على غرار ما يحدث بالضفة... قوات إسرائيل الخاصة تكثف نشاطها في غزة

خطفت مسؤولاً بوزارة الصحة وقتلت مصوراً صحافياً

أفراد من الجيش الإسرائيلي بعد تفجير منازل في قباطية قرب جنين بالضفة الغربية في 17 يوليو 2025 (رويترز)
أفراد من الجيش الإسرائيلي بعد تفجير منازل في قباطية قرب جنين بالضفة الغربية في 17 يوليو 2025 (رويترز)
TT

على غرار ما يحدث بالضفة... قوات إسرائيل الخاصة تكثف نشاطها في غزة

أفراد من الجيش الإسرائيلي بعد تفجير منازل في قباطية قرب جنين بالضفة الغربية في 17 يوليو 2025 (رويترز)
أفراد من الجيش الإسرائيلي بعد تفجير منازل في قباطية قرب جنين بالضفة الغربية في 17 يوليو 2025 (رويترز)

في التاسع عشر من مايو (أيار) الماضي، نجحت قوة مستعربين إسرائيلية، أو ما تسمى بالقوات الخاصة، في اغتيال أحمد سرحان القيادي بـ«ألوية الناصر صلاح الدين»، الجناح العسكري لـ«لجان المقاومة»، في عملية خاطفة نفذتها في خان يونس، واختطفت فيها زوجته وطفلهما، قبل أن تفرج عن الطفل، فيما أبقت على الزوجة بمكان مجهول.

كانت هذه أول عملية «علنية» لقوة مستعربين تنفذ مهام مماثلة لتلك التي تجريها في الضفة الغربية ضد نشطاء فلسطينيين.

لكن غزة شهدت من قبل عمليات من قوات مماثلة، كانت تتبعها تعزيزات عسكرية كما يحدث في الضفة أيضاً؛ وهو ما حصل في عمليات لاستعادة مختطفين من داخل القطاع، ومن ذلك ما حدث في النصيرات في يونيو (حزيران) 2024، وفي رفح في فبراير (شباط) من ذلك العام.

فلسطينيون وسط الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة احتجاج، الجمعة الماضي، على مصادرة أرضهم في قرية رابا قرب جنين (رويترز)

أما العملية التي استهدفت القيادي في «ألوية الناصر صلاح الدين» فكانت من دون تعزيزات عسكرية، سوى تدخل طائرات مروحية ومُسيرة في تأمين انسحاب القوة بعد اكتشافها.

وتقول مصادر ميدانية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية الخاصة كثفت في الأشهر الماضية نشاطها داخل قطاع غزة، ولعبت دوراً في تحديد أماكن معينة ومراقبتها، ورصد من يتحرك ويتنقل منها وإليها.

تسلل وخطف وقتل

وقبيل ظهر الاثنين، تسللت قوة إسرائيلية خاصة، على بُعد بضع مئات من الأمتار من مكان انتشار آليات عسكرية، إلى محيط المستشفى الميداني التابع للصليب الأحمر في منطقة فش فرش شمال غرب مدينة رفح، وأطلقت النار على مجموعة من الأشخاص.

وتبين لاحقاً أن هذه القوة اختطفت مدير المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة بغزة مروان الهمص، وقتلت المصور الصحافي تامر الزعانين الذي كان يعمل مع شخص آخر، أصيب بجروح خطيرة، على تصوير فيلم وثائقي عن عمل المستشفيات لصالح وكالات دولية، فيما أصيب إداري يعمل مع الهمص في وزارة الصحة.

مروان الهمص (رويترز)

وانسحبت القوة التي نفذت العملية باتجاه مكان وجود القوات الإسرائيلية في منطقة العلم غرب رفح، بعدما اختطفت الهمص، دون معرفة ما إذا كان أصيب، أو أنه اختطف من دون إطلاق النار عليه.

وتضاربت الأنباء عما إذا كان جميع أفراد القوة من المستعربين الإسرائيليين الذين بالعادة يتقنون الحديث بالعربية، أم أنهم عناصر من المجموعات المسلحة التابعة لياسر أبو شباب الذي تردد اسمه كثيراً بالقطاع في الأشهر القليلة الماضية، مع نشاط مجموعاته خاصةً في منطقة رفح التي تحتلها إسرائيل بشكل كامل.

مركبات عسكرية بأحد شوارع قباطية قرب جنين بالضفة الغربية في 17 يوليو 2025 (رويترز)

وحسب شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، كانت القوة التي نفذت العملية تستقل مركبة جيب مدني تحمل لوحة تسجيل فلسطينية، وأطلقت النار تجاه تجمع أشخاص (قبل أن تُعرف هويتهم)، واختطفت من بينهم شخصاً تبيَّن لاحقاً أنه الهمص.

«سابقة خطيرة»

والهمص مسؤول في وزارة صحة غزة التابعة لحكومة «حماس»، ومسؤول المستشفيات الميدانية فيها والناطق باسمها، وهو وصف وظيفي جديد ظهر خلال الحرب بفعل انتشار تلك المستشفيات، بينما كان سابقاً مسؤول مستشفى «أبو يوسف النجار»، وقد قُصف بيته في وقت سابق.

وأدانت وزارة الصحة بغزة اختطاف الهمص، معتبرةً الواقعة «سابقة خطيرة تمثل استهدافاً مباشراً لصوت المرضى والجوعى والمعذبين في قطاع غزة».

وقالت الوزارة في بيان: «إن هذا العمل الجبان الذي استهدف أحد أبرز الأصوات الإنسانية والطبية التي نقلت للعالم أوجاع الأطفال الذين يموتون جوعاً، وآلام الجرحى الذين يُحرمون من الدواء، وصرخات الأمهات أمام بوابات المستشفيات، يعكس نية مبيتة لإسكات الحقيقة، وحجب معاناة شعب بأكمله يعيش أبشع كارثة صحية وإنسانية».

واعتبرت الوزارة هذا الاعتداء «انتهاكاً خطيراً لحرية التعبير والعمل الإنساني»، وحمَّلت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامة الهمص، وطالبت بالإفراج الفوري عنه دون قيد أو شرط.

فلسطيني وسط سيارات أحرقها مستوطنون بقرية برقة شرق رام الله يوم 15 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

والأسباب الحقيقية وراء اختطافه غير معروفة، إلا أن مصادر ميدانية قدرت أنه يأتي في إطار استهداف الطواقم الطبية ومحاولة خطف واعتقال مسؤولي المستشفيات، كما جرى مع مدير مستشفى «الشفاء» محمد أبو سلمية، ومدير مستشفى «كمال عدوان» حسام أبو صفية، لمحاولة معرفة مصير مختطفين إسرائيليين قد يكونون عولجوا في مستشفيات القطاع بعد إصابتهم في أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أو بعدها في عمليات قصف إسرائيلية بالقرب منهم.

تجسس وتتبع ومراقبة

تأتي هذه الحادثة بعد نحو عشرة أيام على قتل مسلحين مواطناً فلسطينياً يُدعى هيثم شمالي بمسدسات «كاتم صوت» في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة.

وكان شمالي مهندس إلكترونيات واتصالات، ولم يتم التأكد من هوية قاتله. وأكدت بعض المصادر أنه كان ناشطاً في حركة «حماس»، ويجري حالياً التحقيق في ملابسات مقتله.

وكانت إسرائيل قد عملت في الأسابيع القليلة الماضية على اغتيال بعض المهندسين النشطين في «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، ولكنها اغتالتهم عبر طائرات انتحارية استهدفتهم في عدة عمليات منفصلة.

مظاهرة في شوارع رام الله بالضفة الغربية يوم الاثنين تضامناً مع قطاع غزة (أ.ف.ب)

واستخدمت إسرائيل قوةً خاصةً في مجمع الشفاء الطبي في مارس (آذار) 2024، حين هاجمت ضابطاً كبيراً في حكومة «حماس» وقتلته آنذاك، وهو فائق المبحوح مدير عمليات جهاز الأمن الداخلي.

وقالت المصادر الميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية الخاصة عملت بمساعدة متخابرين على محاولة مراقبة منازل ومبانٍ لمحاولة معرفة المترددين عليها.

وأضافت أنه أمكن ضبط هؤلاء المتخابرين الذين اعترفوا بذلك، واتُخذت بحقهم إجراءات «ميدانية» بعد التحقيق معهم.

وقالت المصادر إن تلك القوات زرعت كاميرات وأجهزة تنصت، بهدف التجسس وتتبع تحركات النشطاء والمواطنين وبعض الأماكن، من ضمنها مستشفيات، وإنه أمكن كشف الكثير من تلك الأجهزة مؤخراً.

وذكرت المصادر أن هناك متابعة حثيثة من قِبل أمن «كتائب القسام» وجهاز استخباراتها لأنشطة القوات الخاصة بالقطاع، وأنه صدرت تعليمات حازمة لنشطاء الفصائل بالانتباه واليقظة وحمل أسلحتهم الخفيفة وقنابل يدوية لمواجهة أي خطر من تلك القوات.


مقالات ذات صلة

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

المشرق العربي الرئيس عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية الفلسطينية في رام الله السبت (الرئاسة الفلسطينية)

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

الفلسطينيون ينتخبون في أول انتخابات منذ الحرب وتكتسب أهميتها في أنها شملت جزئياً قطاع غزة وتستجيب لمطالب إصلاح وتؤسس لنظام سياسي جديد.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز) p-circle

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفاد مسؤولون فلسطينيون بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، فيما قتل جنود بالرصاص فتى في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة - نابلس)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.