من «الطائف» إلى قرار حصر السلاح... ثلاثة عقود من التعطيل والفرص الضائعة

اتفاق عام 1989 لم يستثنِ أي سلاح خارج الدولة اللبنانية

لوحة تحمل صورتَي الأمينين العامين لـ«حزب الله» اللذين اغتالتهما إسرائيل حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)
لوحة تحمل صورتَي الأمينين العامين لـ«حزب الله» اللذين اغتالتهما إسرائيل حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)
TT

من «الطائف» إلى قرار حصر السلاح... ثلاثة عقود من التعطيل والفرص الضائعة

لوحة تحمل صورتَي الأمينين العامين لـ«حزب الله» اللذين اغتالتهما إسرائيل حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)
لوحة تحمل صورتَي الأمينين العامين لـ«حزب الله» اللذين اغتالتهما إسرائيل حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في «مدينة كميل شمعون الرياضية» جنوب بيروت (رويترز)

منذ أن وقّع اللبنانيون على وثيقة الوفاق الوطني أو ما تعرف بـ«اتفاق الطائف» عام 1989، ظلّ بند السلاح خارج الدولة بمثابة «جرح مؤجّل» في الجسد السياسي اللبناني، تتناوب عليه محطات صدام وتسويات مؤقتة. واليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، يعيد القرار الحكومي الأخير بحصر السلاح بيد الدولة فتح ملف طالما شكّل «خط تماس» داخلياً، وورقة في لعبة توازنات إقليمية ودولية معقّدة.

بين مشاهد الجنوب بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000، وصور الاشتباكات في شوارع بيروت في 7 مايو (أيار) 2008، وصولاً إلى يومنا هذا، ظلّ السلاح عنواناً جامعاً لكل تحوّلات لبنان الأمنية والسياسية، من مصطلاحات «المقاومة» إلى «الردع» إلى «الانقسام» العامودي الحاد.

حمادة: من لجنة حلّ الميليشيات إلى استثناء «حزب الله»

في هذا السياق، يقول النائب مروان حمادة: «إن اتفاق الطائف وُقّع في وقت كانت فيه الميليشيات ناشطة على كل الجبهات وبين مختلف الطوائف»، لافتاً إلى أن مهام حكومة ما بعد الحرب الأهلية في تلك الحقبة كانت حلّ هذه المجموعات وجمع أسلحتها. وفيما يكشف عن تشكيل «لجنة وزارية برئاسة وزير الدفاع آنذاك ميشال المر وعضوية عبد الله الأمين وميشال سماحة وأنا شخصياً».

ويضيف حمادة لـ«الشرق الأوسط»: «سلّمت (حركة أمل) و(الحزب التقدمي الاشتراكي) سلاحهما للجيش اللبناني، أما القوات اللبنانية فرفضت التسليم داخلياً بسبب علاقتها المتوترة مع الجيش آنذاك، فجرى بيع أسلحتها الثقيلة إلى كرواتيا خلال حرب البلقان، بقرار من مجلس الوزراء وتحت إشراف رسمي».

ويتابع: «لكن الاستثناء الأبرز كان سلاح (حزب الله)، الذي أبقته الوصاية السورية بذريعة استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب».

ويشرح: «في تلك الفترة كانت هناك مقاومة وطنية من أحزاب يسارية وفصائل فلسطينية، وأخرى إسلامية تأسست عام 1982 بدعم سوري - إيراني، وهي التي أصبحت (حزب الله). القرار السوري - الإيراني قضى بتصفية المقاومة الوطنية والفصائل الأخرى، حتى لم يبقَ سوى الحزب».

النائب مروان حمادة (الشرق الأوسط)

محطات التحولات الداخلية

ويستعرض حمادة محطات بارزة تركت أثرها على مسار السلاح: عدوان 1993، وعدوان 1996 الذي أوقع أكثر من مائة قتيل، وانتهى بتفاهم نيسان (أبريل) برعاية فرنسية أميركية سورية لبنانية، لتحييد المدنيين عن العمليات العسكرية.

ويضيف: «استمر التفاهم حتى عام 2000، حين قررت إسرائيل الانسحاب من دون اتفاق، ما فتح باب المطالبة بانسحاب القوات السورية وحلّ الميليشيات، لكن دمشق رفضت ذلك متمسكة بذريعة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقرى السبع، وجرى الانتقال إلى شعارات أوسع مثل تحرير القدس، لتبرير استمرار السلاح وتطويره».

القرار 1559 والاغتيالات

يشير حمادة إلى أنّ المعارضة المسيحية والدرزية، ولاحقاً جزء من الطائفة السنية بقيادة رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، رفعت سقف المطالبة بإنهاء الوصاية السورية ونزع سلاح «حزب الله». ويقول: «دفعنا الثمن باغتيالات متسلسلة بدأت بمحاولة اغتيالي في أكتوبر (تشرين الأول) 2004، ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد صدور القرار 1559 الذي طالب بانسحاب القوات الأجنبية وحلّ الميليشيات».

ويرى أن هذه المرحلة دشنت أسلوب التعطيل السياسي، من انسحاب الوزراء الشيعة إلى رفض إنشاء المحكمة الدولية، وصولاً إلى موجة اغتيالات طالت شخصيات أمنية وسياسية، منها وسام عيد ووسام الحسن.

7 أيار واتفاق الدوحة

ويصف حمادة أزمة شبكة الاتصالات التابعة لـ«حزب الله» بأنها كانت الشرارة التي فجرت أحداث 7 مايو عام 2008: «رفعت كتاباً لمجلس الوزراء حول وجود شبكة اتصالات غير شرعية تغطي كامل الأراضي اللبنانية، فاندلعت مواجهات في بيروت والجبل. انتهت الأزمة باتفاق الدوحة الذي أرسى تنازلات ضربت روحية الطائف وأنتج رئيساً للجمهورية كان قائداً للجيش هو ميشال سليمان، لكنه عاد وتبنى خطة لحلّ الميليشيات».

بري ونصر الله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ للنائب علي حسن خليل)

ويضيف حمادة: «قبلها بأشهر، طمأننا أمين عام (حزب الله) السابق حسن نصر الله أن الصيف سيكون هادئاً»، لكن «الحزب» نفذ عملية عبر الحدود أدت إلى حرب مدمرة استهدفت البنى التحتية من المطار إلى الجسور. الدمار هذا رممته دول الخليج؛ إذ يشير حمادة إلى أن «المملكة العربية السعودية وقطر أعادا إعمار الجنوب والضاحية، لكن السلاح بقي وارتبط أكثر بالمحور الإيراني».

حرب: الطائف لم يستثنِ أي سلاح

النائب والوزير السابق بطرس حرب، أحد المشاركين في صياغة اتفاق الطائف، يقطع الشك باليقين بالقول: «الاتفاق نصّ بوضوح على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، من دون أي استثناءات. وكل ما يُقال عن أن الطائف أجاز استمرار سلاح المقاومة أو استثناه هو تزوير للتاريخ».

ويعتبر أن ما جرى لاحقاً كان نتيجة مباشرة لوصاية دمشق، التي «عطّلت التنفيذ وحمت وجود ميليشيات مسلّحة، وعلى رأسها (حزب الله)، بذريعة مقاومة الاحتلال، بينما كانت تحكم قبضتها على القرار السياسي والأمني اللبناني».

النائب السابق بطرس حرب (الشرق الأوسط)

وقال حرب في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاق الطائف جاء ليعيد السلاح إلى الدولة اللبنانية وحدها، ويقضي بحلّ جميع الميليشيات بلا استثناء، بما فيها السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها. ما حصل لاحقاً أن سوريا وضعت يدها على لبنان، وفرضت واقعاً سياسياً وأمنياً لم ينصّ عليه الطائف إطلاقاً، بل عطّلت تنفيذه، وحمت وجود ميليشيات مسلّحة، على رأسها (حزب الله)».

وأضاف: «حتى في المراحل التي تذرّع فيها البعض بالاحتلال الإسرائيلي للجنوب، لم يرد في نص الطائف أي بند يستثني سلاح فصيل أو جهة تحت هذه الحجة. النص واضح: على الدولة اتخاذ كل الإجراءات لتحرير الأرض، وهذا يعني أن الجيش اللبناني هو من يتولى هذه المهمة، لا أي طرف آخر».

السلاح الفلسطيني: عقدة متشابكة

يرى حمادة أن السلاح الفلسطيني تحوّل بدوره إلى جزء من شبكة النفوذ الإقليمي: «بعد أن كان بمعظمه تحت قيادة منظمة التحرير، دخل النفوذ السوري ثم الإيراني، وانضم إليه السلاح المتشدد كما في (فتح الإسلام) وبعض الفصائل التكفيرية في مخيم عين الحلوة، فتحول إلى مزيج من السلاح الفلسطيني والسوري والإيراني والتكفيري».

جنود لبنانيون في مواجهة متظاهرين مؤيدين لـ«حزب الله» في بيروت يوم 7 أغسطس خرجوا رفضاً لقرار نزع سلاح الحزب (أ.ف.ب)

وحول القرار الحكومي الأخير بحصر السلاح بيد الدولة، قال حرب: «نحن أمام خطوة جديدة على طريق استعادة القرار الوطني للمؤسسات الدستورية. لكن المسألة الآن أمام خيارين: إما أن يقرّر (حزب الله) الاندماج في الدولة اللبنانية ويتحول إلى حزب سياسي كسائر الأحزاب، وإما أن يبقى خاضعاً للتوجيهات الخارجية، ما قد يجر الويلات على لبنان ويدمر فرص تعافيه الاقتصادي والسياسي».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر غير دقيق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل نقاشات حادة حول استمرار الحرب، ويتم توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومة على أنها لم تحقق أياً من أهدافها، لا في لبنان ولا إيران ولا في غزة، وبدأت هذه الانتقادات توجه أيضاً للجيش، باعتبار أنه هو أيضاً لا يقول الحقيقة، خرج رئيس الأركان، إيال زامير، بتصريحات (قيلت في جلسات مغلقة أمس الأربعاء على أرض الجنوب اللبناني لكن الجيش حرص على تسريبها للإعلام)، ليقول إن «كل ما حدده لنا المستوى السياسي فيما يتعلق بالمعركة الحالية في إيران ولبنان، حققناه بل وأكثر من ذلك، وبذلك خلقنا الظروف المواتية للعمليات السياسية التي يقودها المستوى السياسي الآن».

ولكن إطلاق مسيرة حديثة من «حزب الله» اللبناني على مدفعية إسرائيلية في بلدة شومرا، تسببت في إصابة 12 جندياً (إصابتين بالغتين و10 خفيفة)، غيرت من حسابات زامير.

وهذه البلدة اليهودية قائمة على أنقاض قرية طربيخا، التي تم احتلالها في نهاية عام 1948، واعتبرتها حكومة بيروت لبنانية ومنحت سكانها المهجرين الجنسية اللبنانية. وقامت إسرائيل بتدمير غالبية بيوتها ومسجدين، وحولتها إلى بلدة يهودية. وفي الحرب الحالية، تم تفريغ شومرا من السكان وأقام فيها الجيش الإسرائيلي عدة مواقع.

تجمع شعبي في جنازة عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين قتلوا بقصف إسرائيلي في بلدة مجدل زون في الجنوب (أ.ف.ب)

هجمات انتقامية

على أثر عملية «حزب الله»، اليوم، ردت قوات سلاح الجو الإسرائيلي بهجوم انتقامي. وقالت إن «هذا هجوم خطير لا يمكن السكوت عنه». فقصفت عدة مواقع وأمرت سكان 16 قرية في الجنوب اللبناني بالرحيل تمهيداً لتدميرها. والقرى المستهدفة هي: بشيت وحبوش وحاروف وكفر جوز والنبطية الفوقا وعبا وعدشيت والشقيف وعرب صاليم وتول وحومين الفوقا والمجادل وارزون ودونين والحميري ومعروب.

وقد جاء ذلك في وقت ادعت فيه أوساط مقربة من الحكومة بأنها «تسعى إلى فرض مهلة زمنية محددة للمفاوضات مع الحكومة اللبنانية لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة، تنتهي بحلول منتصف مايو (أيار)، ملوّحة بالانتقال إلى ما تصفه بـ(الخطة الأصلية) لحربها على لبنان في حال عدم تحقيق تقدم». وبحسب ما أفادت «القناة 12» الإسرائيلية، فإن هذه المقاربة طُرحت في اتصال جرى مساء الأربعاء بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية طلب إسرائيلي وُصف بالعاجل لتحديد سقف زمني للمسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن بين تل أبيب وبيروت. وادّعت هذه الجهات أن سياسة «الرد المحدود» المتبعة حالياً تؤدي إلى تآكل الردع وتضر بالسكان وبالجاهزية العملياتية، على حد تعبيرها.

فلسطينيون يعبرون بحيّ مهدّم بقصف إسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

غزة لم تنته بعد

وبحسب تقرير «القناة 12»، يعمل الجيش الإسرائيلي في ظل تعليمات من المستوى السياسي تقضي بضبط العمليات في لبنان، حيث يمتنع عن تنفيذ هجمات في عمق الأراضي اللبنانية، فيما تتطلب أي عملية شمال نهر الليطاني موافقة خاصة من المستوى السياسي. واعتبر التقرير أن الوضع الحالي، الذي يقتصر فيه دور الجيش الإسرائيلي على «الرد» بدل المبادرة، يخدم «حزب الله» ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، ما يعرّض القوات الإسرائيلية لمخاطر إضافية.

وإزاء الانتقادات للجيش، أجرى زامير، جولة في المناطق التي يحتلها جيشه في لبنان، الأربعاء، حيث أكد أن الجيش ينفذ تعليمات المستوى السياسي وينتظر القرارات بشأن مواصلة العمليات. وقال خلال الزيارة: «تموضعنا على الخط لمنع إطلاق نار مباشر على البلدات»، مضيفاً: «لن نتسامح مع هجمات أو إطلاق نار»، على حد تعبيره. وأشار إلى أن الجيش حقق الأهداف التي وُضعت له حتى الآن، وأن القوات ستبقى في الميدان لضمان أمن بلدات الشمال.

وفي ختام التقرير، طرح تساؤلات حول جدوى الثمن الذي تدفعه إسرائيل في هذه المرحلة، في ظل ما وصفه بمراعاة المصالح الأميركية في المواجهة مع إيران.

وكان لافتاً أن زامير، عندما تحدث عن إتمام المهمات التي حددتها له الحكومة، في لبنان وإيران، ذكر أن المعركة القادمة يمكن أن تكون في قطاع غزة. وقال إن المعركة هناك لم تنته بعد، وإذا عرقلت «حماس» مهمة نزع سلاحها فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكل شدة.


«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».


وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

ونقلت «الوكالة الوطنية للإعلام» عن اللواء منسي قوله، خلال لقائه شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة بفردان، الخميس: «ناقشت وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في العدوان الإسرائيلي على وطننا، والسعي المتواصل لوقفه. التأكيد على صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الشرعية اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية كان قاسمنا المشترك، ومساعدة شعبنا على تجاوز المحنة كان هاجسنا، والترفع عن الحسابات الصغيرة لمصلحة الأهداف الوطنية الكبيرة سيبقى مبتغانا وهدفنا».

وأضاف: «إذا كنا ذاهبين إلى مفاوضات؛ فهي للسلام وليس للاستسلام. نحن نذهب للمفاوضة وليس للمقايضة. نريد وقف أنهار الدماء إكراماً للشهداء، ونرفض كلبنانيين، مسلمين ومسيحيين، إلا أن نبقى موحدين ومتحدين».

وأعرب عن أمله أن «تنتهي هذه المحنة وتعبر هذه الغيمة ويطلع نور الخلاص على لبنان وشعبه».

بدوره، شدد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز على «واجب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ خصوصاً في الظروف الراهنة، دعماً لتنفيذ المهام المنوطة بها في حماية لبنان وسيادته»، محذراً من كل «محاولات العبث بالسلم الأهلي، فلبنان القوي هو لبنان الموحَّد».