600 يوم على حرب غزة... أرقام وحقائق صادمة لواقع مأساوي

صحة غزة: طفل قتيل كل 40 دقيقة وسيدة كل 60 دقيقة

فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
TT

600 يوم على حرب غزة... أرقام وحقائق صادمة لواقع مأساوي

فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

بعدما أتمّت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 600 يوم، لا يزال سكانه يكابدون معاناة هي الأقسى منذ عقود، يذوقون فيها كل يوم مرارة الفقد والموت والتدمير والتجويع، وذهاب أطفال نتيجة سوء التغذية.

وعلى الرغم من أن الحياة في القطاع قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كانت مليئة بظروف اقتصادية صعبة، مع اعتماد أكثر من 80 في المائة من السكان على المساعدات الإنسانية، لكن المأكل والمشرب والعمل... كلها كانت أموراً متاحة للسكان بسهولة أكبر مما عليه الحال حالياً. كانت هناك أزمات كهرباء ونسبة بطالة عالية، لكن ليس بنفس سوء الوضع الحالي.

فما إن بدأت الحرب على القطاع، حتى أجبرت القوات الإسرائيلية أهله على النزوح من مناطق سكنهم. ولم تكتفِ بالقصف الجوي والمدفعي والبحري، بل تعمدت تدمير البنية التحتية، بما في ذلك مصادر الماء والكهرباء والمنازل والمباني وغيرها، في خطوة هدفت في الأساس إلى إعادة غزة للعصر الحجري.

أحياء غزة

كانت في العديد من مناطق قطاع غزة أحياء راقية يقطنها من يُطلق عليهم أصحاب الطبقة العليا، كما كان هناك الكثير من الأبراج والعمارات السكنية التي تم تعميرها على مدار سنوات، وتسكنها طبقات من المتوسطة إلى العليا، لكن كل هذه المناطق، ومنها أحياء الرمال، وتل الهوى، والنصر، والكرامة، والمخابرات، والمشتل، والعودة، تحولت إلى أكوام من الركام.

كانت تلك الأحياء تنبض قبل الحرب بالحياة، كانت عامرة بالمطاعم والمقاهي والمتنزهات والمحال التجارية التي تعرض أفخم الماركات العالمية، لكنها جميعاً أصبحت لا تضم سوى خيام تؤوي نازحين. ومن بين هذه الخيام نبتت مقاهٍ بسيطة تقدم مشروبات خفيفة، لكن عملها متقطع لا يدوم بسبب نقص الاحتياجات الأساسية.

وهناك أحياء أخرى ظلت لسنوات وعقود رمزاً لقطاع غزة، مثل الشجاعية والزيتون، وكانت توجد بلدات ومخيمات، مثل بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا، وصولاً إلى مخيمات الوسط وخان يونس وبلداتها الشرقية ورفح التي كان يُطلق عليها البعض «عاصمة التجارة الحرة»، قبل أن تتحول جميعها إلى خرابة بعد تعمُّد هدم مبانيها ومنازلها، بالقصف الجوي تارة، وبالنسف باستخدام أطنان من المتفجرات تارة أخرى.

وتشير إحصائيات حكومية غير نهائية إلى أن نسبة الدمار الشامل وصلت إلى 88 في المائة.

صورة للدمار بشمال غزة التُقطت من الجانب الإسرائيلي من الحدود في 17 مايو 2025 (رويترز)

ربما كان التدمير في بعض فترات الحرب عشوائياً؛ لكنه في معظم الفترات، وخاصةً بعد أول اتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 والذي استمر سبعة أيام فقط، أصبح أكثر منهجية من خلال تدمير شامل تضاعف وتكثف خلال آخر ثلاثة أشهر سبقت هدنة مؤقتة دخلت حيز التنفيذ في 19 يناير (كانون الثاني) 2025.

غلب الركام والدمار على مشاهد الأحياء والمخيمات والبلدات المختلفة في قطاع غزة، فنادراً ما يوجد منزل سليم؛ فمن بين كل عشرة منازل هناك منزلان فقط يصلحان للسكن بعد إجراء إصلاحات بسيطة، بينما الأخرى إما متضررة ضرراً بالغاً وإما مدمَّرة بالكامل.

وخلال فترة وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية في يناير الماضي، عاد الغزيون لمناطق سكنهم، ونصبوا خيامهم فوق الركام وفي الساحات، لكن سرعان ما تبدد وقف إطلاق النار بعد نحو شهرين، ليعاودوا النزوح من مكان إلى آخر تحت نيران القصف المتجدد.

أما شواطئ القطاع التي كانت تعج بالمصطافين والاستراحات والمطاعم والمقاهي وصالات الأفراح، فقد تحولت، خاصةً في مناطق الوسط والجنوب، إلى أماكن لاستيعاب مئات الآلاف من النازحين الذين أقاموا في خيام وسط ظروف بالغة القسوة. وبات ميناء غزة في الأسابيع القليلة الماضية ساحة كبيرة من آلاف الخيام بعد نزوح سكان الشمال.

وفي أحيان، كانت هذه الشواطئ - خاصة في شمال القطاع ومدينة غزة - مسرحاً للعمليات العسكرية تمر عبره القوات الإسرائيلية وتستخدمه ممراً لدخولها وخروجها.

رأساً على عقب

جاءت الحرب فقلبت واقع حياة الغزيين رأساً على عقب، ومع اختفاء مصادر المياه النظيفة، اضطروا في مرات عديدة لشرب مياه لا تصلح حتى للاستهلاك الآدمي، ما تسبب بأزمات صحية وبيئية خطيرة، خاصةً في مناطق النزوح، مثل مواصي رفح وخان يونس جنوب قطاع غزة.

ومع الانقطاع الكامل للكهرباء، باتوا يعتمدون على ما يتوفر من طاقة شمسية لدى بعض المقتدرين منهم، الأمر الذي فتح لهؤلاء تجارة، ليست دائمة ولا بالكبيرة، لكنها تجلب لهم جزءاً من قوت يومهم.

واختفت غالبية أنواع الطعام؛ وبعدما كان من النادر أن ينام أحد جائعاً في السابق، لا تجد الآن الغالبية - صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً - ما يسد رمقهم.

ووصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الأربعاء، قطاع غزة بأنه «أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض»، محذراً من أن الوقت ينفد بسرعة كبيرة، «والأرواح تزهق كل ساعة».

تَدافُع للحصول على غذاء من تكية خيرية في منطقة المواصي بخان يونس يوم الجمعة الماضي (أ.ب)

وخلال فترات الحصار المتكرر في الحرب، فقد أكثر من 60 طفلاً حياتهم نتيجة سوء التغذية، فيما تُوفي 242 بسبب نقص الغذاء والدواء، كما تؤكد إحصائية لمكتب الإعلام الحكومي بغزة التابع لـ«حماس».

تعليم في مهب الريح

ضاع التعليم في قطاع غزة مثلما ضاعت أشياء كثيرة، فأصبح الطلاب بلا مدارس أو معاهد أو جامعات، وتحولوا من دارسين إلى مشردين أو منتظرين في طوابير طويلة أملاً في الحصول على لقمة طعام أو شربة ماء لهم ولأهليهم.

وتحول القليل الذي بقي من المدارس والجامعات لمراكز إيواء لم تسلم هي الأخرى من القصف بمن فيها، وحاصرت القوات الإسرائيلية مباني تعليمية أخرى وعملت على تجريفها بعد اقتحامها واعتقال من بداخلها أو إجبارهم على النزوح في أعقاب التحقيق معهم.

مخيمات نازحين في مدرسة تابعة للأونروا بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

ووفقاً لإحصائيات متطابقة من مصادر مختلفة، فقد نحو 13 ألف طالب حياتهم خلال الحرب التي حاولت إسرائيل من خلالها إنشاء جيل جديد بغزة لا يعرف القراءة أو الكتابة؛ لكن سرعان ما تدارك المعلمون وبعض المنظمات الشبابية والدولية ذلك، فصنعوا من الخيام والصفيح صفوفاً يذكّرون بها الجيل الصاعد بمناهج الدراسة، لكن القصف كان يلاحقهم في كل مرة، الأمر الذي صعَّب من مهمتهم.

وبحسب الإحصائيات، دمرت القوات الإسرائيلية 149 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية كلياً، و369 جزئياً، وقتلت 800 من المعلمين والكوادر التربوية.

توسيع دائرة الاستهداف

لم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على استهداف المسلحين أو عناصر «حماس» وحسب، بل طالت عامة المدنيين في منازلهم أو خيامهم، إضافة إلى أطباء وصحافيين وأكاديميين، فقُتل المئات منهم في هجمات مباشرة.

وتشير إحصائيات متطابقة إلى أن 1581 من الكوادر الطبية قُتلوا خلال الحرب، فيما قُتل أكثر من 220 صحافياً، وأكثر من 150 عالِماً وأكاديمياً من أصحاب العلوم المميزة في جامعات غزة.

تعبيرات الوجيعة في جنازة فلسطينيين قتلوا في ضربات إسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الأربعاء (رويترز)

وبحسب وزارة الصحة في غزة، خرج 22 مستشفى من أصل 38 من الخدمة، وأصبح رصيد 47 في المائة من قائمة الأدوية الأساسية، و65 في المائة من قائمة المستهلكات الطبية صفراً. ولا يعمل حالياً سوى 30 مركز رعاية أولية من أصل 105 مراكز، وتوفي 41 في المائة من مرضى الفشل الكلوي خلال الحرب.

الضحايا

لا يكاد يخلو منزل في قطاع غزة من شخص فُقد ضحية لقصف هنا أو هناك، أو جريح أصيب، أو أسير، أو مفقود لا يُعرف مصيره.

آخر الإحصائيات كما تعلن وزارة الصحة بغزة تفيد بمقتل 54 ألفاً و84 فلسطينياً وإصابة أكثر من 123 ألفاً آخرين منذ السابع من أكتوبر 2023، ولا يزال آلاف الضحايا في عداد المفقودين. وتشير بيانات الوزارة إلى أن إسرائيل ارتكبت «14 ألف مجزرة بغزة، وتسببت بمسح 2483 عائلة من السجل المدني بالكامل»، فيما بقيت 5620 عائلة ليس بها إلا ناجٍ واحد.

ووفقاً للإحصائية ذاتها، يسقط طفل قتيل كل 40 دقيقة، وسيدة كل 60 دقيقة. كما تشير إلى مقتل 16854 طفلاً منذ بداية الحرب بواقع 31.5 في المائة من أعداد الضحايا، مشيرةً إلى أن من بين هؤلاء 931 طفلاً كانت أعمارهم أقل من عام واحد.

فلسطيني يحمل جثمان جنين قُتلت أمه في ضربة إسرائيلية بمدينة غزة الأربعاء (رويترز)

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بأن أكثر من 950 طفلاً قتلوا في غضون شهرين فقط، فيما كانت قد أشارت سابقاً إلى أن نحو 50 ألف طفل قُتلوا وأُصيبوا منذ بداية الحرب.

«حماس» قبل الحرب وبعدها

قبل الحرب، كانت حركة «حماس» قوية تبسط سيطرتها على القطاع حكومياً وعسكرياً وسياسياً، لكن الأمر اختلف بعد هجومها المفاجئ في السابع من أكتوبر 2023، فمرت بالكثير من المنعرجات، وحالات ضعف ثم قوة ثم ضعف.

ارتبط هذا بطرق الاستهداف الإسرائيلي لقياداتها وكوادرها، والذي بقي لأشهر ضعيفاً غير قادر على اغتيال أو قتل أبرز قياداتها والوصول إليهم.

غير أن إسرائيل تمكنت من القضاء على أبرز الوجوه، خاصةً في أعقاب استئناف الحرب في 18 مارس (آذار) الماضي، وشن أكبر الهجمات وأخطرها على الحركة، والتي يقول كثيرون إنها أضعفتها فعلياً بعد سلسلة اغتيالات مؤثرة.

فلسطينيون يحملون مساعدات تلقوها من «مؤسسة إغاثة غزة» في خان يونس بجنوب القطاع يوم الأربعاء (رويترز)

وطوال فترة الحرب، كانت لدى «حماس» القدرة على توفير رواتب لموظفيها وعناصرها من مختلف المستويات الحكومية والعسكرية والتنظيمية، ولو بالحد الأدنى؛ لكن منذ استئناف الحرب، لم تعد قادرة على ذلك، وباتت تجد صعوبة بالغة في توفير أي مبالغ مالية بسيطة لهم.

وأصبحت الحركة تعاني فراغاً إدارياً ومالياً، حتى على المستوى العسكري وتوفير القدرات اللازمة لعناصرها؛ لكنها ما زالت تحاول إظهار تماسكها من خلال عمليات تنفذها بين الفينة والأخرى ضد القوات الإسرائيلية، وإن لم تكن بذات الزخم السابق.

وفعلياً، فقدت «حماس» قدرتها على إدارة الوضع الحكومي بغزة؛ كضبط الأسعار في الأسواق، أو القدرة على حماية المساعدات أو ضبط اللصوص وغير ذلك. وباتت الحركة تعمل فعلياً بشكل غير منظم تنظيماً كاملاً.

ومع هذا، لا تزال الحركة متماسكة في بعض المناطق، لكن ليست بذات القوة التي كانت تتمتع بها من قبل، ما سهَّل على خصومها أمر انتقادها، بل التهجم عليها علناً، والخروج بمسيرات ضدها، وهو ما لم يكن معهوداً من قبل.


مقالات ذات صلة

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

شمال افريقيا عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
المشرق العربي مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

تتطلع حركة «حماس» إلى نجاح الضغوط التي تمارسها، عبر الوسطاء، في إحداث تعديلات على الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إلى قيادة…

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا قوارب ضمن «أسطول الصمود العالمي» تبحر قبالة اليونان متجهة نحو قطاع غزة 26 سبتمبر 2025 (رويترز)

أسطول إنساني سيغادر برشلونة في مهمة جديدة نحو غزة في 12 أبريل

أعلن ناشطون مؤيدون للفلسطينيين حاولوا الوصول إلى غزة عن طريق البحر العام الماضي، الخميس، أنهم سيغادرون برشلونة في 12 أبريل (نيسان) في مهمة إنسانية جديدة.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
شؤون إقليمية جانب من اجتماع جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين رداً على «قانون إعدام الأسرى» (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» تطالب بتدخل دولي يلزم إسرائيل بإلغاء «قانون إعدام الأسرى»

أكدت جامعة الدول العربية، الخميس، «إدانتها الشديدة ورفضها القاطع» لإقرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي قانوناً صادق عليه «الكنيست» يمكّن من إعدام الأسرى الفلسطينيين

فتحية الدخاخني (القاهرة )
المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)

السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)

قالت السفارة الأميركية في بيروت، اليوم الجمعة، إن إيران والجماعات المسلّحة المتحالفة معها «قد تستهدف جامعات في لبنان».

وحضّت السفارة المواطنين الأميركيين، في بيان أمني نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، على مغادرة لبنان «ما دامت خيارات الرحلات الجوية التجارية متاحة».

ونصحت السفارة الأميركية في بغداد، الخميس، الرعايا الأميركيين بمغادرة العراق فوراً.

وفي إشعارٍ لها على منصة «إكس»، قالت السفارة إن «ميليشيات إرهابية عراقية متحالفة مع إيران قد تعتزم تنفيذ هجمات في وسط بغداد، خلال الـ24 إلى 48 ساعة المقبلة».

وأشارت إلى أن «الميليشيات الإرهابية» قد تستهدف المواطنين الأميركيين والشركات والجامعات والمرافق الدبلوماسية والبنى التحتية للطاقة والفنادق والمطارات، وغيرها من المواقع التي يُعتقد أنها مرتبطة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى مؤسسات عراقية وأهداف مدنية.

وهدَّد «الحرس الثوري» الإيراني، الأحد، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.


«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

محادثات بشأن تنفيذ بنود اتفاق غزة استضافتها القاهرة مع حركة «حماس» بعد لقاءات مع الممثل السامي لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، شهدت مطالبات بضمانات للتطبيق، وسط تمسك إسرائيل بنزع السلاح، وتمسك الفصائل الفلسطينية بانسحاب كامل لقوات الاحتلال.

ذلك الحديث عن الضمانات يأتي في خضم مناقشات بشأن إطار ملادينوف، القائم على نزع السلاح مقابل الإعمار، دون الحديث عن موعد الانسحاب الإسرائيلي، اعتبره خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يجعل المفاوضات أمام «عقدة التزام» من الطرفين، لن يكون حلّها سهلاً إلا بضغوط أميركية ومقاربات من الوسطاء.

والتقى وفد من حركة «حماس» الوسطاء من مصر وتركيا وقطر، لبحث تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وفق بيان للحركة، الخميس.

وقال مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، إن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

وكشف 3 مصادر، وهم مسؤولان مصريان وآخر فلسطيني، لـ«رويترز»، أن الحركة أبلغت الوسطاء بأنها لن تناقش نزع سلاحها دون الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، وفق المنصوص عليه في خطة نزع السلاح، التي وضعها «مجلس السلام».

وجاءت اجتماعات «حماس» غداة زيارة أجراها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، إلى القاهرة وأنقرة، بشأن خطته لتنفيذ اتفاق غزة، وفق مقترح «مجلس السلام» الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

يقف الفلسطينيون النازحون في طوابير لتلقي الطعام الذي يوزعه مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن الضمانات التي تطالب بها «حماس» عليها توافق، وهي انسحاب إسرائيل وتشكيل قوات الاستقرار بالقطاع، لكن العقدة في إسرائيل التي تريد انسحاباً شكلياً، وتتمسك بتسليم السلاح كذريعة لتهديد الاتفاق، وليس لضمان نجاحه.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، مشيراً إلى أن الضمانات حقّ فلسطيني واجب على إسرائيل الالتزام به، بينما ما تطرحه إسرائيل ليس ضمانات، بل ذرائع لإفشال الاتفاق، وسيكون الرهان منصباً على تحرك الوسطاء للوصول لمقاربات أو تفاهمات.

تلك التباينات جعلت مصدراً منفصلاً مقرباً من «مجلس السلام»، وفق ما ذكرته «رويترز» الخميس، يتوقع أن ردّ «حماس» يعني أن المحادثات بشأن نزع سلاح الحركة لن تُفضي على الأرجح إلى تقدم فوري، مؤكداً أن الحركة ستجتمع مع الوسطاء مجدداً الأسبوع المقبل.

وذكر المصدر، في حديث لـ«رويترز»، أن الولايات المتحدة قد تمضي قدماً في جهود إعادة الإعمار دون نزع سلاح «حماس»، ولكن في المناطق الخاضعة تماماً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، مستبعداً أن ترفض «حماس» الخطة.

وكان ملادينوف كتب، في منشور على منصة «إكس»، الخميس، قائلاً: إن «المجتمع الدولي يؤيد الخطة، حان الوقت للاتفاق على إطار تنفيذها... من أجل مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».

ويؤكد السفير رخا أحمد حسن أهمية أن يكون هناك ضغط أميركي على إسرائيل وليس مقاربة فقط من الوسطاء خاصة، والانسحاب أولوية قصوى لنجاح باقي تفاهمات الاتفاق، مشيراً إلى أن مصر والوسطاء حريصون على تنفيذ الاتفاق، وسيحاولون مواصلة تحقيق ذلك، بينما إسرائيل ستفكر في تعطيل كل شيء تحت أي ذريعة.

ويتوقع الرقب أن يدفع الوسطاء بمقاربة جديدة، من أجل دفع خطة تنفيذ الاتفاق، مع التمسك بالانسحاب الإسرائيلي باعتباره مفتاح الحل.


تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
TT

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، على وقع تصعيد إسرائيلي متدرّج يجمع بين الضغط العسكري المباشر وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات، في موازاة تثبيت معادلة «العزل الميداني» للبلدات الحدودية، وفي مقدّمتها مدينة بنت جبيل، التي تتصدر المشهد بوصفها هدفاً رئيسياً في المرحلة الراهنة.

وفي هذا السياق، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى سكان الأطراف الشمالية لبلدة عين إبل، القريبة من بنت جبيل، طالباً منهم التوجه إلى داخل البلدة، في خطوة تعكس محاولة إعادة توزيع السكان ضمن نطاقات محددة.

آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

تطويق بنت جبيل... استراتيجية بديلة للاقتحام

تتجه الأنظار إلى بنت جبيل، حيث يبرز نمط عملياتي مختلف في التحرك الإسرائيلي. ويوضح العميد المتقاعد سعيد قزح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ إسرائيل «تعتمد تكتيك التطويق الكامل للمدينة بدل التوغل المباشر داخلها». ويشير إلى أنّ «القوات الإسرائيلية تعمل على إحكام الطوق عبر عدة محاور متزامنة: من جهة عيترون وعيناثا شرقاً وجنوباً، ومن محور عيتا الشعب، حيث وصلت التحركات إلى تخوم حداثا شمالاً، مع ترجيح التقدم عبر محور عين إبل غرباً، ما يعني عملياً عزل بنت جبيل من الجهات الأربع».

ويضيف قزح أنّ «إخلاء مستشفى صلاح غندور في منطقة (صفّ الهوى)، التي تُعدّ عقدة مواصلات حيوية تربط بنت جبيل بمحيطها، يشير إلى نية إسرائيل التقدم نحو هذه النقطة الاستراتيجية، بهدف التحكم بخطوط الإمداد والحركة».

امرأة تتفقد منزلاً مدمراً أصيب جراء غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

من هنا، يرى أنّ الجيش الإسرائيلي يتجنب تقليدياً خوض معارك داخل المناطق المبنية بسبب تكلفتها المرتفعة، مرجحاً اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة عبر التدمير المكثف قبل أي اقتحام. ويؤكد أنّ «بنت جبيل، بما تحتويه من دفاعات محضّرة، قد تتحول إلى ساحة استنزاف مكلفة، ما يجعل خيار الاقتحام المباشر مؤجلاً لصالح العزل والتطويق».

ويخلص إلى أنّ السيناريو الأرجح في المدى القريب «يتمثل في استمرار فرض الطوق وقطع خطوط الإمداد، مع اندلاع اشتباكات على الأطراف، من دون عملية اقتحام واسعة في الوقت الراهن، إلا إذا تبدلت الظروف الميدانية».

إنذارات تمتد إلى الضاحية والبقاع

بالتوازي مع الجبهة الجنوبية، وسّعت إسرائيل دائرة الضغط لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث جدّد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذاراته صباحاً، داعياً سكان أحياء حارة حريك والغبيري والليلكي والحدث وبرج البراجنة وتحويطة الغدير والشياح، إلى الإخلاء الفوري.

وفي البقاع الغربي، نفّذ الجيش الإسرائيلي تهديده باستهداف الجسر الذي يربط سحمر بمشغرة فوق نهر الليطاني. وكان أدرعي قد أعلن مسبقاً نية استهداف الجسرين، داعياً السكان إلى التوجه شمال نهر الزهراني. ولاحقاً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية مصلين أثناء خروجهم من مسجد في سحمر، ما أدى إلى سقوط قتيلين و11 جريحاً، في مؤشر على اتساع رقعة الاستهدافات لتشمل التجمعات المدنية.

مبنى منهار في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

غارات على الضاحية والجنوب وتحركات برية

ميدانياً، سجّلت غارات على الضاحية الجنوبية بعد هدوء يومين، فيما تواصلت الغارات الجوية والقصف المدفعي على نطاق واسع في الجنوب، حيث استُهدف منزل بين كفرا وصربين قرب مركز لـ«الهيئة الصحية الإسلامية»، ما أدى إلى احتراق سيارة إسعاف من دون وقوع إصابات، كما طالت الغارات بلدات صريفا وبرعشيت وجويا وبرج قلاويه ودبعال والرمادية والبستان ويحمر الشقيف والشعيتية، مع تسجيل سقوط ضحايا وجرحى، بينهم سوريون. كما استهدفت غارات بلدتي دبين وصريفا في قضاء صور، فيما تعرضت أطراف حاريص وكفرا لقصف مدفعي متقطع.

وسُجّل تحليق مكثف للطيران المسيّر في أجواء الهرمل والبقاع الشمالي وبيروت وجبل لبنان والضاحية الجنوبية، في إطار تغطية استطلاعية شاملة للمسرح العملياتي.

وفجراً، مشّطت مروحيات «أباتشي» الساحل الممتد من البياضة إلى المنصوري بالأسلحة الرشاشة، وأطلقت صواريخ بالتزامن مع اشتباكات ميدانية، حيث أفيد عن هجوم نفذه عناصر «حزب الله» على قوة إسرائيلية كانت تتقدم في منطقة البياضة باتجاه الطريق الساحلي. كما تعرضت بنت جبيل وحانين وكونين والطيري لغارات بعد منتصف الليل، فيما استُهدف شرق برعشيت بقصف مدفعي.

وفي موازاة ذلك، فجّرت القوات الإسرائيلية ما تبقى من منازل في عيتا الشعب، وسط دوي انفجارات سُمع حتى مدينة صور.

وفي سياق متصل، أفاد «الوكالة الوطنية للإعلام» بإصابة 3 جنود من الوحدة الإندونيسية بجروح داخل مقرهم في العديسة، جراء سقوط قذيفة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد مصدرها.

تبادل ناري وتصعيد صاروخي

في المقابل، أعلن «حزب الله» إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وفي سلسلة بيانات، أعلن الحزب استهداف مستوطنة كريات شمونة مرات عدة، إضافة إلى قصف تجمعات للجنود في ثكنة هونين، وبنى تحتية عسكرية في صفد، ومستوطنة المطلة وكفريوفال، فضلاً عن تجمعات في المالكية وديشون وموقع هضبة العجل. كما أعلن تفجير عبوة ناسفة بقوة إسرائيلية في منطقة دير حنّا في بلدة البياضة، ما أدى إلى وقوع إصابات استدعت تدخّل مروحية للإخلاء، قبل استهداف المنطقة لاحقاً بالقذائف المدفعية.