السوداني يكسب الجولة الأولى في المواجهة مع الفصائل العراقية المسلحة

رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني خلال اجتماع مع قادة الجيش (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني خلال اجتماع مع قادة الجيش (إعلام حكومي)
TT

السوداني يكسب الجولة الأولى في المواجهة مع الفصائل العراقية المسلحة

رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني خلال اجتماع مع قادة الجيش (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني خلال اجتماع مع قادة الجيش (إعلام حكومي)

في وقت لم يعلن فيه «الإطار التنسيقي الشيعي» موقفاً واضحاً من الإجراءات التي اتخذها رئيس الوزراء والعضو القيادي في هذا «الإطار» محمد شياع السوداني، ضد واحد من أهم الفصائل المسلحة «كتائب حزب الله»، فإن ردود الفعل التي صدرت عن هذا الفصيل وبعض الفصائل الأخرى عكست حالة من التردد والانقسام، بسبب حجم المفاجأة التي شكلها قرار السوداني الذي لم يكن متوقعاً لمعظم القوى السياسية.

وحيث إن المناخ السياسي في البلاد تسيطر عليه المخاوف من إمكانية رد فعل أميركي- إسرائيلي غير متوقع حيال مشروع قانون «الحشد الشعبي» المطروح أمام البرلمان العراقي حالياً، فإن ما أقدم عليه السوداني من إجراءات ضد «الكتائب» -سواء بتسميتها بالعلن بأنها وعبر لواءين تابعَين لها بـ«الحشد الشعبي» هي من تقف خلف أحداث الدورة، أو لجهة الإصرار على عملية حصر السلاح بيد الدولة- بدأت ولن يتم الحياد عنها.

السوداني اختار الأسبوع الماضي محافظة بابل -وهي أحد أهم معاقل «كتائب حزب الله» التي تسيطر على منطقة «جرف الصخر» ذات الغالبية السنية هناك- للحديث عن قرب بدء الإجراءات الخاصة بحصر السلاح المنفلت بيد الدولة.

ولكي يعطي لما ينوي اتخاذه من قرارات بهذا الصدد زخماً أكبر، فقد أعاد خلال حضوره مهرجاناً جماهيرياً في إحدى قرى محافظة بابل ما كان قد صدر عن المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، حول أهمية حصر السلاح بيد الدولة قبل أكثر من شهرين، أو استعادة ما كان كرره الأسبوع الماضي ممثل المرجع الأعلى في كربلاء عبد المهدي الكربلائي، بشأن ما يتوجب اتخاذه بهذا الصدد.

ويرى المراقبون السياسيون في العاصمة العراقية بغداد أن صمت قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» الحاكم في العراق يعكس عمق الأزمة بين أطرافه، لجهة الموقف من قرار السوداني الصريح باتهام «الكتائب» بالوقوف خلف حادثة الدورة التي خلَّفت قتلى وجرحى، ولجهة الموقف مما قد يترتب على اتخاذ أي قرار من قبلها في ظل التحشيد الأميركي- البريطاني غير المسبوق بالضد من إقرار قانون «الحشد الشعبي».

وطبقاً للمراقبين أنفسهم، فإن العديد من قيادات «الإطار التنسيقي» التي لم تعلن موقفاً لمواجهة السوداني مع قوى السلاح المنفلت أو ضده، فإنها وقفت موقفاً معلناً ضد تصريحات متلفزة أدلى بها السفير البريطاني لدى العراق عرفان صديق مؤخراً، بشأن تأييد المملكة المتحدة الموقف الأميركي الرافض لإقرار قانون «الحشد الشعبي».

وطبقاً لما يدور في العاصمة العراقية بغداد، فإنه في الوقت الذي لم تتمكن فيه القوى الشيعية التي تملك الأغلبية البرلمانية (183 نائباً من 325) من عقد جلسة برلمانية كاملة النصاب من أجل التصويت على قانون «الحشد»، وهو ما يمثل ضربة لها حيال القوى الرافضة لإقرار القانون، فإن قرارات السوداني عمقت الأزمة داخلها، وهو ما سوف يتيح لرئيس الوزراء المضي في قراراته بالضد من قوى السلاح خارج نطاق الدولة.

مع وضد

وبينما كانت تُنتظَر مواقف أكثر حدة من قبل القوى المسلحة في البلاد حيال قرارات السوداني التي بدت جريئة وغير مسبوقة، منذ إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، فإن ما صدر عنها من مواقف عكس مستوى القلق والتناقض فيما بينها.

ففي الوقت الذي أعلن فيه «لواء أنصار المرجعية» -وهو أحد الفصائل المسلحة- وقوفه إلى جانب السوداني، فإن ما صدر عن الفصائل الأخرى عكس مستوى القلق مما يمكن أن يحصل في المستقبل.

فـ«الكتائب» وهي الفصيل المعني الذي سمَّاه السوداني بالاسم في حادثة الدورة، اتهم في بيان له اليوم (الأحد) ما سمَّاه أطرافاً محلية بالعمل على تنفيذ ما وصفه بـ«مخططات الأعداء».

وبينما كان قائد فصيل «الكتائب» قد طالب قبل أيام قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» بما سمَّاه «الحجر على قرارات السوداني» رغم عدم اتهام رئيس الوزراء أي طرف في حادثة الدورة، فإنه بعد اتهام السوداني الصريح له أصدر بياناً جدَّد فيه المطالبة بسحب القوات الأميركية في العراق، مذكراً بما يرى أنه قدَّمه على صعيد مواجهة تنظيم «داعش»، مبيناً أنه قدم أكثر من 4 آلاف قتيل وجريح.

وبينما لم يذكر بيان «الكتائب» السوداني بالاسم، فإنه أشار إلى أن «الولايات المتحدة وأتباعها سعوا على مدى سنوات لتشويه تاريخ هذا الفصيل، غير أن المؤلم هو ما يأتي من ذوي القربى» في إشارة ضمنية للسوداني.

وبينما عدَّت الكتائب أن «تصريحات السفير البريطاني الأخيرة، وما مورس من ضغوط على اللجنة المكلَّفة بالتحقيق في حادثة دائرة الزراعة ببغداد، تصب في خدمة مآرب الأعداء»، أشارت إلى أنها اتفقت منذ البداية مع قادة «الإطار التنسيقي» على تشكيل لجنة محايدة بإشرافهم: «إذ لا يصح أن يكون الخصم هو الحكم» على حد قولها.

على صعيد متصل، فإن «لواء أنصار المرجعية» أعلن وبشكل واضح وقوفه إلى جانب إجراءات السوداني، وهي خطوة تصب في مصلحة ما اتخذه، وما ينوي اتخاذه في المستقبل.

وقال بيان للِّواء المذكور: «نعلن أن (لواء أنصار المرجعية) جاهز أن يكون اللواء الأول في استقبال اللجان المكلفة من قبل القائد العام، في إعادة تقييم القواطع والتزام القطعات، وتقييم عمل كل مفاصل اللواء، ابتداءً من آمر اللواء وصعوداً إلى كل مجاهد في اللواء».

إلى ذلك، صدرت بيانات عن «عصائب أهل الحق» و«كتائب سيد الشهداء» تقف في المنتصف من الأزمة الحالية التي لا تزال مفتوحة على شتى المفاجآت.

وفي هذا السياق، صرح الخبير الأمني مخلد حازم لـ«الشرق الأوسط» بأن «القرار الذي اتخذه السوداني مثَّل في الواقع تحولاً كبيراً سوف يكون له تأثير على عمل الدولة الرسمي وما يتطلبه من إجراءات».

وأضاف أن «نتائج التحقيق التي أصر رئيس الوزراء على أن تكون شفافة لأن هيئة (الحشد الشعبي) تابعة رسمياً له، كانت بمثابة صعقة للأطراف المسلحة» عاداً أن «ذلك جزء من التحديات المختلفة التي نواجهها، والتي تفرض على الحكومة أن تتصرف وفق المعايير التي تتعامل بها الدول ذات السيادة».

وأشار إلى أن «الفصائل المسلحة كانت لها عمليات ضد الولايات المتحدة خارج إطار موافقة الحكومة العراقية، وبالتالي فإن من المتوقع أن تكون هناك ردة فعل من قبلها، بعد أن اتخذت الحكومة قرار المواجهة؛ حيث إن هذه الفصائل لم تتعوَّد سابقاً على مواقف من هذا النوع، وهو ما يمكن أن يجعلها تناور حيال الحكومة؛ لكن طبقاً لكل المعطيات فإن الحكومة ماضية في قراراتها بهدف ضبط إيقاع جميع الفصائل، ونشر الأمن في كل ربوع العراق، مع أن الأيام القادمة قد تكون حبلى بالمفاجآت».


مقالات ذات صلة

الأحداث السورية تثير قلقاً في العراق... والسلطات تُطمئن المواطنين

المشرق العربي نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي (وكالة الأنباء العراقية)

الأحداث السورية تثير قلقاً في العراق... والسلطات تُطمئن المواطنين

انعكس الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قوات «الإدارة الذاتية» في سوريا على شكل مخاوف وتحذيرات بالعراق عبَّرت عنها شخصيات سياسية ودينية.

فاضل النشمي (بغداد) فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد منتجات مصفى صلاح الدين/3 تُعد مطابقة للمواصفات المعتمدة وتنتج عدداً من المشتقات النفطية. (إكس)

العراق: نجاح التشغيل النهائي لمصفى «صلاح الدين - 3» بطاقة 70 ألف برميل يومياً

أعلنت وزارة النفط العراقية، يوم الاثنين، نجاح التشغيل النهائي لمصفى «صلاح الدين - 3» بطاقة 70 ألف برميل يومياً.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي من استقبال عراقجي لنظيره العراقي فؤاد حسين على درج الوزارة في طهران (الخارجية الإيرانية)

العراق يدخل على خطِّ الوساطة بين أميركا وإيران عشية زيارة وشيكة لسافايا إلى بغداد

بدأت بغداد وساطة بين طهران وواشنطن بينما يُتوقع وصول الموفد الأميركي سافايا إليها خلال يومين

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث في اتصالات هاتفية التطورات الإقليمية

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في اتصالات هاتفية من نظرائه العراقي والأردني والتركي والإسباني، التطورات الإقليمية، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

خاص أربيل تحتضن مفاوضات حل المشكلة الكردية في سوريا

تلعب أربيل، عاصمة إقليم كردستان بشمال العراق، دوراً لافتاً هذه الأيام في رعاية الجهود الرامية إلى حل المشكلة الكردية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
TT

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم داعش في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد، بما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار.

كما أعلنت الوزارة في بيان استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأميركي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.

وحمل البيان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) «المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر تنظيم داعش من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، وتعتبر ذلك خرقا أمنيا خطيرا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي».

سجن يضم عناصر من «داعش» في القامشلي بالحسكة تحت حراسة قوات «قسد» (رويترز)

وقالت الوزارة إنها أتمت تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام وتأمين محيط السجن وإدارته الداخلية، وضمان تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز، ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.

وأكدت الوزارة رفضها القاطع لما وصفتها «محاولات قسد استخدام ملف معتقلي داعش كورقة ابتزاز سياسي وأمني ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى ‘خطر السجون‘».

كان الجيش السوري أعلن قبل قليل السيطرة على مدينة الشدادي، وبدء عمليات لتأمين المنطقة واعتقال عناصر داعش الفارين الذين أطلقت «قسد» سراحهم.

وقالت قسد في وقت سابق إن سجن «الشدادي»، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر تنظيم داعش، خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة نفذتها فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية في دمشق. وذكرت أيضا أن 9 من مقاتليها قتلوا وأصيب 20 آخرون في اشتباكات مع فصائل تابعة للحكومة قرب سجن «الأقطان» بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم داعش.


استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
TT

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها، في ظلّ تصعيد ميداني وغارات جوية متواصلة على الجنوب.

وفي سياق مواصلة الجيش اللبناني تعزيز انتشاره الميداني وتثبيت نقاط تموضع جديدة في بلدات الحافة الأمامية، عمد الاثنين إلى تثبيت نقطة جديدة في منطقة خلة المحافر جنوب بلدة عديسة، مقابل الجدار الحدودي لمستعمرة مسكاف عام، وذلك بعد تثبيت نقطة سابقة في وسط بلدة كفركلا.

عسكري لبناني إلى جانب جرافة عسكرية تقوم بإزالة العوائق بمنطقة حدودية في جنوب لبنان (قيادة الجيش)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إنه أثناء عملية تثبيت النقطة الجديدة، أقدم الجيش الإسرائيلي على استفزاز مباشر تمثّل في تحريك دبابة «ميركافا» خارج الجدار الحدودي وتوجيه مدفعها نحو الجنود اللبنانيين، في محاولة واضحة للضغط عليهم ودفعهم إلى الانسحاب من المواقع المتقدمة، إلا أن الجيش اللبناني واجه هذا التهديد باستنفار مماثل رافضاً التراجع، وعمد إلى تثبيت مركز له في المنطقة.

تصعيد جوي إسرائيلي

ويأتي هذا التوتر الميداني بالتوازي مع تصعيد جوي؛ إذ شنّ الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، سلسلة غارات على جنوب لبنان، حيث قال إنها تستهدف مواقع يستخدمها «حزب الله» لتدريب عناصره. وقال في بيان إنه يهاجم «أهدافاً تابعة لـ(حزب الله) في الجنوب»، مشيراً إلى أن «هذه المواقع كانت تُستخدم لإجراء تدريبات تمهيداً لمهاجمة قوات إسرائيلية ومدنيين»، من دون أن يحدد مواقع هذه الغارات.

تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في المقابل، أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفّذ سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت بلدات أنصار والزرارية، ومجرى نهر الشتى عند أطراف بلدة اللويزة في منطقة إقليم التفاح، إضافة إلى بلدة كفرملكي، ما أدى إلى حالة من الخوف والقلق في صفوف الأهالي.

وتواصل إسرائيل شن غاراتها على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرت أكثر من عام، وتقول إن اعتداءاتها تستهدف «حزب الله»، وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الجيش اللبناني الأسبوع الماضي إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن إسرائيل شككت بهذه الخطوة واعتبرتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطالبتها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية، خارج قراهم الجنوبية؛ نتيجة الوضع الأمني الهشّ وعدم حصولهم على أموال إعادة الإعمار، وهم اليوم مهددون بخسارة سكنهم المؤقت إذا لم يحصلوا على بدل إيواء جديد؛ مما سيضاعف معاناتهم أكثر.

وبدل الإيواء هو مبلغ مالي دفعه «حزب الله» للنازحين الذين دُمرت منازلهم؛ كي يتمكنوا من دفع إيجار مسكنهم المؤقت لمدة عام، وهم الآن يحتاجون إلى مبلغ مالي إضافي حتى تؤمَّن عودتهم إلى قراهم وتُبنى منازلهم الخاصة من جديد.

في انتظار العودة البعيدة

«محمد.ح» (56 سنة) أحد هؤلاء النازحين، الذين نزحوا قبل عامين، أيّ منذ دخول «حزب الله» حرب «الإسناد» في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023... يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نزحت وعائلتي المؤلفة من 6 أشخاص، ولا نزال ننتظر عودتنا حتّى اللحظة؛ لدينا أمل، ولكنه ضئيل راهناً. أعتقد أن العودة وإعادة الإعمار تحتاجان مزيداً من الوقت!».

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ومحمد ابن بلدة شيحين الجنوبية التي تقع على الحدود اللبنانية الجنوبية، وهو أب لأربعة أولاد، ونازح يقيم في مدينة صور (جنوب لبنان)، دمرت إسرائيل منزله... يقول: «خسرت منزلي. أدفع نحو ثلثي راتبي؛ بدل إيجار وخدمات أساسية؛ الوضع الاقتصادي، كما الأمني، صعب للغاية هنا».

ومحمد أحد الآلاف من أبناء قرى حدودية عدة ما زالوا نازحين قسراً خارج قراهم؛ يعانون ظروفاً حياتية صعبة وغير طبيعية، وهم مهددون اليوم بخسارة مأواهم إذا لم يحصلوا على بدل إيواء مرة أخرى.

ووفق أرقام «اتحاد بلديات صور»، فإن أعداد النازحين المسجلين لديه تبلغ 15 ألفاً و600 شخص؛ هم 4500 عائلة. في حين تشير أرقام «مجلس الجنوب» إلى أن عدد النازحين من القرى الحدودية والخلفية بلغ 9585 عائلة، من أصل 17 ألفاً و106 عائلات، كانت تسكن بلدات الحافتين الأمامية والخلفية وعددها 40.

يروي محمد كيف تبدو البلدة راهناً: «مدمرة بنسبة 90 في المائة، ولا يقطنها أحد؛ غالبية أهلها نازحون قسراً ويقيمون في صور وضواحيها». ويقول: «محزِن جداً أننا لا نقصد بلدتنا سوى للضرورة؛ لدفن أحد موتانا أحياناً كثيرة»، علماً بأن بعض الأهالي يقصدون البلدة لأخذ حاجياتهم التي لم تتضرر جراء الاستهدافات الإسرائيلية.

ويضيف: «وُعدنا ببدل إيواء جديد، ربما في الأشهر الثلاثة المقبلة؛ صرفنا أموال الإيواء في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولم يبق منها أي شيء».

حُرمنا أبسط متطلبات الحياة

وعن المساعدات العينية التي تصل إلى النازحين، يقول محمد: «عادة ما نحصل عليها من جمعيات بالتنسيق مع (اتحاد بلديات صور)؛ لكنها باتت شحيحة للغاية في الأشهر الأخيرة، وغير ذلك، فهي عبارة عن مواد غذائية (كالمعلبات والحبوب) وأدوات تنظيف، ولا تكفي وحدها».

ويُعلق: «بالتأكيد نعاني راهناً من تبعات النزوح... بعض الناس حُرم أبسط متطلبات الحياة والأساسية منها، كاللباس الجيد والطعام الجيد، بحيث بات معظمهم يأكلون ويلبسون بهدف البقاء على قيد الحياة؛ ليس أكثر».

جانب من مبنى مستهدف في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ويضيف: «نأمل دائماً أن نعود إلى قرانا وحياتنا السابقة رغم الوضع الأمني المأزوم»، علماً بأن عودة النازحين تحتاج إلى أموال لإعادة الإعمار وتجهيز بنى تحتية، من مياه وكهرباء وطرقات؛ كي تكون الحياة ممكنة في تلك البلدات والقرى. ويختم: «نعلم أن منح لبنان الأموال اللازمة لإعادة الإعمار أمرٌ مشروط، ويتطلب تنازلات جمّة؛ لذا لا يمكننا تحميل الدولة مسؤولية ما نحن عليه اليوم، إذ إن هناك واقعاً يفرض نفسه».

من جانبه، يقول محسن عقيل، نائب رئيس بلدية جبين، إحدى قرى قضاء صور: «مرّ أكثر من عام وأنا أعيش تجربة النزوح مع عائلتي، وعائلة ابني أيضاً، وعددنا 9 أفراد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نسكن جميعاً في منزل واحد بمنطقة برج الشمالي (صور)؛ بسبب بدلات الإيجار المرتفعة نسبياً بالنسبة إلينا».

مناطق جنوب لبنان تتعرض لقصف إسرائيلي دائم رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وعقيل عسكري متقاعد في الجيش اللبناني... «بنيتُ منزلي في قريتي عام 2009، وبقيت منذ ذلك هناك أنا وزوجتي وخلال (حرب الإسناد)، إلى أن خرجنا منها قبل قليل من بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان». ويقول: «نهاية العام قبل الماضي حصلنا على بدل إيواء؛ لا نعلم أين ستذهب الناس في حال لم يُدفع هذا البدل مرة أخرى».

أمنية العودة ولو إلى خيام...

ويتحدث عقيل عن أقصى أمنياته وأمنيات جميع النازحين في العام الجديد بالقول: «نتمنى أن تحمل لنا السنة الجديدة عودة قريبة، حتى ولو اضطر بعضنا إلى السكن في خيام بقريته»... سئم النازحون العيش حياة غير مستقرة ومؤقتة بعيداً عن أرضهم: «كنا نعيش حياة كريمة في منازل واسعة شيدناها من طوابق عدّة، وكانت لنا متاجر وممتلكات خاصة، لكن للأسف أعادتنا إسرائيل إلى نقطة الصفر راهناً».

وعن البلدة المهجورة حالياً، التي لطالما اشتهرت بزراعة التبغ والحنطة سابقاً، يقول عقيل: «تمّ جرف جميع منازل البلدة المهدمة بالتنسيق مع (مجلس الجنوب)، باستثناء 13 منزلاً بقيت على حالها قيد الإنشاء؛ لأنها كانت سكناً للجيش الإسرائيلي»...

يزور عقيل البلدة بشكل شبه يومي، وحينما تتطلب الحاجة، بمؤازرة الجيش، ويقول: «نعوّل على الدولة اللبنانية، خصوصاً رئيس مجلس النواب، نبيه بري؛ كي تتأمن عودة الأهالي إلى قراهم الحدودية... دمرت إسرائيل منازلنا وقرانا وهجرت سكانها، حتى إننا حُرمنا أولادَنا الذين سافروا خارج البلاد بحثاً عن مكان أفضل أماناً».