لبنان يتحصّن لتحييده عن الحرب ويستعين بالأميركي برّاك للجم إسرائيل

تحذير للفصائل والمجموعات الفلسطينية المتشددة من «اللعب بالنار»

عناصر من «حزب الله» خلال عرض عسكري عام 2023 (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال عرض عسكري عام 2023 (أرشيفية - أ.ب)
TT

لبنان يتحصّن لتحييده عن الحرب ويستعين بالأميركي برّاك للجم إسرائيل

عناصر من «حزب الله» خلال عرض عسكري عام 2023 (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال عرض عسكري عام 2023 (أرشيفية - أ.ب)

تحييد لبنان عن الحرب المشتعلة بين إيران وإسرائيل يتصدر جدول أعمال المرحلة السياسية الراهنة، ويحظى برعاية رؤساء: الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام؛ سعياً إلى إقامة شبكة أمان سياسية تحميه من ارتداداتها على الداخل، وتنأى به عن الانخراط فيها، آخذاً بالنصائح الدولية والعربية التي أُسديت إليه بضرورة التزامه وقف النار، وقطع الطريق على من يحاول استدراجه إلى الدخول في مواجهة، من شأنها أن توفر الذرائع لإسرائيل لتوسيع اعتداءاتها التي لن تقتصر على الجنوب ويمكن أن تمتد إلى أمكنة تُدرجها في بنك أهدافها.

فاطمئنان لبنان الرسمي بعدم تورط «حزب الله» في الحرب أو إسناده إيران، ووقوفه خلف الدولة بالتزامه وقف النار، يدفعانه إلى الالتفات إلى الساحة الفلسطينية لضبط أداء الفصائل ومنعها من استخدام لبنان منصة لإطلاق الصواريخ بهدف تسجيل موقف، على غرار إطلاق حركة «حماس» سابقاً عدداً من الصواريخ من بعض البلدات الواقعة في شمال الليطاني وتطل على جنوبه.

الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت في 5 يونيو 2025 (أ.ب)

وعلمت «الشرق الأوسط» أن مروحة الاتصالات، التي تولاها بشكل أساسي الرئيس عون، لتحييد لبنان وعدم الزجّ به في الحرب، تتلازم مع انصراف القيادات الأمنية الرسمية إلى الاتصال بالفصائل والمجموعات الفلسطينية على اختلافها، وإبلاغها رسالة سياسية واضحة تحت عنوان تحذيرها من اللعب بالنار، لما يترتب عليه من موقف لبناني رسمي يتجاوز الإنذار باتخاذ تدابير رادعة، استبقها بزنار من الإجراءات المشددة حول المخيمات، خصوصاً عين الحلوة.

اتصالات مع فصائل مسلحة

وقالت مصادر لبنانية رسمية إن الاتصالات تشمل حركتَيْ «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إضافة إلى الجناح العسكري لـ«الجماعة الإسلامية»، من دون أن تستثني بعض الفصائل والمجموعات الفلسطينية المتشددة بوصفها من أصحاب السوابق في إطلاق الصواريخ.

وأكدت أنه «لا مجال للتهاون مع من يحاول استغلال الحرب بين إيران وإسرائيل لتسجيل المواقف الارتجالية والعشوائية، فيما بادر لبنان الرسمي إلى إدانة العدوان الإسرائيلي على نحو لا يمكن لأحد المزايدة عليه شعبوياً، أخذاً في الحسبان التحذيرات التي بعثت بها إسرائيل، من خلال الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية ولجنة الرقابة المشرفة على تطبيق وقف النار، بردّها القاسي ودون حدود في حال استُخدمت أراضيه لإطلاق الصواريخ تضامناً مع إيران».

عناصر من «حزب الله» خلال عرض عسكري عام 2023 (أرشيفية - أ.ب)

اهتمام بالحياد

في هذا السياق، يراهن لبنان، كما تقول المصادر، على «المباحثات التي سيجريها السفير الأميركي لدى تركيا، والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى سوريا، توماس برّاك، في زيارته المرتقبة إلى بيروت في الساعات المقبلة، واجتماعه بالرؤساء الثلاثة، وذلك للاستعانة به للجم إسرائيل وكبح جماحها في تهديدها بتوسيع اعتداءاتها بتوجيه ضربات هي الأقسى للبنان، متذرعةً بإطلاق الصواريخ عليها، مع أن لبنان لا يترك وسيلة إلا ويستخدمها للسيطرة على الوضع؛ لقطع الطريق على استخدام أراضيه لضرب استقراره».

ولفتت المصادر إلى أن الاهتمام الرسمي اللبناني بعدم توريط البلد في هذه الحرب، «يترافق مع تحصين الساحة الداخلية؛ باتخاذه الإجراءات الاحتياطية الاستباقية للحؤول دون حصول اختراقات من شأنها أن تعيد لبنان ساحةً لتبادل الرسائل، التي يراد منها تصفية الحسابات، وإقحامه مجدداً في صراع المحاور». وقالت إن «الحرب تدخل حالياً مرحلة من الاستنزاف مفتوحة على أكثر من احتمال ما لم تتحرك الوسائط الدولية لوقفها».

ورأت أن «السيطرة على الوضع الداخلي، والإطباق على المجموعات الفلسطينية المتطرفة والمتشددة، يتيحان للبنان توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي عبر أصدقائه بوجود قرار قاطع لديه بتحييده عن الحرب، وهذا ما يشجع الولايات المتحدة ودول (الاتحاد الأوروبي) للضغط على إسرائيل لمنعها من استهداف لبنان، ما دام ينأى بنفسه عن التدخل فيها ويطبّق سيطرته الميدانية على الأرض».

زيارة برّاك إلى بيروت

وكشفت المصادر عن أن تحييد لبنان عن الحرب سيحضر بامتياز على جدول أعمال لقاءات السفير براك في زيارته الموعودة إلى بيروت. وقالت إن الجانب اللبناني أُبلغ بموعد وصوله، «وهو يتحفّظ عن الكشف عنه لأسباب أمنية». وقالت إن محادثاته كانت «محصورة في ملف العلاقات اللبنانية - السورية، وسحب سلاح (حزب الله)، وجمع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، شرطاً لحصره بيد الدولة، لكن اندلاع الحرب أضاف بنداً جديداً إلى محادثاته».

عناصر من «يونيفيل» على الحدود بين لبنان وإسرائيل (أرشيفية - د.ب.أ)

ولفتت إلى أن «تكليف برّاك ملف العلاقات اللبنانية - السورية يعني حكماً أنه ينوب عن نائبة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، بعد أن أُعفيت من تكليفها متابعة الاتصالات لتطبيق اتفاق وقف النار الذي التزم به لبنان، فيما امتنعت إسرائيل عن تطبيقه باستمرار احتلالها عدداً من التلال الواقعة على الحافة الأمامية للبلدات الحدودية قبالة إسرائيل».

وسألت المصادر عمّا إذا كان برّاك سيتولى الملف اللبناني - الإسرائيلي في ضوء الصعوبات التي تعترض «لجنة الرقابة الدولية» المشرفة على تطبيق وقف النار، الذي لا يزال تطبيقه معلقاً على رفض إسرائيل التقيُّد به أو انسحابها من الجنوب تمهيداً للشروع في تنفيذ القرار «1701». وقالت: «هل من باب الصدفة أن يتلازم مجيء برّاك إلى بيروت مع انعقاد (اللجنة) في اجتماع تستضيفه (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - يونيفيل) في مقرها ببلدة الناقورة الحدودية، ويحصر اهتمامه بمحاصرة إسرائيل ومنعها من مواصلة حربها التدميرية؟».

لبنان لن ينخرط في الحرب

فاجتماع «لجنة الرقابة»، بعد طول انقطاع، لن يقتصر على تقييم الوضع في الجنوب فحسب، وإنما لإعلام أعضائها، بعد أن تواصل لبنان مع الدول المنتمين إليها بأنه «ليس في وارد الانخراط في الحرب، وأن حكومته، من خلال أجندتها الأمنية والعسكرية، ماضية في ضبط الوضع، ولن تتهاون حيال من يحاول توريطه فيها، وأنها اتخذت الإجراءات والتدابير الاحترازية للإمساك بالوضع والسيطرة عليه».

وهذا ما يضع إسرائيل، كما تقول مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»، «أمام اختبار النيات للتأكد من مدى استعدادها للتجاوب بعدم استدراج (حزب الله) لخرق وقف النار للضغط على لبنان للتسليم بشروطها، رغم أنه لن يُستدرج للوقوع في الفخ الإسرائيلي، وهذا ما تبلّغناه من الجانب اللبناني، ويبقى على برّاك أن يوسع دائرة اهتمامه بالتدخل لديها لمنعها من شمول لبنان بالحرب؟».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» «يضخّم» معركة لم تبدأ في «علي الطاهر»

المشرق العربي تُظهر صورة التُقطت من منطقة النبطية جنوب لبنان تصاعد الدخان من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قمم تلال منطقة علي الطاهر (أ.ف.ب)

«حزب الله» «يضخّم» معركة لم تبدأ في «علي الطاهر»

تحولت مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان عنواناً سياسياً وعسكرياً متقدماً، بعدما رفع «حزب الله» سقف موقفه وأعلن عدم التخلي عنها، مستحضراً إيران في المعادلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً وزير الدولة الكندية للتنمية الدولية رانديب ساراي في حضور السفير الكندي لدى لبنان غريغوري غاليغان (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني يزور روما للقاء البابا والضغط على إسرائيل

جدد رئيس الجمهورية جوزيف عون تمسُّك لبنان بتطبيق «اتفاق الإطار»، مطالباً بالضغط على إسرائيل للالتزام ببنوده

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يراقب العائدين عبر معبر المصنع الحدودي على أثر سقوط النظام السوري (أ.ب)

لبنان يدرس إلغاء 600 ألف مذكرة أمنية بحقّ سوريين

في خطوة تعكس إصراراً لبنانياً على إعادة تنظيم العلاقة مع سوريا، بدأت السلطات إعادة النظر في القيود الأمنية التي حالت دون دخول مئات آلاف السوريين إلى لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
تحليل إخباري مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي «الحزب» وإيران في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مراسم تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الشهر الماضي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري تهديد «حزب الله» بتحريك الشارع: تنفيس غضب أم ورقة ابتزاز؟

هدّد الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأسبوع الماضي بتحريك الشارع، قائلاً: «هذا الغضب له وقت، ويمكن أن ينفجر»...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي ناشطون أمام القصر العدلي بدمشق في يونيو الماضي يطالبون بتجريم رموز حقبة الأسد (فيسبوك)

لبنان لتسليم لواء سابق إلى دمشق لمحاكمته

قرر النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، تسليم اللواء بالنظام السوري السابق عادل عيسى، الموقوف في لبنان، للسلطات السورية لمحاكمته على جرائمه.

«الشرق الأوسط» ( بيروت - دمشق)

مقتل 5 في غارة إسرائيلية قرب ميناء مدينة غزة

فلسطينيون يستخرجون المعادن من أنقاض المنازل المدمرة في خان يونس لإعادة استخدامها في صنع الخيام بغزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يستخرجون المعادن من أنقاض المنازل المدمرة في خان يونس لإعادة استخدامها في صنع الخيام بغزة (د.ب.أ)
TT

مقتل 5 في غارة إسرائيلية قرب ميناء مدينة غزة

فلسطينيون يستخرجون المعادن من أنقاض المنازل المدمرة في خان يونس لإعادة استخدامها في صنع الخيام بغزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يستخرجون المعادن من أنقاض المنازل المدمرة في خان يونس لإعادة استخدامها في صنع الخيام بغزة (د.ب.أ)

أعلن ​مسؤولون في مجمع الشفاء الطبي بقطاع ‌غزة ​اليوم ‌الثلاثاء ⁠أن ​خمسة أشخاص ⁠قُتلوا في غارة جوية ⁠إسرائيلية ‌قرب ‌ميناء ​الصيد ‌البحري غرب ‌مدينة غزة، وفقاً ‌لوكالة «رويترز».

يأتي ذلك وسط تأكيد حركة «حماس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم، التزامها باتفاق غزة المدعوم أميركياً، وذلك بعد مباحثات بين المبعوث الأميركي جاريد كوشنر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للضغط على الحركة الفلسطينية لنزع سلاحها.

وقال المتحدث باسم حركة «حماس» حازم قاسم: «(حماس) ملتزمة بهذا المسار الذي تم الاتفاق عليه»، مضيفاً: «واضح أن الاحتلال إلى الآن لم يعطِ للوسطاء موافقة واضحة على خطة الطريق».

وأضاف: «هناك جداول زمنية وخطوات إجرائية تحتاج إلى تفصيل لكن يجب أن يكون هناك موافقة من الاحتلال على خريطة الطريق».

وأسفر القصف الاسرائيلي منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن مقتل 1266 فلسطينياً على الأقل، بحسب وزارة الصحة في القطاع.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل خمسة من جنوده.


«حزب الله» «يضخّم» معركة لم تبدأ في «علي الطاهر»

تُظهر صورة التُقطت من منطقة النبطية جنوب لبنان تصاعد الدخان من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قمم تلال منطقة علي الطاهر (أ.ف.ب)
تُظهر صورة التُقطت من منطقة النبطية جنوب لبنان تصاعد الدخان من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قمم تلال منطقة علي الطاهر (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» «يضخّم» معركة لم تبدأ في «علي الطاهر»

تُظهر صورة التُقطت من منطقة النبطية جنوب لبنان تصاعد الدخان من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قمم تلال منطقة علي الطاهر (أ.ف.ب)
تُظهر صورة التُقطت من منطقة النبطية جنوب لبنان تصاعد الدخان من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قمم تلال منطقة علي الطاهر (أ.ف.ب)

تحولت مرتفعات «علي الطاهر» في جنوب لبنان عنواناً سياسياً وعسكرياً متقدماً، بعدما رفع «حزب الله» سقف موقفه حيالها وأعلن عدم التخلي عنها، مستحضراً إيران في معادلة المواجهة، في وقت يرى فيه خبراء عسكريون أن إسرائيل باتت صاحبة المبادرة جنوباً، وأن الموقع، على أهميته، اكتسب رمزية سياسية وإعلامية تتجاوز وزنه الميداني.

ووصف النائب في كتلة «حزب الله» حسن عز الدين «علي الطاهر» بأنها من «المواقع الأساسية للمقاومة التي لن تتخلى عنها»، وقال إنه «في حال أتت المساعدة من إيران، فذلك سيكون نوراً على نور»، عادَّاً أن طهران «وضعت معادلة فيما يخص الضاحية الجنوبية لبيروت، وقد ترسم معادلة جديدة فيما يخص (علي الطاهر)».

جنوب الليطاني خسره الحزب

يضع العميد المتقاعد خليل الحلو التركيز على «علي الطاهر» في سياق انتقال المبادرة العسكرية إلى الجانب الإسرائيلي.

وقال الحلو لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) حصر عملياً المواجهة برمزية معركة (علي الطاهر)؛ إذ إن كل المناطق التي وقعت في جنوب الليطاني، وكان للحزب وجود فيها، سقطت عسكرياً بالكامل».

وأوضح أن «الحزب لا يزال يمتلك هامشاً من حرية المناورة وبعض مراكز الرماية، لكن كل الرمايات التي تنطلق باتجاه إسرائيل تأتي من شمال الليطاني وليس من جنوبه. وبالتالي، فإن معركة جنوب الليطاني خسرها بالفعل».

وأضاف الحلو أن «إسرائيل هي التي فرضت معركة (علي الطاهر) ضمن معركة جنوب الليطاني، وليس (حزب الله) من اختارها. فعندما يكون عدوك هو الذي يفرض عليك مسرح العمليات؛ فهذا يعني أن المبادرة أصبحت بيده وليست بيدك».

وتابع: «ليس (حزب الله) من يقرر ما إذا كان يريد خوض المعركة أم لا، أو ما إذا كان يستطيع مهاجمة الإسرائيليين في عقر مواقعهم. يستطيع أن يقوم ببعض الأعمال، لكن المبادرة ليست في يده».

ورأى الحلو أن «معركة جنوب الليطاني خسرها الحزب عسكرياً، وهو يحاول اليوم المحافظة على المنطقة وعلى موقع (علي الطاهر) تحديداً؛ لما يحمله من أهمية فعلية ورمزية، وربطه بالبعد الإيراني لتحسين شروط التفاوض».

صورة متداولة في لبنان لرفع العَلم الإسرائيلي على تلّة علي الطاهر

موقع عسكري و«معركة رمز»

وشدَّد الحلو على أن «(علي الطاهر) ليست موقعاً رمزياً فقط، بل هي موقع فعلي ومهم؛ إذ تقع فيها قيادة (وحدة بدر) التابعة لـ(حزب الله)»، لافتاً إلى أن «أهمية الموقع العسكرية تضاف إلى رمزيته؛ وهو ما يفسر التركيز الكبير عليه في المواجهة الحالية».

وعن القيمة العسكرية للمرتفعات، قال: «بالنسبة إلى إسرائيل، إبعاد (حزب الله) عن هذه المرتفعات يريح انتشار قواتها في المناطق التي تحتلها جنوب لبنان ويخفف المخاطر العسكرية عليها».

وأضاف الحلو أن تضخيم رمزية المعركة وربطها بإيران «يجعلان التراجع عنها أكثر صعوبة سياسياً على الحزب»، لكنه شدد قائلاً: «هي تلة مهمة جداً عسكرياً، لكن لا يجب التعامل معها وكأن نتيجة الحرب كلها تتوقف عليها».

مرتفعات علي الطاهر ويبدو أسفلها التدمير الواسع في بلدة كفر تبنيت (الشرق الأوسط)

خطاب تعبوي

من جهته، قال العميد المتقاعد خالد حمادة لـ«الشرق الأوسط» إن التركيز الذي يوليه «حزب الله» لمرتفعات علي الطاهر هو «خطاب تعبوي»، عادَّاً أن الحزب يحاول تقديم هذه المنطقة بصفتها عنواناً مركزياً للمواجهة، في وقت لا تزال فيه إمكانية انتقال إسرائيل إلى عملية برية مرتبطة بالقرار الأميركي وبالمسار السياسي والتفاوضي.

وقال حمادة إن «النظر إلى (علي الطاهر) يختلف بين الجانب الإسرائيلي و(حزب الله). فالحزب يحاول أن يبني تعبئة سياسية وشعبية حولها، وهو يعرف في الوقت نفسه أن انتقال إسرائيل في المرحلة الحالية إلى احتلالها بعملية برية ليس أمراً متاحاً تلقائياً؛ لأن العمليات البرية تحتاج إلى غطاء وضوء أخضر أميركيين».

وأضاف: «ومن هنا يتحرك (حزب الله) داخل هذه المساحة، ويقول عملياً إنه لا يزال صامداً وإن (علي الطاهر) تمثل معركة لم تُحسم، مستفيداً من أن العملية البرية لم تنطلق».

ورأى حمادة أن «الحديث عن (علي الطاهر) لا يمكن فصله عن خسارة الحزب مواقع ومناطق أخرى خلال المواجهات السابقة»، لافتاً إلى أن «الحزب سبق أن خاض معارك في مناطق أكثر أهمية وحساسية، وانتهت بخسارته القدرة على الاحتفاظ بها»، مضيفاً: «لذلك؛ عندما نقيس (علي الطاهر) بمناطق أخرى مثل الخيام وغيرها، يصبح واضحاً أن تضخيم رمزيتها اليوم يدخل بدرجة كبيرة في إطار الخطاب التعبوي».

وتابع: «(علي الطاهر) تحتاج، إذا أرادت إسرائيل السيطرة عليها، إلى عملية برية. وهذه العملية، تبقى مرتبطة بالحصول على الضوء الأخضر اللازم. وبالتالي، فإن السؤال الأساسي ليس ما يقوله (حزب الله) عنها»، بل متى يُتخذ قرار السماح بعملية برية، وما إذا كان ذلك سيحصل قبل الانتخابات الإسرائيلية أو بعدها، وكيف سيرتبط بمسار المفاوضات مع لبنان».

وفي تعليقه على كلام عز الدين عن المعادلة الإيرانية، قال حمادة إن «هذا الكلام أيضاً يندرج في الإطار التعبوي أكثر مما يعكس معادلة ميدانية قائمة»، عادَّاً أن «محاولة إظهار إيران وكأنها قادرة في كل مرة على فرض معادلات جديدة تحتاج إلى وقائع ميدانية وسياسية تثبتها، ولا يكفي إعلانها في الخطابات».

تصاعد أعمدة الدخان جرّاء القصف على حرش علي الطاهر جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

رمز يتجاوز الوزن الفعلي

قال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إن «علي الطاهر» تحولت بفعل التركيز السياسي والإعلامي «رمزاً يتجاوز وزنها الميداني الفعلي»، رغم أهميتها الاستراتيجية، عادَّاً أن «الحزب نفسه أسهم في تكريس هذه الرمزية بعدما بات يتعامل مع (علي الطاهر) بصفتها عنواناً مركزياً للمواجهة».

ورأى أن خطاب المعادلة الإيرانية «موجّه إلى الداخل وإلى بيئة (حزب الله) أكثر مما هو رسالة ردع فعلية إلى إسرائيل»، وأن «العامل الأساسي الذي يحدّ من اندفاعة إسرائيل ليس التهديد الإيراني، بل الموقف الأميركي وحسابات واشنطن المرتبطة بلبنان والوضع الإقليمي».

تصعيد ميداني وتحذير أممي

ميدانياً، ومع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، نفذت جرافات إسرائيلية أعمال تجريف في مشاع المنصوري، حيث جرى تفجير خزان المياه العمومي بعد غارة جوية فجراً. كما استهدفت المدفعية أطراف مجدل زون وحولا، وسُجل إطلاق نار باتجاه أطراف حداثا وبرعشيت، في حين أحرق الجيش الإسرائيلي منزلاً عند أطراف زوطر الشرقية من جهة ميفدون.


المحاصرون الفلسطينيون في «قصرة» بالضفة يعيشون على المساعدات

الفلسطيني - الأميركي لؤي أبو ​ريدة يصور مستوطناً داخل أرضه في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (رويترز)
الفلسطيني - الأميركي لؤي أبو ​ريدة يصور مستوطناً داخل أرضه في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (رويترز)
TT

المحاصرون الفلسطينيون في «قصرة» بالضفة يعيشون على المساعدات

الفلسطيني - الأميركي لؤي أبو ​ريدة يصور مستوطناً داخل أرضه في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (رويترز)
الفلسطيني - الأميركي لؤي أبو ​ريدة يصور مستوطناً داخل أرضه في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (رويترز)

واصل الجيش الإسرائيلي ومستوطنون حصار عائلات فلسطينية في 3 منازل في بلدة قصرة، جنوب نابلس في الضفة الغربية، الثلاثاء، لليوم 10 على التوالي من دون كهرباء وماء، ما أشعل مخاوف من سعي إسرائيلي غير معلن لدفع السكان نحو مغادرة المنطقة.

وقال عبد العظيم الوادي، رئيس بلدية قصرة، لـ«وكالة الأنباء الفلسطينية» وصحافيين إن جنود الاحتلال والمستوطنين يواصلون فرض حصار على 3 منازل في منطقة رأس العين مع نقص في الغذاء والدواء والماء.

وبدأ مستوطنون في حصار المنازل في قصرة الأسبوع الماضي، ثم وصل الجيش الإسرائيلي لطردهم، لكنه فشل في ذلك، وأعلن المنطقة منطقة عسكرية مغلقة، فأصبح يحاصر المنطقة مع المستوطنين.

جنود إسرائيليون أمام منزل يعود لفلسطيني أميركي من ولاية أوهايو يحاصره مستوطنون منذ أكثر من أسبوع في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ب)

ويحاصر الجيش الإسرائيلي المنطقة على الرغم من انتقادات أميركية ومطالبات بإنهاء الحصار.

ودعا زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي، حكيم جيفريز، إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى التحرك ضد المستوطنين الذين يحاصرون منازل الفلسطينيين في قصرة.

ووصف جيفريز حصار إسرائيليين «عنيفين ومخالفين للقانون» منازل فلسطينيين في الضفة بأنه «أمر غير مقبول».

أضاف: «على إدارة ترمب إجبار الحكومة الإسرائيلية على حماية أرواح المدنيين الفلسطينيين الأبرياء وممتلكاتهم ومصادر رزقهم».

وقبل جيفريز طلب مسؤولون أميركيون من نظرائهم الإسرائيليين تفسيرات لما يحدث ولماذا لا يستطيع الجيش إنهاء المسألة، وقالوا إنهم ينوون زيارة قرية قصرة خلال الأيام القليلة المقبلة، ليروا بأنفسهم ما يجري هناك.

فلسطيني - أميركي يدافع عن منزله

وقد رفع الأميركي من أصل فلسطيني، لؤي أبو ​ريدة، علماً أميركياً كبيراً فوق منزله المحاصر في القصرة، على أمل أن يردع ذلك المستوطنين، لكن ذلك لم يكن كافياً لمنع أحدهم من اقتحام أرضه اليوم الثلاثاء لتشب مواجهة شابها التوتر بينهما.

جنود إسرائيليون يجلسون تحت شجرة زيتون قرب منزل فلسطيني - أميركي يحاصره مستوطنون في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ب)

ووصل أبو ريدة إلى بلدة قصرة في وقت متأخر من الاثنين قادماً من الولايات المتحدة، خوفاً من أن يفقد ملكية المنزل لصالح المستوطنين اليهود الذين يطوقون 3 منازل فلسطينية في البلدة منذ أكثر من أسبوع.

وكان أبو ريدة، الذي نشأ في البلدة الواقعة في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، يتنزه، صباح الثلاثاء، بين أشجار الكرز والتين في أرضه عندما اقترب منه مستوطن من التل المقابل، في مواجهة وثقتها «رويترز».

وقال المستوطن باللغة العبرية وهو يقترب من أبو ريدة: «جئت لتثير ‌الفوضى، أليس كذلك؟»، ‌وكان يحمل ما بدا أنه نسخة من التوراة في إحدى يديه وهاتف محمول في ​اليد ‌الأخرى ⁠يصور به ​أبو ⁠ريدة.

وأخذ أبو ريدة أيضاً يصور المستوطن بهاتفه المحمول وهو يقول: «أنت مستوطن إرهابي، أتعلم ذلك؟».

وفي بداية الحصار الذي لم يكن الجيش طرفاً فيه، أدان السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، المستوطنين في قصرة، ووصفهم بأنهم «إرهابيون إسرائيليون».

ومع وجود الجيش ومستوطنين لا يستطيع الكثير من الفلسطينيين مغادرة منازلهم او العودة إليها.

واتهم رئيس المجلس الوطني، روحي فتوح، إسرائيل بتعمد حصار العائلات الفلسطينية وتجويعها وحرمانها من المياه والدواء في «تطبيق عملي لمشروع الضم والتهجير، وتدمير مقومات قيام الدولة الفلسطينية».

الفلسطيني - الأميركي لؤي أبو ​ريدة يصور أرضه بينما يسير جنود إسرائيليون حوله في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (رويترز)

وأكد فتوح في بيان أن العائلات المحاصرة بحاجة عاجلة إلى الدواء والمياه، وأن المساعدات التي وصلت إليها لا تكفي، محذراً من تحويل الاحتياجات الإنسانية إلى وسيلة للعقاب الجماعي والضغط على السكان.

ويظهر جنود إسرائيليون يحاصرون المنطقة بوضوح كما تظهر لقطات مصور وجود المستوطنين في منطقة قريبة.

وزار مسؤولون فلسطينيون المنطقة وممثلون عن الأمم المتحدة ووفود أوروبية، بعد تنسيق مسبق، وأدانت الكثير من الدول إرهاب المستوطنين.

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» من تداعيات استمرار حصار العائلات واعتداءات المستوطنين في الضفة، معتبرة أن هذه الممارسات تحرم السكان من الحماية الأساسية، وتدفعهم نحو مغادرة منازلهم.

اعتداءات المستوطنين بالضفة

وعلى الرغم من المطالبات الأميركية ومطالبات أخرى بإنهاء الحصار في قصرة، يلتزم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الصمت منذ أن بدأ المستوطنون حصار المنازل، ولم يلقَ الحصار أي انتقادات تُذكر من القيادة السياسية الإسرائيلية.

ويتهم الفلسطينيون وجزء كبير من الإسرائيليين الحكومة بالتغاضي عن هذه الهجمات أو حتى تشجيعها، كما اتُّهمت قوات الجيش الإسرائيلي بالوقوف مكتوفة الأيدي والسماح بالعنف، بل وحتى تقديم العون له في بعض الحالات بحسب «تايمز أوف إسرائيل».

وما يحدث في قصرة جزء من سياق أوسع في الضفة الغربية.

وللأسبوع الرابع على التوالي، يشن الجيش الإسرائيلي عملية في الضفة الغربية بعد الاشتباكات التي حدثت في قرية تل جنوب نابلس بسبب هجوم مستوطنين هناك، وقتل خلالها 4 فلسطينيين وجنديين.

ومع مواصلة اقتحام المدن والمخيمات والقرى واعتقال فلسطينيين، واصل المستوطنون سلسلة هجمات في الضفة.

وهاجم مستوطنون في مناطق مختلفة في الضفة الغربية، فجر الثلاثاء.

ويدافع المسؤولون الإسرائيليون عن المستوطنين بوصفهم درع إسرائيل.

وصرح وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن سياسة الاستيطان في وزارة الدفاع، في وقت سابق بأن هدف الحكومة الإسرائيلية المقبلة يجب أن يكون دفع الفلسطينيين إلى الهجرة.