نزوح نحو المجهول... شارع الرشيد يختنق بجحافل الفارين من قصف غزة

مسار ضيق... وعربات مهترئة... وأسعار باهظة

نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)
نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)
TT

نزوح نحو المجهول... شارع الرشيد يختنق بجحافل الفارين من قصف غزة

نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)
نازحون من شمال غزة يتحركون يوم الاثنين صوب الجنوب بعد قصف وأوامر بإخلاء مدينة غزة (رويترز)

يقف شارع الرشيد الساحلي، المسار الوحيد المتاح للتنقل من مدينة غزة وإليها، شاهداً على عناء يزداد حدة ورحلة شقاء تشتد وطأة يوماً بعد يوم.

فالنازحون من مدينة غزة باتجاه وسط وجنوب القطاع لا يجدون لهم سبيلاً سوى هذا الطريق الضيق للخروج من المدينة بعد أوامر الإخلاء المتواصلة وعمليات القصف المستمرة.

الظروف المأساوية، وشراسة الضغط العسكري الإسرائيلي، والإمعان في تدمير مراكز الإيواء والأبراج السكنية المتبقية بمدينة غزة، كلها تجبر السكان على النزوح، وسط توقعات باتخاذ خطوات عسكرية أخرى في الفترة المقبلة لتكثيف الضغط والتضييق.

ويقول عاطف صبح (53 عاماً)، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، إن أعداداً كبيرة ممن يعتزمون النزوح يعودون أدراجهم بسبب الازدحام الشديد، مشيراً إلى أن طوابير طويلة تقف لساعات ممتدة من أجل الخروج، في مشهد مأساوي يختلف تماماً عن رحلة النزوح الأولى التي كانت تتم عبر مسارين، هما الرشيد وصلاح الدين.

وفي الأيام الثلاثة الماضية، باتت رحلة قطع مسافة 1.5 كيلومتر تقريباً من مدينة غزة إلى وسط القطاع تستغرق من 6 إلى 7 ساعات. ومع الزيادة البالغة في أعداد النازحين، أصبحت تستغرق أكثر من 10 ساعات، بل و12 ساعة في بعض الأحيان، ناهيك بأسعار الانتقال الباهظة.

وقال صبح لـ«الشرق الأوسط» إن موجة النزوح الحالية تصاعدت بقوة بعد تكثيف القوات الإسرائيلية ضرباتها على مراكز الإيواء، منذ يوم الجمعة الماضي، وعلى الأبراج والعمارات السكنية، ما جعل كثيراً من العائلات بلا مأوى، الأمر الذي دفعها للإسراع بالنزوح لأي مكان يؤويها.

الأكتاف تنوء

ومما يفاقم أزمة الازدحام الشديد على شارع الرشيد أن المركبات التي تنقل السكان وأمتعتهم قديمة ومتهالكة، وتسير بصعوبة، وكثير منها يتعطل في الطريق فيوقفه تماماً.

نازحة تحمل أغراضها خلال الفرار من شمال غزة باتجاه الجنوب يوم الاثنين (رويترز)

وتروي مي عابد (37 عاماً)، وهي من سكان حي الزيتون جنوب مدينة غزة، تفاصيل رحلة نزوحها إلى وسط قطاع غزة، فتقول إنها استغرقت أكثر من 11 ساعة متواصلة، وتصفها بأنها رحلة «صعبة جداً ومنهكة جسدياً ونفسياً».

ورضخت السيدة الفلسطينية، تحت وطأة الإنذارات والتفجيرات، لفكرة النزوح فرحلت عن مدينتها برفقة زوجها وأبنائها في شاحنة نصف نقل تحمل أيضاً أمتعتهم.

قالت: «عانينا من الجوع والعطش ونحن ننتظر لساعات أن يتحسن الطريق، إلا أن المسار كان صعباً جداً وقاسياً. لم نكن نتوقع أن يكون هكذا»، إذ إنها خرجت مع عائلتها بعد منتصف الليل أملاً في أن يكون الأمر أيسر، لكن الليل لم يختلف كثيراً عن النهار.

والتهبت أسعار النقل، فأصبحت الرحلة من مدينة غزة إلى أطراف وسط القطاع تتكلف ما بين 1000 و1500 دولار تقريباً، في حمل تنوء أكتاف الغزيين عن حمله.

قصف جديد وضحايا آخرون

وميدانياً، تواصلت العمليات العسكرية الإسرائيلية بمدينة غزة، يوم الاثنين، وسط تكثيف واضح لاستهداف المنازل والمباني والأبراج السكنية، ومنها برج الغفري الذي كان يضم وسائل إعلامية وشركات وغيرها، وكان مدمراً جزئياً. واستُهدف البرج بغارة جوية مباشرة أعقبها انهيار كامل للمبنى الواقع على شاطئ البحر في الجهة الغربية من مدينة غزة.

آثار الدمار بعد قصف برج الغفري بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

وكان برج الغفري يضم عشرات الشقق السكنية، إلى جانب مكاتب مؤسسات دولية وصحافية وحقوقية، ما يجعل تدميره من أبرز الضربات التي استهدفت مباني مدنية كبرى في القطاع منذ اندلاع الحرب.

وشهدت المنطقة حالة من الهلع والفوضى عقب إصدار الجيش الإسرائيلي بياناً تحذيرياً دعا فيه السكان إلى إخلاء محيط ميناء غزة، وحي الرمال، ولا سيما المبنى المستهدف. وجاء في البيان: «سيهاجم جيش الدفاع الإسرائيلي المبنى في الوقت القريب نظراً لوجود بنى تحتية إرهابية لـ(حماس) داخله، أو بجواره. من أجل سلامتكم أنتم مضطرون لإخلاء المبنى بشكل فوري جنوباً نحو المنطقة الإنسانية في المواصي».

وحسب شهود عيان، لم تمضِ سوى أقل من 60 دقيقة على صدور التحذير حتى أغارت الطائرات الحربية على المبنى، ما أدى إلى انهياره بالكامل، وتصاعدت سحب دخان كثيفة في سماء المنطقة.

وتمركزت القوات البرية الإسرائيلية في منطقة بركة الشيخ رضوان شمال المدينة. وبينما لم تنتشر في أماكن أخرى، فقد تحكمت نارياً ببعض المناطق بشرق وجنوب المدينة وكذلك أجزاء من شمالها الغربي، من خلال القصف المدفعي والجوي وكذلك الطائرات المسيرة «كواد كابتر» التي تطلق النار على كل ما هو متحرك.

حزن وبكاء خلال تشييع 15 فلسطينياً قتلوا خلال فجر الاثنين بمدينة غزة (د.ب.أ)

ومنذ فجر الاثنين وحتى ساعات الظهيرة، قُتل ما لا يقل عن 30 فلسطينياً، منهم 22 في مدينة غزة وحدها، نتيجة سلسلة غارات استهدفت منازل وخياماً للنازحين.

وذكرت وزارة الصحة بغزة أنه وصل إلى مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة، من ظهيرة الأحد إلى الاثنين، 34 قتيلاً و316 إصابة، ما يرفع إجمالي عدد الضحايا إلى 64905 قتلى و164926 مصاباً منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ومن منتظري المساعدات، قُتل خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة ثلاثة فلسطينيين وأصيب 47، ليرتفع الإجمالي إلى 2497 قتيلاً وأكثر من 18182 مصاباً منذ سمحت إسرائيل باستئناف دخول الإمدادات في مايو (أيار) الماضي.

ومن ضحايا المجاعة وسوء التغذية، أُعلن عن تسجيل 3 حالات وفاة، ليرتفع العدد إلى 425 قتيلاً، من بينهم 145 طفلاً.

استهداف مباني «الأونروا»

وأعلن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فيليب لازاريني أن إسرائيل قصفت، خلال الأيام الأربعة الماضية فقط، 10 مبانٍ تابعة للوكالة بمدينة غزة، بينها 7 مدارس وعيادتان، تُستخدم حالياً ملاجئ لآلاف النازحين.

وأضاف لازاريني، في تدوينة عبر منصة «إكس»، أنه لا يوجد مكان آمن في مدينة غزة وشمالها، حيث تزداد حِدة الغارات الجوية، وهو ما يجبر مزيداً من الفلسطينيين على النزوح نحو المجهول.

وتابع مفوض «الأونروا»: «اضطررنا لإيقاف الرعاية الصحية بمخيم الشاطئ، وهو الوحيد المتاح بشمال وادي غزة، في حين تعمل خدماتنا الحيوية للمياه والصرف الصحي، الآن، بنصف طاقتها فقط». وتابع: «في الأيام الأربعة الماضية فقط، استهدفت 10 مبانٍ تابعة لـ(الأونروا) في مدينة غزة»، مطالباً بوقف فوري لإطلاق النار.

المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي تتحدث بمؤتمر صحافي في جنيف يوم الاثنين (أ.ف.ب)

من جهة أخرى، حذّرت فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أن هجوم إسرائيل على مدينة غزة سيلحق ضرراً هائلاً بالفلسطينيين، وأن المدينة قد تصبح غير صالحة للعيش. وقالت للصحافيين في جنيف: «إسرائيل تقصف غزة بأسلحة غير تقليدية... إنها تحاول إخراج الفلسطينيين قسراً. لماذا؟».

وأضافت: «يريدون أن يجعلوها غير صالحة للعيش».


مقالات ذات صلة

تصعيد دامٍ في غزة... و«حماس» تؤكد جديتها في إنجاح اتفاق الهدنة

المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مركز للشرطة بعد قصف إسرائيلي بمدينة غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

تصعيد دامٍ في غزة... و«حماس» تؤكد جديتها في إنجاح اتفاق الهدنة

لم يمضِ سوى نحو 24 ساعة على إقرار المبعوث الأميركي جاريد كوشنر «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، حتى شنّ الجيش الإسرائيلي هجمات أسفرت عن قتلى وجرحى.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي السكان يشيّعون الفلسطينيين الذين سقطوا في غارة إسرائيلية على ميناء مدينة غزة الثلاثاء (د.ب.أ) p-circle

غزة: مقتل 7 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مركز للشرطة

قُتل سبعة فلسطينيين في غارة شنَّها سلاح الجو الإسرائيلي بعد ظهر الأربعاء على مركز للشرطة التي تديرها «حماس» في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يستخرجون المعادن من أنقاض المنازل المدمرة في خان يونس لإعادة استخدامها في صنع الخيام بغزة (د.ب.أ) p-circle

بينهم طفل... مقتل 6 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مدينة غزة

قتل ستة أشخاص بينهم طفل وأصيب 13 آخرون بجروح في غارة إسرائيلية على غرب مدينة غزة، بحسب ما أفاد الدفاع المدني في القطاع الفلسطيني اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ متظاهرون يتجمعون عند بوابات جامعة كولومبيا دعماً للطلاب المحتجين الذين تحصنوا في قاعة «هاميلتون» رغم أوامر مسؤولي الجامعة بتفريقهم أو مواجهة الإيقاف في نيويورك في 30 أبريل 2024 (رويترز)

طلاب وموظفون فلسطينيون يقاضون جامعة كولومبيا بتهمة التمييز ضدهم

كشفت وثائق قضائية في نيويورك عن دعوى رفعها طلاب وموظفون فلسطينيون ضد جامعة كولومبيا، قائلين إن الجالية الفلسطينية في الجامعة تتعرض لمعاملة تمييزية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي فلسطينيات خلال جنازة لرفات ١١٢ فرداً من عائلة أبو ناصر الذين قُتلوا في هجوم إسرائيلي وقد تم انتشال جثث الضحايا بعد بقائها تحت الأنقاض لأشهر (د.ب.أ)

قطر تتهم إسرائيل بتأخير تنفيذ خطة السلام في غزة

أعلنت قطر أن إسرائيل تتحمل مسؤولية تأخير تنفيذ خطة السلام الأميركية الهادفة إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

الائتلاف الحاكم في العراق يتجاهل «حصر السلاح» ويحذر من تداعيات العقوبات ضد إيران

من اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» في القصر الحكومي (واع)
من اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» في القصر الحكومي (واع)
TT

الائتلاف الحاكم في العراق يتجاهل «حصر السلاح» ويحذر من تداعيات العقوبات ضد إيران

من اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» في القصر الحكومي (واع)
من اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» في القصر الحكومي (واع)

تجاهل «ائتلاف إدارة الدولة» في العراق، الذي يمثل المكونات الشيعية والسنية والكردية، مسألة «حصر السلاح»، وحذر من التداعيات المحتملة على العراق جرّاء العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، من دون تسميتها صراحة، مكتفياً بالإشارة، في بيانه الرسمي، إلى العقوبات المفروضة «على بعض الدول».

وطبقاً للبيان، فإن «الائتلاف»، الذي يعدّ المظلة السياسية الحاكمة التي تشكلت عام 2022، عقد اجتماعاً في ساعة متقدمة من ليل السبت - الأحد بالقصر الحكومي، بطلب من رئيس الوزراء علي الزيدي، دعا الى «استكمال التشكيلة الحكومية ومشروع قانون النفط والغاز»، وشدد على «ضرورة تجنيب العراق تداعيات العقوبات الأميركية المفروضة على بعض الدول (في إشارة إلى إيران)، في ظل الظرف المالي الصعب»، مشيراً إلى أن البلاد تمر بظرف «لا يحتمل المجازفة».

من اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» (واع)

وفي الوقت الذي لا تزال فيه الحكومة الحالية غير مكتملة، وتنقصها 9 حقائب وزارية تتقدمها «الدفاع» و«الداخلية»؛ بسبب الخلافات في البيتين السني (الدفاع) والشيعي (الداخلية)، فقد أفاد البيان بأن المجتمعين «اتفقوا على المباشرة بالحوار مع الكتل المستحقة خلال الأسبوع المقبل، مع التأكيد على استمرار التنسيق بين مكونات (الائتلاف) ودعم مؤسسات الدولة في مواجهة التحديات الراهنة».

وأضاف البيان أن «الائتلاف ناقش نسخة مشروع قانون النفط والغاز تمهيداً لإرساله إلى مجلس النواب، إلى جانب التأكيد على أهمية دعم القطاع الخاص بوصفه شريكاً في عملية التنمية». كما ناقش «الأوضاع المالية والاستثمارية، ومشروعات المدن الجديدة، ومشروع توزيع مليون قطعة أرض سكنية».

الزيدي بين إرادتين

ولاحظ مراقبون في بغداد أنه في الوقت الذي يعمل فيه رئيس الوزراء، علي الزيدي، على تنفيذ البرنامج الحكومي الذي صدّق عليه «ائتلاف إدارة الدولة» من خلال ممثليه في البرلمان العراقي، وهم الغالبية المطلقة، فإن «الشغل الشاغل» للقوى السياسية يبدو الآن هو كيفية إكمال الكابينة الحكومية من دون إعطاء «حصر السلاح بيد الدولة»، و«محاربة الفساد المالي والإداري» الاهتمام المطلوب خلال الاجتماع.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماعاً لـ«الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

ويقول مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن تجاهل قضية «حصر السلاح بيد الدولة»، يعكس «حجم الخلافات السياسية بين أطراف (إدارة الدولة)، لا سيما قوى (الإطار التنسيقي الشيعي) التي تمثل غالبية داخل البرلمان، كما تحتل الغالبية داخل (الائتلاف)؛ الأمر الذي يجعل اتخاذ أي قرار مرهوناً بموافقتها».

المصدر المطلع المقرب من القوى السنية أفاد بأن «الكرد والسنة مع أي إجراء يتخذه رئيس الوزراء الزيدي، لكن أي موقف للطرفين يصطدم في حال التصويت عليه داخل (الائتلاف) بالغالبية الشيعية»، مبيناً أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعلن دعمها علناً للزيدي، لكنها انقسمت على نفسها حيال ملفات عدة تخص الإطار نفسه، مثل حصر السلاح، ومناصب نواب رئيس الوزراء، ومنصب رئيس (هيئة الحشد الشعبي)».

وأوضح المصدر أنه «في ضوء هذه الخلافات داخل القوى الشيعية، فإن المساحة التي يتحرك فيها الكرد والسنة تبقى محدودة، ما دام بعض القضايا يبدو شائكاً ومرتبطاً بعضه ببعض، خصوصاً على صعيد المناصب الوزارية ومسألة حصر السلاح».

فالح الفياض (أرشيفية - إعلام الحشد الشعبي)

عقدة الفياض

وفي الوقت الذي تمكن فيه بعض القوى السياسية؛ الكردية والسنية، من حسم أسماء مرشحيه للوزارات، سواء أكان عن طريق التوافق أم الغالبية، وفق الأصوات داخل المكونات، والتنازل مقابل تعويض في مواقع أخرى، فإن العقد الأساسية التي تعانيها القوى الشيعية تتعلق؛ أولاً: بمنصب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» الذي يشغله فالح الفياض، وهو أيضاً أحد قادة «الإطار التنسيقي»، وثانياً: منصب نواب رئيس الوزراء حيث تصر «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، على الحصول على الموقع الشيعي في المنصب، وتدافع عمّا تعدّها «حصتها»؛ لأنها الائتلاف البرلماني الثاني داخل المكون الشيعي، من حيث عدد المقاعد البرلمانية، بعد «ائتلاف الإعمار والتنمية» الذي يتزعمه محمد شياع السوداني رئيس الوزراء السابق، فيما يأتي «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ثالثاً.

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لرفاق لهم قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

وفي حين باتت «العصائب» ترفض علناً استمرار الفياض في رئاسة «الحشد الشعبي»، فإن الخلافات داخل البيت الشيعي «تحولت سجالاً بشأن ما إذا كان الأفضل أن يحال الفياض إلى التقاعد بسبب العمر، أم يعوض بموقع آخر، على أن يحال منصب رئاسة (الحشد) إلى قيادي آخر، من (العصائب) أو غيرها، شريطة ألا يكون من (دولة القانون) بزعامة المالكي التي تدافع عن رئاسة الفياض (الحشد)».


خطة إسرائيلية «رمادية» للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية

صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)
صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)
TT

خطة إسرائيلية «رمادية» للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية

صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)
صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)

كُشف في إسرائيل عن خطة للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، والاكتفاء بالبقاء على مسافة تتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، ضمن خط يُسمى «الخط الرمادي»، بدلاً من «الخط الأصفر» المحتل حالياً.

فبعدما أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال احتلاله تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، وبدء تدمير «مدينة الأنفاق» التي بناها «حزب الله» في باطن الأرض، راح يتحدث عن «أيام حساسة» مقبلة في شمال البلاد، قد تدفع المنطقة إلى أحد مسارين متعاكسين: إما أن يرد «حزب الله»، وربما إيران أيضاً، فتشتعل المنطقة بنار الحرب من جديد، وإما أن يبتلعا الضربة، فيقدم الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من هذه المرتفعات، ومن «الخط الأصفر»، ليقيم «خطاً حدودياً رمادياً» يمتد إلى حزام الأمن.

وسيكون الاحتلال في هذه الحالة مقصوراً على مسافة 2-4 كيلومترات من الحدود الدولية، في العمق اللبناني.

تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بالقرب من تلة علي الطاهر بجنوب لبنان الاثنين (د.ب.أ)

وقالت مصادر عسكرية في تل أبيب، وفقاً للقناة «كان 11»، إنه عقب إعلانه «السيطرة العملياتية وتطهير أنفاق وبنى تحتية تحت الأرض في تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، في وقت لا تزال قواته تعمل على تحييد وتدمير الأنفاق بالمنطقة، يستعد الجيش الإسرائيلي لتقليص وإعادة انتشار قواته والانسحاب إلى الوراء، ضمن منطقة «حزام أمني» جديد قريب من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية.

«الخط الرمادي»

ونقلت القناة عن هذه المصادر قولها إن المؤسسة الأمنية عقدت جلسات في الأيام الأخيرة بشأن إقامة «منطقة أمنية جديدة» قريبة من الحدود، والتي من خلالها سيقوم الجيش بحماية البلدات الحدودية. وبموجب الخطة المطروحة، فإنه بدلاً من «الخط الأصفر» في لبنان، الذي يشمل «المنطقة الأمنية» وفي مناطق معينة تمتد إلى شمال نهر الليطاني أيضاً، مثل قلعة الشقيف وتلال علي الطاهر، ستنسحب قوات الجيش الإسرائيلي إلى الخلف، وتتمركز على مسافة أقرب إلى الحدود.

وقد أطلق على المنطقة «الخط الرمادي»؛ حيث ستُقام مواقع عسكرية يتمركز فيها جنود الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، يكون استخدامها ممكناً للانطلاق إلى عمق الأراضي اللبنانية في حال اكتشاف نشاط لـ«حزب الله».

مرتفعات «علي الطاهر» الواقعة شرق مدينة النبطية كما تبدو من بلدة ميفدون جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

وسيطلب الجيش من الحكومة أن تستثمر الوضع الجديد، بالتوصل إلى اتفاق سياسي مع الحكومة اللبنانية يتيح الوصول إلى تفاهمات حول نزع سلاح الحزب، علماً بأن الأمين العام، نعيم قاسم، كان قد صرح بأنه سيسلم أسلحته فقط للدولة اللبنانية، ضمن خطوات عملية تظهر انسحاباً للجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، «ومن دون انسحاب لا مجال لتفكيك السلاح».

ويضع الجيش مطالب عينية محددة في هذا السياق، مثل أن يتسلّم الجيش الرسمي هذه المناطق، ويتعهد بألا يتيح لـ«حزب الله» أن يعود إلى مواقعه في الجنوب، والاتفاق على آلية تتيح لإسرائيل مراقبة هذه العملية والتدخل لمنع هذه العودة بالقوة إذا لم يقم الجيش اللبناني بضبطها.

بانتظار المصادقة

وحسب «كان 11»، فإن الخطة لا تزال غير مكتملة، ولم تتم المصادقة عليها بعد من قبل المستوى السياسي.

وهناك العديد من الأسئلة حولها، أبرزها ما يتعلق بتسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني والمفاوضات بين البلدين، لكن الخلاصة هي أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتقليص قواته بصورة كبيرة.

ويأتي ذلك، بعدما عملت قوات «الفرقة 36» خلال الأسابيع الأخيرة في تلة علي الطاهر من خلال الكمائن ومهاجمة فتحات الأنفاق واستخدام القنابل اليدوية والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى النيران الجوية والبرية؛ وفق ما أعلن الجيش الإسرائيلي.

وقال إن القوات عثرت داخل مجمع بالتلة على غرف قيادة وسيطرة ومستودعات أسلحة وغرف مولدات كهربائية ومطابخ وحمامات وغرف مبيت، أتاحت لعناصر «حزب الله» إدارة عمليات قتالية لفترة طويلة تحت الأرض.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن الحديث يدور عن بنية تحتية استراتيجية أنشئت على مدى نحو عقدين بتخطيط وتمويل إيراني.


جرحى ومبتورو أطراف ينظمون وقفة احتجاجية في غزة للمطالبة بتوسيع الإجلاء الطبي

تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
TT

جرحى ومبتورو أطراف ينظمون وقفة احتجاجية في غزة للمطالبة بتوسيع الإجلاء الطبي

تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)

نظَّم عدد من الجرحى ومبتوري الأطراف، اليوم (الأحد)، وقفة احتجاجية داخل مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة؛ للمطالبة بتوسيع الإجلاء الطبي وتحسين أوضاعهم الصحية، وتوفير مزيد من الدعم للقطاع الطبي، في ظلِّ نقص حاد في الإمكانات اللازمة للعلاج والتأهيل.

وطالب المحتجون منظمة الصحة العالمية، والمؤسسات الدولية، بزيادة المساعدات الطبية المُقدَّمة إلى مجمع ناصر الطبي، الذي يواجه ضغطاً متزايداً نتيجة ارتفاع أعداد المصابين، وتراجع قدرة المنظومة الصحية في القطاع على توفير خدمات العلاج والتأهيل المتخصصة، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كما دعا المشاركون إلى توسيع عمليات الإجلاء الطبي للجرحى ومبتوري الأطراف إلى خارج قطاع غزة، وتسريع الإجراءات الخاصة بالحالات التي تحتاج إلى عمليات جراحية متخصصة أو تركيب أطراف اصطناعية، وبرامج تأهيل لا تتوفر بصورة كافية داخل القطاع.

وبحسب أحدث بيانات أممية متاحة، فإن أكثر من 18 ألفاً و500 مريض في غزة يحتاجون إلى علاج طبي غير متوفر داخل القطاع، بينهم نحو 3800 طفل، بينما يعاني النظام الصحي من نقص كبير في الخدمات المتخصصة والإمكانات الطبية اللازمة للتعامل مع الحالات المعقدة.

ورفع المحتجون مطالب تدعو إلى ضمان حقِّ المرضى والجرحى في تلقي العلاج والرعاية الصحية، وحثوا المؤسسات الدولية والجهات المعنية على التَّحرُّك لتسهيل خروج الحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة، لا سيما المرضى الذين ينتظرون منذ فترات طويلة الحصول على فرصة للعلاج خارج القطاع.

وتأتي الوقفة في وقت تتواصل فيه عمليات الإجلاء الطبي من غزة بأعداد محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، وقالت الأمم المتحدة في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي إن منظمة الصحة العالمية دعمت خلال أسبوع إجلاء 106 مرضى و132 مرافقاً من القطاع، بينما لا يزال آلاف المرضى بحاجة إلى الإجلاء لتلقي العلاج المتخصص.

وكانت منظمة الصحة العالمية أكدت في وقت سابق أن آلاف المرضى يحتاجون بصورة عاجلة إلى علاج غير متاح في غزة، داعية إلى تسهيل وصول الأدوية والمستلزمات الطبية ومعدات إعادة التأهيل، وإعادة فتح مسارات إحالة المرضى إلى مرافق صحية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.