في غزة... الأمهات الفلسطينيات يخاطرن لجلب الغذاء للأطفال الخائفين عليهن

تزداد معاناة الأمهات الفلسطينيات في قطاع غزة وسط شح الطعام، مع رغبتهن في توفير الأمان لأطفالهن وسط الحرب التي تشنها إسرائيل؛ رداً على هجوم حركة «حماس» في أكتوبر

نازحون فلسطينيون يتجمّعون لتلقي المساعدات من نقطة توزيع مساعدات في «ممر نتساريم» وسط قطاع غزة 30 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يتجمّعون لتلقي المساعدات من نقطة توزيع مساعدات في «ممر نتساريم» وسط قطاع غزة 30 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

في غزة... الأمهات الفلسطينيات يخاطرن لجلب الغذاء للأطفال الخائفين عليهن

نازحون فلسطينيون يتجمّعون لتلقي المساعدات من نقطة توزيع مساعدات في «ممر نتساريم» وسط قطاع غزة 30 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يتجمّعون لتلقي المساعدات من نقطة توزيع مساعدات في «ممر نتساريم» وسط قطاع غزة 30 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

تزداد معاناة الأمهات الفلسطينيات في قطاع غزة وسط شح الطعام، مع رغبتهن في توفير الأمان لأطفالهن وسط الحرب التي تشنها إسرائيل؛ رداً على هجوم حركة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ورصدت شبكة «سي إن إن» الأميركية معاناة الأمهات؛ فهن يعشن في خيام محاطة بحشد كبير من الرجال، ويخضن مسيرة طويلة وخطيرة إلى النقطة التي يُتوقع أن تمر منها شاحنات المساعدات إلى غزة.

يحمل فلسطينيون مساعدات إنسانية تلقوها في معبر رفح أثناء سيرهم بمنطقة المواصي بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

واستعرضت قصص حياة مجموعة من الأمهات المعيلات الوحيدات لأطفالهن، حيث يلتحقن ببعضهن بعضاً طلباً للحماية، مثل سيدة تدعى أم خضر، وقالت إنهن قد يتعرضن للنيران الإسرائيلية، وبمجرد وصول شاحنات المساعدات، وسيضطررن إلى شق طريقهن بصعوبة بين آلاف الرجال إذا ما أردن الحصول على كيس دقيق والاحتفاظ به.

وتقول أم خضر، وهي أم لثلاثة أطفال: «كل شيء حولنا يُهدد حياتنا، سواء لصوص، أو جنود إسرائيليون، أو صواريخ، أو طائرات مُسيّرة. كل شيء».

وتروي صديقتها ولاء ما حدث في اليوم السابق، عندما تمكنت من الحصول على كيس دقيق بعد انتظار دام عشر ساعات من الفجر حتى الغسق، وتقول: «ثم قال شاب يحمل سكيناً: (ألقي الدقيق وإلا قتلتك) وسلمته إياه».

وذكرت الشبكة أن أقدامهن تؤلمهن، يضطررن إلى أخذ قسط من الراحة بشكل متكرر خلال رحلة المشي، التي قد تستغرق ساعتين إلى المكان الذي قد تمر منه شاحنات المساعدات.

ولفتن إلى أن صديقتهن مريم أنجبت قبل ثلاثة أسابيع فقط، لكنها تقوم بالرحلة نفسها كل يوم منذ الأسبوع الماضي، على أمل تأمين الطعام لأطفالها الثلاثة الأكبر سناً، والأمل ضئيل في الحصول على حليب صناعي لإطعام مولودها الجديد، فقد انتهت تلك الليلة بخيبة أمل لم تمر أي شاحنات مساعدات، وعادت جميعهن خاليات الوفاض.

برنامج الأغذية العالمي يرحّب بإعلان هدن إنسانية في قطاع غزة للسماح بدخول المساعدات (أ.ف.ب)

خيار مريع

أدت قلة المساعدات المسموح بدخولها إلى غزة، وانهيار القانون والنظام، وتفكيك أنظمة الإيصال التي تقودها الأمم المتحدة، إلى مستويات جديدة من اليأس، وفقاً لمنظمات الإغاثة، ويكافح الأشد ضراوةً للبقاء على قيد الحياة، بينما يُترك الأكثر ضعفاً بلا شيء.

وعلى مدار أسابيع عدة في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز)، قالت الشبكة إنها تابعت مجموعة من النساء الفلسطينيات يواجهن خياراً مُريعاً بين المخاطرة بحياتهن؛ ما قد يحرم عائلاتهن من معيلهن الوحيد المتبقي، أو مشاهدة أطفالهن يتضورون جوعاً.

وقالت أم العبد: «يقول لي أطفالي: لا تذهبي يا أمي، لا تذهبي إلى مراكز الإغاثة، لا نريدكِ أن تموتي يا أمي. من سيعتني بنا إذا حدث لكِ مكروه؟». قُتل زوجها في غارة جوية إسرائيلية، وهي الآن ترعى أسرتها بمفردها، كما قالت.

ولم يكن قِدر الحساء الذي استطاعت تأمينه من مطبخ خيري مكتظّ كافياً لإطعام أطفالها الثمانية الجائعين؛ لذا، ومثل الكثير من الفلسطينيين في غزة، جرّبت أم العبد حظها في نهاية المطاف مع شاحنات المساعدات، حيث قطعت الرحلة ليلاً بينما كان أطفالها نائمين.

ومثل معظم النساء على ذلك الطريق، عادت خالية الوفاض، كما قالت.

نازحون يتزاحمون لاقتناص أجولة طحين من شاحنة مساعدات بشمال قطاع غزة يوم الأحد (إ.ب.أ)

وقالت الشبكة إن التهديد الذي يواجه أطفالهن حقيقي؛ فقد وصلت مستويات استهلاك الغذاء إلى حدود المجاعة في معظم أنحاء قطاع غزة، وكذلك معدلات سوء التغذية الحاد في مدينة غزة، حيث تعيش النساء، وفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، توفي 63 شخصاً بسبب الجوع في شهر يوليو وحده، من بينهم 25 طفلاً، جميعهم دون سن الخامسة، باستثناء طفل واحد.

وذكرت وكالة الأمم المتحدة، يوم الأحد، أن أكثر من 11500 طفل التمسوا العلاج من سوء التغذية في مستشفيات وعيادات غزة، التي بالكاد تعمل خلال شهري يونيو ويوليو، وأضافت أن واحداً من كل خمسة منهم تقريباً يعاني سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو الشكل الأكثر تهديداً للحياة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن الأزمة تُلحق ضرراً بالغاً بالنساء الحوامل والمرضعات، حيث أظهرت بيانات حديثة أن أكثر من 40 في المائة منهن يعانين سوء تغذية حاداً.

وأعلنت إسرائيل، نهاية الأسبوع، أنها ستوقف القتال في مناطق معينة وستنشئ ممرات لإيصال المساعدات الإنسانية على الأرض، لكن كميات قليلة جداً من الطعام تصل إلى غزة لتلبية احتياجات 2.2 مليون نسمة، الذين دخلوا في أزمة وصفتها المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا الأسبوع الماضي بأنها «من صنع الإنسان ويمكن تجنبها».

وفرضت إسرائيل حصاراً لمدة 11 أسبوعاً على جميع المساعدات إلى القطاع بدءاً من مارس، وأعادت أخيراً توزيعها في أواخر مايو من خلال مؤسسة غزة الإنسانية المثيرة للجدل والمدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وبدلاً من 400 نقطة توزيع مساعدات أدارتها الأمم المتحدة سابقاً، لا يمكن للفلسطينيين الحصول على الطعام إلا من خلال أربعة مواقع تابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، أو في مطابخ الحساء المكتظة، أو عن طريق إيقاف شاحنات المساعدات والسيطرة عليها أثناء مرورها في القطاع.

وتُباع أكياس الدقيق المنهوبة في السوق بأسعار باهظة، لا تُطاق بالنسبة لهؤلاء النساء وأطفالهن.

الصداقة واليأس

وبعد محاولات فاشلة عدة في يونيو للحصول على الطعام من شاحنات الإغاثة، تلقت أم خضر تبرعاً من شخص غريب متعاطف في الطريق. تقاسمت كيس الدقيق مع جارتها أم بلال، التي كانت تُكافح لإطعام أطفالها الخمسة.

وبلغت صداقتهما ورفقتهما ذروتها في خضمّ معاناةٍ عارمة، صراخ أطفالهم الجائعين غالباً ما يكون لا يُطاق، وقالت أم بلال إن ابنتها الصغرى تشدّ شعرها أحياناً وهي تصرخ من الألم.

وقالت كلتا المرأتين إنها غالباً ما تقضي أياماً دون طعام حتى يحصل أطفالها على كل قطرة من الحساء الذي يحصلون عليه، ومع ذلك ينام الأطفال دائماً جائعين.

وعلى مدار الأسابيع، ازداد يأسهما. فقررتا تجربة حظهما في مواقع توزيع المساعدات الإنسانية العالمية، حيث وقعت غالبية عمليات القتل المرتبطة بالمساعدات، والبالغ عددها 1100 عملية، منذ مايو، وفقاً للأمم المتحدة ووزارة الصحة الفلسطينية.

وتعترف إسرائيل بإطلاق طلقات تحذيرية، لكنها تنفي مسؤوليتها عن العدد الكبير من القتلى، بينما تنفي منظمة الصحة العالمية الاتهامات، قائلةً إن الإحصائيات مبالَغ فيها.

فلسطينيون يتجمعون حول شاحنة مساعدات بشمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتذكر أم خضر، بينما كانت تتحدث مع المرأتين يوم الجمعة: «نقاط المساعدة الأميركية هي مناطق موت. وصلت إلى إحداها وقضيت الليل هناك. أطلق قناص النار فوق رأسي. أخطأتني الرصاصة بسنتيمترات قليلة»، لم تعد منذ ذلك الحين.

وتذيب أم بلال الملح في الماء لتُطعم أطفالها بين وجباتهم المتقطعة. هذه ليست المرة الأولى التي تختبر فيها الجوع خلال الحرب التي أعقبت هجمات «حماس»، وقالت: «كنا نأكل علف الحيوانات. قبل عام، كانت أجسادنا قادرة على تحمّله، لكن الآن، مجاعة فوق مجاعة، أجسادنا لم تعد قادرة على تحمّله». الآن، أصبحت ضعيفة جداً لدرجة أنها لا تستطيع القيام بتلك الرحلات الطويلة.

ولكن أم بلال لم تستسلم، لقد صادفت دبابات، وتفادت إطلاق النار، وأغمي عليها من ضربات الشمس والإرهاق أثناء محاولتها الحصول على الطعام من شاحنات الأمم المتحدة المتحركة، أو من مواقع مؤسسة غزة الإنسانية، لكن جهودها اليائسة لإطعام أطفالها غالباً ما تذهب سدًى.

وقالت ابنتها داليا، البالغة من العمر عشر سنوات: «أمي ليست كالشباب، تذهب وتعود خاوية الوفاض. تسألني ماذا سنأكل على الغداء أو العشاء، فأقول لها: لا بأس، لا تبكي يا أمي».


مقالات ذات صلة

إسرائيل: نزع سلاح «حماس» خلال شهرين... وإلا فالحرب

شؤون إقليمية مقاتلون من حركة «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

إسرائيل: نزع سلاح «حماس» خلال شهرين... وإلا فالحرب

إسرائيل تعطي الجميع مهلة شهرين من أجل نزع سلاح «حماس» وإلا قامت بذلك بنفسها بعمل عسكري.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي قادة أميركا ومصر وقطر وتركيا خلال التوقيع على وثيقة «وقف الحرب» في غزة أثناء قمة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ) play-circle

ترمب يدعو السيسي وإردوغان للانضمام إلى مجلس السلام بغزة

كشفت القاهرة وأنقرة السبت، عن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنظيريه المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان للانضمام إلى «مجلس السلام»  الخاص بغزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا توني بلير (رويترز) play-circle

بعد تعيينه في «مجلس السلام» لغزة... بلير: إنجاز استثنائي والتنفيذ يحتاج التزاماً كبيراً

أعرب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير عن شكره للرئيس الأميركي دونالد ترمب على قيادته في تأسيس مجلس السلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ نازحون فلسطينيون في خيام بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) play-circle

ترمب يرأس «مجلس السلام» لغزة ويعيّن روبيو وبلير وويتكوف وكوشنر أعضاءً

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، عضوين مؤسسين في «مجلس السلام» الخاص بغزة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
TT

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل. وكشف لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات التي يتولاها نائب رئيس الحكومة طارق متري بالتنسيق مع وزير العدل عادل نصّار قطعت شوطاً للتوصل مع دمشق إلى تفاهم يفتح الباب أمام التوافق على مشروع يتعلق بالاتفاقية القضائية، في هذا الخصوص، فور إقرارها في مجلس الوزراء للمباشرة بالإفراج عنهم على دفعات.

وأكد المصدر الوزاري أن متري كان تسلّم من الجانب السوري ملاحظاته على مسودّة أولى تتعلق بالاتفاقية القضائية التي أعدها الجانب اللبناني، وقال إن الوزير نصّار تولى بالتعاون مع عدد من القضاة النظر فيها، ولفت إلى أنه أعاد صياغة مشروع الاتفاقية آخذاً بعدد من الملاحظات التي تسلّمها من الفريق السوري المكلف بملف المحكومين، والموقوفين السوريين.

صيغة معدلة للاتفاقية

وكشف أن الصيغة المعدّلة التي أعدها الجانب اللبناني أُودعت، أول من أمس، لنظيره السوري، وقوبلت بإيجابية بوصفها خطوة تمهّد لإغلاق هذا الملف. وقال إن التوجه اللبناني يقضي بالإفراج في مرحلة أولى عن 300 محكوم سوري بالسجن لأكثر من 10 سنوات، على أن يكون هؤلاء أمضوا 10 سنوات سجنية، وأن يمضوا ما تبقى من عقوبتهم في السجون السورية، ويُترك القرار في هذا الخصوص للسلطات المختصة في سوريا للإفراج عنهم، أو سجنهم لتمضية السنوات المتبقية من الأحكام الصادرة بحقهم.

وأكد المصدر الوزاري أن معظم المشمولين بالإفراج عنهم ينتمون إلى «جبهة النصرة»، ما يسهم في تحقيق انفراج على طريق فتح صفحة جديدة باعتبارها مقدمة لتطوير وتعزيز العلاقات بين البلدين، بخلاف ما كانت عليه إبان الفترة التي أمضاها بشار الأسد رئيساً للجمهورية، قبل أن يلجأ إلى روسيا ومعه عدد من كبار الضباط الملاحقين سوريّاً ودولياً على خلفية ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية شملت آلاف السوريين، عدا الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً.

تعاون عون وسلام مع الشرع

ورأى أن إطلاق الدفعة الأولى من المحكومين ينم عن رغبة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، والحكومة نواف سلام في التعاون إلى أقصى الحدود مع الرئيس أحمد الشرع، وصولاً لإيجاد الحلول للمشكلات العالقة بين البلدين على قاعدة تمتين العلاقات على أساس الاحترام المتبادل لخصوصية كل منهما. وقال إن متري يتولى مواكبة ملف العلاقات الثنائية، بدءاً بإيجاد حلول لقضية المحكومين.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وكشف المصدر أنه تم الإفراج حتى الساعة عن نحو 110 موقوفين سوريين. وقال إن الجانب اللبناني أوعز لنظيره السوري بأن يتقدم بطلبات إخلاء سبيل لما تبقى منهم في السجون للنظر فيها من قبل السلطات القضائية، خصوصاً أن أكثريتهم كانوا أحيلوا إلى محكمة الجنايات التي لم تنظر في التهم المنسوبة إليهم. وأكد أن وضع ملف المحكومين السوريين على نار حامية سيؤدي إلى تخفيف الاكتظاظ الذي تشكو منه السجون، والنظارات في قصور العدل، ومخافر قوى الأمن الداخلي.

عنصر في الأمن السوري يتحدث إلى راكبي دراجة نارية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

ولفت مصدر أمني بارز إلى أن بعض وسائل الإعلام كانت تحدثت عن وجود تجمّع لضباط سوريين من فلول النظام السابق في بعض البلدات العكارية وطرابلس، لكن تبين من خلال حملات الدهم، والمسح الأمني لهذه المناطق، إضافة إلى البقاعين الشمالي، والغربي، التي تولتها الأجهزة العسكرية، والأمنية، أنه لا صحة لكل ما تناقلته، وأن معظم الأسماء التي أوردتها يقيمون حالياً في روسيا.

وتوقف أمام اللقاء الذي كان عُقد أخيراً في طرابلس وحضره متري إلى جانب عدد من المرجعيات الروحية، والسياسية الشمالية، وقال إن جميعهم أكدوا عدم وجود فلول للنظام السوري السابق في شمال لبنان، وشددوا على تعاونهم مع الأجهزة الأمنية في حال تبين وجود تجمعات معادية للنظام في سوريا.

وكشف وجود عدد من الضباط من الرُّتب العادية المنتمين إلى الطائفة العلوية مع عائلاتهم. وقال إنه لم يسجل حتى الساعة أي نشاط لهم، سواء كان عسكرياً أو أمنياً، واستغرب ما تردد سابقاً عن وجود معسكر يشرف عليه العميد سهيل حسن المقيم في روسيا، وهذا ما تبين أيضاً من خلال حملات الدهم التي شملت بلدات عكارية بالتوازي مع ضبط المعابر بين البلدين بإشراف الأمن العام اللبناني.

زيارات سورية إلى بيروت

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن مستشار الرئيس السوري خالد الأحمد يتردد إلى بيروت، ويلتقي في غالب الأحيان متري، كونهما يواكبان الاتصالات الخاصة بملف العلاقات بين البلدين، والنظر في الأمور الطارئة، إلى جانب بعض القضايا التي ما زالت عالقة، وهي بحاجة إلى حلول، خصوصاً أنها مزمنة، لامتناع النظام السوري السابق عن معالجتها.

وبحسب المعلومات، فإن الأحمد ومعه العميد عبد الرحمن الدباغ المكلف بمتابعة الملف الأمني مع الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية زارا مؤخراً بيروت، والتقيا عدداً من رجال الأعمال السوريين المقيمين في لبنان، وشجعوهم على العودة إلى سوريا لمزاولة أعمالهم منها في ضوء سياسة الانفتاح الاقتصادي التي يرعاها الرئيس الشرع.

كما أن الدبّاغ بتكليفه بملف العلاقات الأمنية بين البلدين زار منفرداً بيروت لأكثر من مرة، والتقى المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، ومدير المخابرات في الجيش العميد طوني قهوجي، وبحث معهما التعاون الأمني، والتنسيق بين البلدين، ولقي منهما كل تجاوب، لكنه لم يسلمهما لائحة بأسماء ضباط من فلول الأسد، واقتصر البحث على العموميات، مبدياً ارتياحه لتجاوب القوى العسكرية والأمنية اللبنانية بمنعها أي نشاط لضباط موالين للنظام السابق.

نائب رئيس الحكومة

حتى إنه لم يأتِ على ذكر اسم أي ضابط يطلب تسليمه، وكان حضر آخر مرة إلى بيروت أول من أمس في مهمة وُصفت بأنها أمنية، والتقى اللواء شقير، فيما يستغرب مصدر وزاري إصرار بعض الإعلام على تسليط الأضواء على وجود هذا الكم من الضباط الموالين للأسد، واصفاً ما تتناقله بأنه عارٍ عن الصحة، وهذا ما كشفه متري لـ«الشرق الأوسط» بقوله، في ضوء تواصله مع القيادات الأمنية، والعسكرية، إن لبنان بخلاف ما يتردد ويشاع، لم يتلقّ طلباً سورياً بتسليم ولو ضابطٍ واحد، مؤكداً أن الحكومة اتخذت كل التدابير لمنع استخدام لبنان منصة لتهديد أمن واستقرار سوريا، أو الإساءة للعلاقة بين البلدين، انطلاقاً من رغبتنا في فتح صفحة جديدة لتنقيتها من الشوائب التي يتحمل مسؤوليتها النظام السابق.


قاسم يتهم وزير الخارجية اللبناني بـ«التلاعب بالسلم الأهلي»

صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم
صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم
TT

قاسم يتهم وزير الخارجية اللبناني بـ«التلاعب بالسلم الأهلي»

صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم
صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم

اتهم الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، اليوم السبت، وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، بأنه «يتلاعب بالسلم الأهلي ويحرض على الفتنة»، وذلك بعد تصريحاته عن سلاح الحزب.

وقال قاسم في كلمة بُثت اليوم إن رجي يريد أخذ البلاد إلى حرب أهلية، وتأكيده أن أحد أسباب ضعف أداء الحكومة «عدم وجود وزير خارجية يعبر عن المطالب الوطنية».

وكان وزير الخارجية اللبناني قال الأسبوع الماضي إن سلاح «حزب الله»، «أصبح عبئاً على الطائفة الشيعية وعلى لبنان»، وأن هذا السلاح لا يستطيع حماية الشيعة ولا يحمي لبنان.

وزعم قاسم أنه لا يوجد وزير للخارجية، وقال إنه «عطل الدبلوماسية التي تدافع عن لبنان. هو يعمل خلافاً لسياسة الحكومة والعهد، يتلاعب بالسلم الأهلي... وتتحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية معالجة هذا الخلل إما بتغييره أو إسكاته أو إلزامه بالموقف اللبناني».


المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)
شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)
شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)

يزداد في الأيام الأخيرة التناقض بين ما يعلنه لبنان الرسمي من تمسك بتطبيق القرار «1701» الصادر عام 2006 والمُعدّل عام 2024، وما تسعى إليه القوى الدولية التي باتت تتحدث علناً عن وجوب نزع السلاح وحصر القوة بيد الدولة، لا تثبيت وقف إطلاق النار فقط، في مقاربة جديدة تضع الدولة اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الدقة.

فعلى وقع التصعيد الإسرائيلي واستمرار الغارات جنوب وشمال الليطاني، تسعى الدولة اللبنانية إلى إظهار التزامها الكامل ببنود القرار «1701»، مؤكدة في بياناتها الرسمية، أن الجيش اللبناني ينفّذ واجباته ضمن الخط الأزرق، ويعمل على تثبيت الهدوء بالتعاون مع «اليونيفيل».

وكرّر الرئيس جوزيف عون أن لبنان «متمسك بوقف إطلاق النار واحترام التزاماته الدولية»، في إشارة واضحة إلى الرغبة في الإبقاء على الإطار القائم منذ 2006.

غير أن المقاربة اللبنانية لم تعد تقنع العواصم الغربية، فالمواقف الأميركية والأوروبية الأخيرة «تُظهر بوضوح أن المجتمع الدولي ينتقل من مرحلة إدارة الاستقرار إلى مرحلة فرض التغيير»، مع ارتفاع وتيرة الحديث عن ضرورة توحيد السلاح تحت سلطة الدولة، لا سيما بعد التزام الجيش اللبناني بتطبيق خطته الميدانية في الجنوب.

جدول زمني دولي لنزع السلاح

ويقول النائب السابق فارس سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن المجتمع الدولي بات واضحاً في أنه وضع جدولاً زمنياً لتنفيذ قرار نزع كل السلاح غير الشرعي في لبنان، لا سيما سلاح «حزب الله،» وليس فقط السلاح المنتشر جنوب الليطاني وفق القرار «1701».

وأوضح أن «السلطات اللبنانية على علم بهذا الجدول، وإن لم يُعلن للرأي العام، وعليها أن تتعامل معه بجدية لأن التأخير سيعرض البلاد لمخاطر سياسية وأمنية كبرى».

ورأى سعيد أن «المرحلة الراهنة تُظهر انتقالاً في المقاربة الدولية من التركيز على تطبيق القرار (1701) الذي ينظم الوضع في الجنوب، إلى المطالبة الصريحة بنزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية كافة»، (أي الـ1559)، لافتاً إلى أن «هذا التحوّل يعبّر عن إرادة دولية حازمة بوضع حدٍّ نهائي لهيمنة السلاح على الحياة السياسية اللبنانية».

وأضاف أن «ما يجري في لبنان من تصعيد كلامي من قبل (حزب الله) لا يتناسب مع الواقع، فالحزب يرفع نبرته إعلامياً، لكنه غير قادر على خوض أي مواجهة عسكرية واسعة»، مشيراً إلى أن «داخل الحزب تيارين: أحدهما ينتظر المفاوضات الإيرانية-الأميركية للخلاص، وآخر يسعى إلى إيجاد طريقٍ عربي لتسوية تنقذه من مأزقه».

مجسم صاروخ ثبته «حزب الله» في قرية قلويه جنوب لبنان مذيل بعبارة «لن نترك السلاح» (إ.ب.أ)

وأوضح سعيد أن «تطبيق القرار (1701) تعثر طيلة السنوات الماضية بسبب سلاح الحزب وتوغله داخل النظام السياسي، وقد كرّس لنفسه شبكة أمان سياسية من خلال قانون الانتخاب وتحالفاته العابرة للطوائف».

وقال: «اليوم لم يعد أمام الدولة اللبنانية ترف الوقت. عليها أن تجلس إلى طاولة واحدة برعاية الأمم المتحدة لحلّ القضايا العالقة، وأن تبادر إلى التفاوض وفق منطق الدولة لا منطق الحزب فنحن في سباق مع الوقت لأننا حال تجاوزنا هذا العام، ولم نجد مخارج سياسية للسلاح، فالاعتقاد بأن كل لبنان سيتعرض لدخوله مجدداً في دائرة العنف».

«1701» فقد صلاحيته

وتجد الدولة اللبنانية نفسها مضطرة إلى الدفاع عن سياسة الشرعية الدولية، في حين أن أبرز القوى الفاعلة داخلها، أي «حزب الله»، لا يعترف عملياً بحدود القرار «1701» كما تفسره دول القرار.

ويقول أستاذ القانون، الدكتور علي مراد، لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان «يعيش واقعاً بالغ الصعوبة في ضوء موازين القوى التي أفرزتها الحرب واتفاق وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تجاوزت معادلة الخطوة بخطوة التي حاولت الحكومة اللبنانية تثبيتها بعد قرارها الأخير بحصر السلاح بيد الدولة».

وأوضح مراد أن موازين القوى انقلبت اليوم أكثر من أي وقت مضى لصالح إسرائيل، ولا سيما بعد سقوط النظام السوري وعجز «حزب الله» عن الرد، عادّاً أن على الجميع، وفي مقدمتهم الحزب، أن «يتعاطوا مع الواقع بموضوعية، لأنّ القرار (1701)، كما فُسِّر في عام 2006، لم يعد قابلاً للتطبيق اليوم، بعدما تبدّلت الظروف التي أُقرّ فيها».

وأضاف أن «الوضع الراهن أصعب بكثير، خصوصاً أنّ (حزب الله) لم يبادر في حينه بتسليم سلاحه وفق مندرجات القرار، ما جعل أي تطبيق لاحق أكثر تعقيداً». ورأى أنّ «وقف إطلاق النار وفق التفسير الذي اعتمد بعد الحرب لم يعد ممكناً حالياً، بل أصبحت الأمور أكثر صعوبة وتعقيداً».

وشدد مراد على أن قبول الدولة اللبنانية بفكرة التفاوض غير المباشر يحملها مسؤولية الدفاع عن المصلحة الوطنية، من خلال «التعبير عن شروطها الواضحة في وقف العدوان، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار»، لافتاً إلى أن «هذه الأهداف لم يعد سلاح (حزب الله) قادراً على تحقيق أيٍّ منها».

ورأى أن «القرار (1701) بنسخته للعام 2006 لم يعد قائماً، ونسخته الحالية من وقف إطلاق النار تجاوزها الواقع»، داعياً الدولة اللبنانية و«حزب الله» إلى التعامل مع موازين القوى كما هي، «لا بالإنكار أو الهروب إلى الأمام كما يفعل الحزب اليوم».