تعويضات معلّقة وبيوت مهدّمة... مأساة أهالي الضاحية الجنوبية بين الوعود والانتظار

«حزب الله» يبلغ أصحابها بالتوقف عن الدفع

رجل يعاين الدمار الذي أحدثته الغارات الإسرائيلية على الضاحية الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رجل يعاين الدمار الذي أحدثته الغارات الإسرائيلية على الضاحية الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

تعويضات معلّقة وبيوت مهدّمة... مأساة أهالي الضاحية الجنوبية بين الوعود والانتظار

رجل يعاين الدمار الذي أحدثته الغارات الإسرائيلية على الضاحية الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رجل يعاين الدمار الذي أحدثته الغارات الإسرائيلية على الضاحية الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

في أحياء الضاحية الجنوبية، وبين المباني التي تحمل ندوب الحروب يعيش السكان مأساة مستمرة بفعل الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنازلهم خلال الحرب الأخيرة. في منطقة المريجة والسانت تيريز، يقف الأهالي أمام واقع مؤلم من بيوت مهدّمة، وتعويضات معلّقة، ووعود لم تُنفّذ، في حين تتوقف مشاريع إعادة الإعمار وسط غموض شديد يلفّ الملف.

وعود كاذبة وواقع مؤلم في المريجة

في منطقة المريجة، حيث لا تزال آثار الدمار واضحة على جدران البيوت، تحدث علي، أحد السكان، لـ«الشرق الأوسط» عن وضع منزله الذي تعرّض لدمار شبه كامل. وقال: «بعد أن تضرّر منزلي بالكامل، قيل لنا إن هناك خطة عاجلة لإعادة الإعمار، وإنّ التعويضات ستُصرف في غضون أشهر قليلة. لكن الواقع مختلف تماماً. كل ما حصلنا عليه فعلياً كان بدل إيواء لأربعة أشهر فقط، بدءاً من شهر يناير (كانون الثاني)، بقيمة إجمالية لا تتجاوز ألفي دولار. بعد ذلك، توقفت المساعدات كلياً، ولم نتلقَّ أي دعم مالي لإصلاح ما تهدّم».

لبنانيات في الضاحية الجنوبية لبيروت على مقربة من مبانٍ مدمرة ومتضررة نتيجة القصف الإسرائيلي (رويترز)

وحول حجم الخسائر قال: «منزلي لم يعد صالحاً للسكن. تضرّر بشكل كامل، من الجدران إلى الأرضيات، ومن شبكات المياه والكهرباء إلى الأثاث الذي تلف بالكامل. لم أتمكن من استرجاع شيء تقريباً. ومع ذلك، لم أتلقَّ أي تعويض عن الخسائر. منذ وقوع الضرر وأنا أتحمّل كل التكاليف من جيبي الخاص. دفعت حتى الآن أكثر من عشرة آلاف دولار، ومع ذلك ما زلت في أول الطريق. بحسب تقديري، أحتاج إلى ما لا يقل عن ثلاثين ألف دولار إضافية لإعادة المنزل إلى وضع قابل للسكن».

لكن الصدمة الكبرى جاءت مع إبلاغهم بشكل رسمي، خلال الأسابيع الماضية، بتوقف أعمال الترميم في المبنى «حتى إشعار آخر». إذ أوضح أنّ الجهة المسؤولة عن التنفيذ، والمكلّفة من قبل «حزب الله» أوضحت و«قالت لنا صراحة إنّ التمويل متوقف، وبالتالي لا يمكن استكمال أي عمل. كل ما أنجزوه هو ترميم حائط دعم في الطابق الأرضي، ثم توقفوا وغادروا، وكأنّ شيئاً لم يكن».

المبنى أصبح مهدداً بالكامل، وعائلات عديدة إما هُجّرت أو تعيش في ظروف غير إنسانية. وحول ما أبلغوه من الجهات المسؤولة قال: «كل مراجعاتنا تُقابل بجواب موحّد: (لا يوجد تمويل حالياً، انتظروا)».

لبنانيون يقفون قبالة مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وبحسرة من فقد ذاكرته قال علي: «نحن لا نطلب أكثر من حقّنا. خسرنا منازلنا، خسرنا أثاثنا، خسرنا استقرارنا. وكل ما نسمعه عبارة عن وعود مؤجلة وتعابير غامضة مثل الصبر والمتابعة. لا نعلم من المسؤول، ولا متى تنتهي هذه المهزلة».

ثمانيني ينتظر الفرج بعد دمار بيته وذكرياته

في منزل آخر بالضاحية، يروي محمد، وهو رجل ثمانيني، تفاصيل معاناة كبيرة مع تعويضات لم تصل حتى اليوم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «دمّروا بيتي وذكرياتي... منزلي الذي عشت فيه طوال حياتي أصبح غير صالح للسكن؛ فقد تهدمت الجدران والسقف، فضلاً عن أن شبكة المياه والكهرباء تعرضت لأضرار جسيمة ولم تُصلح حتى الآن».

وعن الأمور التي لم تُنجز أفصح: «المصعد الذي تكفلت الجهات المعنية بإصلاحه لم يُستكمل تشغيله حتى اليوم، بالرغم من أنه كان أحد الشروط الأساسية لضمان إمكانية العيش في هذا المبنى، خاصة بالنسبة لي وأنا في هذا العمر».

وأشار إلى أن تعويضات الأثاث التي حصل عليها لم تتجاوز 8 آلاف دولار، رغم أن الخسائر الحقيقية في الأثاث تتخطى 15 ألف دولار، في حين أن إعادة تأهيل المنزل تتطلب نحو 25 ألف دولار، «ومع كل ذلك لم أتلقَ أي تعويض عن الأضرار التي لحقت بالبناء نفسه».

سيدة تتجول بين الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت مساء الخميس (أ.ف.ب)

وأضاف محمد أنه بدل الإيواء الذي كان يُصرف لمدة أربعة أشهر فقط قد انتهى، ولم يتسلم أي مبلغ يعوّضه عن الفترة التي تلت ذلك. كاشفاً أنه «بعد مراجعات عديدة للجهات المعنية، كدنا نصل إلى قناعة بأن التعويضات توقفت أو شبه معدومة، وأن الوعود المتكررة لا تتحقق».

وبمرارة أضاف: «أنا مضطر لأن أبدأ ترميم منزلي على نفقتي الخاصة، لأنني لا أستطيع البقاء بعيداً عن بيتي، وأفضل العودة إليه مهما كان وضعه على أن أعيش في مكان غريب بعيداً عن كل ذكرياتي».

وختم قائلاً: «كل ما نريده هو إنصاف حقيقي، وتعويض عادل يمكننا من استعادة بيوتنا، والعيش فيها بأمان وكرامة».

مالك المنزل محروم من حقه في التعويض

في منطقة السانت تيريز، يقف قاسم، مالك منزل كان يؤجره، أمام مأساة مالية وإنسانية كبيرة. إذ ذكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «خسرت منزلي ولم أتلقَ أي تعويض. كان هذا المنزل جزءاً من دخلي الأساسي، إذ كنت أعتمد على بدل إيجاره لدفع بدل المنزل الذي أقطنه حالياً مع عائلتي، إضافة إلى تغطية جزء من قسط مدرسة بناتي. هذا الدخل كان يشكل أماناً لنا، لكن مع فقدانه تغيرت حياتنا بشكل جذري».

وأضاف: «رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، صرفت التعويضات للمستأجرين فقط، وعندما راجعت الجهات المعنية عدّة مرّات، أخبروني أن تعويضات المالكين ستصرف في مرحلة مستقبلية وغير محددة المدى».

وتابع: «نعيش اليوم في منزل مستأجر أقل تكلفة، وأتحمل كامل نفقات الإيجار، إلى جانب أعباء تعليم بناتي التي ازدادت صعوبة بعد فقدان مصدر الدخل الأساسي. حاولت مراراً استرداد حقي، لكن كل ما ألقاه هو وعود الانتظار دون أي خطوات عملية ملموسة».

وختم قائلاً: «كل ما أريده هو إنصاف أصحاب المنازل، وتأمين تعويضات عادلة تمكننا من إعادة بناء حياتنا وتأمين مستقبل أفضل لأطفالنا في ظل هذه الظروف الصعبة التي نعيشها».


مقالات ذات صلة

القضاء العسكري يثبّت خطف «الموساد» ضابطاً لبنانياً متقاعداً

المشرق العربي الضابط المتقاعد من «الأمن العام اللبناني» أحمد شكر الذي خُطف من شرق لبنان (أرشيف العائلة - الشرق الأوسط)

القضاء العسكري يثبّت خطف «الموساد» ضابطاً لبنانياً متقاعداً

وضع القضاء العسكري يده على ملفّ خطف وإخفاء النقيب المتقاعد من الأمن العام أحمد شكر، وقطع الشكّ باليقين، مثبتاً تورّط جهاز «الموساد» الإسرائيلي بخطفه.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي Hezbollah fighters hold their group's flag as they stand in front of a statue of Iranian General Qassem Soleimani and swear their oath of allegiance to him, during a ceremony to mark the second anniversary of his assassination, in the southern suburb of Beirut, Lebanon, Tuesday, Jan. 4, 2022. Soleimani was the head of Iran's Quds force who was killed by a U.S. drone in Baghdad in January 2020. (AP Photo/Hussein Malla)

إرادة دولية تدعم لبنان بـ«حصر السلاح»

عكس الإعلان عن عقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني في العاصمة الفرنسية باريس يوم 5 مارس (آذار)، إرادة دولية لتنفيذ حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. واكتسب الإعلان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونظيره الأردني جعفر حسان بعد توقيع الاتفاقيات في بيروت (أ.ب)

حكومتا لبنان والأردن توقعان 21 اتفاقية شملت الطاقة والربط الكهربائي

وقعت حكومتا لبنان والأردن، الأربعاء، 21 اتفاقيَّة، شملت مجالات التَّعاون في قطاعات الطَّاقة، والرَّبط الكهربائي، والصِّناعة، والتَّبادل التِّجاري.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله مستقبلاً أمين عام «الجماعة الإسلامية» محمد طقوش في يونيو 2024 إثر انخراط الجناح العسكري للجماعة المعروف بـ«قوات الفجر» ضمن «جبهة مساندة غزّة» التي افتتحها «حزب الله» في الثامن من أكتوبر 2023 (الوكالة الوطنية للإعلام)

لبنان في قلب تداعيات التصنيف الأميركي لفروع «الإخوان»

وسّعت الإدارة الأميركية دائرة المواجهة مع جماعة «الإخوان المسلمين» عبر تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان منظماتٍ إرهابية

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً مع ممثلي «الخماسية» في القصر الرئاسي في بيروت (أ.ف.ب)

زخم دولي لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس لاستكمال «حصرية السلاح»

اكتسب الإعلان عن عقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني، المزمع عقده في باريس يوم 5 مارس المقبل، زخماً دولياً، تمثل بدعم «الخماسية».

نذير رضا (بيروت)

سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)
اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)
TT

سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)
اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس)

لم يكن أشد المتفائلين في قطاع غزة بتغيير واقع الحكم فيه، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» من التكنوقراط أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس».

وفوجئ الكثيرون على المستوى السياسي الفصائلي والشعبي بظهور سامي نسمان، أحد أبرز ضباط جهاز المخابرات الفلسطينية منذ تأسيسه، بوصفه شخصية مُختارة لقيادة الملف الأمني في غزة.

ويمتلك نسمان تاريخاً حافلاً يوصف بـ«العداء» والملاحقة من قبل حركة «حماس»، التي بدا أنها لم تملك خيار رفض الأشخاص الذين اختيروا للانضمام إلى اللجنة.

من هو سامي نسمان؟

وُلد سامي نسمان في مخيم الشاطئ بغرب مدينة غزة عام 1967، وعاش معظم حياته في حي الشيخ رضوان شمال المدينة. ومع بدايات دراسته الثانوية والجامعية، انضم إلى «الشبيبة الفتحاوية» -التنظيم الشبابي لحركة «فتح»-ونشط في الانتفاضة الأولى التي انطلقت عام 1987. كما شارك في أنشطة ثورية جعلت منه مطارداً من قبل القوات الإسرائيلية، بعد أن شكّل خلية استهدفت من اعتُبروا متعاونين مع جهاز «الشاباك»، ما اضطره، إلى جانب عدد من نشطاء «فتح»، إلى الهرب خارج قطاع غزة عام 1988.

عاش نسمان فترة قصيرة حالة من العداء، وُصفت بـ«البسيطة»، مع نشطاء حركة «حماس» في بداية تأسيسها عام 1987، إلا أنها سرعان ما تلاشت بعد خروجه من غزة.

وخلال فترة فراره تنقل نسمان ما بين القاهرة وتونس، وعواصم أخرى، والتقى خلال تلك الفترة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما تسرد مصادر مقربة منه سيرته لـ«الشرق الأوسط».

عودة إلى غزة... عودة إلى العداء

وفي عام 1994، مع بدء دخول السلطة الفلسطينية إلى أراضي قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية وفق اتفاق «أوسلو» عام 1993، عاد نسمان إلى جانب آخرين إلى القطاع، ليقطن لاحقاً حي الشيخ رضوان، وأصبح منذ ذلك الوقت ضابطاً كبيراً في جهاز المخابرات الفلسطينية العامة، وكان بمثابة اليد اليمنى لأمين الهندي أول رئيس للجهاز.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

كما كان نسمان متنفذاً بشكل كبير داخل الجهاز، وفي عموم أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، وفي أروقة مؤسسات حركة «فتح»، وكان يوصف في كثير من الفترات بأنه «رقم صعب»، كما تقول المصادر.

وتوضح المصادر أن نسمان تولى مسؤوليات مهمة داخل جهاز المخابرات، منها المكتب الخاص لرئيس جهاز المخابرات، ثم أصبح مسؤول دائرة مكافحة التجسس، كما تولى مسؤولية دائرة مباحث شؤون الأجانب الذين يسمح لهم بدخول قطاع غزة، إلى جانب مهام وملفات أخرى.

وفي أعقاب عودته لغزة، ومع نشاط الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضد نشطاء «حماس» و «الجهاد الإسلامي»، اتهم بقيادة حملة اعتقالهم ما بين أعوام 1996و2000.

وواجه نسمان اتهاماً من «الجهاد الإسلامي» في فبراير (شباط) 1996، بأنه كان مسؤولاً عن قتل اثنين من نشطائها الميدانيين البارزين اللذين كانا مسؤولين عن هجوم في بيت ليد داخل إسرائيل أسفر عن مقتل أكثر من 20 إسرائيلياً. إذ تمت محاصرتهما داخل منزل في مخيم الشاطئ، على بُعد عشرات الأمتار فقط من مقر «المشتل» التابع لجهاز المخابرات الفلسطينية، وقتلا أثناء محاولة اعتقالهما بعد رفضهما تسليم نفسيهما.

وتقول مصادر مقربة من نسمان لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم تكن له علاقة بذلك الحدث، وأن ضابطاً آخر كان المسؤول عنه. ورغم ذلك، لم يتم التأكد من ذلك من مصادر أخرى، مع أن بعض الشهادات في تلك الفترة أكدت وجوده في المكان.

الانتفاضة الثانية

وتنامت حالة العداء بين نسمان و«حماس»، إذ تصاعدت بموازاة اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية نهاية عام 2000، وفرار عناصر «حماس» و«الجهاد الإسلامي» من سجون السلطة الفلسطينية.

طفل فلسطيني يرشق ناقلة جند إسرائيلية بالحجارة في مخيم الدهيشة بالقرب من بيت لحم في 5 يوليو 2002 (أرشيفية - رويترز)

كما اتخذت الخلافات مساراً حاداً بعد فوز حركة «حماس» في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، الذي شهد أيضاً محاولة اغتيال ثاني رئيس لجهاز المخابرات، أحمد شنيورة المعروف بـ«طارق أبو رجب»، تلتها محاولة اغتيال اللواء بهاء بعلوشة في الجهاز نفسه، والتي أدت إلى مقتل زوجته وأطفاله آنذاك.

وبلغ عداء نسمان وجهازه الأمني مع حركة «حماس» ذروته بعد سيطرة الحركة عسكرياً على حكم القطاع عام 2006، ما اضطره، مثل عشرات الضباط الآخرين، إلى الفرار خوفاً على حياته، في ظل الاتهامات المستمرة الموجهة إليه بأنه كان يعمل على اعتقال وملاحقة عناصر الحركة.

وتوجه نسمان عبر منافذ برية إسرائيلية إلى رام الله وبقي هناك، وأصبح لاحقاً مسؤولاً عن إدارة ملف غزة في جهاز المخابرات، ثم أصبح مستشاراً لرئيس الجهاز للمحافظات الجنوبية (قطاع غزة).

اتهامات وأحكام غيابية بالسجن

لم تتوقف فصول العداء بخروج نسمان من القطاع، إذ اتهمته «حماس» عام 2015 بأنه أدار من رام الله، شبكات داخل القطاع لإثارة «الفوضى» وتنفيذ محاولات اغتيال لقيادات ومسؤولين حكوميين يتبعون لها، ومحاولة زعزعة الأمن.

وأمهلت «حماس» نسمان في شهر أغسطس (آب) 2015، مدة 10 أيام لتسليم نفسه، ثم أصدرت بحقه في مارس (آذار) 2016، حكماً غيابياً بالسجن لمدة 15 عاماً مع آخرين نالوا أحكاماً أخرى بالسجن، بسبب الاتهامات نفسها، وذلك بعد أن نشرت اعترافات لعناصر أمن فلسطينية، قالوا خلالها إن «نسمان جنّدهم لتنفيذ هذه المخططات».

القيادي في «حماس» غازي حمد (يسار) والقيادي في فتح زكريا الأغا (يمين) يحملان بندقية الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خلال احتفالية بمنزل عرفات في غزة نوفمبر 2015 (غيتي)

وتقول المصادر المقربة من نسمان لـ«الشرق الأوسط»، إن «تلك الاتهامات لا صحة لها، وأن ما كان يجري يأتي في إطار المناكفات التي كانت في خضم حالة الانقسام الفلسطيني».

وحتى خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، اتهمت «حماس» نسمان بإدارة شبكة من عناصر جهاز المخابرات كانت تشرف على عملية دخول شاحنات مساعدات دولية وعربية إلى القطاع، مستخدمةً ذلك للتجسس، وهو أمر لم تعلق عليه حركة «فتح» أو السلطة الفلسطينية.

وخلال الشهور القليلة الماضية، التحق نسمان بصفوف الضباط المتقاعدين «قسراً وتهميشاً»، وفق ما تصف المصادر المقربة منه، ما دفعه لفتح علاقات جديدة بأصدقاء له يعملون حالياً لدى تيار القيادي المفصول من «فتح»، محمد دحلان، وكثيراً ما التقى بهم في القاهرة مؤخراً.

وتشير مصادر أخرى إلى أنه رُشح من قبل «تيار دحلان» لقيادة ملف الأمن العام ضمن اللجنة الجديدة.

موقف «حماس»

وأثار تفويض نسمان بملف الأمن كثيراً من الجدل في الأوساط الفلسطينية، ما طرح تساؤلات عن موقف «حماس» من هذا التعيين، خصوصاً في صفوف قواعدها الجماهيرية والتنظيمية من مستويات مختلفة، في ظل «العداء المعروف» تجاهه.

رسمياً، رحّبت «حماس» في بيان مشترك مع الفصائل الفلسطينية بتشكيل لجنة التكنوقراط دون اعتراض عليها، لكن مصادر من «حماس» قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحركة مجبرة في هذه المرحلة الحرجة على أن تتجاوز أي خلافات كما تجاوزتها مع آخرين من قيادات السلطة الفلسطينية وحركة (فتح) وغيرهم، من أجل مصلحة الفلسطينيين في قطاع غزة».

وعقّب مصدر آخر من القيادات البارزة من الحركة بالقول: «الحركة لا تملك من أمرها شيئاً، لأنها تريد إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار بما يُحقق بنوده وينقلنا بصفتنا فلسطينيين إلى مرحلة سياسية ووطنية جديدة».


مقتل فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في رفح

صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)
TT

مقتل فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في رفح

صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)

لقي فلسطينيان حتفهما، ظهر الخميس، برصاص القوات الإسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

وذكرت «وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)» أن «قوات الاحتلال الإسرائيلي أطلقت الرصاص صوب مواطنين قرب مفترق العلم جنوب مواصي رفح جنوب القطاع، ما أدى لاستشهاد مواطنين، مع صعوبة في انتشال جثمانيهما».

من ناحية أخرى، أفادت مصادر طبية، اليوم، بـ«ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، إلى 71 ألفاً و441 شهيداً، و171 ألفاً و329 مصاباً، منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023»، بحسب ما نقلته «وفا».


القضاء العسكري يثبّت خطف «الموساد» ضابطاً لبنانياً متقاعداً

الضابط المتقاعد من «الأمن العام اللبناني» أحمد شكر الذي خُطف من شرق لبنان (أرشيف العائلة - الشرق الأوسط)
الضابط المتقاعد من «الأمن العام اللبناني» أحمد شكر الذي خُطف من شرق لبنان (أرشيف العائلة - الشرق الأوسط)
TT

القضاء العسكري يثبّت خطف «الموساد» ضابطاً لبنانياً متقاعداً

الضابط المتقاعد من «الأمن العام اللبناني» أحمد شكر الذي خُطف من شرق لبنان (أرشيف العائلة - الشرق الأوسط)
الضابط المتقاعد من «الأمن العام اللبناني» أحمد شكر الذي خُطف من شرق لبنان (أرشيف العائلة - الشرق الأوسط)

وضع القضاء العسكري يده على ملفّ خطف وإخفاء النقيب المتقاعد من الأمن العام أحمد شكر، وقطع الشكّ باليقين، مثبتاً تورّط جهاز «الموساد» الإسرائيلي بخطفه ونقله إلى داخل إسرائيل، على أيدي شبكة محترفة من العملاء خطّطت للعملية ونفّذتها بدقة عالية على الأراضي اللبنانية.

وادّعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، على موقوف واحد في القضية هو اللبناني علي.م (52 عاماً)، وعلى 4 آخرين متوارين عن الأنظار هم: اللبناني - الفرنسي ريّان.م.ف (24 عاماً)، والسوري - السويدي أيمن.ب (60 عاماً)، واللبنانية ناريمان.م.ح (48 عاماً). وأسند إليهم ارتكابهم جرائم «التواصل مع جهاز (الموساد) والعمل لمصلحته داخل لبنان لقاء مبالغ مالية، وتنفيذ عملية خطف أحمد شكر بتاريخ 17 كانون الأول (ديسمبر) 2025، وذلك سنداً إلى المادتين (278) و(569) من قانون العقوبات اللبناني».

وأحال القاضي غانمُ الموقوفَ علي.م مع الملفّ إلى قاضية التحقيق العسكري الأول غادة بو علوان، طالباً منها استجوابه وإصدار مذكرة توقيف وجاهية بحقه، فيما طلب إصدار مذكرات توقيف غيابية بحق باقي المدعَى عليهم الأربعة، بوصفهم متوارين عن الأنظار وفارّين من العدالة.

وأثبتت التحقيقات الأولية أن الموقوف علي.م «لعب دوراً محورياً في العملية، وكان أشبه بـ(الفخّ) الذي نجح عبره (الموساد) في استدراج شكر وتسليمه إلى الشبكة التي جُنّدت لخطفه في لبنان». وأوضح مصدر قضائي أن التحقيقات «لا تزال مفتوحة لتحديد المسار الدقيق الذي سلكته عملية الخطف، لا سيما بشأن كيفية نقل شكر إلى خارج لبنان».

وترددت معلومات، غالبيتها مستندة إلى رواية عائلة المخطوف، تفيد بأن شكر، وفور وصوله مساء 17 ديسمبر إلى منطقة الفرزل بالبقاع الأوسط للقاء أيمن وريّان، خُدِّر ونُقل بسيارة إلى منطقة شبعا في جنوب لبنان، قبل إدخاله براً إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

من جهته، أوضح المصدر القضائي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرواية «غير ثابتة»، مؤكداً أن «المعطيات المؤكدة لدى التحقيق تقتصر على اختفاء شكر فور وصوله إلى بلدة الفرزل في البقاع الأوسط، فيما يبقى احتمال نقله بحراً عبر زورق من أحد الشواطئ اللبنانية أعلى ترجيحاً من الناحية العملياتية».

وتوصلت التحقيقات الأولية التي أجرتها «شعبة المعلومات» في «قوى الأمن الداخلي»، إلى أدلة قاطعة بشأن كيفية حصول الاستدراج والخطف، وأشار المصدر القضائي إلى أن الشبكة التي نفّذت العملية «اعتمدت أسلوباً احترافياً بالغ الدقة، تمثّل في استئجار فيلا فخمة في منطقة الفرزل قبل نحو 3 أشهر من تنفيذ الخطف»، موضحاً أن المدعَى عليها ناريمان.ح «تولّت استئجار الفيلا مقابل مبلغ شهري قيمته ألفا دولار أميركي، واشترطت على المالك السماح لها بطمس النوافذ والأبواب بوسائل عازلة للرؤية وللضوء، بذريعة أن زوجها يستضيف أصدقاء ولا يرغب في أن يراهم أحد». وإزاء استحالة استجواب ناريمان التي باتت خارج لبنان، استمع المحققون إلى إفادة شقيقتها، التي «حاولت التواصل مع ناريمان مرات عدّة من دون جدوى، قبل أن تتصل بزوج شقيقتها وتسأله عمّا إذا كان حضر فعلاً إلى لبنان واستأجر الفيلا مع أصدقائه، ليُفاجَأ الأخير وينفي الأمر جملة وتفصيلاً، مؤكداً أنه لم يزر لبنان منذ سنوات».

ويبرز مجدداً الربط بين خطف أحمد شكر وملف الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد، الذي أُسِر في جنوب لبنان عام 1986. ويستند هذا الربط إلى أن شكر شقيق حسن شكر، أحد أفراد المجموعة المسلحة بقيادة مصطفى الديراني التي شاركت في أسر أراد. وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل قد تسعى، عبر هذه العملية، إلى انتزاع معلومات ولو متأخرة تتعلق بمصير أراد أو مكان رفاته؛ لأن غالبية التقارير تؤكد وفاته بعد أشهر من أسره.