استهداف الضاحية الجنوبية يفتح نقاشاً داخلياً حول أداء الدولة اللبنانية

أميركا تدعم موقف إسرائيل… وتباين بين تل أبيب وبيروت حول الكشف على الأبنية

لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج من قصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية ليل الخميس (أ.ب)
لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج من قصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية ليل الخميس (أ.ب)
TT

استهداف الضاحية الجنوبية يفتح نقاشاً داخلياً حول أداء الدولة اللبنانية

لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج من قصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية ليل الخميس (أ.ب)
لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج من قصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية ليل الخميس (أ.ب)

فتح الاستهداف الإسرائيلي الأخير للضاحية الجنوبية لبيروت، نقاشاً سياسياً في الداخل اللبناني حول الأداء الرسمي للدولة اللبنانية، عبّر عنه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بالقول إن استهداف بيروت مجدداً «يعود إلى أنه لا دولة فعلية في لبنان».

وعكس الاستهداف الإسرائيلي الرابع للضاحية الجنوبية منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تضارباً بين لبنان وإسرائيل، في حين قال متحدث باسم الخارجية الأميركية تعليقاً على الغارات الإسرائيلية، ليل الخميس، إن «الولايات المتحدة تدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وحماية مجتمعاتها في الشمال من (حزب الله) والمنظمات الإرهابية الأخرى التي تروّج للعنف وتعارض السلام». وأضاف المتحدث: «تُشكل البنية التحتية والأنشطة الإرهابية لـ(حزب الله) تهديداً خطيراً لسيادة لبنان وأمنه».

تباين لبناني - إسرائيلي

في المقابل، ظهر التباين بين لبنان الرسمي والجانب الإسرائيلي؛ إذ زعمت تل أبيب عبر وسائل إعلامها، أن «الحكومة اللبنانية كانت على علم ببناء (حزب الله) مسيّرات قبل أسبوع من الضربة الإسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية». وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن «الجيش اللبناني لم يتصرف ضدّ بناء (حزب الله) مسيّرات في ضاحية بيروت الجنوبية رغم علمه بهذا النشاط»، وهو ما كان الجيش اللبناني قد نفاه؛ إذ نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن متحدث عسكري تأكيده أن إسرائيل «لم توجّه أي رسالة مسبقة عبر لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار بشأن المواقع التي كانت تعتزم استهدافها خلال الليل».

كما أعلن الجيش اللبناني، في بيان، الجمعة، أنه «فور إعلان العدو الإسرائيلي عن تهديداته، باشرت (قيادة الجيش) التنسيق مع لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية لمنع وقوع الاعتداء، في حين توجهت دوريات إلى عدد من المواقع للكشف عليها على الرغم من رفض العدو للاقتراح».

ولم يتمكن الجيش «من تفتيش أحد المواقع قبل قصفه بسبب الضربات التحذيرية الإسرائيلية»، حسبما أفاد متحدث عسكري لبناني.

شبان من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت قرب موقع استهدفه القصف الإسرائيلي ليلة الخميس (إ.ب.أ)

وكان الجيش اللبناني كشف بعد ظهر الخميس على مواقع زعمت إسرائيل وجود أسلحة فيها في منطقة المريجة، وهي منطقة لم تتعرض للقصف ليل الخميس – الجمعة. وإثر القصف، «لم يعثر الجيش على أي معدات عسكرية»، حسبما أكد وزير الإعلام بول مرقص الذي أشار إلى أنّ «لجنة المراقبة التابعة للأمم المتحدة كانت قد أُبلغت مسبقاً بعدم وجود أسلحة في المواقع قبل تنفيذ القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية»، مؤكداً أنّ «الجيش اللبناني قام بالكشف ميدانياً، ولم يُثبت أي وجود لعناصر مسلحة أو تجهيزات عسكرية».

جعجع... لا دولة فعلية

ورغم التنديد الرسمي اللبناني بالقصف الإسرائيلي على الضاحية، فتح الاستهداف نقاشاً داخلياً حول أداء الدولة لمنع إعطاء إسرائيل أي ذرائع للقصف. ورأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أنه بعد ثمانية أشهر من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، تُضرب بيروت مجدداً لأن «لا دولة فعلية» في لبنان. وأضاف أنه «لا يجوز أن يبقى المواطن اللبناني تحت رحمة القصف الإسرائيلي، أو تحت وطأة الوجود الإسرائيلي في أرضنا، أو تحت رحمة غياب الاستقرار».

وأضاف جعجع: «لقد حان الوقت، بعد كل ما حصل، لأن يستقرّ بلدنا، وينال حريّته وسيادته بالشكل الصحيح. لكن هذا يتطلّب من الجميع أن يفكوا (يرحلوا) عن ظهر الدولة»؛ وذلك «كي تتمكن الدولة من الحركة، والوصول إلى برّ الأمان».

ولفت جعجع إلى أنه «لا أحد سيساعدنا على وقف الاعتداءات الإسرائيليّة، وإخراج الإسرائيليين من لبنان، إلا إذا أصبحنا دولة فعليّة، وفي الواقع لم نصبح بعد دولة فعليّة». وتابع: «إذا أردنا أن نكون دولة فعلية فالحل معروف، ولكن علينا ألا نضيّع أيامنا بالبكاء والندب، والهجوم اللفظي على إسرائيل وكأنّ هذا الهجوم سيحلّ لنا مشاكلنا، لا يتطلّب الأمر الكثير، فالحلول العمليّة موجودة وعلينا أن نُطبقها».

وفي السياق نفسه، قال عضو تكتل «الجمهورية القوية» (حزب القوات) النائب بيار بو عاصي: «الوقت ليس لربط الضربات الإسرائيلية بوجود سلاح (الحزب)، علينا أن نوقف هذه الضربات أولاً، مع الإشارة إلى أن تقاعس الدولة بجمع السلاح يوسع انتهاك إسرائيل». وتابع: «لدي تحفظ عن بيان الجيش (التلويح بوقف التعاون مع لجنة الرقابة الدولية المشرفة على تطبيق اتفاق وقف النار). فالموقف القائل إننا قاب قوسين من الانسحاب من اللجنة الأمنية من مسؤولية السلطة السياسية وليس من صلاحيات الجيش. لا خيار إلا بالدبلوماسية».

لبنانيون يقفون قبالة مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ليل الخميس (أ.ف.ب)

وعدَّ بو عاصي، في تصريح إذاعي، أن «الضربة الإسرائيلية الأخيرة سياسية وليست أمنية أو عسكرية وربما تأتي عقب زيارة وزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي لبيروت) ووسط مشاكل داخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفي ظل مناخات في المنطقة». وأضاف: «على سبيل المثال، تتمسك إسرائيل بالنقاط الخمس التي احتلتها في لبنان لأسباب سياسية وتفاوضية لأن لا قيمة عسكرية لها».

وتابع: «يجب العمل على جبهتين، خارجية عبر العمل الدبلوماسي وداخلية، حيث يجب تفكيك منظومة الحزب (حزب الله) العسكرية والأمنية ضمن جدول زمني واضح لتحقيق سيادتنا. حصر السلاح بيد السلطات الشرعية ليس ترفاً، بل واجب على كل دولة في العالم. هذا الأمر ليس لمصلحة القوات بل لمصلحة لبنان وشعبه».

«المجلس الشيعي»

في المقابل، عبّر نائب رئيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» الشيخ علي الخطيب عن تأييد موقف الرئيس اللبناني جوزيف عون «بالشروع في أخذ مواقف عملية تصعيدية لردع العدوان الصهيوني المتمادي على لبنان»، عادَّاً أن هذا الموقف الرسمي «وجد تأييداً ودعماً قويين من الشعب اللبناني وقواه الوطنية المختلفة».


مقالات ذات صلة

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

تشهد واشنطن الخميس جولة محادثات ثانية رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

جنوب الليطاني ساحة المواجهة: معادلة ردع جديدة مقيدة بالسقف الإسرائيلي

بعد فرض إسرائيل واقعاً ميدانياً جديداً إثر التوصل إلى هدنة، تظهر معادلة ردع جديدة عنوانها حصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني

كارولين عاكوم (بيروت)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.