إسرائيل ترسم منطقة عازلة في جنوب لبنان وترمي خرائطها للسكان

تتركز في شبعا... وتشمل الموقع السابق لـ«خيمة حزب الله»

جنود إسرائيليون في مرتفعات مزارع شبعا المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في مرتفعات مزارع شبعا المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل ترسم منطقة عازلة في جنوب لبنان وترمي خرائطها للسكان

جنود إسرائيليون في مرتفعات مزارع شبعا المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في مرتفعات مزارع شبعا المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

رسمت إسرائيل، للمرة الأولى منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، منطقة عازلة في جنوب لبنان، نشرت خرائطها متضمنة منطقة باللون الأحمر، تمنع السكان من الاقتراب منها.

وألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية صباح الخميس مناشير تحذيرية فوق بلدة شبعا في جنوب شرقي لبنان، حددت فيها ما وصفته بـ«الخط الأحمر» على خرائط مرفقة، محذّرة من تجاوزه. وشملت المناشير مناطق محاذية لمزارع شبعا، وجاءت مصحوبة بخريطة ملوّنة تظلل المساحة المستهدفة باللون الأحمر.

نسخة من الخريطة التي رمتها مسيّرات إسرائيلية فوق منطقة شبعا بجنوب لبنان صباح الخميس (متداول)

وتُعد هذه الخطوة جزءاً من إجراءات إسرائيلية ميدانية تشهدها المنطقة الحدودية، وتتباين التفسيرات حول أهدافها بين اعتبارها إجراءً أمنياً بحتاً، وقراءتها محاولة لتكريس واقع جديد على الأرض.

رسالة أمنية بغطاء مدني

وجاء في نص المناشير: «يُمنع عبور الخط الأحمر باتجاه الحدود الإسرائيلية. كل من يدخل المنطقة الملوّنة بالأحمر يعرّض نفسه للخطر». ووفق مصادر ميدانية، فإن الخريطة تتطابق مع نطاق أمني جديد تحاول إسرائيل فرضه على طول القطاع الشرقي من الحدود. هذه السياسة سبق أن تجلت في يوليو (تموز) الماضي، حين ألقت إسرائيل منشورات على نحّالي شبعا تحذّرهم من نقل مناحلهم إلى مناطق تراها حساسة أمنياً.

وقد سبق هذا التصعيد، قيام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، يوم الأربعاء، بجولة داخل جنوب لبنان، في خطوة أريد منها عكس الواقع الأمني الجديد على الحدود.

المساحة الاستراتيجية

ورأى اللواء المتقاعد من الجيش اللبناني الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، أنّ «ما أقدمت عليه إسرائيل اليوم في مزارع شبعا، هو محاولة واضحة لفرض أمر واقع جديد على الحدود الجنوبية، وجعل هذا الخط بمثابة القسم الشمالي من خط وقف إطلاق النار الجديد المزمع بين لبنان وإسرائيل، وذلك بعد محاولة وضع خط هدنة مستحدث يبدأ من الناقورة وصولاً إلى جسر الغجر».

واعتبر شحيتلي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المؤشر خطير للغاية، «بل أخطر من الخطير»، لأنه إذا قبل به لبنان، «فهذا يعني عملياً التنازل عن أراضٍ لبنانية مثبتة الملكية لأصحابها، وموثقة في الاتفاقات الرسمية الموقعة بين لبنان وسوريا».

وقدّر شحيتلي أن «المساحة التي يشملها الإجراء الإسرائيلي الجديد تبلغ نحو 50 كيلومتراً مربعاً»، مؤكداً أن «هذه أراضٍ لبنانية بالكامل، ولا يساورنا أي شك في هويتها».

قصف إسرائيلي على الجانب اللبناني في مزارع شبعا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح أن هذه الخطوة «تستهدف منع أصحاب الأراضي اللبنانيين من الوصول إلى أراضيهم وزراعتها، لتكريس الاحتلال بشكل تدريجي، على غرار ما فعلته إسرائيل في الجولان، حيث بدأت بفرض وقائع ميدانية قبل أن تقدم لاحقاً على ضمها». وأضاف: «هذا الخط المرسوم يغيّر الحدود المعترف بها، ويهدد بأن يتحول إلى أساس لأي تسويات أو اتفاقات مستقبلية، وهو ما يجب التصدي له فوراً».

الخيمة والرمزية العسكرية

إثارة موضوع «الخط الأحمر» استدعت إلى الأذهان الخيمة التي نصبها «حزب الله» في يونيو (حزيران) 2023 قرب الخط الأزرق في منطقة مزارع شبعا (جبل دوف)، قبل حرب الإسناد التي اندلعت في خريف 2023. تلك الخيمة اعتُبرت يومها رسالة سياسية وعسكرية تختبر ما عرف في حينها بقواعد الاشتباك. فإدراج موقع الخيمة ضمن النطاق الملوّن اليوم يضفي بعداً إضافياً للتحذير الإسرائيلي، ويكشف سعي تل أبيب لإزالة أي تمركز رمزي أو فعلي لـ«الحزب» في نقاط متقدمة.

خلفيات ترسيم الحدود

استعاد شحيتلي خلفية ترسيم الحدود، مشدداً على أنه «لا يوجد أي خلاف حدودي بين لبنان وسوريا، فالموضوع حُسم منذ الأربعينات عندما وُقعت خريطة حدودية بين لجنة عقارية لبنانية وأخرى سورية، وأعيد تثبيتها في ستينات القرن الماضي وبداية السبعينات عبر اجتماعات رسمية، حيث ترأس الوفد اللبناني وزير الخارجية، وترأس الوفد السوري نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية. وقد وافق مجلسا الوزراء في البلدين على تقارير اللجان والخرائط المرفقة، ما جعل الحدود اللبنانية - السورية مرسمة نهائياً عام 1970».

لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

ولفت إلى أن «المشكلات التي طرأت لاحقاً لم تكن على خط الحدود، بل على الملكيات العقارية، إذ توجد أراضٍ للبنانيين داخل الأراضي السورية وأخرى لسوريين داخل الأراضي اللبنانية، وقد اتفق على تسويتها عبر قضاة عقاريين من البلدين».

قضية مزارع شبعا

وفي ما يتعلق بمزارع شبعا، أوضح شحيتلي أن «إسرائيل احتلت الجزء الأول منها عام 1967 بعد حرب لم يشارك فيها لبنان، وكانت تلك المنطقة تضم قوات سورية واعتبرتها إسرائيل أراضي سورية. ثم توسعت إسرائيل بعد ذلك إلى مناطق أخرى بعد 1967، في فترة ما كان يُعرف بـ(فتح لاند) في العرقوب الذي كانت تتمركز فيه المنظمات الفلسطينية. أما المرحلة الثالثة فكانت بعد اجتياح 1982، وصولاً إلى احتلال أجزاء إضافية عام 1989».

ودعا الحكومة اللبنانية إلى «اتخاذ موقف رسمي وعلني وفوري، وتسجيل اعتراض واضح لدى الأمم المتحدة على هذا الإجراء، والمطالبة بإزالته فوراً، لأنه يشكل تكريساً للاحتلال ويعطل أي شروط لتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، كما يمهّد لمحاولة ضمها على غرار ما حصل في الجولان».

تصعيد على وقع النيران

وتزامن إلقاء المناشير مع إجراءات ميدانية إسرائيلية، بينها استهداف آلية مدنية في يارون، وإلقاء قنبلة على سيارة في شبعا، وقنبلة صوتية قرب أحد الرعاة، بعيد توغل قوة إسرائيلية في وادي هونين فجراً ودخول منزلين قرب العديسة تم خلع أبوابهما والعبث بمحتوياتهما. كما رصد تحليق للطيران الإسرائيلي على علو منخفض فوق بيروت والبقاع والجنوب، في رسالة واضحة بأن التحذير الورقي مدعوم بجهوزية ميدانية.


مقالات ذات صلة

الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني

المشرق العربي جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني

كرّس مجلس الوزراء، في جلسة مشحونة سياسياً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، تمسّكه بقرار طرد السفير الإيراني، في وقت غاب عنها وزراء «الثنائي الشيعي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة اللبنانية)

غياب «المؤشرات الإيجابية» حول لبنان ورفض إسرائيلي لربطه بـ«المسار الإيراني»

جدد الرئيس جوزيف عون التأكيد على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصرية السلاح بيدها ضمن المبادرة التي سبق أن أطلقها للتفاوض المباشر مع إسرائيل.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الرئيس اللبناني في بيروت (الخارجية المصرية)

تحركات مصرية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

في تحرك مصري لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، زار وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، الخميس، العاصمة بيروت، معلناً مساندته للشعب اللبناني.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
المشرق العربي جسر الزرارية المدمر فوق نهر الليطاني بعد تعرّضه لغارة إسرائيلية في طيرفلسيه جنوب لبنان (رويترز)

خطة إسرائيل «لمنطقة عازلة» في لبنان تعقب تاريخاً طويلاً من الاجتياحات والاحتلال

أعلنت إسرائيل عزمها السيطرة على جزء من جنوب لبنان لإنشاء «منطقة عازلة» لإبعاد مقاتلي جماعة «حزب ‌الله»؛ ما أثار مخاوف اللبنانيين من احتلال عسكري إسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)

معارك القنطرة ودير سريان في جنوب لبنان ترسم مسار المواجهة

تتقدّم معارك القنطرة ودير سريان إلى واجهة المشهد الميداني في جنوب لبنان مع اشتباكات مباشرة ومحاولات تقدّم متكررة على محاور حساسة قريبة من نهر الليطاني.

صبحي أمهز (بيروت)

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».


الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني وسط مقاطعة «الثنائي الشيعي»

جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
TT

الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني وسط مقاطعة «الثنائي الشيعي»

جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

تجنبت الحكومة اللبنانية، في جلسة مشحونة سياسياً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، بحث قرار وزير الخارجية، جو رجّي، طرد السفير الإيراني، في غياب وزراء «حزب الله» و«حركة أمل» الذين قاطعوا الجلسة اعتراضاً، لتتحوّل الجلسة اختباراً فعلياً لتماسك الحكومة عند تقاطع أزمتين: اشتباك داخلي على الخيارات السيادية، وتصعيد إقليمي يضغط على لبنان من بوابة الجنوب والنزوح.

وشارك في الجلسة كل الوزراء باستثناء المحسوبين على «الثنائي الشيعي»، فيما كانت لافتة مشاركةُ وزير شؤون التنمية الإدارية (المستقل) فادي مكّي، الذي خرق المقاطعة الشيعية للجلسة رغم إعلانه أنه يعارض القرار، لكنه شارك «لضمان انتظام العمل العام»، مع تأكيده أنه «لا خيار إلا الدولة».

ولم تتطرق مقررات الجلسة إلى موضوع طرد السفير، فيما رفض وزير الإعلام، بول مرقص، الإجابة عن أسئلة الصحافيين بعد الجلسة، في مسعى واضح لتجنب الخوض في هذا الملف، في ضوء مساعٍ لإيجاد مخرج لأزمة الاعتراض الشيعي. وعلم أن «الثنائي الشيعي» يرفض حتى الساعة مخرجاً مقترحاً بالموافقة على تعيين طهران سفيراً جديداً في بيروت.

من القرار الدبلوماسي إلى الاشتباك السياسي

وأتت الجلسة، التي سبقتها اتصالات على أكثر من خط لمحاولة احتواء الخلاف والتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف من دون التوصل إلى نتيجة، في سياق تصاعد التوتر السياسي على خلفية قرار طرد السفير الإيراني، الذي سرعان ما تحوّل إلى نقطة اشتباك داخل الحكومة بين مَن يراه إجراءً سيادياً، ومَن يعدّه خطوة تحتاج إلى مقاربة أكبر توازناً.

وفي حين تتجه الأنظار إلى ما سيكون عليه موقف «الثنائي الشيعي» في المرحلة المقبلة، تشير المعلومات إلى أن مقاطعة جلسة الخميس لا تعكس توجهاً نحو الانسحاب من الحكومة، بل جاءت بوصفها رسالة اعتراض سياسية على مسار القرار؛ مما أبقى الخلاف داخل المؤسسات، وأعاد تثبيت نمط إدارة النزاعات عبر التعطيل الجزئي بدلاً من الانفجار الكامل.

ويحاكي هذا المشهد سوابق قريبة، لا سيما في ملف «حصرية السلاح»، حيث استُخدمت المقاطعة أداةَ ضغط من دون الذهاب إلى إسقاط الحكومة؛ مما يجعل جلسة الخميس امتداداً لمسار إدارة التوازنات الدقيقة داخل السلطة التنفيذية.

انقسام في مقاربة القرار

وقبيل انعقاد الجلسة، عكست مواقف الوزراء انقساماً واضحاً في المقاربات. وقال وزير العدل؛ المحسوب على حزب «الكتائب»، عادل نصار: «قرار المقاطعة من (حركة أمل) و(حزب الله) وسط هذه الأزمة وهذا الظرف غير مبرّر». وقال وزير المهجرين كمال شحادة: «قرار طرد السفير الإيراني اتُّخذ بالتكافل والتضامن مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ولا تراجع عنه».

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً جلسة الحكومة في غياب وزراء «الثنائي الشيعي» (رئاسة الحكومة)

كما أكد وزير الصناعة؛ المحسوب على حزب «القوات اللبنانية»، جو عيسى الخوري، أنه «لا تراجع عن القرار» و«ما حَدَا بِدُّو يدافع عن إيران»، فيما قال وزير الزراعة؛ المحسوب على الحزب «التقدمي الاشتراكي»، نزار هاني: «سيُبحث بمقترحات عدة، ولا خطر على الحكومة».

وقالت وزيرة السياحة؛ المحسوبة على رئيس الجمهورية: «أنا ضد تدخل إيران في الشؤون اللبنانية، وكان لا بد من أن توجِّه الحكومة هذه الرسالة لإيران».

في المقابل، قال وزير العمل، محمد حيدر، في حديث إذاعي، إن «مشاركة وزير التنمية الإدارية، فادي مكي، في جلسة مجلس الوزراء يعود إلى الوزير مكي نفسه»، مشيراً إلى أن «الاتصالات كانت قائمة منذ صدور قرار وزارة الخارجية المتعلق بأوراق اعتماد السفير الإيراني، مع ضرورة ترك الأمور تأخذ مجراها للتوصل إلى حل». وأوضح أن «ظروف الحرب في لبنان تتطلب تضامن جميع الأطراف وتكثيف الاتصالات»، عادّاً أن «التراجع عن القرار بات ضرورياً لتفادي الانقسامات»، لافتاً إلى أنه «لا قرار لدى (الثنائي الشيعي) بمقاطعة الجلسات المقبلة، والاتصالات مستمرة لإيجاد مخارج مناسبة». وفي السياق نفسه، قال النائب حسين الحاج حسن (حزب الله)، في تصريح تلفزيوني، إن السفير الإيراني «لن يغادر بيروت».

مكّي: لا خيار إلا الدولة

وفي بيان له، أصدره بعد مشاركته في الجلسة، أكّد الوزير فادي مكّي أنّه يُعارض القرار الذي اتّخذته وزارة الخارجيّة، إلّا إنّه شارك في الجلسة انطلاقاً من اقتناعه بأنّ «المشاركة الفاعلة تُشكّل ضرورةً وطنيّةً لضمان انتظام العمل العام ومواجهة التحدّيات المتفاقمة». وقال إنّ لبنان يمرّ «بأزمةٍ وجوديّة»؛ مما يفرض «تعزيز حضور الدّولة، وتغليب منطق المسؤوليّة الوطنيّة»، مشدداً على أنّ مجلس الوزراء يبقى «الإطار الطّبيعي لاتّخاذ القرار الوطني».

الوزير فادي مكي (الوكالة الوطنية)

وأضاف مكي أنّ الأولويّة يجب أن تكون لمواجهة «عدوانٍ إسرائيليٍّ مستمرّ» يتجلّى في «تدميرٍ ممنهج واستهداف للمدنيين والبنى التحتية»، عادّاً أنّ ذلك «انتهاك صارخ للقانون الدولي».

تحرك نحو مجلس الأمن

وأعلن وزير الإعلام، بول مرقص، عقب الجلسة، أنّ مجلس الوزراء خصّص اجتماعه لبند وحيد يتعلق بملف النازحين وتداعيات الحرب الإسرائيلية على مختلف المستويات، في ظل غياب وزراء المالية والصحة والبيئة والعمل.

ونقل مرقص عن سلام تحذيره من «خطورة التهديدات الإسرائيلية المتكررة باحتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني»، مشيراً إلى حديث إسرائيلي عن ضم هذه المنطقة، بالتوازي مع «تفجير الجسور على النهر، وتهجير السكان، وقضم الأراضي، وهدم المنازل»، عادّاً أن ذلك «يشكل تهديداً مباشراً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وانتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وفي هذا السياق، طلب سلام من وزارة الخارجية التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، معلناً عزمه التواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة لبحث هذه التطورات.

وفي ملف العلاقات الخارجية، أعرب سلام عن أسفه لما أعلنته الكويت من تفكيك خلية إرهابية تضم شخصين منتميين إلى «حزب الله»، مؤكداً «تضامن لبنان الكامل مع الكويت وحرصه على أفضل العلاقات بدول الخليج»، ومشدداً على ضرورة التزام اللبنانيين بالقوانين في الدول التي يعملون فيها، كاشفاً عن اتصال أجراه برئيس الوزراء الكويتي للتعبير عن استنكار لبنان هذه الأعمال.

كما أشار إلى أن «القصف الإيراني بات يتركز بنسبة كبيرة على دول الخليج ودول أخرى في المنطقة، مقابل نسبة أقل على إسرائيل»، عادّاً أن استهداف منشآت مدنية «يشكل تطوراً خطيراً لا يمكن للبنان تجاهله»، ومؤكداً أنه سيُجري اتصالات مع قادة الدول الخليجية للتعبير عن التضامن.


العراق يرفض «أي اعتداء أو استهداف» يطول الخليج والأردن انطلاقاً من أراضيه

استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)
استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)
TT

العراق يرفض «أي اعتداء أو استهداف» يطول الخليج والأردن انطلاقاً من أراضيه

استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)
استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)

أعلن العراق، الخميس، رفضه «أي اعتداء أو استهداف» يطول دول الخليج والأردن انطلاقاً من أراضيه، وذلك غداة مطالبة هذه الدول بغداد باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هجمات تتعرض لها منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط.

ومنذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، تعلن يومياً فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران ومنضوية ضمن ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، شنّ هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

وفي بيان مشترك صدر مساء الأربعاء، دعت السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والأردن، الحكومة العراقية إلى «اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الهجمات التي تشنها الفصائل والميليشيات والمجموعات المسلحة من أراضي جمهورية العراق نحو دول الجوار بشكل فوري».

وأعربت وزارة الخارجية العراقية، الخميس، في بيان عن «رفض الحكومة القاطع لأي اعتداء أو استهداف يطول دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية».

وأكّدت أنها «ماضية في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع التحديات الأمنية كافة»، مشيرة إلى «استعدادها الكامل لتلقي أي معلومات أو أدلة تتعلق بأي استهداف ينطلق من الأراضي العراقية ضد دول الجوار، والعمل المشترك لمعالجتها بشكل مسؤول وسريع».

وشددت على أنها «ملتزمة باتخاذ كل ما يلزم للحفاظ على سيادة العراق وتعزيز علاقاته الأخوية، ومنع أي أعمال قد تسيء إلى أمن واستقرار المنطقة».

ومطلع هذا الشهر، استدعت وزارة الخارجية الكويتية القائم بأعمال سفارة العراق لدى الكويت، لتسليمه مذكرة احتجاج إثر اعتداءات من فصائل مسلحة عراقية على الأراضي الكويتية. قدّم بعد ذلك السفير الكويتي في بغداد إلى «الخارجية» العراقية معلومات عن استهدافات قال إن مصدرها الأراضي العراقية، وطالب حكومة العراق بالتدخل لوضع حدّ لها.

وفي عمّان، أكّد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن بلاده تعرّضت لضربات من فصائل عراقية مسلحة.

وتعليقاً على البيان المشترك، قال مساء الأربعاء فصيل «سرايا أولياء الدم» الذي يقول إنه ينتمي لفصائل «المقاومة الإسلامية في العراق»، والذي أعلن منذ بدء الحرب مهاجمة أهداف في الأردن والكويت، إن «المقاومة الإسلامية تستهدف الوجود الأميركي حصراً» في هذه الدول.