لبنان يتحول من شرعنة السلاح إلى تجريمه للمرة الأولى منذ 1969

القتال ضد إسرائيل خارج القوى المسلحة الرسمية سيصبح محظوراً

مقاتلون لـ«حزب الله» خلال مناورة عسكرية بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون لـ«حزب الله» خلال مناورة عسكرية بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)
TT

لبنان يتحول من شرعنة السلاح إلى تجريمه للمرة الأولى منذ 1969

مقاتلون لـ«حزب الله» خلال مناورة عسكرية بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون لـ«حزب الله» خلال مناورة عسكرية بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)

يعكس قرار الحكومة اللبنانية تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة لحصر السلاح قبل نهاية العام تحولات بالغة الدلالات في السياسة اللبنانية التي تتحول من تشريع قانوني وسياسي لـ«المقاومة» من خارج المؤسسات الرسمية إلى «تجريمها»، كما حوّل سلاح «حزب الله» إلى وضعية «خارجة عن القانون» بدءاً من مطلع العام المقبل، حسبما يقول خبراء.

ونزعت الحكومة في قرارها الصادر مساء الثلاثاء الشرعية من سلاح «حزب الله» الذي يقول الحزب إنه معد لقتال إسرائيل، وهو تحول يجري للمرة الأولى منذ أولى الحكومات بعد اتفاق الطائف في العام 1989، حيث واظبت الحكومات طوال تلك الفترة على إقرار مبدأ حق اللبنانيين في مقاومة إسرائيل بمختلف الوسائل المتاحة، وبلغ بعضها في العقد الماضي التأكيد على ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة».

منصات صواريخ لـ«حزب الله» خلال عرض أقامه في جنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)

وتقول مصادر قانونية لـ«الشرق الأوسط» إن القرار «يعني نزع الشرعية من السلاح بعدما كان محمياً بالشرعية المحلية»، مشيرة إلى أن الأمر «لا يقتصر على حيازة السلاح فقط، بل يشمل أي عمل عسكري ضد إسرائيل، بالنظر إلى أن المقاومة ضد إسرائيل كان الفعل المسلح الوحيد الحائز على شرعية رسمية، بينما كان القانون يجرم أي قتال آخر، وحيازة سلاح غير مرخص، وأي إطلاق نار». وتقول المصادر إن هذا القرار «ملزم، حتى يصدر نقيضه عن مجلس الوزراء».

جريمة يعاقب عليها القانون

ويشرح المؤرخ السياسي والوزير الأسبق كريم بقرادوني أن هذا القرار الحكومي «يعني حظراً لأي قتال ضد إسرائيل أو غيرها، ينفذه أي طرف أو شخص من خارج المؤسسات الأمنية والجيش اللبناني»، علماً أن قتال تلك المؤسسات يحتاج إلى قرار من الحكومة اللبنانية، وهو متصل بحصرية قرار السلم والحرب بالحكومة اللبنانية.

ويضيف بقرادوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «كل شيء أو فعل، من خارج المتفق عليه في مجلس الوزراء، ومن بينه إطلاق النار في الجنوب، سيكون بمثابة جرم يعاقب عليه القانون بدءاً من العام المقبل بالنظر إلى أن المهلة المعطاة للجيش لسحب السلاح تنتهي في نهاية العام الحالي».

ولم يكن القتال ضد إسرائيل أو حيازة الأسلحة لقتالها، سواء أكان عبر «حزب الله» أو أي جهات لبنانية مصنفة «مقاومة»، محظوراً في السابق.

المؤرخ والوزير الأسبق كريم بقرادوني (الشرق الأوسط)

وعن المهلة، يقول بقرادوني إنها بمثابة «مرحلة انتقالية ضرورية للانتقال إلى مرحلة حصرية السلاح، إذ تقتضي عملية التنظيم والتنسيق فرزاً للأسلحة وإحصاءها»، موضحاً أن هذه العملية التقنية تتناول «ما الأسلحة؟ وما عددها؟ وأين تُخزن؟ وكيف ستتم عملية التسلم والتسليم؟ ومن يسلم؟ ولمن تُسلم؟ وماذا سيُصنع بهذا السلاح؟ هل سيُتلف؟ أو يأخذه الجيش؟ أو يُرحل إلى الخارج؟»، معتبراً أن فرصة الأشهر الخمسة «جيدة لترتيب هذه الأمور التقنية»، مشدداً على وجوب «أن يكون الاتفاق مفصلاً»، ويعتقد أنه «سيحتاج إلى اتصالات دولية وإقليمية وعربية للتوصل إلى الاتفاق بعدما أعلن (حزب الله) أنه غير معنيّ بالقرار الحكومي».

وفي هذه النقطة، يرى أن «حزب الله» لا يستطيع أن يواجه القرار إلى ما لا نهاية، «كي لا يحمل وزر الوضع الإقليمي والدولي»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية في هذا الوقت «تمتلك دعماً دولياً وإقليمياً وعربياً كبيراً جداً، وهو الأكبر الذي يحوز عليه رئيس لبناني منذ العام 1958، في وقت يتفق الحكم (رئاسة الجمهورية) والحكومة على ضرورة سحب السلاح، لافتاً إلى «دور أساسي لرئيس البرلمان نبيه بري في التفاوض، بالنظر إلى أن المجتمع الدولي لا يفاوض (حزب الله) مباشرة».

شرعية البيانات الوزارية

ولطالما حاز سلاح «حزب الله» وفصائل المقاومة الأخرى على شرعيتها من البيانات الوزارية المتعاقبة، التي تعهدت بحق لبنان في مقاومة إسرائيل وتحرير الأرض «بكل الوسائل المشروعة»، ولم تحصر فعل التحرير بالقوى المسلحة الرسمية.

شعار «لن نترك السلاح» كتبه مناصرون لـ«حزب الله» على ركام مسجد مدمر بغارات إسرائيلية في بلدة رامية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وللمرة الأولى، حصرت الحكومة اللبنانية منذ تشكيلها فعل تحرير الأرض بها فقط، إذ نص البيان الوزاري على أنه: «تلتزم الحكومة، وفقاً لوثيقة الوفاق الوطني المُقرّة في الطائف، باتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لتحرير جميع الأراضي اللبنانيّة من الاحتلال الإسرائيلي، وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، بقواها الذاتيّة حصراً، ونشر الجيش في مناطق الحدود اللبنانيّة المُعترف بها دوليّاً». لكن القرار الحكومي، الذي اتخذته الثلاثاء، يعد نسخة تفصيلية وتطبيقية للبيان الوزاري، لجهة تجريمه القتال ضد إسرائيل، إذا لم يكن عبر القوى المسلحة الرسمية، كما لم يعد يعترف بأي سلاح خارج سلاح الدولة، ولا يشرعنه.

سحب السلاح بعد شرعنته

ويشير بقرادوني إلى أنه «للمرة الأولى منذ العام 1969، يتم سحب السلاح من خارج الدولة، لا شرعنته»، في إشارة إلى اتفاق القاهرة الذي وقعه لبنان في العام 1969، وأتاح للمقاومة الفلسطينية التسلح وشن العمليات ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، واستخدام سلاحها من خارج الدولة الشرعية بضمانة جامعة الدول العربية، وتم توقيعه بضغط من الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر.

ويقول بقرادوني إن هذا التفويض «انتهى في العام 1982 في العملية العسكرية التي شنتها إسرائيل واحتلت على أثرها بيروت، وبعدها كان لبنان في مرحلة فوضى وانقسام، إلى أن انتهت الحرب في اتفاق الطائف، وواظبت حكومات ما بعد الطائف على تشريع المقاومة وسلاحها من خارج المؤسسات الرسمية بهدف قتال إسرائيل، وفق مبدأ مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تُوسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان

المشرق العربي سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

إسرائيل تُوسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان

ردّت إسرائيل على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في الجنوب، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية من شأنها أن تفاقم الضغوط الداخلية على الدولة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحظر سفر مواطنيها إلى إيران ولبنان والعراق

أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية حظر سفر مواطني دولة الإمارات إلى إيران ولبنان والعراق.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
المشرق العربي جندي إسرائيلي خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي) p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندي في جنوب لبنان، ما يرفع إلى أربعة حصيلة عسكرييه الذين قتلوا منذ سريان وقف إطلاق النار مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

وسّعت إسرائيل نطاق «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان عبر إنذارات إخلاء متلاحقة شملت ما يزيد على عشرين بلدة في صور والنبطية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)

إسرائيل تُوسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تُوسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

ردّت إسرائيل على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في الجنوب، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية من شأنها أن تفاقم الضغوط الداخلية على الدولة.

وتحدثت مصادر جنوبية لـ«الشرق الأوسط» عن نشوء «منطقة حمراء» موسعة، تحاذي «الخط الأصفر»، وتمتد إلى محيط النبطية على مساحة تتجاوز 35 كيلومتراً عرضاً، وتتعمق لنحو 25 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وتشمل عشرات القرى التي باتت عُرضة للقصف أو لإنذارات الإخلاء، ما أدى إلى موجات إضافية من النزوح.

وبينما يضغط الرئيس اللبناني جوزيف عون عبر مروحة اتصالات دبلوماسية، لإلزام إسرائيل اتفاق الهدنة الذي مدَّده الرئيس الأميركي دونالد ترمب ثلاثة أسابيع، مطالباً بإطلاق الأسرى والسماح للصليب الأحمر الدولي بزيارتهم، ومندداً باستهداف المدنيين والطواقم الطبية، صعّد «حزب الله» هجومه على عون، على خلفية المفاوضات المباشرة، وخلاف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي بات علنياً.

ورأى عضو كتلة الوفاء للمقاومة (حزب الله) النائب علي فياض، أن موقف رئيس الجمهورية «يدعو للقلق، لأنه يسوِّق المذكرة الأميركية، بدل التبرؤ منها»، مضيفاً أن «الأمر الأكثر خطورة، أنه يوافق عليها من دون تسجيل اعتراض على مبدأ حرية الحركة للإسرائيليين، رغم مطالبته بوقف إطلاق النار».


تجنيد حوثي تحت غطاء مراكز ترفيهية


«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
TT

تجنيد حوثي تحت غطاء مراكز ترفيهية


«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

انطلقت منذ يومين الدورة الصيفية التابعة للحوثيين في اليمن، بنشر كتب ذات طباعة فاخرة وأنشطة تبدو ترفيهية وتعليمية لكنها تعمل غطاء للتجنيد والتدريب على السلاح.

وإذ تزايدت هذه المراكز مع سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، شكّل العام الحالي 2026 انعطافة لها، إذ ترسخت سلطتها عبر المؤسسات الرسمية وأصبحت شبه إلزامية، فربطت بعض المدارس تسليم نتائج الامتحانات والتسجيل للعام المقبل بشهادة مشاركة في المراكز الصيفية.

وتستقطب النشاطات تلاميذ بعمر الخامسة في مخيمات نهارية يعودون بعدها إلى منازلهم، وتعمل معسكرات طلاب المراحل الإعدادية والثانوية على عزل اليافعين عن عائلاتهم لفترات طويلة وتوزيعهم عبر معسكرات تدريب.

ولا تستثني هذه النشاطات الفتيات، إذ هناك مراكز مخصصة تتولى إدارتها «الهيئة النسائية الثقافية العامة».


السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.