بغداد تبحث عن «دور إقليمي» لتجنُّب حرب محتملة

السوداني يتحدّث عن «انتقالة تاريخية» في العلاقات مع مسقط

رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني حاضراً توقيع مذكرات تفاهم مع سلطنة عمان (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني حاضراً توقيع مذكرات تفاهم مع سلطنة عمان (إعلام حكومي)
TT

بغداد تبحث عن «دور إقليمي» لتجنُّب حرب محتملة

رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني حاضراً توقيع مذكرات تفاهم مع سلطنة عمان (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني حاضراً توقيع مذكرات تفاهم مع سلطنة عمان (إعلام حكومي)

وصف رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني نتائج زيارته إلى سلطنة عمان بأنها منطلق لـ«تأسيس دور إقليمي مؤثر»، في حين شدّد على «انضمام العراق إلى عمقه العربي».

ففي مقابلة مع تلفزيون عُمان، كشف السوداني عن مساعٍ لتأسيس دور إقليمي فعَّال بالتعاون مع سلطنة عمان، وقال إن «العلاقات بين العراق وعُمان تستند إلى مشتركات تاريخية واجتماعية واقتصادية كثيرة، وفيها محطّات مشرقة من الدعم والإسناد والرؤى والمواقف المتطابقة».

ووقّع العراق وسلطنة عُمان مذكرات تفاهم للتعاون في مجالات مختلفة، واتفقا على ضرورة «وقف انتشار الصراع» في المنطقة. ووصف السوداني الحصيلة بأنها «كبيرة وبارزة لحدوث انتقالة حقيقية في تاريخ العلاقات الثنائية».

وقال السوداني: «نؤسس شراكة استراتيجية بين العراق وسلطنة عمان، وتهمنا إسهاماتها في بيئة العمل والاستثمار والمشروعات المشتركة وحركة التنمية في العراق».

سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد مستقبلاً السوداني في قصر الحصن بصلالة (إعلام حكومي)

وتابع أن «مشروع طريق التنمية يُحقق الترابط بين مواني عمان وموقعها المتميز، وميناء الفاو الكبير، وصولاً إلى تركيا وأوروبا»، مضيفاً أن «مذكرة التفاهم المتعلقة بخزن النفط في سلطنة عمان وتنفيذ مشروعات مصافٍ ومجمعات بتروكيماوية، تحمل أهمية بارزة».

كما أشار إلى توجيه مؤسسات الدولة بـ«تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، واتفقنا على تقديم كل ما يساعد في توسعة التبادل التجاري، وتعاون القطاع الخاص، وتنفيذ المشروعات المشتركة».

ولفت إلى أن «مواقفنا متطابقة مع الأشقاء في عمان، ومنهجنا في الساحة الإقليمية يعتمد على الحوار والتقريب بين وجهات النظر لإيجاد حلول حقيقية»، موضحاً: «وجدت لدى الأخوة في عمان رؤية متقاربة، ومسارات عمل واحدة تجاه مختلف القضايا، تستند إلى مبدأ الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية».

منهج مشترك

وبشأن التوتر في المنطقة، أكَّد السوداني أن حكومته «بذلت جهداً كبيراً في إيقاف العنف، ومنع التجاوز على الحقوق، وحفظ حق تقرير المصير للشعوب، وهو منهج مشترك نؤسس عليه في التعاون مع عمان».

وأكمل: «التكامل العربي، سياسياً واقتصادياً، هدف نسعى إليه، في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة، ونسعى إلى تأسيس دور إقليمي فاعل ومؤثر، وإرادة الشعوب العربية يجب أن تتوحد لمواجهة الظلم والعدوان، خصوصاً في قضيتنا الجوهرية؛ القضية الفلسطينية».

وفسَّر مراقبون تصريحات السوداني بأنها محاولة لإحياء دور محوري للعراق في المنطقة، بالاندماج مع المحيط العربي، إلا أنهم غير متفائلين بسبب ما وصفوه بقيود النفوذ الإيراني في العراق.

وكان السوداني قد قلل، في 14 يناير (كانون الثاني) 2025، من الحديث المُتكرر عن حجم النفوذ الإيراني، وقال إن «هناك مبالغة في تصوير نفوذ إيران داخل العراق»، ووصفها بـ«فوبيا إيران»، لافتاً إلى أن الجارة الشرقية وقفت إلى جانب العراق في حربه ضد الإرهاب، وفق تعبيره.

رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني خلال زيارته إلى سلطنة عمان (إعلام حكومي)

شبح الحرب

وإذا كانت زيارة السوداني إلى مسقط مُعدّة من الناحية البروتوكولية والإجرائية منذ أشهر، إثر دعوة رسمية تلقّاها السوداني أواخر العام الماضي من سلطان عمان هيثم بن طارق، لكن العامل الأهم فيها يكمن في توقيتها، إذ يهيمن شبح حرب جديدة على المنطقة.

وتقول الحكومة العراقية إنها تعمل مع أطراف دولية وإقليمية على تجنبها. وفي 30 أغسطس (آب)، أكّد السوداني، خلال اتصال هاتفي تلقّاه من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استعداد العراق للتعاون مع فرنسا وإيران وأميركا؛ «من أجل تجنُّب حرب جديدة في المنطقة».

ورغم أن تكهنات كثيرة أحيطت بزيارة السوداني إلى مسقط بشأن الشق السياسي واحتمالية بحثها مبادرة لخفض التوتر، فإن محطة مسقط بالنسبة لبغداد ستؤسس أرضية مشتركة للتفاهم على حلول سياسية تحسباً للمتغيرات المقبلة، بما فيها تزايد التوتر بين أطراف النزاع، وفق تعبير دبلوماسي عراقي.


مقالات ذات صلة

مقتل ضابط ورجل أمن خلال «إزالة تجاوزات» في بغداد

المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

مقتل ضابط ورجل أمن خلال «إزالة تجاوزات» في بغداد

قال رئيس الوزراء علي الزيدي، الخميس، إن ضابطاً ومنتسباً أمنياً قُتلا وأصيب أربعة آخرون، بينهم موظفون في أمانة بغداد وعنصر أمني.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية عناصر سابقة في «قسد» خلال دورية حراسة في الحسكة بعد انضمامهم إلى الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تُرحّب بإعلان انتهاء دمج «قسد»... وتترقب التطبيق العملي

رحّبت تركيا بإعلان اكتمال دمج «قسد» في مؤسسات الدولة، عادةً أنها خطوة نحو تعزيز سلطة الدولة، ومتعهدة باستمرار دعم بناء الجيش السوري.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي 
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

«رسائل إيرانية» لاحتواء الخلاف العراقي بشأن الفصائل

أفيد في بغداد، الأربعاء، بأن إيران نقلت إلى قادة تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق رسائل تدعو إلى احتواء الخلاف بشأن سلاح الفصائل.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران 17 أغسطس الحالي (رويترز)

هل تختنق «رئة العراق» بالإنزال الاقتصادي على إيران؟

هدَّدت الولايات ‌المتحدة باستبعاد دول تواصل التجارة مع إيران من النظام المالي القائم على الدولار، وربما يكون العراق نموذجاً لكيفية تنفيذها ذلك التهديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي وزير النقل يعرب بدر ووزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني في مقر الوزارة بدمشق (سانا)

إحياء الربط السككي بين سوريا ولبنان... وربط بالعراق والخليج وتركيا

ناقش الوزيران السوري واللبناني تطوير حركة النقل بين البلدين وتعزيز الربط البري والسككي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الإعدام لمخبر في النظام السابق… وموسكو: قبلنا الأسد لأسباب إنسانية

محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)
محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)
TT

الإعدام لمخبر في النظام السابق… وموسكو: قبلنا الأسد لأسباب إنسانية

محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)
محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)

أصدرت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق، اليوم ‌‏الخميس، حكماً بإعدام المتهم المخبر الأمني عبد الناصر براقي، بعد ثبوت مسؤوليته عن جرائم ‌‏جسيمة خلال عهد النظام البائد، من بينها الإخفاء القسري، وسلب الحرية، والتدخل ‌‏في القتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والسلب بالعنف، والافتراء الجنائي. ‏وأوضح مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، المحامي ‌‏رديف ‏مصطفى، لوكالة «سانا» الرسمية، أن المحكمة اعتمدت في توصيف الأفعال الجرمية على ‌‏القانون الدولي، باعتبارها جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، بما ينسجم مع نص ‌‏الإعلان الدستوري، وذلك لتحديد طبيعة الجرائم، وجسامتها، وأسبابها، فيما استندت في ‌‏تحديد العقوبة إلى أحكام القانون الوطني السوري. ‏

وأشار المحامي مصطفى إلى أن المحكمة قررت دغم العقوبات، والحكم بالعقوبة ‌‏الأشد، وهي الإعدام، إضافة إلى تثبيت الحجز الاحتياطي على أموال المحكوم عليه، ‌‏وتحويله إلى حجز تنفيذي، وحرمانه من الأسباب المخففة التقديرية، نظراً لضخامة ‌‏الجرائم المرتكبة، وجسامتها.‏

واعتبر مصطفى الحكم في تعليق على حسابه في «فيسبوك»: «أول سابقة قضائية في تاريخ سوريا بينما كان المخبرون محميين في زمن النظام البائد، الآن هم قيد العدالة، هؤلاء أكثر فئة آذت الناس».

الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (تاس)

في شأن متصل، ‏أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أنه ليس هناك أي دافع سياسي وراء قرار قبول لجوء الرئيس السوري السابق بشار الأسد في روسيا؛ بل كان قراراً إنسانياً.

بشار الأسد الرئيس السابق الملتجئ إلى موسكو مع شقيقه ماهر«لأسباب إنسانية«

وقالت الدبلوماسية في مؤتمر صحافي، رداً على سؤال حول ما إذا كان بإمكان موسكو «تسليم» الأسد إلى السلطات السورية الجديدة بعد صدور حكم الإعدام غيابياً بحقه: «ليس هناك أي دافع سياسي وراء قبوله في بلادنا، لقد اتُخذ القرار بناءً على اعتبارات إنسانية بحتة، والظروف المأساوية لتغيير النظام في سوريا، حيث كان هو وأفراد أسرته يواجهون تهديدات بالقتل».

العدالة الانتقالية تنظم جلسة حوارية بدمشق لمناقشة آليات بناء سجل وطني للضحايا 19 أغسطس (سانا)

في الأثناء، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية اعتقال اللواءين هيثم بركات، ومروان بركات، وهما من ضباط النظام البائد، خلال عملية نوعية في مدينة القرداحة.

وتأتي هذه العملية بعد عدة عمليات مماثلة في مختلف المحافظات، حيث أعلنت قوى الأمن الداخلي في محافظة درعا في 15 الجاري إلقاء القبض على المدعو مصعب أبو ركبة، المقدم السابق في فرع الأمن السياسي بالرقة إبان حكم النظام البائد.

وأوضحت أن عملية التوقيف تأتي في إطار جهود مكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن، والاستقرار، وضمن عمليات مستمرة لملاحقة المتورطين في قضايا الإرهاب، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)

وفي 14 أغسطس (آب)، ألقت قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب في دير الزور القبض على أحد فلول النظام البائد الضالعين في قمع المظاهرات السلمية، المدعو خالد خلف العلي.

وبحسب وزارة الداخلية، فإن العلي شغل رتبة مساعد أول في فرع أمن الدولة بدير الزور، وتولى مهام استخباراتية، منها إدارة مكتب رئيس الفرع، ورئاسة قسم الأديان المسؤول عن مراقبة المساجد، والخطباء، ورفع التقارير الأمنية بحقهم.


مقتل ضابط ورجل أمن خلال «إزالة تجاوزات» في بغداد

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

مقتل ضابط ورجل أمن خلال «إزالة تجاوزات» في بغداد

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

قال رئيس الوزراء علي الزيدي، الخميس، إن ضابطاً ومنتسباً أمنياً قُتلا وأصيب أربعة آخرون، بينهم موظفون في أمانة بغداد وعنصر أمني، خلال تنفيذ حملة لإزالة التجاوزات في منطقة الدورة جنوب بغداد.

ونعى الزيدي العميد هشام محمد طلاع، مدير قسم شرطة الأمانة في جانب الكرخ، والمنتسب خالد عباس لفتة، اللذين قُتلا أثناء مرافقة مفارز خدمية لإزالة التجاوزات في محيط مناطق الدورة وكرارة وحي دجلة.

وقال الزيدي في بيان إن الحكومة تتابع الوضع الصحي للمصابين من وزارة الداخلية وأمانة بغداد، مؤكداً أن الاعتداءات التي تستهدف المؤسسات الأمنية والخدمية أثناء أداء واجباتها لن توقف جهود فرض القانون.

وأضاف أن القوات الأمنية شُددت إجراءاتها في منطقة الحادث وفرضت طوقاً أمنياً لملاحقة المتورطين في الهجوم وتقديمهم إلى العدالة.

وكان مصدر أمني قد أفاد بمقتل مدير شرطة أمانة بغداد في الكرخ ومنتسب أمني وإصابة أربعة آخرين إثر تعرض مسلح استهدف القوة أثناء تنفيذ واجب لإزالة التجاوزات في الدورة، فيما أغلقت القوات الأمنية المنطقة وشددت إجراءاتها للقبض على المهاجمين.


«ضربة قبل الانتخابات»... اتهامات لنتنياهو بالتباحث المباشر مع «حماس» في 2014

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

«ضربة قبل الانتخابات»... اتهامات لنتنياهو بالتباحث المباشر مع «حماس» في 2014

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

تشهد الحلبة السياسية الإسرائيلية خضة كبرى على أثر الكشف، الخميس، عن أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، كان قد أجرى محادثات مباشرة مع حركة «حماس» في سنة 2014.

ويمثل ذلك الكشف «ضربة قوية» في موسم الانتخابات الإسرائيلية المقررة نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، وسرعان ما التقطها خصوم نتنياهو الكُثر من السياسيين والجنرالات.

وسعى نتنياهو إلى تخفيف الأضرار بالرد والنفي التام، لكن الأجواء العامة دلت على أن قلة قليلة تصدقه.

وتسود تقديرات بين المتابعين للانتخابات الإسرائيلية أن تلك الضربة الانتخابية لنتنياهو ومعسكر اليمين الذي يقوده، ستدفعه إلى التفتيش عن ضربة موازية لمنافسه، غادي آيزنكوت.

بنيامين نتنياهو يقدم العزاء لغادي آيزنكوت في مقتل ابنه خلال معارك غزة يوم 8 ديسمبر 2023 (أ.ب)

وفي التفاصيل، جاء النشر عبر موقع «واللا» وصحيفة «معاريف»، في تحقيق للكاتب بن كسبيت، قال فيه إن «نتنياهو أرسل رجل أعمال مقرباً منه لإجراء اتصالات مع قادة (حماس) في الأيام الأخيرة من الحرب على غزة» عام 2014، مضيفاً أن ما فعله نتنياهو قوبل بغضب في أوساط الجيش والمخابرات لأنه «فعل ذلك عبر قناة سرية» ومن دون إحاطتهم.

ما أجواء المحادثات؟

والحديث يجري عن الحرب التي أسمتها إسرائيل «عملية الجرف الصامد»، والتي أسمتها حركة «حماس» «العصف المأكول»، وأسمتها حركة الجهاد الإسلامي «البنيان المرصوص».

وشنَّت إسرائيل هجوماً على غزة، آنذاك بعد فترة من تبادل الضربات المحدودة؛ إذ قامت المخابرات الإسرائيلية بعملية اعتقال واسعة في الضفة الغربية والقدس شملت محرري صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي سلمته «حماس» لإسرائيل عام 2010 مقابل تحرير 1027 أسيراً.

وبدأت الأزمة في 2 يوليو (تموز) 2014، عندما أقدم مستوطنون على خطف الفتى محمد أبو خضير في القدس الشرقية وعذبوه ثم أحرقوه حياً، وردَّت «حماس» بإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل.

ورغم أنَّ الصواريخ في غالبيتها سقطت في مناطق مفتوحة ولم تصب أحداً، فإن إسرائيل ردت بعملية حربية، استمرَّت 50 يوماً من 8 يوليو وحتى 26 أغسطس (آب)، وقد شملت العملية اجتياحاً جزئياً للقطاع، وكانت حصيلتها مقتل 2251 فلسطينياً، بينهم قرابة 1462 مدنياً (منهم أطفال ونساء)، وجرح أكثر من 11 ألف، ومقتل 69 جندياً إسرائيلياً و5 مدنيين، بينهم عامل تايلاندي وإصابة 2270 بجراح. ودمَّرت إسرائيل فيها آلاف الوحدات السكنية كلياً أو جزئياً، ودفعت مئات الآلاف من السكان إلى النزوح داخل قطاع غزة.

مقاتلون من «حماس» خلال عرض لصاروخ «قسام» المصنوع محلياً خلال الاحتفال بالذكرى الـ27 لتأسيس الحركة في قطاع غزة 14 ديسمبر 2014 (رويترز)

وكان مسار المحادثات الرسمي لوقف الحرب في غزة، يجري في القاهرة، وتم الاتفاق على هدنة مرات عدة خلالها، لكن ما كشفه التقرير الصحافي الجديد أنه «بموازاة المفاوضات التي أجراها ممثلو الجيش الإسرائيلي والمخابرات في مصر، كان رجل الأعمال الإسرائيلي شلومي فوغل، صديق عائلة نتنياهو، يدير محادثات هاتفية مع غازي حمد»، الذي كان يومها نائب وزير في حكومة «حماس».

وفوغل يعمل في مجال مواد البناء والأسمنت، ولديه صفقات كثيرة مع غزة، وبحسب عضوة الكنيست يوليا ميلونفسكي، من حزب «إسرائيل بيتنا»، فإن فوغل كان على علاقة مع «حماس». وقد قدمت النائبة شكوى رسمية إلى الشرطة والمخابرات في سنة 2014، تتهم فوغل بـ«إقامة اتصالات مع العدو».

وبحسب الصحافي بن كسبيت امتنعت الشرطة عن التقدم في ملف التحقيق عندما اكتشفت أن فوغل يعمل تحت كنف رئيس الوزراء، نتنياهو، مشيراً إلى أن «فوغل عمل بإشراف مباشر من رئيس مجلس الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء، يوسي كوهن (الذي أصبح لاحقاً رئيس الموساد)، وغازي حمد عمل بإشراف يحيى السنوار».

نفي مقابل عاصفة هجوم

ومع أن نتنياهو وفوغل، أصدرا بياناً لكل منهما ينفيان هذه المعطيات ويعدّانها «أنباء كاذبة»، فإن ذلك لم يمنع عاصفة هجوم بدأت أولاً لدى قادة الجيش والمخابرات، الذين عدّوها «طعنة في الظهر» و«التفافاً على أجهزة الأمن» و«إدارة لعبة مزدوجة».

ثم ثانياً، ألهب الكشف معركة الانتخابات الإسرائيلية التي تشير الاستطلاعات بغالبيتها إلى أن نتنياهو مقبل على خسارة مدوية.

وقد دخل أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» - الذي عُيِّن في سنة 2016 وزيراً للدفاع، واستقال في سنة 2018؛ احتجاجاً على ما قال إنه رفض نتنياهو تصفية قادة «حماس» - على خط الكشف الجديد قائلاً: «هكذا كانت سياسة نتنياهو طيلة الوقت. وفي الوقت الذي كنت فيه أسعى إلى تصفية (حماس) خلال عملية (الجرف الصامد) وغيرها كان رئيس الحكومة نتنياهو يدير محادثات سرية معها من وراء قادة الجيش والمخابرات».

أما منافس نتنياهو الرئيسي على رئاسة الحكومة، غادي آيزنكوت، فرأى أن «هذا الكشف الخطير يدل على أن نتنياهو لا يدير سياسة؛ بل لديه نهج تربوي خطير مبني على دق الأسافين بين كل مَن يعمل معه، خصوصاً بين القيادات الأمنية والقيادات السياسية، دينه وديدنه الكذب ويحيط نفسه بثلة من الانتهازيين الذين يتقنون فن التآمر والخداع، ولا توجد لديه محرمات».

وأضاف آيزنكوت أن «هذه الفضيحة تؤكد لماذا يدير نتنياهو حرباً ضد إقامة لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر. فهو يعرف الحقيقة جيداً وأنه المسؤول الأول عن هذه السياسة الخطيرة التي هدَّدت أمن إسرائيل».

وقال نفتالي بنيت، رئيس الحكومة الأسبق، والذي كان وزيراً للاقتصاد وعضواً في الكابينت خلال حرب 2014، إن «ما يكشفه بن كسبيت يثير لديه غليان دم؛ ففي الوقت الذي تجندت فيه إسرائيل كلها لمواجهة خطر (حماس) كان نتنياهو راكعاً أمامها. واليوم أفهم لماذا كان يصر على رفض أي اقتراح لتصفية (حماس). لقد رأى في هذا التنظيم الإرهابي دائماً كنزاً. رجل كهذا لا يستحق ولا يلائم منصب رئيس حكومة. بعد شهرين سنتخلص من حكمه ونقيم حكومة عاقلة ووطنية مخلصة».

وقال يورام كوهن، رئيس جهاز المخابرات في سنة 2014، إنه «متفاجئ ولكن ليس مصدوماً من هذه المعلومات؛ فقد عمل نتنياهو دائماً وفق سياسة الالتواء على قادة الأجهزة الأمنية، وحمل فكرة الإبقاء على (حماس) حتى يمتنع عن التفاوض مع السلطة الفلسطينية».