت القريب نظراً لوجود بنى تحتية إرهابية لـ(حماس) داخله، أو بجواره. من أجل سلامتكم أنتم مضطرون لإخلاء المبنى بشكل فوري جنوباً نحو المنطقة الإنسانية في المواصي».

وحسب شهود عيان، لم تمضِ سوى أقل من 60 دقيقة على صدور التحذير حتى أغارت الطائرات الحربية على المبنى، ما أدى إلى انهياره بالكامل، وتصاعدت سحب دخان كثيفة في سماء المنطقة.

وتمركزت القوات البرية الإسرائيلية في منطقة بركة الشيخ رضوان شمال المدينة. وبينما لم تنتشر في أماكن أخرى، فقد تحكمت نارياً ببعض المناطق بشرق وجنوب المدينة وكذلك أجزاء من شمالها الغربي، من خلال القصف المدفعي والجوي وكذلك الطائرات المسيرة «كواد كابتر» التي تطلق النار على كل ما هو متحرك.

حزن وبكاء خلال تشييع 15 فلسطينياً قتلوا خلال فجر الاثنين بمدينة غزة (د.ب.أ)

ومنذ فجر الاثنين وحتى ساعات الظهيرة، قُتل ما لا يقل عن 30 فلسطينياً، منهم 22 في مدينة غزة وحدها، نتيجة سلسلة غارات استهدفت منازل وخياماً للنازحين.

وذكرت وزارة الصحة بغزة أنه وصل إلى مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة، من ظهيرة الأحد إلى الاثنين، 34 قتيلاً و316 إصابة، ما يرفع إجمالي عدد الضحايا إلى 64905 قتلى و164926 مصاباً منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ومن منتظري المساعدات، قُتل خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة ثلاثة فلسطينيين وأصيب 47، ليرتفع الإجمالي إلى 2497 قتيلاً وأكثر من 18182 مصاباً منذ سمحت إسرائيل باستئناف دخول الإمدادات في مايو (أيار) الماضي.

ومن ضحايا المجاعة وسوء التغذية، أُعلن عن تسجيل 3 حالات وفاة، ليرتفع العدد إلى 425 قتيلاً، من بينهم 145 طفلاً.

استهداف مباني «الأونروا»

وأعلن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فيليب لازاريني أن إسرائيل قصفت، خلال الأيام الأربعة الماضية فقط، 10 مبانٍ تابعة للوكالة بمدينة غزة، بينها 7 مدارس وعيادتان، تُستخدم حالياً ملاجئ لآلاف النازحين.

وأضاف لازاريني، في تدوينة عبر منصة «إكس»، أنه لا يوجد مكان آمن في مدينة غزة وشمالها، حيث تزداد حِدة الغارات الجوية، وهو ما يجبر مزيداً من الفلسطينيين على النزوح نحو المجهول.

وتابع مفوض «الأونروا»: «اضطررنا لإيقاف الرعاية الصحية بمخيم الشاطئ، وهو الوحيد المتاح بشمال وادي غزة، في حين تعمل خدماتنا الحيوية للمياه والصرف الصحي، الآن، بنصف طاقتها فقط». وتابع: «في الأيام الأربعة الماضية فقط، استهدفت 10 مبانٍ تابعة لـ(الأونروا) في مدينة غزة»، مطالباً بوقف فوري لإطلاق النار.

المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي تتحدث بمؤتمر صحافي في جنيف يوم الاثنين (أ.ف.ب)

من جهة أخرى، حذّرت فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أن هجوم إسرائيل على مدينة غزة سيلحق ضرراً هائلاً بالفلسطينيين، وأن المدينة قد تصبح غير صالحة للعيش. وقالت للصحافيين في جنيف: «إسرائيل تقصف غزة بأسلحة غير تقليدية... إنها تحاول إخراج الفلسطينيين قسراً. لماذا؟».

وأضافت: «يريدون أن يجعلوها غير صالحة للعيش».


مقالات ذات صلة

مقتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين بقطاع غزة

المشرق العربي فلسطينيات يبكين في جنازة علي اسبيتان (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين بقطاع غزة

قُتل 5 أشخاص بينهم طفل، وأصيب عشرات بجروح، في غارتين جويتين إسرائيليتين استهدفتا دير البلح وخان يونس في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي لقي المشيعون النظرة الأخيرة على جثامين رجال فلسطينيين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية على مخيم المغازي للاجئين أمس (الجمعة) وذلك خلال جنازتهم في دير البلح - قطاع غزة (أ.ب)

مقتل طفلة وإصابة 7 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على جنوب غزة

قتلت طفلة وأصيب سبعة مواطنين فلسطينيين اليوم (السبت) بغارة على خان يونس جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب) p-circle

لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

اتهمت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين «عمداً»، وعدَّت أن ذلك أصبح عاملاً رئيسياً في «الإبادة» المستمرة بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جثمان الطفلة جولي البلاوي ذات الـ8 أعوام بمستشفى الناصر في خان يونس بعد مقتلها جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (إ.ب.أ)

لجنة أممية: إسرائيل تستهدف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

اتهم محققون تابعون للأمم المتحدة اليوم (الثلاثاء)، إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين «عمداً»، معتبرين أن ذلك أصبح يشكل عاملاً رئيسياً في «الإبادة» في غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، الثلاثاء، طلباً لإطلاق سراح الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المحتجز دون تهمة منذ اعتقاله بغزة في أواخر 2024.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

ماكرون في دمشق... الاستثمار يزاحم السياسة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو الماضي (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو الماضي (أ.ب)
TT

ماكرون في دمشق... الاستثمار يزاحم السياسة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو الماضي (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو الماضي (أ.ب)

أعلنت الرئاسة السورية، أمس (الأحد)، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجري زيارة مرتقبة إلى سوريا، من دون تحديد موعدها، ستكون الأولى لرئيس دولة غربية منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة أن الزيارة ستكون لعدة ساعات قبل توجه الرئيس الفرنسي إلى أنقرة، وقالت إنه رغم الطابع الاقتصادي وملف الاستثمارات للزيارة فإنها قد تشكل فرصة لإعادة موازنة المصالح السياسية. ويرافق الرئيس الفرنسي وفد كبير يتألف من مجموعة من الوزراء، على رأسهم وزير الخارجية ومجموعة من رجال الأعمال.

واللافت في موضوع الزيارة أن أي إعلان رسمي بخصوصها لم يكن قد صدر حتى عصر أمس عن قصر الإليزيه، وذلك على غير عادته. وتحاشت مصادره، في الأيام الأخيرة، الحديث عن الزيارة. وتقدِّر أوساط فرنسية أن الدوافع الأمنية هي السبب الرئيسي للتحفظ ربطاً بالتفجير الكبير الذي حصل في قلب دمشق الخميس الماضي.


«الصحة» الفلسطينية: الجيش الإسرائيلي يقتل فتى بالضفة الغربية

أحد أقارب الفتى وليد نضال وليد أبو سنينة الذي قتله الجيش الإسرائيلي يبكيه في مستشفى برام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
أحد أقارب الفتى وليد نضال وليد أبو سنينة الذي قتله الجيش الإسرائيلي يبكيه في مستشفى برام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

«الصحة» الفلسطينية: الجيش الإسرائيلي يقتل فتى بالضفة الغربية

أحد أقارب الفتى وليد نضال وليد أبو سنينة الذي قتله الجيش الإسرائيلي يبكيه في مستشفى برام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
أحد أقارب الفتى وليد نضال وليد أبو سنينة الذي قتله الجيش الإسرائيلي يبكيه في مستشفى برام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

قتل الجيش الإسرائيلي فتى فلسطينياً وأصاب آخرَين بجروح، الأحد، في مخيم قلنديا للاجئين قرب رام الله بوسط الضفة الغربية المحتلة، بحسب ما أفادت وزارة الصحة الفلسطينية.

وجاء في بيان للوزارة: «استشهاد الطفل وليد نضال وليد أبو سنينة (16 عاماً) وإصابة طفلين آخرين برصاص الاحتلال في الأطراف السفلية» بمخيم قلنديا.

وأضاف متحدث باسم الوزارة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الطفلين المصابين يبلغان 14 عاماً. ولم يرد الجيش الإسرائيلي على الفور، على طلب الوكالة للتعقيب.

أقارب الفتى الفلسطيني وليد نضال وليد أبو سنينة الذي قتله الجيش الإسرائيلي يلتفون حول جثمانه في مستشفى برام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وقال المكتب الإعلامي لمحافظة القدس التي تتخذ من بلدة الرام شمال القدس مقراً لها، إن «قوات الاحتلال اقتحمت مخيم قلنديا، وأطلقت الرصاص الحي وقنابل الغاز السام المسيل للدموع، ما أدى إلى استشهاد الطفل أبو سنينة وإصابة 4 مواطنين، نُقلوا لتلقي العلاج». وأضاف، في بيان، أن الجيش الإسرائيلي اعتقل 3 شبان خلال المداهمة.

وتصاعدت أعمال العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، منذ اندلاع الحرب في غزة.

وقُتل ما لا يقل عن 1086 فلسطينياً، بينهم عدد من المسلحين، برصاص جنود أو مستوطنين إسرائيليين منذ اندلاع حرب غزة إثر هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وفق حصيلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» تستند إلى بيانات السلطة الفلسطينية.

في المقابل، تُظهر بيانات رسمية إسرائيلية مقتل ما لا يقل عن 46 إسرائيلياً من مدنيين وعسكريين، في هجمات نفّذها فلسطينيون، أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية.


آخر المقاتلين الفرنسيين في سوريا... بضع عشرات بفصائل متناحرة

عناصر من قوات الأمن السوري (أرشيفية - وزارة الداخلية)
عناصر من قوات الأمن السوري (أرشيفية - وزارة الداخلية)
TT

آخر المقاتلين الفرنسيين في سوريا... بضع عشرات بفصائل متناحرة

عناصر من قوات الأمن السوري (أرشيفية - وزارة الداخلية)
عناصر من قوات الأمن السوري (أرشيفية - وزارة الداخلية)

تضع باريس والسلطات السورية آخر المقاتلين الفرنسيين الموجودين في سوريا والتابعين لفصائل متنافسة أو متناحرة، تحت رقابة وثيقة، فيما تسعى السلطات في دمشق إلى احتوائهم وإدماجهم ضمن أطر رسمية، سعياً إلى صورة دولية إيجابية.

وبعدما أعلن تنظيم «داعش» إقامة «خلافة» في أراضٍ سورية وعراقية سيطر عليها بدءاً من عام 2014 وحتى عام 2019، مستقطباً مقاتلين على صلة بتنظيم «القاعدة» إبان الحرب (2011 - 2014)، شهدت سوريا على مدى 15 عاماً، تدفّق آلاف المقاتلين؛ بعضهم ما زال هناك على الرغم من سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول)، وتولي أحمد الشرع السلطة.

حالياً، تفيد تقديرات بأن عدد هؤلاء المقاتلين لا يتجاوز بضع عشرات من الرجال والنساء والأطفال، وينقسمون عموماً إلى 3 مجموعات، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

قوات الأمن السورية تحرس المكان الذي وقع فيه انفجار في مقهى بوسط دمشق - 2 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

ولا تشن أيّ من هذه المجموعات عمليات باسم تنظيم «داعش» الذي يتبنى بانتظام هجمات في سوريا، التي سيزورها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق ما أعلن قصر «الإليزيه» من دون تحديد أي موعد.

هذه المجموعات هي: «فرقة الغرباء» بقيادة عمر ديابي المعروف بعمر أومسن، وهي تتّخذ من مخيم يقع على أطراف مدينة حارم مقرّاً لها. وهناك أيضاً مجموعة المقاتلين الذين جرى دمجهم في الجهاز الأمني التابع للحكومة السورية. أما المجموعة الثالثة فقوامها سجناء تنظيم «داعش» الذين كانوا محتجزين في مخيمات بإدارة كردية، وباتوا تحت سيطرة دمشق.

المجموعة الأخيرة تضم خصوصاً نساء وأطفالاً بعدما نُقل نحو 50 رجلاً من المجموعة إلى العراق مطلع 2026.

أما المقاتلون السابقون الذين جرى دمجهم في الجيش السوري، وعددهم نحو 20 رجلاً، فقد أُلحقوا باللواء 82 الذي يضم مقاتلين أجانب أسوة باللواء 84، وفق مصدر مقرّب من المقاتلين الفرنسيين في سوريا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو الماضي (أ.ب)

ويقول مارك هيكر الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية: «إنهم حفنة من الفرنسيين المرتبطين بـ(هيئة تحرير الشام)، وجرى دمجهم بأجهزة الدولة السورية في مناصب ثانوية وبعيدة عن الأضواء».

ويضيف: «هناك أيضاً أفراد متوارون تماماً عن الأنظار، قد يكونون منتسبين إلى تنظيم (داعش)، أو إلى مجموعات أخرى».

توترات

يترواح عدد أفراد «فرقة الغرباء» بين بضع عشرات ونحو 100 من الرجال ومعهم نساء وأطفال، ويسود توتر بين هذه المجموعة والحكومة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، طوّقت السلطات مخيّم المجموعة في محاولة لاعتقال ديابي، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بوقف لإطلاق النار. ديابي الذي يصفه خبراء بأنه داعية، سبق أن استهدفته «هيئة تحرير الشام» قبل سقوط الأسد «وسُجن لأكثر من عام»، وفق هيكر.

ويقول الباحث في الجامعة الأميركية بواشنطن أيدو ليفي: «إنها مجموعة متمرّسة خاضت الحرب». ويضيف: «إن وجود هذه المجموعات من المقاتلين الأجانب يطرح إشكالية بالنسبة للشرع؛ إذ إن بعضهم يرفض فكرة الاندماج، ما يولّد توترات».

ويقول هيكر: «اضطر الشرع بعد وصوله إلى السلطة إلى إبداء مؤشرات حسن نية للخارج لطمأنة الشركاء الأجانب المحتملين بأنه لن يسمح للمقاتلين الأجانب الموجودين على الأراضي السورية بأن يخططوا لعمليات خارجية».

ويصف مصدر أمني فرنسي تعاون دمشق مع الدول الغربية عموماً بـ«الجيد».

يقول ليفي إن الشرع بادر، إضافة إلى تصديه عسكرياً لتنظيم «داعش»، إلى اعتقال أجانب على غرار «المصري أحمد المنصور في يناير (كانون الثاني) 2025، بعد نشره فيديوهات هدّد فيها الرئيس المصري (عبد الفتاح) السيسي».

«خطوط حمر»

تشدّد لورانس بايندنر، الشريكة في تأسيس منصة «جوس بروجيكت» لتحليل الدعاية المتطرفة عبر الإنترنت، على أن «ديابي ما زال نشطاً».

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» بقرية السفيرة شرق حلب (أرشيفية - الداخلية السورية)

وتقول إن أشخاصاً عدة رُصدوا في الأشهر الأخيرة بعدما حاولوا الانضمام إليه، كما «نشرت المؤسسة الإعلامية التابعة لمجموعته (19 ساعة أسبوعياً) (19 HH) مؤخراً فيديو مدته 28 دقيقة بالعربية والفرنسية يهاجم فرنسا، ويتّهمها بالوقوف وراء العمليات العسكرية ضده، خصوصاً عملية أكتوبر 2025».

وتضيف: «يبدي مناصروه عبر الإنترنت عدائية تجاه الشرع، ويتّهمونه بأنه رضخ للضغوط الفرنسية في مهاجمته (فرقة الغرباء)، من دون الذهاب إلى حد الدعوة لحمل السلاح ضده». وتقول بايندنر: «نشهد تصفية حسابات عبر (تلغرام) بين متطرفين مؤيدين لأومسن، وآخرين معارضين له».

ويقول هيكر: «لا نعرف ما إذا يدرك عمر أومسن ماهية الخطوط الحمر التي وضعتها دمشق»، ويضيف: «لكن بالنظر إلى الاحتكاكات السابقة، يبدو أنه يختبر هذه الخطوط بين الحين والآخر».