600 يوم على حرب غزة... أرقام وحقائق صادمة لواقع مأساوي

صحة غزة: طفل قتيل كل 40 دقيقة وسيدة كل 60 دقيقة

فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
TT

600 يوم على حرب غزة... أرقام وحقائق صادمة لواقع مأساوي

فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط ركام مبان مدمرة بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

بعدما أتمّت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 600 يوم، لا يزال سكانه يكابدون معاناة هي الأقسى منذ عقود، يذوقون فيها كل يوم مرارة الفقد والموت والتدمير والتجويع، وذهاب أطفال نتيجة سوء التغذية.

وعلى الرغم من أن الحياة في القطاع قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كانت مليئة بظروف اقتصادية صعبة، مع اعتماد أكثر من 80 في المائة من السكان على المساعدات الإنسانية، لكن المأكل والمشرب والعمل... كلها كانت أموراً متاحة للسكان بسهولة أكبر مما عليه الحال حالياً. كانت هناك أزمات كهرباء ونسبة بطالة عالية، لكن ليس بنفس سوء الوضع الحالي.

فما إن بدأت الحرب على القطاع، حتى أجبرت القوات الإسرائيلية أهله على النزوح من مناطق سكنهم. ولم تكتفِ بالقصف الجوي والمدفعي والبحري، بل تعمدت تدمير البنية التحتية، بما في ذلك مصادر الماء والكهرباء والمنازل والمباني وغيرها، في خطوة هدفت في الأساس إلى إعادة غزة للعصر الحجري.

أحياء غزة

كانت في العديد من مناطق قطاع غزة أحياء راقية يقطنها من يُطلق عليهم أصحاب الطبقة العليا، كما كان هناك الكثير من الأبراج والعمارات السكنية التي تم تعميرها على مدار سنوات، وتسكنها طبقات من المتوسطة إلى العليا، لكن كل هذه المناطق، ومنها أحياء الرمال، وتل الهوى، والنصر، والكرامة، والمخابرات، والمشتل، والعودة، تحولت إلى أكوام من الركام.

كانت تلك الأحياء تنبض قبل الحرب بالحياة، كانت عامرة بالمطاعم والمقاهي والمتنزهات والمحال التجارية التي تعرض أفخم الماركات العالمية، لكنها جميعاً أصبحت لا تضم سوى خيام تؤوي نازحين. ومن بين هذه الخيام نبتت مقاهٍ بسيطة تقدم مشروبات خفيفة، لكن عملها متقطع لا يدوم بسبب نقص الاحتياجات الأساسية.

وهناك أحياء أخرى ظلت لسنوات وعقود رمزاً لقطاع غزة، مثل الشجاعية والزيتون، وكانت توجد بلدات ومخيمات، مثل بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا، وصولاً إلى مخيمات الوسط وخان يونس وبلداتها الشرقية ورفح التي كان يُطلق عليها البعض «عاصمة التجارة الحرة»، قبل أن تتحول جميعها إلى خرابة بعد تعمُّد هدم مبانيها ومنازلها، بالقصف الجوي تارة، وبالنسف باستخدام أطنان من المتفجرات تارة أخرى.

وتشير إحصائيات حكومية غير نهائية إلى أن نسبة الدمار الشامل وصلت إلى 88 في المائة.

صورة للدمار بشمال غزة التُقطت من الجانب الإسرائيلي من الحدود في 17 مايو 2025 (رويترز)

ربما كان التدمير في بعض فترات الحرب عشوائياً؛ لكنه في معظم الفترات، وخاصةً بعد أول اتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 والذي استمر سبعة أيام فقط، أصبح أكثر منهجية من خلال تدمير شامل تضاعف وتكثف خلال آخر ثلاثة أشهر سبقت هدنة مؤقتة دخلت حيز التنفيذ في 19 يناير (كانون الثاني) 2025.

غلب الركام والدمار على مشاهد الأحياء والمخيمات والبلدات المختلفة في قطاع غزة، فنادراً ما يوجد منزل سليم؛ فمن بين كل عشرة منازل هناك منزلان فقط يصلحان للسكن بعد إجراء إصلاحات بسيطة، بينما الأخرى إما متضررة ضرراً بالغاً وإما مدمَّرة بالكامل.

وخلال فترة وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية في يناير الماضي، عاد الغزيون لمناطق سكنهم، ونصبوا خيامهم فوق الركام وفي الساحات، لكن سرعان ما تبدد وقف إطلاق النار بعد نحو شهرين، ليعاودوا النزوح من مكان إلى آخر تحت نيران القصف المتجدد.

أما شواطئ القطاع التي كانت تعج بالمصطافين والاستراحات والمطاعم والمقاهي وصالات الأفراح، فقد تحولت، خاصةً في مناطق الوسط والجنوب، إلى أماكن لاستيعاب مئات الآلاف من النازحين الذين أقاموا في خيام وسط ظروف بالغة القسوة. وبات ميناء غزة في الأسابيع القليلة الماضية ساحة كبيرة من آلاف الخيام بعد نزوح سكان الشمال.

وفي أحيان، كانت هذه الشواطئ - خاصة في شمال القطاع ومدينة غزة - مسرحاً للعمليات العسكرية تمر عبره القوات الإسرائيلية وتستخدمه ممراً لدخولها وخروجها.

رأساً على عقب

جاءت الحرب فقلبت واقع حياة الغزيين رأساً على عقب، ومع اختفاء مصادر المياه النظيفة، اضطروا في مرات عديدة لشرب مياه لا تصلح حتى للاستهلاك الآدمي، ما تسبب بأزمات صحية وبيئية خطيرة، خاصةً في مناطق النزوح، مثل مواصي رفح وخان يونس جنوب قطاع غزة.

ومع الانقطاع الكامل للكهرباء، باتوا يعتمدون على ما يتوفر من طاقة شمسية لدى بعض المقتدرين منهم، الأمر الذي فتح لهؤلاء تجارة، ليست دائمة ولا بالكبيرة، لكنها تجلب لهم جزءاً من قوت يومهم.

واختفت غالبية أنواع الطعام؛ وبعدما كان من النادر أن ينام أحد جائعاً في السابق، لا تجد الآن الغالبية - صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً - ما يسد رمقهم.

ووصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الأربعاء، قطاع غزة بأنه «أكثر الأماكن جوعاً على وجه الأرض»، محذراً من أن الوقت ينفد بسرعة كبيرة، «والأرواح تزهق كل ساعة».

تَدافُع للحصول على غذاء من تكية خيرية في منطقة المواصي بخان يونس يوم الجمعة الماضي (أ.ب)

وخلال فترات الحصار المتكرر في الحرب، فقد أكثر من 60 طفلاً حياتهم نتيجة سوء التغذية، فيما تُوفي 242 بسبب نقص الغذاء والدواء، كما تؤكد إحصائية لمكتب الإعلام الحكومي بغزة التابع لـ«حماس».

تعليم في مهب الريح

ضاع التعليم في قطاع غزة مثلما ضاعت أشياء كثيرة، فأصبح الطلاب بلا مدارس أو معاهد أو جامعات، وتحولوا من دارسين إلى مشردين أو منتظرين في طوابير طويلة أملاً في الحصول على لقمة طعام أو شربة ماء لهم ولأهليهم.

وتحول القليل الذي بقي من المدارس والجامعات لمراكز إيواء لم تسلم هي الأخرى من القصف بمن فيها، وحاصرت القوات الإسرائيلية مباني تعليمية أخرى وعملت على تجريفها بعد اقتحامها واعتقال من بداخلها أو إجبارهم على النزوح في أعقاب التحقيق معهم.

مخيمات نازحين في مدرسة تابعة للأونروا بمدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

ووفقاً لإحصائيات متطابقة من مصادر مختلفة، فقد نحو 13 ألف طالب حياتهم خلال الحرب التي حاولت إسرائيل من خلالها إنشاء جيل جديد بغزة لا يعرف القراءة أو الكتابة؛ لكن سرعان ما تدارك المعلمون وبعض المنظمات الشبابية والدولية ذلك، فصنعوا من الخيام والصفيح صفوفاً يذكّرون بها الجيل الصاعد بمناهج الدراسة، لكن القصف كان يلاحقهم في كل مرة، الأمر الذي صعَّب من مهمتهم.

وبحسب الإحصائيات، دمرت القوات الإسرائيلية 149 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية كلياً، و369 جزئياً، وقتلت 800 من المعلمين والكوادر التربوية.

توسيع دائرة الاستهداف

لم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على استهداف المسلحين أو عناصر «حماس» وحسب، بل طالت عامة المدنيين في منازلهم أو خيامهم، إضافة إلى أطباء وصحافيين وأكاديميين، فقُتل المئات منهم في هجمات مباشرة.

وتشير إحصائيات متطابقة إلى أن 1581 من الكوادر الطبية قُتلوا خلال الحرب، فيما قُتل أكثر من 220 صحافياً، وأكثر من 150 عالِماً وأكاديمياً من أصحاب العلوم المميزة في جامعات غزة.

تعبيرات الوجيعة في جنازة فلسطينيين قتلوا في ضربات إسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الأربعاء (رويترز)

وبحسب وزارة الصحة في غزة، خرج 22 مستشفى من أصل 38 من الخدمة، وأصبح رصيد 47 في المائة من قائمة الأدوية الأساسية، و65 في المائة من قائمة المستهلكات الطبية صفراً. ولا يعمل حالياً سوى 30 مركز رعاية أولية من أصل 105 مراكز، وتوفي 41 في المائة من مرضى الفشل الكلوي خلال الحرب.

الضحايا

لا يكاد يخلو منزل في قطاع غزة من شخص فُقد ضحية لقصف هنا أو هناك، أو جريح أصيب، أو أسير، أو مفقود لا يُعرف مصيره.

آخر الإحصائيات كما تعلن وزارة الصحة بغزة تفيد بمقتل 54 ألفاً و84 فلسطينياً وإصابة أكثر من 123 ألفاً آخرين منذ السابع من أكتوبر 2023، ولا يزال آلاف الضحايا في عداد المفقودين. وتشير بيانات الوزارة إلى أن إسرائيل ارتكبت «14 ألف مجزرة بغزة، وتسببت بمسح 2483 عائلة من السجل المدني بالكامل»، فيما بقيت 5620 عائلة ليس بها إلا ناجٍ واحد.

ووفقاً للإحصائية ذاتها، يسقط طفل قتيل كل 40 دقيقة، وسيدة كل 60 دقيقة. كما تشير إلى مقتل 16854 طفلاً منذ بداية الحرب بواقع 31.5 في المائة من أعداد الضحايا، مشيرةً إلى أن من بين هؤلاء 931 طفلاً كانت أعمارهم أقل من عام واحد.

فلسطيني يحمل جثمان جنين قُتلت أمه في ضربة إسرائيلية بمدينة غزة الأربعاء (رويترز)

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بأن أكثر من 950 طفلاً قتلوا في غضون شهرين فقط، فيما كانت قد أشارت سابقاً إلى أن نحو 50 ألف طفل قُتلوا وأُصيبوا منذ بداية الحرب.

«حماس» قبل الحرب وبعدها

قبل الحرب، كانت حركة «حماس» قوية تبسط سيطرتها على القطاع حكومياً وعسكرياً وسياسياً، لكن الأمر اختلف بعد هجومها المفاجئ في السابع من أكتوبر 2023، فمرت بالكثير من المنعرجات، وحالات ضعف ثم قوة ثم ضعف.

ارتبط هذا بطرق الاستهداف الإسرائيلي لقياداتها وكوادرها، والذي بقي لأشهر ضعيفاً غير قادر على اغتيال أو قتل أبرز قياداتها والوصول إليهم.

غير أن إسرائيل تمكنت من القضاء على أبرز الوجوه، خاصةً في أعقاب استئناف الحرب في 18 مارس (آذار) الماضي، وشن أكبر الهجمات وأخطرها على الحركة، والتي يقول كثيرون إنها أضعفتها فعلياً بعد سلسلة اغتيالات مؤثرة.

فلسطينيون يحملون مساعدات تلقوها من «مؤسسة إغاثة غزة» في خان يونس بجنوب القطاع يوم الأربعاء (رويترز)

وطوال فترة الحرب، كانت لدى «حماس» القدرة على توفير رواتب لموظفيها وعناصرها من مختلف المستويات الحكومية والعسكرية والتنظيمية، ولو بالحد الأدنى؛ لكن منذ استئناف الحرب، لم تعد قادرة على ذلك، وباتت تجد صعوبة بالغة في توفير أي مبالغ مالية بسيطة لهم.

وأصبحت الحركة تعاني فراغاً إدارياً ومالياً، حتى على المستوى العسكري وتوفير القدرات اللازمة لعناصرها؛ لكنها ما زالت تحاول إظهار تماسكها من خلال عمليات تنفذها بين الفينة والأخرى ضد القوات الإسرائيلية، وإن لم تكن بذات الزخم السابق.

وفعلياً، فقدت «حماس» قدرتها على إدارة الوضع الحكومي بغزة؛ كضبط الأسعار في الأسواق، أو القدرة على حماية المساعدات أو ضبط اللصوص وغير ذلك. وباتت الحركة تعمل فعلياً بشكل غير منظم تنظيماً كاملاً.

ومع هذا، لا تزال الحركة متماسكة في بعض المناطق، لكن ليست بذات القوة التي كانت تتمتع بها من قبل، ما سهَّل على خصومها أمر انتقادها، بل التهجم عليها علناً، والخروج بمسيرات ضدها، وهو ما لم يكن معهوداً من قبل.


مقالات ذات صلة

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

المشرق العربي فلسطينيون يتلقون الطعام المقدم من برنامج الغذاء العالمي في غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

غزة... ترحيب لا يخلو من تحفظ على نتائج الانتخابات الأميركية

كما تابعت القوى السياسية في قطاع غزة والمنصات التابعة لها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، اهتمت أيضاً بالانتخابات الأميركية؛ وتنوعت ردود فعلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر والبحرين تؤكدان دعم جهود حل الأزمة الإيرانية سلمياً

أكدت مصر والبحرين «ضرورة خفض التوتر الإقليمي الراهن»، وكذا «دعم الجهود الرامية لإيجاد حل سلمي للأزمة الإيرانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي فتى فلسطيني يجرّ خردة معدنية من مبانٍ مدمّرة في حي النصيرات بغزة (أ.ف.ب)

تدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة مع استمرار هجمات العصابات

تتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في غزة جراء القيود الإسرائيلية على المعابر، تزامناً مع استمرار الهجمات الميدانية للعصابات المدعومة من الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الدفاع المدني الفلسطيني يعمل على إخماد حريق في سيارة أصيبت بضربة عسكرية إسرائيلية في مدينة غزة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل خمسة فلسطينيين جراء غارات إسرائيلية استهدفت أماكن مختلفة من قطاع غزة الاثنين، وفق ما أفاد الدفاع المدني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي دقيق وسلال غذائية من مصر إلى قطاع غزة الأحد في إطار حملة «سنابل العطاء من زاد العزة» (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

دعم مصري مستمر لحل أزمة الخبز في غزة

أعلن «الهلال الأحمر» الأحد إطلاق قافلة «زاد العزة... من مصر إلى غزة» رقم 306 محملة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية المتجهة إلى غزة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية... ونتنياهو يلاحق الأحزاب العربية

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
TT

هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية... ونتنياهو يلاحق الأحزاب العربية

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)

في الوقت الذي باشر فيه الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الأربعاء، لقاءاته مع قادة الأحزاب الفائزة في الانتخابات لبلورة موقف إزاء إصدار تكليف بتشكيل حكومة جديدة، يتصاعد الخلاف بين حكومة بنيامين نتنياهو، ورئيس جهاز المخابرات الموالي لها، ديفيد زيني، من جهة، والجهاز القضائي وأحزاب المعارضة من جهة أخرى بشأن محاولات نزع الشرعية عن الأحزاب العربية وملاحقتها لإلغاء الانتخابات، والإبقاء على نتنياهو رئيساً للوزراء.

ووقَّع مسؤولون سابقون في جهازي الأمن والقضاء الإسرائيليين على عريضتين نُشرتا، الأربعاء، وجّهوا فيهما انتقادات شديدة إلى رئيس «الشاباك» إثر مطالبته بالتحقيق مع قياديين في الأحزاب العربية بادعاء الاشتباه بضلوعهم في تلقي تمويل والسماح بتدخل أجنبي في الانتخابات، من دون أن تتوفر لديه أدلة على ذلك.

وعبّر مسؤولون سابقون عن دعمهم للمستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، التي طالبت زيني بتقديم أدلة قبل أن تصدِّق على التحقيقات، وحذرته من تحويل «الشاباك» إلى أداة سياسية في خدمة أحزاب معينة.

وجاء في عريضة المسؤولين الأمنيين السابقين أن «الشاباك ملزم بالعمل وفقاً لنص قانونه؛ أي العمل بصورة رسمية والامتناع عن أي فعل يهدف إلى (دفع مصالح حزبية - سياسية)، وهذا هو الواجب الشخصي لرئيس (الشاباك) وخرقه يشكك في ملاءمة ديفيد زيني لمنصبه».

وأضافوا أن التحقيق مع مواطنين، خصوصاً ممن انتخبهم الجمهور، دون أدلة هو خرق للقواعد الأساسية في جهاز رسمي، وأنه «في التوقيت والظروف الراهنة يتعالى تخوف من أن المطالبة (بالتحقيق) نابع من اعتبارات سياسية، بهدف تقويض نتائج الانتخابات ونزع شرعيتها، وهذا يشكل تدخلاً سياسياً يمس بطهارة الانتخابات وبثقة الجمهور بنتائجها».

وقد جاءت هذه العريضة بعدما وقَّع عشرات المسؤولين السابقين في جهاز القضاء، وبينهم مدَّعون في النيابة العامة وفي أجهزة أمنية، أنهم يعبرون عن «صدمة عميقة» حيال التقارير حول مطالبة زيني بالتحقيق ضد مواطنين ومنتخبي جمهور دون أدلة. وشددوا على أنه لا يمكن إجراء تحقيقات دون أدلة، واقتبسوا من رسالة المستشارة القضائية للحكومة إلى زيني التي جاء فيها أن «أي أحد ينبغي التحقيق معه سيُحقَّق معه، لكن لا يتم التحقيق مع أشخاص دون قاعدة أدلة».

وكان زيني قد طلب من بهاراف ميارا، أمس، التحقيق مع الرئيس السابق للقائمة المشتركة، أيمن عودة، بدعوى الحصول على أموال من السلطة الفلسطينية، ومع عضوَي الكنيست أحمد الطيبي ومنصور عباس، ومع رئيس حزب التجمع سامي أبو شحادة، بدعوى حصولهم على أموال من دول أجنبية.

المرشح الفلسطيني أحمد الطيبي يدلي بصوته مع أفراد أسرته شمال إسرائيل يوم الثلاثاء (رويترز)

وكشفت مصادر إعلامية موثوقة عن أن هذه الفكرة نبتت في اجتماع عقده نتنياهو مع عدد من المسؤولين الأمنيين، والمقربين السياسيين والمستشارين.

زوجة نتنياهو تحث على إلغاء الانتخابات

وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، دخلت زوجة نتنياهو، سارة، وراحت تصرخ في وجوه الحاضرين وتتهمهم بالتقصير في حماية حكم اليمين وحثَّتهم على العمل من أجل إلغاء نتائج الانتخابات بزعم أنها مزوَّرة. وطلبت منع تسليم نتائج الانتخابات لرئيس الدولة.

لكن هذه المحاولة فشلت، إذ إن رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، سلَّم نتائج الانتخابات الرسمية لهرتسوغ، الأربعاء، وقال: «في الأيام الأخيرة تعالت أصوات بهدف التشكيك في نتائج الانتخابات وتقويضها، وهذا خطر حقيقي».

وأضاف: «اللجنة حققت في الادعاءات، وبمشاركة 250 محامياً أجرت تدقيقاً في جميع التوجهات إليها من الأحزاب والمرشحين وكذلك من الجمهور، ودققت في بروتوكولات 9069 صندوق اقتراع، وأجرت تدقيقاً معمقاً في مواد التصويت وتوثيقها في صناديق اقتراع تطلبت ذلك، ومن ضمنها بطاقات اقتراع وسجلات الناخبين. ولم تجد أساساً للشكاوى».

امرأة تمر بجوار لافتة تحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترة الانتخابات التي جرت في البلاد بالقدس (رويترز)

وقال هرتسوغ إنه يُحظر اتهام شريحة كاملة بتزوير الانتخابات. ومع ذلك، قال إنه تحدث مع رئيس «الشاباك»، زيني، والمستشارة القضائية، بهاراف ميارا، وإنه يعتمد عليها في تسوية الخلاف.

يُذكر أن هرتسوغ يخطط لإنجاز المشاورات مع الأحزاب حتى مساء الخميس، ليعلن الجمعة أو الأحد، هوية المكلف بتشكيل الحكومة. وسيكون في الغالب غادي آيزنكوت، لأن هناك 67 نائباً سوف يوصون عليه، بينما عدد الذين سيوصون على نتنياهو لا يزيد على 46 نائباً (الكتلة الحريدية «يهدوت هتوراة» المتحالفة مع نتنياهو قررت الامتناع عن التوصية). وقد أعلن آيزنكوت أنه ينوي تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن.

ويُذكر أن الحكومة لا تحتاج، حسب القانون، إلى أكثرية 61 لكي تصبح شرعية. وآيزنكوت يتمتع اليوم بدعم مباشر من 41 نائباً وبدعم من الخارج من 19 نائباً عربياً. ويُحتمل أن ينضم إليه أيضاً أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب اليهود الروس المؤلَّف من 6 نواب، وهذا يكفيه ليستمر في الحكم. فالقانون يحتم على من يريد أن يسقط الحكومة وجود 61 نائباً ومرشحاً مضموناً لاستبدال رئيس الحكومة. فإذا قرر نتنياهو إسقاط حكومة آيزنكوت، يحتاج إلى 61 نائباً واقتراح متكامل لحكومة بديلة مع رئيس مضمون. وهذا لا يتوفر له.


باريس ترى أن «ساعة الخيار» حلّت في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
TT

باريس ترى أن «ساعة الخيار» حلّت في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

فرنسا قلقة على لبنان، ولكنها في الوقت عينه تستشعر نوعاً من الخيبة إزاء ما تقوم به السلطات اللبنانية التي تدعوها إلى ترجمة كلماتها وقراراتها إلى أفعال.

باريس تتوجس من أن يتحول الاحتلال الإسرائيلي الحالي لمناطق في الجنوب اللبناني إلى احتلال طويل الأمد، أو إلى احتلال دائم. وبالتوازي، فإنها تطالب السلطات اللبنانية بـ«الوضوح» لجهة ما هي عازمة على القيام به، منبهةً أن بقاء «حزب الله» على موقفه الرافض لمسعى الدولة الخاص بحصرية السلاح من شأنه تقديم خدمة لإسرائيل ومدّها بحجة تمكنها من إبقاء احتلالها الأراضي اللبنانية، بل معاودة الحرب أيضاً.

«عين دولية»

ولا يتوقف القلق الفرنسي عند هذا الحدّ. فباريس تنظر بكثير من القلق لاقتراب موعد انتهاء ولاية اليونيفيل في جنوب لبنان، وهي تطرح هذا الصوت منذ شهور، وتتحرك في العديد من الاتجاهات لتدارك الفراغ في الجنوب، رغم أن الوجود الدولي لم يمنع إسرائيل، منذ سبعينات القرن الماضي، من شنّ عدة حروب على لبنان. إلا أنه على الأقل وفّر وجود «عين» دولية، ترصد ما يحصل، وتنبه العالم لمخاطره.

ولم تتأخر باريس في طرق كثير من الأبواب لتدارك الفراغ، وهي منذ بداية العام الحالي تقوم باتصالات في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والشركاء الخليجيين، وخصوصاً مع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.

دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وسبق لها أن دعت إلى تمديد ولاية اليونيفيل (وهو مطلب لبناني)، بيد أن مصادرها تؤكد أنه لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل مستعدتان للسير في هذا الاتجاه، وقد عاد الرئيس اللبناني جوزيف عون من زيارته لواشنطن الشهر الماضي خائباً، حيث لم ينجح في إقناع الرئيس ترمب بتبني الطلب اللبناني.

وتعي باريس «خطورة الفراغ الدولي» في جنوب لبنان، كما أنها تعي أن السياسة الإسرائيلية في لبنان ليست بخيلة بالمفاجآت، وليست واثقة مما ستكون عليه خطط بنيامين نتنياهو بعد خسارته الانتخابات التشريعية، وبالتوازي مع فشل الرئيس ترمب في الانتخابات النصفية.

3 خطوط

المعلوم أن باريس تعمل، في موضوع اليونيفيل، على 3 خطوط: الأول؛ توفير الدعم للجيش اللبناني. وكان هذا الغرض موضوع الاجتماع الذي استضافته العاصمة الفرنسية، مؤخراً، حيث يتم التحضير، بعد التعرف على حاجات الجيش اللبناني والقوى الأمنية المادية والتجهيزية والمالية، لمؤتمر لاحق تحدث عنه الرئيس ماكرون منذ أيام، ولكن من غير أن يعين له موعداً محدداً. والخط الثاني؛ وجهته الأوروبيون. وأطلق الاتحاد الأوروبي آلية لتجهيز وتدريب الجيش اللبناني.

وتعتبر برايس أنه يتعين توفير الدعم الكافي للجيش اللبناني حتى يتمكن من الانتشار جدياً في المنطقة الجنوبية، خصوصاً أن الطرف الإسرائيلي يرفض الانسحاب من المناطق المحتلة طالما لم ينتشر هذا الجيش. بيد أن التجربة اللبنانية مع «المناطق النموذجية» وكيفية التأكد مما قام به، وهما في صلب مذكرة التفاهم الثلاثية (اللبنانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية)، غير مشجعة، إذ يبدو أن المفاوضات تدور في حلقة مفرغة.

«يونيفيل 2»

بالنظر إلى صعوبة إرسال «يونيفيل 2»، فإن باريس ترى أن بعضاً من المهمات التي تضطلع بها اليونيفيل الحالية يمكن أن تقوم بها «قوة الرقابة على الهدنة» الموجودة في لبنان منذ عدة عقود. كذلك تريد باريس التعرف نهائياً على مصير المقترحات التي قدّمها الأمين العام للأمم المتحدة بشأن إرسال قوة قليلة العدد إلى لبنان.

غير أن الموقف الأميركي - الإسرائيلي الرافض بالمطلق للحضور الدولي يجعل من الصعب ترقب نجاح أحد مقترحات أنطونيو غوتيريش. لذا، فإن باريس لم تتخلَّ عن مشروع طرحه بالاشتراك مع إيطاليا، وأعربت ما لا يقل عن 10 دول أوروبية استعدادها للمساهمة في إرسال قوة أوروبية إلى لبنان، تكون رديفة للجيش اللبناني.

مهمة نزع السلاح

إلا أن باريس تنبه منذ اليوم أن مهمة نزع سلاح «حزب الله» ليست مسؤولية الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، وليس مسؤولية القوة الأوروبية في حال قيامها وإرسالها إلى لبنان. ولكن على أي حال، ليس من المستبعد أن يطرح موضوع حاجة هذه القوة إلى انتداب دولي. الأمر الذي يمر عبر مجلس الأمن الدولي. كذلك، أكدت إسرائيل أنها لن تقبل بحضور عسكري فرنسي في جنوب لبنان، بالنظر للعلاقات المتدهورة بين باريس وتل أبيب، رغم الزيارة التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل في السابع من الشهر الماضي، وسماح باريس لطائرة نتنياهو بالمرور في الأجواء الفرنسية في طريقه إلى نيويورك.

الدخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

تبقى إشكالية الرغبة الفرنسية في أن «توضح» الحكومة اللبنانية ما تريد القيام به، وتحديداً بالنسبة لنزع سلاح «حزب الله»، وهي تعرف أن المهمة صعبة. وتسارع المصادر الفرنسية إلى تأكيد أن باريس لا تريد أبداً أن يُفهم موقفها على أنه دفع للحرب بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، بل هي تنطلق من التصريحات القوية الصادرة عن رأسي السلطة التنفيذية في لبنان بخصوص نزع سلاح «حزب الله» وبسط الدولة سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية، خصوصاً أن كل ذلك متضمن في القرار الدولي رقم 1701، الصادر عام 2006.

تغيرات واشنطن وتل أبيب

وتعتبر فرنسا أنه إذا لم يقم الجيش اللبناني بفرض حضوره جنوباً، فإن الحرب الإسرائيلية ستستأنف، والاحتلال سيتمدد. ولذا، تعدّ فرنسا أن «ساعة الخيار» قد حلّت، بمعنى أنه لم يعد بإمكان السلطات كسب الوقت والاكتفاء بالتصريحات التي لا تتبعها أفعال، وأنه كلما طالت فترة الانتظار كلما أصبحت الأمور أكثر تعقيداً.

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أن «رسالة» فرنسا للبنان ليست جديدة. لكن تتعين الإشارة إلى أن جديداً طرأ في إسرائيل والولايات المتحدة، ومن الصعب اليوم معرفة انعكاساته على رؤية الولايات المتحدة وتعاطيها المقبل مع الملف الإيراني، وما له علاقة بلبنان. كذلك الأمر بالنسبة لطهران، التي دأبت على الاحتفاظ بالورقة اللبنانية في محادثات تسعى إليها لاحقاً مع واشنطن. وأخيراً، يتعين رصد خطط نتنياهو، الذي لا يبدو أنه سلّم بخسارة السلطة ورصد ما قد يدفعه هذا التطور لجهة استخدام الورقة اللبنانية في حربه السياسية في الداخل.


«هل تحولنا إلى عبء؟»... قلق إسرائيلي من نتائج الانتخابات الأميركية

يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
TT

«هل تحولنا إلى عبء؟»... قلق إسرائيلي من نتائج الانتخابات الأميركية

يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)

على الرغم من الثقة في تل أبيب بأن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية عميقة وذات طابع استراتيجي لا يتغير، تابع مسؤولون إسرائيليون نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة بقلق شديد، وعدّها خبراء الشؤون الأميركية ضربة شديدة للسياسة الإسرائيلية.

وتوقعت صحيفة «معاريف» أن يضع الكونغرس (النواب والشيوخ)، تحت سيطرة الأغلبية الديمقراطية، عراقيل كبيرة أمام «عقيدة الدعم المطلق» لإسرائيل، في حين عبر الجنرال غيورا آيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، عن خشيته من أن تتحول إسرائيل من «كنز» إلى «عبء».

وتابع الإعلام العبري مجريات الانتخابات الأميركية خطوة بخطوة، ببث حي مباشر طوال الليل، حتى ظهور النتائج من خلال تحليل كل فائز وموقفه من إسرائيل، مع الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من الفائزين بعضوية المجلسين من المؤيدين لإسرائيل؛ لكن غالبيتهم يوجّهون انتقادات شديدة إلى سياستها، ويحملونها مسؤولية جر الرئيس دونالد ترمب إلى الحرب مع إيران، ويكرهون رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ويتهمونه بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.

حجب المساعدات عن إسرائيل

وكان الإسرائيليون قد أفاقوا صبيحة الثلاثاء على تصريحات ترمب بوقف مساعدات أميركية سنوية لإسرائيل، بقيمة 4 مليارات دولار بحلول نهاية العام الحالي، وصدموا من قوله إنه اتفق على ذلك مع نتنياهو، قبل شهور.

ووصف ترمب الخطوة بأنها تهدف، في جانب منها، إلى التخلص من «ذريعة سيئة»، قال إن الديمقراطيين المنتمين إلى تيار اليسار استخدموها ضد رفاقه الجمهوريين بشأن تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب)

ولم يتطرق ترمب إلى مزيد من التفاصيل، ولم يتضح حتى الآن نوع التمويل الذي يقصده. ولم يوضح كذلك الكيفية التي سيجري بها وقف التمويل بنهاية العام، إذ إن مذكرة التفاهم التي توفر مساعدات عسكرية أميركية سنوية لإسرائيل قيمتها 3.8 مليار دولار لا ينتهي أجلها قبل سبتمبر (أيلول) 2028.

وقالت مصادر في الجيش الإسرائيلي، في تسريبات للإعلام، إن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لم تتلقَّ بعد أي تفاصيل بشأن القرار أو توضيحات بشأن تبعاته، وتستغرب كيف أخفى نتنياهو أمراً مثل هذا عن الجمهور وعن الأجهزة الأمنية، التي يفترض أن تناط بها مهمة إيجاد بدائل لهذا الدعم.

وبناءً على ذلك، قرر الجيش طرح الموضوع على طاولة المفاوضات التي يجريها فريقان: إسرائيلي وأميركي، حول المساعدات منذ يونيو (حزيران) الماضي على أمل التوصل إلى اتفاق بين المهنيين للتأثير على هذا القرار وتقليص المساعدات بالتدريج وليس دفعة واحدة واستثناء بعض البنود، التي تتعلق بنوعية الأسلحة، التي تحتاج إليها إسرائيل من الولايات المتحدة.

المعروف أن الاتفاق الحالي، الذي تم توقيعه في 2016 في زمن الرئيس باراك أوباما، نص على دعم بقيمة 38 مليار دولار من 2019 وحتى 2028، تدفع سنوياً بمبلغ 3.3 مليار دولار مساعدات أمنية مقابل أسلحة تشتريها إسرائيل من الولايات المتحدة و0.5 مليار مساهمة أميركية في تطوير الدفاعات الجوية الإسرائيلية مثل صواريخ حيتس ومقلاع داود والقبة الحديدية وغيرها. والمفترض أن 7.5 مليار دولار متبقية للسنتين القادمتين، تم إبطالهما.

القبة الحديدة المضادة للصواريخ (أ.ف.ب)

وكانت إسرائيل والولايات المتحدة قد بدأتا، في يونيو الماضي، محادثات رسمية لصياغة إطار جديد للتعاون الأمني، يحل محل مذكرة التفاهم الحالية بعد انتهاء سريانها عام 2028. وجاءت تلك المحادثات وسط نقاشات متزايدة في الجانبين بشأن مستقبل المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وإمكانية تغيير طبيعة التعاون الأمني والتمويل العسكري بينهما.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن نتنياهو، في مقابلة صحافية، أنه يسعى إلى «تقليص المساعدات العسكرية تدريجياً» خلال العقد المقبل، وصولاً إلى الاستغناء عنها، عادّاً أن إسرائيل ينبغي ألا تعتمد على المساعدات العسكرية الأجنبية. وأشار حينها إلى خطة لاستثمار نحو 350 مليار شيكل (110 مليارات دولار)، في تطوير صناعة عسكرية إسرائيلية مستقلة.

تساؤلات عن توقيت الإعلان

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مصادر إسرائيلية أن اختيار موعد الإعلان عن تقليص المساعدات، صبيحة يوم الانتخابات (الثلاثاء) ينطوي على خطورة بالغة، مؤكدين أن الأمر كان بناءً على نصيحة من مستشاري ترمب لأن الدعم الأميركي لإسرائيل فرض نفسه على أجندة الانتخابات وخصوم الرئيس ترمب يطرحون الدعم بوصفه قضية أساسية ضد الحزب الجمهوري.

ويوجد تأييد متصاعد في الشارع الأميركي لتجميد هذه المساعدات، خصوصاً في صفوف الأجيال الشابة. ولذلك يعتقد المستشارون بأن إعلاناً مثل هذا يعيد إلى الحزب بعضاً من مؤيديه.

عملياً، يعترف ترمب ومستشاروه بأن مكانة إسرائيل تتراجع إلى درجة تجعل مساعدتها مشكلة. وحسب دراسة في وزارة الخارجية الإسرائيلية فإن 63 في المائة من الناخبين للحزب الديمقراطي يعارضون الاستمرار في منح مساعدات أمنية لإسرائيل. ومع أن 71 في المائة من مصوتي الحزب الجمهوري كانوا يؤيدون منح هذه المساعدات لإسرائيل فإن هذه النسبة تهبط إلى 48 في المائة لدى الشباب. ولفت نظر الوزارة أن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي ينوي ترشيح نفسه رئيساً في سنة 2028، يتابع هذه المواقف لدى الشباب وليس مستبعداً أن يأخذه في الاعتبار في سياسته المستقبلية، خصوصاً أن الأرقام المذكورة أعلاه نشرت في فبرارير (شباط) 2026، ومنذ ذلك الوقت تغيرت والانفضاض عن إسرائيل زاد بنسب كبيرة.

ويعتمد تقرير الخارجية الإسرائيلية الداخلي على نتائج استطلاع معهد «غالوب»، في سبتمبر (أيلول) الماضي، الذي أشار إلى أن نسبة مؤيدي إسرائيل بين مصوتي الحزب الجمهوري من عمر 55 عاماً فصاعداً هبطت إلى 50 في المائة وهبطت إلى 6 في المائة فقط بين الشباب الجمهوريين من جيل 18 – 34 عاماً.

وقال التقرير إن نحو 80 في المائة من مصوتي الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة غاضبون من إسرائيل ويتهمونها بجر ترمب إلى الحروب التي لا تفيد أميركا وتخدم فقط مصلحة نتنياهو. وقال كذلك 60 في المائة إن نتنياهو جر ترمب إلى الحرب بالخداع والألاعيب. وحسب استطلاع آخر (معهد يو جوف) قال إن 68 في المائة من مصوتي الديمقراطي الأميركي يؤيدون اعتقال نتنياهو وتسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية.

وإذا كان السيناتور اليهودي اليساري برني ساندرس نجح في استقطاب تأييد 18 سيناتوراً لاقتراحه وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بسبب حرب الإبادة التي تمارسها في غزة، فإنه نجح في أبريل (نيسان) الماضي في إقناع 36 سيناتوراً من مجموع 47 ديمقراطياً في مجلس الشيوخ بحظر ووقف بيع قنابل تزن 1000 رطل لإسرائيل. ويخشون في إسرائيل اليوم من أن تسفر نتائج الانتخابات عن زيادة أكبر.