السوداني لـ«الشرق الأوسط»: رغبة إيرانية جادة باتفاق مع أميركا

قال إن حكومته «احتوت انفعالات» الفصائل خلال الحرب... وأكد أن العلاقات مع السعودية «في أفضل حالاتها»

TT

السوداني لـ«الشرق الأوسط»: رغبة إيرانية جادة باتفاق مع أميركا

السوداني متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»
السوداني متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»

في الشهور الماضية، اجتاز العراق استحقاقين صعبين. لم ينزلق إلى نار الحرب الإسرائيلية - الإيرانية وتبعات الضربات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية. وكان قاوم قبل شهور إغراء التدخل لإنقاذ نظام بشار الأسد في سوريا.

بعد عبور الاستحقاقين، يتطلع العراق إلى استحقاق ثالث هو الانتخابات المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) التي ستقرر شكل البرلمان واسم رئيس الوزراء. حملنا هذه الأسئلة وغيرها إلى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني:

* هل لديك انطباع أننا أمام توازنات جديدة في المنطقة بعد ما حصل في غزة ولبنان وسوريا وإيران؟

- بالتأكيد. بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) وما تلاها من عدوان على لبنان، والتغييرات التي حصلت في سوريا، ومن ثم العدوان على إيران، تبرز هذه التكهنات حول مستقبل المنطقة في ظل هذه التطورات التي لا تزال مستمرة. لا يزال العدوان مستمراً على غزة وعلى لبنان، وما زال الحديث عن ترتيبات الوضع في غزة، وأيضاً التوغل الإسرائيلي في سوريا. كذلك نحن نتحدث عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، وبالتالي لسنا أمام مسار سياسي ثابت لشكل المنطقة وتوازناتها وعلاقاتها.

هذه التطورات تدفع بهذا الطرح والتساؤل المهم الذي يستوجب رؤية واضحة: ماذا نريد لهذه المنطقة الحساسة على كل المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية، والتي شهدت لأول مرة حرباً كادت تتوسع لتكون حرباً شاملة في كل المنطقة لا تقتصر على اعتداءات بين إيران وإسرائيل؟

العراق جزء من الجغرافيا السياسية لهذه المنطقة. وفي الوقت الذي يضع مصلحة العراق والعراقيين كأولوية في هذه التطورات، هو أيضاً جزء فاعل في المنطقة ولا يقف متفرجاً، بل يسعى بعلاقاته ومصالحه مع دول المنطقة إلى بلورة موقف يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار، وخصوصاً أننا ضد الحروب التي اكتوينا بنارها طيلة عقود ماضية.

* ماذا فعلت حين انطلقت الغارات الإسرائيلية على إيران؟

- الكل كان يتوقع أنه سيكون هناك تصعيد وحرب قادمة وضربات متبادلة. كانت قراءة كل دول المنطقة، والعراق جزء من المنطقة. بعد بدء العدوان الإسرائيلي على إيران، والذي شهد خرقاً للأجواء العراقية، فإن هذا الحدث المهم يورط العراق في هذه الحرب وفي الاعتداء على دولة جارة، وهو ضد دستورنا وثوابتنا السياسية في عدم السماح لأي جهة أو دولة أن تستخدم الأجواء أو الأراضي العراقية كمنطلق للاعتداء على الآخرين.

كان أمامنا أن نثبت موقفنا الرافض على المستوى الدبلوماسي الدولي، فقدمنا شكوى لمجلس الأمن الدولي، وقمنا باتصالات لدعم هذا الموقف من الخرق، وأيضاً استنكار العدوان على دولة جارة بداعي أنها حرب وقائية أو خطوة وقائية في حين أنه عدوان واضح على دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة.

والجزء الأهم كان كيف نحافظ على الأمن الداخلي والموقف السياسي والموقف الوطني تجاه هذه الأزمة. وهذا ما نجحنا فيه ولله الحمد، ببلورة موقف وطني واحد رافض للعدوان ولانتهاك السيادة والأجواء العراقية، ويدعم مواقف الحكومة في الحفاظ على مصالح العراق والعراقيين، والنأي بالعراق عن الانزلاق في هذه الحرب. هذا كان موقفاً مهماً على المستوى الداخلي.

خرق الأجواء العراقية

* هل ساعدتكم الولايات المتحدة في هذا السياق؟

- الولايات المتحدة كانت حريصة على أن يكون العراق بعيداً عن هذا الصراع؛ لذلك كان لدينا تواصل مستمر، خصوصاً في مسألة خرق الأجواء وضرورة أن يكون هناك دور للولايات المتحدة؛ لأنها جزء من التحالف الدولي مع العراق لمواجهة الإرهاب، وطيلة عشر سنوات كان يفترض أن يكون هناك دعم لمنظومة الدفاع الجوي لكي نحافظ على أجوائنا بعيداً عن خرق أي جهة.

* ماذا طلبت إيران من العراق خلال الحرب؟

- لم يكن هناك أي طلب، إنما كان العراق هو المبادر بتوضيح الموقف وخطورته ونقل الرسائل بين مختلف الأطراف لإيقاف هذه الحرب والعودة إلى المفاوضات. كان عندنا تواصل مستمر مع الرئاسة ومع كل القنوات في إيران. كانت عملية مستمرة. كان هناك مسار مفاوضات كانت من المؤمل أن تكون يوم الأحد، فحصل العدوان صباح الجمعة.

رئيس الوزراء العراقي خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

كان توجه العراق الدفع للعودة إلى المفاوضات وإيقاف الحرب. كانت وجهة النظر الإيرانية أنه كيف نذهب إلى التفاوض والعدوان مستمر. كان حديثنا واتصالاتنا مع دول المنطقة والولايات المتحدة حول هذه الجزئية؛ أن هناك استعداداً للجلوس على طاولة التفاوض بشرط إيقاف العدوان. هذا كان الموقف الإيجابي لإيران في تلك الساعات في بداية العدوان.

احتواء «انفعالات» الفصائل

* هل كانت عملية إدارة العلاقات مع الفصائل العراقية المتحالفة مع إيران صعبة في الداخل؟

- بالتأكيد، كانت تحتاج إلى جهد. تفضلت بإشارة مهمة أنه طيلة العامين الماضيين مرت المنطقة بأحداث ساخنة للمرة الأولى في تاريخها. والعراق مستقر ولله الحمد، بعدما كانت - قبل وقت قريب في عهد الحكومة السابقة - المنطقة مستقرة والعراق ملتهباً في أحداث داخلية واعتداءات.

نحن أمام واقع ومسار ومنهج عمل ساهم في احتواء كل الانفعالات وبرمجتها باتجاه مواقف سياسية متزنة بعيداً عن الانفعالات. لم نسمح لهذه الانفعالات أن تتطور إلى أفعال تؤثر على الدولة وأمنها واستقرارها. هذا كان عبر جهد سياسي وأمني أيضاً للحفاظ على هذا الموقف.

* هل لديك شعور بأنك طبقت شعار «العراق أولاً»؟

- بكل ثقة نعم. لم يكن شعاراً رفعناه في البداية، وإنما كان منهجاً وعقيدة نؤمن بها أن العراق أولاً، وكرامة العراق والعراقيين هي أولويتنا في سياستنا الداخلية والخارجية.

* هل لديكم خشية من جولة جديدة بين إسرائيل وإيران؟

- نعم؛ لأن الكل يعلم أن نتنياهو لم يلتزم بأي هدنة لا في غزة ولا في لبنان. ومن الطبيعي أنه ممكن أن يقدم على المزيد من العدوان على إيران. سياسته ومنهجيته واستراتيجيته إبقاء المنطقة في حالة من الحرب حتى يحافظ على وضعه السياسي.

* هل خشيتم من أن يرتبك النظام في إيران وتطول الحرب، واتخذتم إجراءات للتعايش مع نزاع طويل أو مع اضطراب إيراني؟

- إيران دولة مهمة في المنطقة. ومن يسعى من خلال حرب الـ12 يوماً إلى إسقاط النظام، فبالتأكيد ارتدادات هذا الأمر ستشمل كل المنطقة. ومن الطبيعي أن يكون هناك قلق على استقرار المنطقة واستقرار أي دولة مجاورة. لا يمكن أن ترى حريقاً في دولة مجاورة وتتفرج عليه، ولا تتوقع أن تصل إليك النار. هذه منهجيتنا مع الكل، سواء كان مع إيران أو مع باقي دول الجوار.

ما نؤمن به في هذه المرحلة هو أن ندفع باتجاه الاستقرار والأمن والسلام والتفاهم، فكان مصدر قلقنا أن هذه التداعيات تؤثر على استقرار المنطقة. لكن على المستوى الداخلي كنا على ثقة بقدراتنا بفهم ووعي القوى السياسية والشعب العراقي لأهمية أن نحافظ على الأمن الداخلي وعلى النظام السياسي مستقراً وسط هذه الأحداث والتطورات.

* ماذا استنتج الجيش العراقي من هذه الحرب؟

- هذا الآن محل بحث ودراسة. لا أعتقد فقط من الجيش العراقي، وإنما كل جيوش المنطقة. نحن أمام لون جديد من هذه الحروب تستخدم فيه التكنولوجيا الحديثة، وبالتالي علينا أن نكون بمستوى هذا التطور وهذه التقنيات حتى نتمكن من الحفاظ على أمن واستقرار بلدنا.

* من دمّر الرادارات العراقية بعد انتهاء الحرب الإيرانية - الإسرائيلية؟ وهل هناك تحقيق ونتائج؟

- تحقيق من قبل لجنة فنية مختصة، وأتابع هذا التحقيق باستمرار. هذا اعتداء واضح استُخدمت فيه طائرات مسيّرة. وتعرف أنه ليس من السهولة كشف هذه الطائرات. اليوم هي تقنية تستخدم في الاعتداءات وفي إثارة الوضع الأمني. لكن بالتأكيد لن يمر هذا الأمر مرور الكرام.

استُهدفت قواعد في الناصرية وأصيبت بأضرار طفيفة. لكن حصل ضرر في منظومة الرادار في التاجي، وباقي المواقع تصدت الدفاعات الجوية وأسقطت هذه الطائرات. سنصل إلى النتيجة، وسيحاسب المنفذ أياً من كان.

* هل انطلقت المسيّرات من داخل الأراضي العراقية؟

- لا يزال التحقيق جارياً، حتى أننا استعنَّا بالتحالف الدولي؛ لأن هذه قضايا فنية دقيقة جداً لتحديد منطقة الانطلاق والمسافة التي انطلقت منها. هذه كلها تفاصيل حتى تصل إلى تحديد المتورط في هذا الاعتداء.

فرص الاتفاق الأميركي - الإيراني

* الرئيس ترمب يحب نظرية «الصفقة»، فهل لنا أن نتخيل صفقة أميركية - إيرانية في المرحلة المقبلة؟

- متوقع. الرئيس الأميركي صاحب مبادرة في احتواء الحرب الأخيرة. والعراق أيّد هذا التوجه، وكانت هذه المبادرة سبباً في تحقيق هذه الهدنة وإيقاف هذه الحرب المدمرة. ونأمل أن يستمر هذا الدور، خصوصاً من خلال المفاوضات الثنائية حول الملف النووي، لينتج هذه الصفقة أو الاتفاق الذي يؤسس لاستقرار منطقة حيوية مثل منطقة الشرق الأوسط.

* هل استنتجت من كلامك مع المسؤولين الإيرانيين أن هناك رغبة إيرانية حقيقية في التوصل إلى اتفاق مع أميركا؟

- نعم، انطباعنا من خلال سلسلة الاتصالات واللقاءات أن هناك رغبة جادة من الدولة في إيران للوصول إلى اتفاق يضمن مصالحها، وأيضاً مخاوف المجتمع الدولي؛ لأنه لا يوجد قرار في إيران على المستوى الديني والرسمي بامتلاك السلاح النووي الذي هو هاجس دول العالم. إذن الطريق سهل للوصول إلى تفاهم ينهي هذا الملف الذي كان أساس هذا التوتر والتصعيد في المنطقة.

العلاقات مع سوريا الجديدة

* لماذا لا تبدو العلاقات طبيعية تماماً حتى الآن مع سوريا؟

- بالعكس، أنا أجدها طبيعية وفي مسارها الصحيح. منذ اليوم الأول كان موقف العراق واضحاً في احترام خيارات الشعب السوري وما حصل من تغيير. يمكن بعد فترة وجيزة التواصل الرسمي، وأرسلنا وفداً وبدأت الاتصالات والزيارات المتبادلة ولقاء الدوحة، ولا يزال التواصل حتى اليوم مستمراً تجاه مختلف الأحداث، وبيّنَّا مخاوفنا.

* مخاوفكم من ماذا؟

- مخاوفنا هي عبارة عن نصائح؛ لأن تجربة سوريا شبيهة بتجربة العراق بعد 2003. هذا التنوع الموجود في سوريا هو نفس التنوع الموجود في العراق... فأولاً أن تكون هناك عملية سياسية شاملة تستوعب الجميع وتضمن حقوقهم والحفاظ على متبنياتهم ومعتقداتهم. كذلك أن يكون هناك موقف واضح ضد التطرف والإرهاب والعنف، وأن يكون هناك موقف واضح أيضاً من «داعش» الذي يمثل خطراً، ليس فقط على سوريا، وإنما على كل دول المنطقة. كذلك أن نرى سوريا موحدة، وألا يُسمح بأي تدخل أجنبي أو وجود على الأرض السورية؛ لأن سوريا قوية موحدة هي قوة للعراق ولدول المنطقة. هذه كلها تصب في صالح الشعب السوري.

أيضاً استعدادنا للتعاون الاقتصادي. ما بين العراق وسوريا جغرافيا وتاريخ ممكن أن نؤسس عليهما لمزيد من التعاون وتطوير العلاقة الثنائية. بدأنا بدراسة إحياء أنبوب النفط العراقي - السوري لنصل إلى البحر الأبيض المتوسط في بانياس.

أبدينا استعدادنا للمساهمة في إعمار سوريا أيضاً من خلال مؤتمر. اليوم العراق يترأس القمة العربية والقمة العربية التنموية، وبالتالي فهو معنيّ بكل قضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها سوريا. طرحنا مبادرة أُقرّت في «إعلان بغداد» لإقامة مؤتمر حوار وطني لكل المكونات في سوريا.

بالتالي العلاقة تسير في هذا الاتجاه، فضلاً عن التنسيق الأمني المتواصل، ولجنة التنسيق كان لها يوم الأربعاء الماضي اجتماع بين القيادات الأمنية العراقية والسورية لتأمين الحدود.

* هل أنتم مرتاحون للتعاون السوري في التنسيق الأمني؟

- نعم. في هذا المستوى هناك ارتياح لدى الجانبين إزاء مستوى تبادل المعلومات والتنسيق الأمني بما يكفي لأمن العراق وسوريا، خصوصاً مع وجود نشاط ملحوظ لـ«داعش»، الذي نشط مؤخراً واستولى على عدد كبير من أسلحة الجيش السوري، وهو يسعى إلى القيام بنشاطات كان آخرها العملية الإرهابية في إحدى كنائس دمشق؛ لذلك لدينا مصلحة مشتركة للمزيد من التنسيق الأمني.

* هل أثرتم مع الجانب السوري أيضاً موضوع المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في إسقاط نظام بشار الأسد؟

- كانت من ضمن الملاحظات مسألة تجنيس الأجانب، وأعتقد هذه قضية تحتاج إلى مراجعة، وفيها تحفظ من الداخل السوري قبل أن يكون من الخارج. هذه الجوانب أوضحناها بكل صراحة وشفافية حرصاً على استقرار سوريا؛ لأننا مررنا بتجارب بعد 2003 كنا على درجة من الحرص على أن تتجنب الإدارة الجديدة الأخطاء التي وقعنا فيها.

رئيس الوزراء العراقي خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

* هل كنت تفضّل لو أن سوريا لا تزال تحت سلطة بشار الأسد؟

- هذا ليس رأيي أنا، وإنما رأي الشعب السوري. هو من يقرر ما هو النظام المناسب للدولة السورية.

* هل يمكن أن نرى الرئيس أحمد الشرع قريباً في بغداد، أو نراكم في دمشق؟

- هذه تخضع للظروف.

خطأ الأسد

* متى عرفت أن نظام بشار الأسد انهار؟

- سوريا تعرضت إلى سنوات من المعاناة والاضطراب وعدم الاستقرار. بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من عدوان على لبنان، قراءتنا كانت أن المنطقة ستشهد حالة من الفوضى والارتباك والخلل الأمني. الخاصرة الرخوة كانت سوريا بحكم أن مساحات لم تكن تحت سلطة النظام في حينه، فكان تحركنا ضمن تواصلنا الإقليمي أنه كيف نحافظ على استقرار سوريا منعاً لانهيار الوضع الأمني واستغلاله من قبل عصابات «داعش» الإرهابية، وهذا الخطر الحقيقي.

هذا كان أحد هواجس دول المنطقة، وخصوصاً العراق وتركيا. لذلك بدأنا بمبادرة للتقريب بين تركيا وسوريا من أجل حلحلة بعض الملفات التي تساهم وتدعم الاستقرار. هذا كان في وقت مبكر، واستمرت هذه المحاولات، وكانت هناك رغبة جادة وواضحة من تركيا، وأيضاً قبول حذر من سوريا. محاولات عدة لكن للأسف لم تثمر عن خطوة إيجابية.

* هل أخطأ الأسد بعدم اللقاء مع إردوغان؟

- بتقديري نعم. وهذه ليست محاولة فقط من العراق. حسب ما سمعت من قادة دول المنطقة الأشقاء فإنهم كلهم حاولوا في هذا الاتجاه لتحقيق لقاء ونوع من التهدئة على مستوى المناطق الحدودية التي كانت مضطربة. كان هذا بتقديرنا خطأ. كان يُفترض أن يساهم (اللقاء) في التهدئة وخلق أجواء مصالحة مع كل الجهات الموجودة في الداخل السوري بدلاً من حالة الاضطراب والمواجهة التي لم تخدم أي طرف.

* هل تبين أن المفاتيح لحل الأزمات في المنطقة هي بيد الولايات المتحدة التي كان يقال إنها ترغب في الابتعاد عن الشرق الأوسط للتفرغ للخطر الصيني؟

- تبقى الولايات المتحدة دولة مهمة في علاقاتها مع دول المنطقة، لكن بالتأكيد الدور الأكبر هو لدول المنطقة التي تحدد مصالحها ومسار العلاقات فيما بينها. لا يمكن أن تكون هناك وصفة جاهزة لدول المنطقة لكي تحقق الاستقرار والسلام المستدام. أهل المنطقة أولى بأن يكون بينهم حوار قائم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، وأن يكون الحوار والتفاهم هو الأسلوب بدلاً من السعي للدخول في حرب أو إقصاء يهدد الآخر. لا يمكن أن تكون لغة الحرب هي الكفيلة بتحقيق هذا الاستقرار.

* أريد أن أسأل عن علاقات العراق بدول الإقليم، كيف تصفون علاقتكم بتركيا؟

- علاقة قائمة على فهم ووعي بأهميتها، على المستوى الجغرافي والتاريخي والمصالح المشتركة والفرص أمامنا كبلدين جارين مسلمين في منطقة مهمة. بدأنا بالتأسيس لانطلاقة حقيقية لهذه العلاقة من خلال ملفات عدة؛ أمنية، واقتصادية، وأيضاً ملفات ذات اهتمام مشترك، خصوصاً ما يتعلق بالمياه.

في هذه الحكومة أستطيع أن أقول إننا أسسنا لشراكة استراتيجية مهمة مع تركيا، خصوصاً بعدما أطلقنا مشروع «طريق التنمية» الذي يمثل واحداً من أهم الممرات الاقتصادية في المنطقة، وسيعود بالنفع والفائدة على البلدين، ويؤسس لمحور اقتصادي مهم في المنطقة.

حتى على مستوى التعاطي مع مختلف القضايا، كانت المواقف متطابقة في أغلب الأحيان تجاه هذه التطورات. على مستوى المياه، ذهبنا إلى حل استراتيجي للمرة الأولى في تاريخ الدولة العراقية، وهو اتفاقية الإطار الثنائي للتعاون بشأن إدارة ملف المياه، وعُقد ذلك في بغداد أثناء زيارة الرئيس إردوغان. هذه كلها مؤشرات إيجابية لعلاقة طيبة بين البلدين.

الشراكة مع إيران «لا تعني التدخل»

* تحدثتم عن علاقة قوية مع تركيا، هل يمكن أن تصف في سطرين العلاقة مع إيران؟

- علاقتنا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية علاقة شراكة استراتيجية قائمة على مشتركات دينية وثقافية واجتماعية ومصالح متبادلة، وكذلك لإيران وقفة مع العراق والعراقيين في مختلف المحطات، سواء في مرحلة النظام الديكتاتوري أو في مرحلة مواجهة الإرهاب والعملية السياسية. لكن بالتأكيد نحن حريصون على أن تكون هذه العلاقة ضمن إطارها السليم الذي يخدم المصالح المشتركة ويمنع التدخل بالشؤون الداخلية. العراق له استقلاليته وقراره الوطني الذي ينطلق من مصلحة شعبه وأولوياته.

* يعني لا إدارة إيرانية للشأن العراقي؟

- بالتأكيد لا.

* ولا لأي جزء منه؟

- ولا لأي جزء. حتى هذا اللفظ غير مقبول وغير موجود بالقاموس.* لكن من حقي أن أسأل...- طبعاً. حقك. اليوم العلاقة الإيجابية لا تعني التدخل. العراقيون على درجة كبيرة من الحساسية في مسألة استقلاليتهم وحبهم لبلدهم واستقلالية قرارهم الوطني. العراق لم ولن يكون تابعاً لأحد. هذا هو تاريخ العراق.

«لن نقبل بغير حصر السلاح»

* هل تساعدكم إيران في موضوع «حصرية السلاح»؟

- هذا الموضوع موضوع عراقي بحت، وهو جزء من برنامجنا كحكومة، وصوَّت عليه مجلس النواب ووضعنا له خطة. السلاح الذي نتحدث عنه... نحن خضنا حرباً مع الإرهاب طيلة عقدين من الزمن. كانت حرباً بكل ما تعني هذه الكلمة. والحرب مع الإرهاب والعصابات الإرهابية من «القاعدة» و«داعش» ليست حرباً مع جيش نظامي، وإنما كانت تستهدف المواطنين في كل بلد وقرية ومدينة، فهذه الظروف غير المستقرة أدت إلى وجود سلاح ليحمي المواطن في هذه المنطقة أو تلك وصولاً إلى مرحلة مواجهة «داعش».

بعد الانتصار لا بد من إعادة ترتيب أوراق الملف الأمني والإصلاح المؤسساتي الذي تبنيناه من خلال لجنة برئاستنا، ووضعنا حلولاً لكل هذه النقاط الحساسة التي تتعلق بوجود سلاح خارج نطاق مؤسسات الدولة. وهناك خطة واضحة والكل يعلم بها، وهي تنفذ وفق مرسوم.

الشيء الذي نؤكد عليه أننا لن نقبل بوجود أي سلاح خارج نطاق مؤسسات الدولة. هذا واحد من الأركان المهمة والأساسية لبناء الدولة العراقية، وهو رأي ومبدأ مدعوم من كل القوى الدينية. والمرجعية كلامها واضح، ليس فقط البيان الأخير، وإنما كانت طيلة السنوات سابقاً تؤكد هذا المبدأ. هذا الهدف مدعوم من القيادات الدينية ومن القيادات السياسية، وأيضاً مدعوم من أبناء شعبنا. هذا ليس شعاراً، وإنما هدف وضعنا له خطة، وتنفذ وفق ما هو مرسوم لها من قبل الحكومة.

* هل يمكن القول إن حصر السلاح شرط لا بد منه لضمان الاستقرار وجذب الاستثمار؟

- الاستثمار موجود الآن في أفضل حالاته. لأول مرة في خلال عامين تجاوزت الاستثمارات 100 مليار دولار. كنت تحدثت قبل شهر عن 88 مليار دولار. قبل أيام تم تحديث الرقم من قبل رئيس هيئة الاستثمار الوطنية، وأبلغني أننا تجاوزنا 100 مليار دولار خلال عامين، استثمارات عربية وأجنبية موجودة الآن تعمل في العراق. إذن عملية جذب الاستثمارات تمضي في أفق البيئة الموجودة الآمنة المستقرة، بحيث يدخل هذا الرقم الكبير للعراق في ظروف المنطقة غير المستقرة. العراق مستقر متماسك، وأيضاً يطرح فرصاً استثمارية ويستقبل الشركات العربية والأجنبية.

«تسلمنا مطلوبين بالفساد واستعدنا أموالاً»

* الحديث عن الاستثمار يثير رغبتي في السؤال عن الفساد، فهل تستطيع أن تجزم بأن الفساد اليوم أقل، أو أقل بكثير منذ توليك الحكومة؟

- بكل ثقة نعم. نحن كحكومة أوقفنا الانهيار الذي حصل في استباحة المال العام. تتذكر «سرقة القرن»، أكثر من 3 تريليونات و700 مليار دينار، حصل ذلك في زمن الحكومة السابقة. هذه الكتلة النقدية سُرقت أمام مرأى ومسمع من الدولة العراقية بأجهزتها الأمنية، وبغطاء رسمي للأسف حصلت هذه السرقة.

* لكن ألم تكشفها الحكومة السابقة؟

- طيلة 8 أشهر كانت تُسرق الأموال أمام مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية. لكن عندما يختلف السارقون فيما بينهم في توزيع الحصص، يثير أحدهم هذه الأزمة، وعندها لا تتم السيطرة على الأمور. هذا ما حصل في التحقيق الذي أثاره وزير المالية بالوكالة في حينه، وهو الآن أيضاً تحقيق مستمر وفيه شخصيات رسمية من قبل الحكومة السابقة مع موظفين آخرين وتجار مطلوبين.

أقول هذا واحد من الأمثلة الصارخة للفساد الذي حصل. اليوم أوقفنا هذا الانهيار. أوقفنا استباحة المال العام بهذه الطريقة، لكن بالتأكيد لا يزال أمامنا الطريق طويلاً حتى نقضي على الفساد بشكل نهائي.

ما حققناه كحكومة أولاً إصلاح المؤسسات الرقابية المعنية بمكافحة الفساد؛ لأننا وجدنا جزءاً مهماً من هذه المؤسسات يحتاج لإصلاح، فكانت هذه الخطوة الأولى. بالتغييرات التي أجريناها والمحاسبة التي أُجريت بحق مسؤولين في هيئة النزاهة وفي ديوان الرقابة تم إصلاح هذه المؤسسات.

وبدأنا بطرح مفهوم جديد، وهو استعادة المطلوبين والمتورطين بقضايا الفساد، ومن ضمنهم (متهمو) «سرقة القرن» وغيرها، والذين يحمل أغلبهم جنسية ثانية توفر لهم الغطاء. فكانت علاقاتنا مع كل دول العالم تعتمد على تعاونها معنا في تسليم المطلوبين، وهذا كان معياراً أساسياً.

* هل تسلمتم مطلوبين؟

- نعم. نسبة كبيرة. ونسبة كبيرة من المطلوبين بدأوا هم يراجعون؛ لأنهم عرفوا أن هناك ملاحقة، وأعادوا الأموال. تقريباً أكثر من 500 مليون دولار تمت استعادتها. وأيضاً بدأنا بإجراءات قانونية. العراق عضو في الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، وهذا يرتب واجباً ومسؤولية على كل دول العالم أن تتعاون معنا في استرداد المطلوبين والأموال.

هذه القضايا مهمة لمكافحة الفساد، علماً أن الفساد تحدٍّ لكل دول العالم. هو مؤشر لدى الأمم المتحدة كواحد من التحديات التي تواجه دول العالم، وليس فقط العراق. لكن ما أستطيع قوله إننا بدأنا بإجراءات حقيقية، ومستمرون حتى نقضي على هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد كل مشاريعنا وبرامجنا في التنمية والاستثمار والإعمار.

* هل تضغط الفصائل المسلحة على القضاء؟ هل يخاف القاضي؟

- لا بالتأكيد. القضاء يحظى باستقلالية أولاً، وباحترام ثانياً، وبدعم من مؤسسات الدولة في عدم خضوعه، أو السماح لأي طرف أو جهة بأن تهدد القضاء. وهو أثبت في أكثر من محطة استقلاليته وشجاعته في اتخاذ القرارات المهمة التي تضمن سير العدالة وتنفيذ القانون.

العلاقات مع السعودية «في أفضل حالاتها»

* كيف تصفون العلاقات مع المملكة العربية السعودية؟

- أستطيع القول إنها في أفضل حالاتها من حيث تطابق الرؤى تجاه مختلف القضايا التي عصفت بالمنطقة، وكان طيلة هذه الفترة هناك تنسيق عالي المستوى ومستمر بشأن مختلف التطورات.

على المستوى الثنائي والتعاون، اليوم هناك مشاريع ربط كهربائي مع شركات سعودية وشركات أميركية. وهناك مشاريع قريبة تتعلق بفتح منافذ إضافية لتسهيل مرور المعتمرين والحجاج من وسط آسيا مروراً بإيران والعراق، ومن ثم إلى المملكة العربية السعودية. وأيضاً هناك تعاون واضح على مستوى المؤسسات والصناديق بين البلدين لتسهيل دخول الاستثمارات السعودية وتمكينها من استثمار الفرص المتوفرة في مختلف المجالات في داخل العراق.

* يعني هل هناك تشاور مع القيادة؟

- تواصل وتشاور وتنسيق تجاه مختلف القضايا. كانت لدينا زيارات، فضلاً عن التواصل المستمر.

* كيف تصفون العلاقات مع لبنان حالياً؟

- علاقة متميزة وتواصل مستمر وحرص على استقرار لبنان، خصوصاً في هذه التداعيات. طبعاً موقفنا دعم سيادة لبنان ودعم مؤسسات الدولة وهي تواجه العدوان المستمر والخرق المتكرر من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

كانت هناك زيارة للرئيس اللبناني إلى بغداد، وتم التطرق فيها إلى مختلف الملفات السياسية والاقتصادية أيضاً، خصوصاً ما يتعلق بإحياء الأنبوب العراقي - السوري – اللبناني، وتشغيل المصفاة العراقية في طرابلس. كذلك أكدنا دعمنا للبنان وإعادة إعماره.

* هناك قواسم مشتركة مثل مطالبة الحكومتين بـ«حصرية السلاح».

- نعم. هذا بالتأكيد واحد من أهم الملفات. في لبنان مسألة السلاح لدولة مواجهة مع الكيان الإسرائيلي تخضع بالتأكيد لحسابات يقدرها الشعب اللبناني والقوى الفاعلة فيه.

الأزمة مع إقليم كردستان

* يقال إن بغداد تُتهم بمحاولة تجويع إقليم كردستان... ما هو ردك؟

- اتهام غير مسند بأي سبب أو سند قانوني أو دستوري. أبناء كردستان هم جزء من أبناء شعبنا. وهذه الحكومة بالتحديد كانت حريصة على الإيفاء بالتزاماتها الأخلاقية والدستورية، وأيضاً الاتفاق السياسي الذي تضمن حل المشاكل العالقة وضعنا حلولاً له. لكن نتحدث عن قانون الموازنة، ونتحدث عن قرار المحكمة الاتحادية، وهذه أسانيد قانونية ملزمة لا يمكن لرئيس الوزراء أن يتجاوزها.

رئيس الوزراء العراقي خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

ما حصل أنه منذ إقرار قانون الموازنة ومن ثم تعديل قانون الموازنة، لم تلتزم حكومة إقليم كردستان بتسليم كامل النفط المنتج في داخل الإقليم وفق ما نص عليه القانون وأيّدته المحكمة الاتحادية. وأيضاً لم تلتزم حكومة إقليم كردستان بتسليم الإيرادات غير النفطية إلى الخزينة العامة، وبالتالي هذا خرق للقانون ولقرار المحكمة الاتحادية. لذلك وزارة المالية لا تستطيع تمويل أي موازنة من دون أن تلتزم حكومة الإقليم. ونتيجة بحثنا عن حلول طيلة الفترة الماضية أدى ذلك إلى أننا نصرف أموالاً خارج الحصة المقررة بموجب قانون الموازنة بحكم صدور قانون المحكمة الاتحادية، وتباين في التفسيرات بين الالتزام بصرف الرواتب وبين الالتزام بالحصة المقررة في قانون الموازنة نسبة إلى الإنفاق الفعلي للموازنة العامة.

هذه قضايا قانونية فنية واضحة، وليست قراراً سياسياً، بدليل أن الحديث الآن يدور حول كمية النفط التي يتم تسليمها.

* هل يمكن القول إنه لا علاقة للأزمة برغبة أطراف سياسية ببغداد في ضرب فكرة الإقليم؟

- أبداً. الإقليم كيان دستوري تحترمه الدولة العراقية بكل مكوناتها وسلطاتها، ونحن حريصون على استقرار الإقليم، بدليل أننا من ساعد ودعم وساهم في إجراء انتخابات برلمان إقليم كردستان التي أُجريت قبل نحو ثمانية إلى تسعة أشهر. وللأسف حتى الآن لم تتمكن القوى السياسية في الإقليم من تشكيل حكومة. كانت الحكومة الاتحادية حريصة على دعم المفوضية وتخصيص موازنة. وأنا شخصياً بعد إجراء الانتخابات قمت بجولة لزيارة كل القوى السياسية الفائزة في الإقليم، وحثها على تشكيل حكومة جديدة للإقليم، وممارسة البرلمان سلطاته ومهامه ضمن نطاق الدستور.

كل القوى السياسية حريصة على استقرار الإقليم؛ لأنه جزء من استقرار العراق، ولا يوجد أي تدخل سياسي في هذه المسألة الأخيرة.

* هل هناك حلول قريبة لمسألة الرواتب؟

- في جلسة مجلس الوزراء يوم الثلاثاء الماضي تمت مناقشة الموضوع باستفاضة، وعُرضت الورقة التي قدمتها الوزارات الاتحادية والورقة التي قدمتها حكومة الإقليم، وشكّلنا لجنة برئاسة نائب رئيس الوزراء وزير التخطيط، وعضوية خمسة وزراء، حتى يتمكنوا من إيجاد صيغة توافقية بين الورقتين بما ينسجم مع الدستور والقانون وقرار المحكمة الاتحادية، ليقدموا توصياتهم إلى مجلس الوزراء بغية إقرارها بعد التأكد من وجود التزام رسمي من حكومة الإقليم بمضامين هذه الورقة.

* هل تراجعت علاقتك مع الرئيس مسعود بارزاني أم أن انطباعي خاطئ؟

- أكيد خاطئ... الرئيس مسعود بارزاني شخصية وطنية محترمة ونكن له كل الاحترام والتقدير. بنينا علاقة طيبة طيلة الفترة الماضية، ونؤمن بالشراكة معه في إدارة الموقف السياسي. وكما ذكرت الاختلاف أو التباين في الموقف الأخير قانوني فني وليس سياسياً. وهو يعلم جيداً أننا حريصون كل الحرص على مصالح أبناء شعبنا، سواء كان في إقليم كردستان أو باقي المحافظات. لكن بالتأكيد ليست لدينا الصلاحية المطلقة لأن نتجاوز الدستور والقانون. نحن مؤتمنون على المال العام لكل العراقيين، وواجبنا أن نحقق العدالة والمساوة من دون أي تمييز أو استثناء.

* لماذا لم يقَر قانون النفط والغاز؟

- كان من البرنامج الحكومي. بدأنا بتشكيل لجنة فنية بين وزارة النفط الاتحادية ووزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان، ولجنة سياسية. عقدنا اجتماعين أو ثلاثة وتوقف الإقليم عن إرسال وفد، رغم مطالبتنا بأن ننضج مسوّدة هذا المشروع؛ لأن هذه الفترة نعتقد أنها مناسبة، وهي جزء أساسي وجذري لحل مشكلة النفط وعقوده وصلاحيات الإقليم والمحافظات.

محاولة إقناع الصدر بخوض الانتخابات

* هل ستخوضون شخصياً الانتخابات المقررة في نوفمبر؟

- نعم بالتأكيد. لدينا مشروع وطني وتحالف انتخابي وسياسي واسع، وسنخوض الانتخابات في أغلب المحافظات بمشاركة وطنية وليست مشاركة طائفية.

* من هم حلفاؤك؟

- «تحالف العقد الوطني»، و«بلاد سومر»، وكذلك «حزب الجيل» أيضاً، و«تحالف حلول»، و«تحالف الوطنية» بزعامة إياد علاوي، مع شخصيات مستقلة وطنية من عموم المحافظات. تحالف واسع يضم كل الطيف العراقي، وهو مشروع لاستمرار هذا المنهج الذي أفرز ثقة لدى الشعب في الدولة ومؤسساتها باستعادة جزء من الثقة.

* هل حاولتم إقناع «التيار الصدري» بالدخول في العملية الانتخابية؟

- نعم، حاولنا. وأرسلنا بالفعل رسائل إلى قيادة «التيار الصدري» عبّرنا فيها عن قناعتنا العميقة بأهمية مشاركة التيار في الانتخابات البرلمانية المقبلة. فهو تيار شعبي كبير وفاعل سياسي أساسي في المشهد الوطني، ومن المهم أن يكون شريكاً في صياغة المرحلة المقبلة ومواجهة التحديات والخوض في استحقاقات المرحلة المقبلة.

كنا نأمل أن تسهم مشاركتهم في تعزيز التوازن والاستقرار السياسي، لكن يبدو أن لقيادة التيار رأياً آخر في هذه المرحلة، وهو أمر نحترمه، مع إبقاء أبواب الحوار والتفاهم مفتوحة دائماً.

* هل تتوقع الفوز بكتلة نيابية كبيرة؟ كم هي تقديراتكم؟

- بعيداً عن الأرقام والتقديرات، بالتأكيد هناك انطباع إيجابي عن حظوظ هذا التحالف في الانتخابات النيابية المقبلة. نحن نراهن على وعي المواطن ودقة خياراته في اختيار المسار الذي يؤمّن استمرار هذا المنهج في إدارة الدولة بالشكل الذي يضمن مصالح العراق والعراقيين.

* هل السلطة مغرية؟ هل يتعلق صاحب السلطة بالسلطة؟

- نعم. هذه آفة الحكم والسلطة. وتحتاج كماً ومقداراً من الإيمان والمبدئية حتى لا ينساق من يجلس على الكرسي لمغريات السلطة، وهذه من نعم الله سبحانه وتعالى علينا أن لدينا من الحصانة الكافية ألا ننساق إلى مغريات هذه السلطة الزائلة، ونحن ننظر لها بأنها شرف أن نكلف لخدمة شعبنا، وبالتالي ننظر إليها كمسؤولية بأن نستمر في تقديم الخدمة لشعب يستحق منا كل الجهد والعطاء بحكم ما قدم من تضحيات طيلة المرحلة الماضية.

* نجلس الآن في مكان كان يجلس فيه صدام حسين... هل تشعر أحياناً أو تتمنى لو كانت لديك صلاحياته المطلقة؟

- بالتأكيد لا. النظام السياسي بعد 2003 قائم على فلسفة حكم الشعب بنفسه من خلال النظام النيابي الذي نؤمن به. أحياناً تواجهك بعض المعرقلات الإدارية التنفيذية في توزيع الصلاحيات، لكن بشكل عام هذا مسار سياسي قائم على الشراكة، وقائم على التداول السلمي للسلطة، وأثبت العراق نجاحه وتمسك بهذا المنهج.

نتحدث عن انتخابات نيابية للدورة السادسة طيلة عقدين، رغم هذه الظروف والتداعيات الداخلية والخارجية. ونحن ندعم هذا التوجه. مستمرون في هذا المبدأ وهذا المسار الديمقراطي. حكم الفرد والديكتاتورية لا ينتج عدالة، ولا ينتج أمناً، ولا ينتج استقراراً، ولا ينتج تنمية، وشاهدنا كل النماذج الديكتاتورية أين وصلت.

الطرب العراقي والجواهري والوردي

* متى يبدأ نهارك؟

- في السابعة صباحاً، ونستمر إلى ساعة متأخرة في برنامج معد مسبقاً. يعني هناك عمل منظم يتوزع بين متابعة الملفات التي تأخذ الجانب الأكبر، إضافة إلى الجوانب التقليدية والاجتماعات واللقاءات.

* لو أتيح لك أن تستمع إلى أغنية، إلى من تستمع؟

- بشكل عام أميل إلى الطرب العراقي الأصيل، وكذلك الطرب العربي الكلاسيكي.

* لو أتيح لك أن تقرأ ديوان شعر، أي ديوان تقرأ؟

- الجواهري. أحرص على هذا الجانب، وأيضاً قراءة لمحات اجتماعية للدكتور علي الوردي في أجزائه، يعطيك قراءة لتاريخ العراق الحديث. عندنا مكتبة غنية، لكن بصراحة في فترة الوجود بالحكومة أخذت من عندنا...

* هل يخطر ببالك أحياناً أن تذهب وتتسوق، وأن تختار بنفسك رابطة عنقك؟

- والله هذه أمنية. أنا كنت موجوداً داخل المجتمع في كل سنوات حياتي.

* هل عندك هواية معينة تمارسها؟

- في الوقت الحاضر كل وقتي للعمل. لكن كانت سابقاً هوايتي رياضة كرة القدم.

لمشاهدة المقابلة الكاملة:


مقالات ذات صلة

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

المشرق العربي إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رسمت زيارة قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قآاني، لبغداد إيقاع القوى السياسية الشيعية لجهة كيفية التعامل مع ملف «حصر السلاح».

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستقبلاً مستشار الأمن القومي قاسم العبودي في أربيل يوم 15 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

بغداد وأربيل تعززان التنسيق بشأن الحدود ومكافحة التهريب

بحث مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم العبودي، مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، استمرار التنسيق بشأن أمن الحدود ومكافحة التهريب.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي جانب من المنطقة الخضراء المحصّنة في بغداد (رويترز)

تغييرات الزيدي الأمنية تطول قائد «المنطقة الخضراء»

استكمل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي سلسلة تغييرات في المناصب الأمنية والعسكرية العليا وصلت أخيراً إلى تعيين قائد جديد لأمن المنطقة الخضراء.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)

ملف الموقوفين السوريين في العراق إلى الواجهة من جديد بعد زيارة زيدان

بلغ العدد الكلي للسجناء السوريين المنقولين إلى العراق 3 آلاف و543 سجيناً.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

العراق يشدد على «مكافحة الفساد» ويوقف مسؤولاً بوزارة الكهرباء

ألقت قوة من هيئة النزاهة العراقية القبض على وكيل بوزارة الكهرباء للاشتباه في تورطه بمخالفات مالية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
TT

الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)

قبل عدة أسابيع، بينما الوضع السياسي متأزم والموقف غامض حول واقع «خطة السلام» في غزة، عاد الفلسطيني فادي أبو قطة، إلى القطاع بعد قضاء نحو عام ونصف العام في مصر للعلاج إثر إصابته خلال الحرب.

عبّر أبو قطة لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادته بالاجتماع مع ذويه، والعودة لأرضه حتى وهي على حالها مدمرة، قائلاً إنه لم يستطع البقاء بعيداً أكثر، فعاد قبل الوصول لمتبرع يتكفل بتركيب طرفين صناعيين له بدلاً من يديه المبتورتين: «كنت أتمنى أقدر أن أحتضن طفلتي لما قابلتها».

الشاب الثلاثيني مثله مثل آلاف الفلسطينيين في مصر، ينتظرون شهوراً من وقت تسجيل أسمائهم للعودة حتى حلول موعد سفرهم، بترقب لا يخففه التعنت الإسرائيلي سواء معهم على المعبر، أو في إتمام خطة السلام التي وصلت إلى حالة من الجمود.

ووصلت الدفعة الـ75 من الفلسطينيين العائدين لقطاع غزة إلى معبر رفح البري صباح الأحد، تمهيداً لعودتهم إلى القطاع، وهي العملية التي تستغرق «ساعات»، حسب مصدر مصري مطلع على سير الإجراءات في معبر رفح، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن العائدين يصلون إلى المعبر فجراً بصحبة مندوب من السفارة الفلسطينية في القاهرة، وينتظرون ساعات حتى يتم التنسيق بين الجانبين المصري والإسرائيلي.

ولفت المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه كونه غير مصرح له التحدث للإعلام، إلى أن «البعض لا يتمكنون من العبور من أول مرة، وتتم إعادتهم من قبل الإسرائيليين لحين الفوج المقبل، الذي قد يستغرق عدة أيام، فتستضيفهم عائلات مصرية في سيناء حتى لا يضطروا للعودة للقاهرة وقطع هذه المسافة مجدداً»، مضيفاً أن «الجانب الإسرائيلي ما زال يتعنت مع مرور المساعدات والفلسطينيين على حد سواء، سواء العائد من مصر للقطاع، أو الخارج من القطاع لتلقي العلاج في مصر».

وبلغ عدد العائدين إلى قطاع غزة في الدفعة الأخيرة، 90 شخصاً، مقابل استقبال 38 مريضاً و36 مرافقاً لهم، وفق موقع «الشروق» المصري.

شاحنة مساعدات من الهلال الأحمر المصري قبل مرورها للقطاع (الهلال الأحمر المصري)

ما زال أبو قطة، يتذكر تفاصيل رحلته الطويلة في يوليو (تموز) الماضي، من القاهرة لشمال سيناء، وانتظاره وقتاً طويلاً أمام المعبر، وقضاء ساعات طويلة والقلق يسيطر عليه، خوفاً من ألا يسمح له بالعبور.

ويرى الخبير الفلسطيني المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والأسير الفلسطيني المحرر، أسامة الأشقر، أن استمرار تدفق العائدين من مصر إلى قطاع غزة، رغم التعنت الإسرائيلي وأوضاع القطاع، أكبر دليل على أن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم، ومُصرون على العودة بغض النظر عن خطورة الأوضاع، أو احتمالية اتساع العمليات الإسرائيلية والخروقات في ظل تأزم حكومة نتنياهو.

وتواصل إسرائيل خروقاتها يومياً في قطاع غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، فيما عُرف بـ«خطة السلام»، أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي قامت على 15 بنداً، إذ قُتل أكثر من 1200 فلسطيني وأصيب المئات.

ويضيف الأشقر أن أعداد الفلسطينيين المُسجلين بياناتهم للعودة، أكثر من 25 ألف فلسطيني؛ وفق مصادره في السفارة.

وغادر أكثر من 100 ألف فلسطيني قطاع غزة إلى مصر خلال الحرب، من الجرحى ومرافقيهم، وفق تقديرات فلسطينية.

وتابع الأشقر أن «التعنت الإسرائيلي الحالي في تنفيذ بنود اتفاق وقف النار مرتبط بالانتخابات الداخلية، مع تراجع شعبية نتنياهو وحكومته وفق ما توضحه معظم استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي».

وتتضمن المرحلة الثانية انسحاب إسرائيل من القطاع، وسحب سلاح حركة «حماس»، وإدارة القطاع من قبل مجلس سلام تم إعلان تشكيله في وقت سابق.

استقبال دفعة جديدة من الفلسطينيين للعلاج في مصر (الهلال الأحمر المصري)

ويضيف الخبير الفلسطيني أن «جهود الوسطاء حالياً سواء في مصر أو قطر أو الولايات المتحدة تعمل على كبح جماح نتنياهو، والحيلولة دون انفجار الأوضاع».

ودخل اتفاق غزة مرحلة جديدة نهاية يوليو (تموز) الماضي، بعد الوصول لتفاهمات بين الوسطاء وحركة «حماس» وفصائل فلسطينية، بشأن ترتيبات تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الذي تعثر تنفيذه مع اندلاع «حرب إيران».

وأعلن ترمب الشهر الماضي إحراز تقدم فيما يتعلق بخطته لإنهاء حرب غزة التي وافقت عليها إسرائيل وحركة «حماس»، العام الماضي، وهي خطة تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح «حماس»، وتشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار مع قوة شرطة فلسطينية جديدة لتأمين القطاع.


قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
TT

قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)

ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات»، عاد (الأحد) نحو 1077 نازحاً من مخيمات منطقة الدانا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا إلى مناطقهم الأصلية في أرياف إدلب وحماة ودمشق. وفي الوقت نفسه، تنخرط الحكومة في دفع مسار عودة النازحين شمال شرقي البلاد إلى مناطقهم الأصلية، بموجب الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية»، بالتزامن مع احتفال أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء لأول مرة بعد عودتهم إلى قريتهم التي هُجِّروا منها قبل 14 عاماً.

قافلة العودة «217» إلى إدلب (الدفاع المدني السوري)

وضمت قافلة «إدلب 217»، للعودة الطوعية من مخيمات الشمال، 217 عائلة من 79 مخيماً في منطقة الدانا، وتوجهت إلى 30 موقعاً في ريف إدلب، وموقع واحد في ريف حماة، ومثله في ريف دمشق، وفق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية. وأشارت الوزارة إلى أن هذه القافلة تأتي ضمن الجهود المستمرة لدعم عودة الأهالي إلى مناطقهم وتعزيز الاستقرار في المجتمعات المحلية، في إطار رؤية «سوريا بلا مخيمات»، وتنفيذ المرسوم رقم «59» المتعلق بتأهيل المناطق المتضررة، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية.

وانطلقت القافلة، الأحد، تحت رعاية محافظة إدلب، وبالتعاون بين مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، ومنظمة «مزن»، و«المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، و«الهلال الأحمر العربي السوري»، ومديرية الطوارئ والكوارث.

ومنذ أكثر من شهر، تستمر حركة قوافل العودة الطوعية من مخيمات الشمال، وفق تصريح مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، أحلام الرشيد، لوكالة «سانا» الرسمية، لافتةً إلى أن معظم القوافل تتجه إلى ريف إدلب الجنوبي.

احتفالات أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء (سانا)

من جهة أخرى، احتفل أهالي قرية الغسانية التابعة لمنطقة خان شيخون بعيد رقاد السيدة العذراء في 15 أغسطس (آب) الحالي، للمرة الأولى بعد عودتهم رسمياً من النزوح القسري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. وكان أهالي القرية قد نزحوا منها بشكل جماعي مع اشتداد المعارك في منطقتهم بين عامي 2011 و2012، واتجهوا إلى محافظات اللاذقية وحلب ودمشق أو إلى خارج البلاد. ووفق مصادر إعلامية محلية، كان الاحتفال مميزاً، إذ جاء بعد أشهر من العودة والعمل على ترميم المنازل والأبنية المهدمة.

مخيم في إدلب عام 2023 (أرشيفية الأمم المتحدة)

ولا يزال التدمير وتضرر البنى التحتية للخدمات الأساسية، مثل شبكات المياه والكهرباء، دون عودة آلاف المهجرين إلى مناطقهم. ويقيم نحو مليون سوري في نحو 1150 مخيماً شمال سوريا، ضمن ظروف معيشية قاهرة، منها 801 مخيم في ريف إدلب، و349 في ريف حلب.

وأطلق الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مايو (أيار) الماضي خطة «سوريا بلا مخيمات» بوصفها استراتيجية شاملة تهدف إلى إنهاء كامل لملف النزوح الداخلي، وتفكيك كل مخيمات النازحين في البلاد، والوصول إلى حلول مستدامة بحلول عام 2027.

وتدعم الأمم المتحدة خطة «سوريا بلا مخيمات»، حسب تصريح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، برهم صالح، الذي تعهد خلال زيارته مخيمات الشمال في الحادي عشر من شهر أغسطس (آب) الحالي بالعمل وبالتعاون مع المنظمات الدولية الأخرى والدول المانحة على «استحصال الدعم المطلوب لتمكين سوريا من التعافي، والسوريين من تجاوز تحديات الماضي».

برهم صالح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (الأمم المتحدة)

ووفق أرقام «الأمم المتحدة»، عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى مناطقهم بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، علماً بأن إجمالي المهجرين قسرياً داخل وخارج سوريا خلال سنوات الحرب تجاوز 13.5 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من 50 في المائة من إجمالي عدد السكان.

وحسب تقارير حقوقية ودراسات دولية، شهدت سوريا خلال فترة الصراع مشروعات تغيير ديموغرافي ممنهجة، ولم تكن حركة النزوح واللجوء عارضاً جانبياً للمعارك، بل وظّفتها أطراف عدة لإعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية على أساس طائفي وقومي تنسجم مع واقع تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ تتبع لأطراف النزاع المحلية والإقليمية.

ولا تزال رغبة النازحين واللاجئين السوريين في العودة تواجه معوقات معقدة، وبالإضافة إلى الدمار تبرز قضايا نزاعات الملكية العقارية، في المناطق التي تم فيها الاستيلاء على الملكيات وفق قوانين استثنائية أو توطين نازحين من منطقة في منازل نظرائهم في منطقة أخرى.

وفيما تعمل الحكومة، بالتعاون مع منظمات وجهات دولية، على إزالة الركام وإعادة تأهيل البنى التحتية، تعمل هيئات حقوقية حالياً على إبطال مفاعيل قوانين استثنائية سابقة لتمكين العائدين من استعادة منازلهم وأراضيهم التي جرى الاستيلاء عليها أو إعادة تخصيصه. فهل تتمكن سوريا من اجتياز هذه العوائق المعقدة، وتطوي فعلياً صفحة ما خلفته مشروعات التغيير الديموغرافي.


لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
TT

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لم يكن قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني يوم الأربعاء، مجرد خطوة تشريعية لإطلاق آلاف السجناء أو إسقاط عقوبات، بل شكّل اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية من جهة، وعدم تحويل العفو إلى غطاء للإفلات من العقاب من جهة أخرى، خصوصاً بعد حالة الاعتراض التي أبدتها جهات سياسية ونيابية، وصفته بأنه «طائفي ومذهبي وغير متوازن».​

الاستثناءات... بين موقوفين ومحكومين

تكتسب الاستثناءات التي نص عليها القانون أهمية كبرى، لكونها ترسم حدّاً فاصلاً بين الجرائم التي لا تسمح الدولة بإسقاط الملاحقة أو العقوبة عن مرتكبيها، خصوصاً تجّار المخدرات وسارقي المال العام، وبين موقوفين ومحكومين طالهم الظلم وآن أوان إنصافهم، علماً بأن مراجع قانونية عليا لا تخفي «الالتباس الكبير بين جرائم شمل العفو العام مرتكبيها وسيعودون إلى الحريّة قريباً، وجرائم أخرى أدرجت في صلب الاستثناءات ومنع على الملاحقين بموجبها الاستفادة من هذا العفو».

وبقدر النتائج الإيجابية لشمول القانون جرائم استفاد منها مرتكبوها، وأسقط الدعوى العامة عنهم وحذف العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، ثمّة أهمية كبرى للجرائم التي استثناها العفو العام وأبقى محاكمتهم سارية المفعول، وأبرزها: الجرائم المحالة على المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد والقصدي، وجرائم الإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وجرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.

رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من النواب خلال الجلسة التشريعية (الشرق الأوسط)

جرائم المخدرات

يبرز في هذا السياق الاستثناء الأهم لجرائم المخدرات، لا سيما حالات التكرار، وهو استثناء يعكس تشدداً تشريعياً تجاه الجرائم التي ينظر إليها على أنها لا تمس فرداً أو مجموعة محددة فحسب، بل ترتبط بأمن المجتمع وصحة أفراده وبشبكات إجرامية عابرة للحدود، أدت في مرحلة من المراحل إلى وضع لبنان أمام عزلة عربية، وتسببت (الشبكات) في حظر الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية إلى دول الخليج العربي، التي استهدفتها بعدد كبير من شحنات «الكبتاغون».

هذا الاستثناء من أبرز النقاط التي أثارت تحفظات البعض، ومنهم نواب يمثلون منطقة بعلبك - الهرمل، بينهم عضو كتلة «التحرير والتنمية» النائب غازي زعيتر، الذي وصف القانون بـ«غير المتوازن والطائفي والمذهبي». وأبدى أسفه للاستثناءات التي تضمّنها، لأنها «غير عادلة ولا تنسجم مع الغاية الأساسية من إقرار قانون العفو»، داعياً للعودة إلى المادة 53 من الدستور.

واعتبر زعيتر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فلسفة العفو العام تقوم على أن يكون شاملاً، بحيث يطوي صفحة من الماضي، ويفتح صفحة جديدة أمام جميع اللبنانيين». وقال: «نحن راعينا كل الأطراف الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الموقوفين الإسلاميين، وحتى بالنسبة للقانون الذي قُدّم عام 2011 لمن ذهبوا إلى إسرائيل، ووافقنا على أن يكون العفو شاملاً»، منتقداً ما وصفه بـ«إهمال الدولة اللبنانية لأبناء البقاع، منذ أكثر من 100 عام، حين دفعتهم للذهاب إلى موارد أخرى للرزق، حتى اضطر بعضهم إلى زراعة المخدرات».

وتشكّل دعاوى المخدرات ما نسبته 40 في المائة تقريباً من الملفات القضائية، وتظهر الأرقام أن العدد الأكبر منهم من منطقة البقاع اللبناني. وأكد النائب زعيتر أن «90 في المائة من الملاحقين في قضايا المخدرات هم من أبناء بعلبك والهرمل، وجزء كبير من هذه الملاحقات يستند إلى البيانات الموجودة على هواتف الأشخاص الذين يتم توقيفهم»، موضحاً أنه «لمجرد ورود اسم شخص أو التواصل معه عبر الهاتف، يؤدي ذلك حتماً إلى إدراجه في ملف الملاحقة».

وأضاف: «بعض المطلوبين، خوفاً من توقيفهم، يتخلفون عن الحضور إلى التحقيق، ما يؤدي لاحقاً إلى صدور قرارات قضائية ومذكرات توقيف وأحكام غيابية بحقهم، وهذه الآلية أدت إلى ظلم كبير بآلاف الملاحقين في قضايا المخدرات، وللأسف النسبة الكبرى منهم تنتمي إلى الفئة الاجتماعية والجغرافية نفسها في منطقة بعلبك والهرمل».

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

في المقابل، حافظ القانون على استثناءات أخرى بالغة الحساسية؛ بينها الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة وأملاك البلديات والمشاعات، والجرائم المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع وتبديد الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفة قانون النقد والتسليف، إضافة إلى الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين. كما استثنى جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصر والتعذيب والإخفاء القسري.

«عدالة القانون»

هذه الاستثناءات تمنح القانون قدراً مهماً من العدالة، وفق تعبير مرجع قانوني، حيث رأى أنها «لا تجعل من العفو تسوية سياسية تمحو المسؤولية عن الجرائم الخطيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذا القانون رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أنه يخلو من الثغرات أو يحقق العدالة الكاملة»، معتبراً أن «العفو العام يقوم بطبيعته على معيار تشريعي عام، قد لا يأخذ دائماً في الحسبان الفروق الدقيقة بين ظروف كل موقوف أو محكوم»، لافتاً إلى أن «وجود أوجه شبه في جرائم مشمولة بالعفو وأخرى مستثناة منه، خصوصاً في جرائم القتل والإرهاب والجرائم التي تقع على المال العام، وهذا سيرهق المحاكم التي تنظر فيها، وتتطلب اجتهادات قضائية لتفسيرها».

استفادة فورية

ثمة أسماء بارزة تستفيد من قانون العفو سواء بشكل فوري، أو تباعاً، وأولهم الشيخ أحمد الأسير، الذي استفاد من تخفيض العقوبة، غير أن الإفراج عنه لن يكون قبل منتصف شهر مايو (أيار) 2028، ونعيم عباس، الموقوف منذ عام 2014 والصادر بحقه حكم بالمؤبد في عام 2021، بجرائم قتل وتفخيخ سيارات معدّة للتفجير، والشيخ لؤي الترك، الذي ارتبط اسمه بملف اعتراض شاحنات المازوت التي كان يخرجها «حزب الله» لنظام بشار الأسد عبر الحدود اللبنانية - السورية إبان فرض عقوبات «قيصر» الأميركية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاماً، وحسن أبو علفة المتهم بالاشتراك في تفجير السفارة الإيرانية والموقوف في شهر فبراير (شباط) 2014، ولم يصدر حكم بحقه حتى الآن.

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

أبرز الموقوفين غير المستفيدين

أما أبرز الموقوفين الذين لن يستفيدوا من قانون العفو، فهم: نوح زعيتر أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان، الذي جرى توقيفه إثر العملية الأمنية التي نفذها الجيش اللبناني في العام الماضي، باعتبار أن توقيفه الاحتياطي لم يتجاوز السقف المطلوب للإفراج (وهو 12 سنة سجنية من دون محاكمة)، وعدم صدور أحكام بحقه قابلة للتخفيض، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الذي أوقف قبل أسبوعين، والملاحق بدعاوى تتصل باختلاس أموال عامة وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، والتسبب في حرمان المودعين من أموالهم، والمدانون بالعمالة والتجسس لصالح إسرائيل، الذين لن يشملهم أي تخفيض للعقوبة أو عفو عام مهما بلغت مدة محكوميتهم أو ظروف توقيفهم.

من هنا، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد المستفيدين منه أو من استثناهم، بل بقدر تحقيقه توازناً فعلياً بين رفع الظلم عن مستحقين، وحماية المجتمع، والحفاظ على هيبة القضاء، ومنع الإفلات من العقاب.