آلاء النجار... ما قصة الطبيبة الفلسطينية التي فقدت 9 من أطفالها في غزة؟

الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)
الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)
TT

آلاء النجار... ما قصة الطبيبة الفلسطينية التي فقدت 9 من أطفالها في غزة؟

الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)
الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)

بينما كانت آلاء النجار تستعد للذهاب إلى عملها في صباح الجمعة 23 مايو (أيار) 2025 بمستشفى «التحرير» في «مجمع ناصر الطبي»، الواقع في خان يونس جنوب قطاع غزة، لم تكن تعرف أن هذه هي آخر مرة ترى فيها 9 من أصل 10 من أطفالها.

الطبيبة التي تعمل في مداواة الأطفال منذ نشوب الحرب في غزة على مدار أكثر من 18 شهراً، نالت تعاطفاً واسعاً من المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الساعات الأخيرة، بعد انتشار قصتها، وصور لأطفالها التسعة الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية.

نجاة ابن واحد والأب مع جروح بالغة

كان الدفاع المدني في غزة أعلن، السبت، مقتل 9 أبناء للنجار ولزوجها الطبيب، حمدي النجار، بعد غارة جوية إسرائيلية على مدينة خان يونس بجنوب القطاع المحاصر والمدمر. وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلت طواقمنا جثامين 9 شهداء أطفال، بعضهم جثث متفحمة، من منزل الدكتور حمدي النجار وزوجته الدكتورة آلاء النجار، وجميعهم أطفالهما». وأضاف المتحدث باسم الدفاع المدني أن «الاحتلال الإسرائيلي استهدف المنزل» ظهر الجمعة.

وفي حين تواجه النجار فجيعة فقْدِ أبنائها، فإن ابنها آدم (10 سنوات) وزوجها؛ الوحيدين الناجيين من القصف، قد أصيبا بجروح بالغة في الغارة، وفقاً لما ورد عن مصدر طبي بمستشفى «ناصر» في خان يونس.

الطبيب الجريح حمدي النجار الذي فقد وزوجته الطبيبة آلاء النجار 9 من أصل 10 من أطفالهما بقصف إسرائيلي على منزله (رويترز)

وأولاد الطبيبة النجار الضحايا هم: يحيى، ركان، رسلان، جبران، إيف، ريفان، سيدين، بينما بقي الطفلان لقمان وسيدرا تحت الأنقاض. وأكبرهم عمره 12 عاماً وأصغرهم 6 أشهر، وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية.

صورة لأطفال آلاء النجار (في الأعلى) وجثامينهم (متداولة)

«أحياء عند ربهم يرزقون»

بدورها، ذكرت شقيقة النجار؛ سحر النجار، وهي تعمل صيدلانية في قطاع غزة، أن شقيقتها «تلقت نبأ مقتل أطفالها التسعة وهي تحاول إنقاذ حياة أطفال آخرين في (مجمع ناصر الطبي) حيث تعمل طبيبة أطفال، وظلت تركض في الشارع باتجاه المنزل كي تتمكن من إلقاء نظرة وداع عليهم، لكننا لم نستطع تمييز الجثث. كلهم أشلاء... كلهم متفحمون».

وروت سحر لـ«بودكاست» تابع لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» اللحظات الأولى التي مرت على الأم بعد الحادث: «قلت لها من هول الصدمة: (الأولاد راحوا يا آلاء)، فأجابتني بإيمان وتسليم: (هم أحياء عند ربهم يرزقون)».

صورة لأطفال الطبيبة آلاء النجار ووالدهم حمدي النجار (إكس)

شهود عيان: النجار ليست استثناء

«وقفتْ ورايا (ورائي) تتحامي فيّ لما طَلّعوا (أخرجوا) ابنتها ريفان، تطلب من الدفاع المدني أن (يُروها) إياها على أساس أنها حية»... بتلك الشهادة تحدث شقيق زوج الطبيبة آلاء النجار، الذي يعمل في مستشفى «ناصر»، عن فاجعة الأم، وتابع لوسائل إعلام فلسطينية: «هي في الأصل طبيبة أطفال... إحنا كنا مطلّعين أطفال متفحمين، هي شافت 4 متفحمين أمامها. زوجها وشقيقي وصّلها في الصباح ثم عاد للأطفال، وكان يوصّلها وياخدها من المستشفى لمكان النزوح». وتابع: «لقيت شقيقي مصاباً وابنه... ولم أجد باقي الأولاد، ثم وصلوا متفحمين».

وتابع الشقيق يوسف النجار: «مش عارف أخويا ليش انقصف واندبح ولاده بالطريقة هذه؟... إلى الآن لا أعرف كيف تحملت الصدمة. العَشرة أكبر واحد فيهم لم يبلغ السن... كانوا محروقين ومشوهين. لا يوجد وجه ولا يد».

وفي سياق متصل، روت تيزيانا روجيو، الطبيبة الإيطالية المتطوعة بمستشفى «ناصر» الطبي بقطاع غزة، أن حالة الدكتورة آلاء «ليست الأولى التي يُكسر فيها قلب أحد العاملين بالمجال الطبي بمقتل أو جرح أحد الأقارب... الدكتورة آلاء كانت تعمل حين وصل أطفالها قتلى للمستشفى. هذا شيء لم نكن نتمنى أن يحدث».

وصرح غرايم غروم، الجراح البريطاني الذي يعمل في المستشفى، لـ«بي بي سي»، بأنه أجرى عملية جراحية لابنها الناجي البالغ من العمر 11 عاماً. وأضاف غروم أنه أُبلغ بأن الأب، وهو طبيب أيضاً، «ليست له أي ارتباطات سياسية أو عسكرية، ولا يبدو أنه بارز على مواقع التواصل الاجتماعي».

وقال غروم لصحيفة «الغارديان»: «كان آخر مريض في قائمتي اليوم (الجمعة) صبياً يبلغ من العمر 11 عاماً. بدا أصغر سناً بكثير عندما حملناه إلى طاولة العمليات».

وقال محمد صقر، رئيس قسم التمريض بمستشفى «ناصر» في خان يونس، لصحيفة «الغارديان»: «شاهدتِ الدكتورةُ آلاء النجار بأمّ عينيها جثث أطفالها السبعة المتفحمة تُنتشل من تحت الأنقاض - بينما لا يزال اثنان في عداد المفقودين - كل ذلك خلال قيامها بمناوبتها في (مجمع ناصر الطبي)». وتابع: «التفاصيل المروعة التي روتْها عليّ النجار تُجسّد واحدة من أشد المآسي التي حلّت بطبيبة أطفال كرّست حياتها لإنقاذ الأطفال، لتُسلب أمومتها في لحظة صمتٍ مُطبقٍ ونارٍ عارمة».

فلسطينية تعرض على هاتفها الجوال صورة لطفلين من عائلة النجار الذين قُتلوا بغارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

وفي سياق متصل، أكد الدكتور منير البُرش، المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، عبر حسابه على منصة «إكس» أن القصف وقع بعيد توصيل حمدي النجار زوجته إلى العمل. وقال البرش: «بعد دقائق فقط من عودته، سقط صاروخ على منزلهم»، مضيفاً أن الأب «يرقد الآن في العناية المركزة».

وأضاف البرش في تغريدته: «كانت لدى الدكتور حمدي النجار فرصة للسفر وترك غزة... لكنه فضل البقاء»

نعي رسمي

كما نعت وزارة الصحة الفلسطينية أبناءَ الطبيبةِ آلاء النجار وزوجِها الطبيبِ حمدي النجار، وقالت في منشور بالصفحة الرسمية للوزارة على «فيسبوك»: «بقلوب يعتصرها الألم، وبمشاعر إنسانية موجوعة، تتقدم وزارة الصحة الفلسطينية، وأسرة القطاع الصحي، والكوادر الطبية في كافة محافظات الوطن الشمالية والجنوبية، بأحرّ كلمات التعزية والمواساة للطبيبة البطلة آلاء النجار، أخصائية طب الأطفال في (مجمع ناصر الطبي)، التي فقدت 9 من أبنائها في واحدة من أبشع الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء شعبنا في قطاع غزة».

وعدت الوزارة أن «هذه الجريمة البشعة ليست استثناء، بل جزء من استهداف ممنهج للطواقم الطبية و(مؤسساتها)؛ يهدف إلى كسر إرادة الصامدين في غزة».

ونعت «النقابة العامة لأطباء مصر» أبناء النجار، ووصفتها بـ«أُمّ الشهداء». وجاء في البيان: «في غزة، تُسلب الحياة من بين أذرع الأمهات، وتُكتب المآسي على جدران البيوت قبل أن تُكتب في دفاتر التاريخ»، وتابع: «اسم آلاء النجار أصبح عنواناً للفجيعة، وشاهداً حياً على أن ما يجري هناك ليست حرباً يشنها احتلال إسرائيلي متوحش فقط، بل محاولة لكسر الروح».

واستنكر عدد من المتابعين مقتل أطفال الطبيبة آلاء النجار، أبرزهم الطبيب النرويجي، مادس غيلبرت، أستاذ طب الطوارئ و«الاستشاري الأول» في عيادة طب الطوارئ بمستشفى جامعة شمال النرويج، الذي قضى وقتاً في غزة خلال الحرب، ونشر مقطع فيديو عبر حسابه على موقع «إكس» قال فيه: «استُهدف منزل الدكتورة آلاء وزوجها، وقتل أطفالها التسعة بوحشية... استقبلت الدكتورة أطفالها القتلى خلال عملها. وما زالت تواصل عملها». وتابع: «يستهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي العائلات والمستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية بهذه الإبادة الجماعية».

وكتب المراسل الفلسطيني في غزة سابقاً وائل الدحدوح: «أي قوة تلك التي تحتمل كل هذا الوجع... الطبيبة آلاء النجار تُفجع باستشهاد 9 من أطفالها».

رد الجيش الإسرائيلي

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إنه لا يستطيع التعليق على ضربات معينة من دون «إحداثياتها الجغرافية الدقيقة».

وتابع الجيش الإسرائيلي أنه «قصف عدداً من المشتبه فيهم الذين تم رصدهم وهم ينشطون من مبنى» بالقرب من قواته. وأضاف أن «منطقة خان يونس منطقة حرب خطرة»، وتابع أن «الادعاءَ المتعلق بالضرر الذي لحق بمدنيين غير متورطين قيد المراجعة».

وأضاف الجيش في بيان أن سلاح الجوّ قصف خلال اليوم الماضي أكثر من 100 هدف في أنحاء القطاع، شملت أعضاء «منظمات إرهابية في قطاع غزة، ومنشآت عسكرية، وأنفاقاً، وبنى تحتية إرهابية إضافية».

ومنذ بدء الحرب، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين في غزة 53 ألفاً و901 ضحية، غالبيتهم مدنيون من النساء والأطفال؛ بينهم 3747 قتيلاً على الأقل منذ استئناف إسرائيل ضرباتها وعملياتها العسكرية في 18 مارس (آذار) 2025 بعد هدنة هشة استمرت شهرين فقط، وفقاً لأحدث حصيلة أوردتها، السبت، وزارة الصحة في غزة.


مقالات ذات صلة

12 قتيلاً في هجمات إسرائيلية متصاعدة بغزة خلال يومين

المشرق العربي صبي فلسطيني يتبع المشيعين في جنازة جماعية في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

12 قتيلاً في هجمات إسرائيلية متصاعدة بغزة خلال يومين

قتل 12 فلسطينياً، وأصيب 42 على الأقل في هجمات إسرائيلية متصاعدة تواصلت بين يومي الثلاثاء والأربعاء، داخل مناطق متفرقة من قطاع غزة.

المشرق العربي جنازة جماعية في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

مسعفون: مقتل 5 أشخاص بغارتين إسرائيليتين في غزة

أعلن ‌مسؤولون بمجال الصحة في غزة أن خمسة فلسطينيين، على الأقل، قُتلوا خلال غارتين إسرائيليين منفصلتين على القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية محمود الطوباسي فلسطيني يبلغ من العمر 60 عاماً كان قد هُجِّر من منزله قبل أشهر إثر هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون حيث يقف ناظراً من مسافة بعيدة إلى منزله في قرية جالود الفلسطينية الواقعة جنوب نابلس في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أ.ف.ب)

ماذا نعرف عن «فتية التلال»... جماعة تقود تصاعد عنف المستوطنين في الضفة؟

فتية التلال (أو شبيبة التلال) هي مجموعات شبابية استيطانية صهيونية - دينية متطرفة، تنشط في قمم التلال، والأراضي المرتفعة بالضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ صورة من داخل الكونغرس الأميركي (رويترز - أرشيفية)

«الشيوخ الأميركي» يرفض قراراً يطلب تقريراً عن انتهاكات الضفة الغربية

أعاق أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون في الولايات المتحدة، مسعى يهدف إلى إلزام إدارة الرئيس دونالد ترمب بتقديم تقرير إلى الكونغرس بشأن تصاعد العنف في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي بن غفير يشارك في احتفال ديني بملعب خارج كيبوتس نير عام قرب الحدود مع قطاع غزة الأحد الماضي (أ.ف.ب)

بن غفير يتوعد بحرق جثة السنوار ويحمّل نتنياهو المسؤولية عن «7 أكتوبر»

قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، إنه يطمح لأن يكون وزيراً للدفاع في الحكومة المقبلة، وإنه سيقود تغييراً مختلفاً، يقوم على الحسم لا الاحتواء.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان ينقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن

الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن (رويترز)
الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن (رويترز)
TT

لبنان ينقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن

الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن (رويترز)
الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن (رويترز)

انتقل ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية من تثبيت الموقف على منبر الأمم المتحدة، إلى البحث في آليات تنفيذه في واشنطن، حيث تسعى الحكومة إلى تحويل التنسيق مع الإدارة الأميركية إلى رافعة لاستعادة السيادة، عبر انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإنهاء ازدواجية قرار الحرب والسلم، لكن هذا المسار يصطدم برفض «حزب الله» تسليم سلاحه، وبمطالبة أميركية بأن تترجم بيروت قراراتها إلى خطوات ملموسة.

الحكومة تطلب دوراً أميركياً

وحمل رئيس الحكومة نواف سلام هذه الأولويات إلى لقاءاته مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت ومسؤولين آخرين في إدارة الرئيس دونالد ترمب، واضعاً أمام واشنطن مطلب مواكبة مشروع بناء الدولة، ودفع إسرائيل إلى تنفيذ التزاماتها، بالتوازي مع تنفيذ قرار حصرية السلاح. وشدد على ضرورة «تفعيل الإطار الثلاثي لاستعادة لبنان كامل سيادته»، داعياً إلى «وضع جدول زمني واضح يضمن تقدم مساري الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة». وأكد أن اللبنانيين «اتفقوا على حصر السلاح بيد الدولة، وأن على (حزب الله) الالتزام بهذا القرار».

خلال لقاء رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن (رئاسة الحكومة اللبنانية)

هذا الطرح يضع التنسيق اللبناني - الأميركي في صلب محاولة الخروج من المأزق، فالحكومة تطلب دوراً أميركياً يدفع مسار الانسحاب، فيما تواجه داخلياً اختبار قدرتها على تنفيذ قراراتها. وبذلك، تصبح مصداقية الدولة وقدرتها على احتكار السلاح عاملين أساسيين في تعزيز موقعها التفاوضي وحشد الدعم الدولي لمؤسساتها.

وفي السياق نفسه، أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، خلال لقائه في البيت الأبيض نائب مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل نيدهم، أن قرار حصر السلاح «قرار سيادي لبناني، لا يأتي تلبية لإسرائيل أو الولايات المتحدة، وإنما لتمكين اللبنانيين من العيش في كنف دولة طبيعية». وربط رجّي بين ضرورة الانسحاب الإسرائيلي واستكمال حصرية السلاح، مشدداً على «أهمية دعم الجيش ومساعدته على تنفيذ المهمات المطلوبة منه».

رهان يواجه اختبار التنفيذ

غير أن الرهان على واشنطن يواجه، وفق عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب غياث يزبك، اختبار التنفيذ. وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التحرك اللبناني باتجاه الإدارة الأميركية «يهدف إلى تثبيت موقف الحكومة، لكن الجانب الأميركي يرى أن اتخاذ القرارات لم يعد كافياً، وأن المطلوب إخراجها إلى حيز التطبيق». وقال يزبك: «رغم أهمية الكلام الصادر من منبر الأمم المتحدة ومن واشنطن، فإن المطلوب أن تبصر قرارات الحكومة بشأن حصر السلاح النور»، مؤكداً أن الدولة اللبنانية «وحدها مسؤولة عن هذه المهمة».

وفي مقابل المسار الحكومي، يرى يزبك أن «(حزب الله) وإيران يقودان هجمة مضادة لتمييع قرارات الحكومة»، مستشهداً بمواقف الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ورئيس كتلته النيابية محمد رعد الرافضة للتخلي عن السلاح، وباعتبار الحزب أن التفاوض مع إسرائيل يشكل تنازلاً وتسليماً للبنان إلى واشنطن وتل أبيب.

تباعد بين الدولة و«حزب الله»

وهذا التباعد بين موقف الحكومة وموقف الحزب يُبقي قرار الدولة موضع تجاذب، ويضعف قدرتها على التقدم بموقف موحد في الاتصالات الخارجية، فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية ويتزايد الضغط لإيجاد مسار يوقفها ويتيح استعادة الأراضي المحتلة.

وشدد عضو كتلة «الجمهورية القوية» غياث يزبك على أن «محور الاتصالات مع الولايات المتحدة هو دفع إسرائيل إلى الانسحاب بالتزامن مع سحب سلاح الحزب»، موضحاً أن «نزع السلاح يقع في صلب مسؤولية وواجب على الدولة، وليس إرضاءً للولايات المتحدة». وبحسب قراءته للموقف الأميركي، فإن واشنطن «تنتظر تحركاً لبنانياً ملموساً يمكّنها من الضغط على إسرائيل»، محذراً من «استنزاف القدرة الأميركية على التأثير وفقدان الغطاء الذي يحتاج إليه لبنان في هذه المرحلة».

الوقت يداهم لبنان

ومن داخل الحكومة، رفع وزير العدل عادل نصّار سقف التحذير من استمرار السلاح خارج الشرعية، معرباً عن اقتناعه بـ«إمكان تسليمه إلى الدولة بالمنطق وبأقل ضرر ممكن»، منبهاً إلى أن «الوقت يداهمنا». وقال نصّار في مؤتمر صحافي عقده في الوزارة إن «السلاح لم يجرّ على لبنان سوى الكوارث والمغامرات العبثية»، معتبراً أن استمرار وجوده «يهدف إما إلى تعطيل المفاوضات لاستعادة الأرض ووقف الاعتداءات، وإما إلى خوض حرب إسناد جديدة تعني التضحية بلبنان لمصلحة الخارج»، رافضاً ربط تسليم السلاح باستهداف الطائفة الشيعية، مؤكداً أن «بناء الدولة يهدف إلى ضمان أمن جميع اللبنانيين، وحماية المناطق واستعادة الأرض وإعادة الإعمار».


قلق كردي من «أشباح الماضي» وهجمات الفصائل

مقاتلون من «البيشمركة» الكردية يتخذون مواقعهم على جبل قره جوخ في قضاء مخمور جنوب أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 30 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
مقاتلون من «البيشمركة» الكردية يتخذون مواقعهم على جبل قره جوخ في قضاء مخمور جنوب أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 30 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
TT

قلق كردي من «أشباح الماضي» وهجمات الفصائل

مقاتلون من «البيشمركة» الكردية يتخذون مواقعهم على جبل قره جوخ في قضاء مخمور جنوب أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 30 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
مقاتلون من «البيشمركة» الكردية يتخذون مواقعهم على جبل قره جوخ في قضاء مخمور جنوب أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 30 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

رغم خطابات مطمئنة صدرت عن مسؤولين في أربيل عاصمة إقليم كردستان بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي في العراق، فإن هناك مخاوف جدية من «اختلالات سياسية وأمنية عميقة محلياً وفي المحيط الإقليمي»، على حد وصفهم.

وانتهى، الأربعاء، وجود قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية داخل الأراضي العراقية، وضمنها إقليم كردستان، بعد أن تشكل قبل 12 عاماً في إطار محاربة تنظيم «داعش»، الذي سيطر على نحو ثلث الأراضي العراقية عام 2014.

وبالنسبة لمراقبين، فإن إقليم كردستان بات دون حماية غربية بعد انسحاب قوات التحالف الدولي، بعد أن كان حصل عام 1991، على مظلة أميركية عقب فرض منطقة «حظر الطيران» على نظام صدام حسين، وحصل على المظلة نفسها عقب صعود «داعش» عام 2014، لكن كلتا المظلتين لم تَحُلْ دون دخول قوات نظام صدام حسين إلى أربيل عام 1996، ودون شن مئات الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة من قبل إيران وفصائلها المسلحة في العراق خلال الأشهر والسنوات الأخيرة.

مسعود بارزاني زعيم «الحزب الديمقراطي الكردستاني» (إعلام الحزب)

«كردستان غير مهدد»

مع ذلك، طمأن زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني، الأربعاء، مواطنيه بأن الإقليم ليس عرضة للتهديد بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي.

وكان بارزاني قد عبّر في أوقات سابقة عن خشيته من تكرار سيناريو عام 2011، حين قامت القوات الأميركية بالانسحاب من العراق، وما تلا ذلك من صعود «داعش» بعد 3 سنوات.

وقال بارزاني خلال الرسالة التي وجهها بمناسبة انتهاء مهام قوات التحالف في العراق: «أود أن أطمئن شعب كردستان العزيز بأن هناك تنسيقاً جيداً للغاية مع الحكومة العراقية الاتحادية لمواجهة أي نوع من التهديدات أو المخاطر، سواء أكانت تحت اسم (داعش) أو أي مسمى آخر».

وأضاف أن «دور قوات التحالف في هزيمة (داعش) وإعادة الاستقرار إلى العراق محل تقدير واحترام كبيرين، وأن مسؤولية الحفاظ على الاستقرار في المستقبل تقع على عاتق الحكومة العراقية وإقليم كردستان عبر إبرام اتفاقيات ثنائية مع دول التحالف».

وحذّر بارزاني من أن «أي جهة أو طرف يُخيّل إليه أنه قادر على تهديد استقرار إقليم كردستان أو الإضرار به، عليه أن يَعي تماماً أن كردستان فيها العدد الكافي من قوات (البيشمركة) المستعدين للدفاع عن شعب كردستان وأرضها، وإحباط أي تهديد أو اعتداء».

مقاتلون من قوات «البيشمركة» الكردية خلال دورية مراقبة في قضاء مخمور جنوب أربيل عاصمة إقليم كرستان العراق في 30 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

«أشباح الماضي»

ويؤكد القيادي في حزب «الاتحاد الوطني» سوران داودي حالة القلق العام في كردستان وعلى المستويين الشعبي والرسمي بعد انسحاب قوات التحالف، وأن «ذلك القلق يعود إلى أشباح الماضي، ويرتبط بالذاكرة الجمعية للكرد وتجاربهم المريرة مع الحكومات العراقية المتعاقبة».

وقال داودي لـ«الشرق الأوسط»، إن «الكرد يترقبون كيفية تعامل بغداد، حكومةً وأحزاباً، مع كيان الإقليم وحقوقه ومطالبه، ومع الاستحقاقات السياسية والأمنية التي قد تنشأ عن انسحاب قوات التحالف، ليحددوا مواقفهم على ضوء ذلك»، مشدداً على ضرورة عدم إغفال تعقيدات المنطقة، وعدم وضوح مسارات السياسة الأميركية».

ويتابع داودي أن «التعامل مع الانسحاب يتطلب قراءة واقعية، إلى جانب تعزيز وحدة الموقف الكردي والحوار مع بغداد، لضمان حقوق الإقليم ومنع أي فراغ أمني».

مقاتل من «البيشمركة» الكردية يتخذ موقعاً على جبل قره جوخ جنوب أربيل عاصمة كردستان العراق في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

عوامل القلق

ويعدّد كفاح محمود، المستشار الإعلامي لزعيم «الحزب الديمقراطي»، عواملَ تثير قلق الشارع الكردي بشكل عام. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الشعور العام هو القلق -وليس الخوف- الناجم عن عدم استقرار الوضع بشكل عام، ليس في العراق فحسب، وإنما في المنطقة عموماً، في ظل الصراع الإيراني - الأميركي.

وأضاف محمود أن أحد عوامل القلق المباشرة يعود إلى أن خلايا «داعش» لا تزال نشطة، وأن جزءاً كبيراً منها قريب من حدود إقليم كردستان، منوهاً بأن «القضاء عليها بحاجة إلى جهد يتجاوز مقدرة العراق وإمكانات إقليم كردستان، إلى قوة دولية على غرار ما فعله التحالف الدولي حين تشكّل ضد (داعش)».

ويضيف محمود عاملاً آخر لقلق كردستان، يرتبط بسلاح الفصائل المسلحة، ويعتقد أنه «ما لم يتم حسم هذا الملف فسيبقى العراق في وضع غير مستقر، وستظل هناك مخاوف جدية بشأن المستقبل».


حادث طائرة «فلاي دبي»: الشركة تحقق في الدوافع... وإسرائيل تعده «إرهابياً»

حادث طائرة «فلاي دبي»: الشركة تحقق في الدوافع... وإسرائيل تعده «إرهابياً»
TT

حادث طائرة «فلاي دبي»: الشركة تحقق في الدوافع... وإسرائيل تعده «إرهابياً»

حادث طائرة «فلاي دبي»: الشركة تحقق في الدوافع... وإسرائيل تعده «إرهابياً»

خيم التباين بشأن دوافع الحادث الذي وقع على متن طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» التي حُول مسارها لتهبط في مطار تبوك السعودي، الأربعاء، وفي حين أفادت الشركة الإماراتية بأن «الأسباب والدوافع وراء ما حدث لا تزال غير معروفة في هذه المرحلة الأولية» وأنها قيد التحقيق، عدّ مسؤولون إسرائيليون رسميون الحادث «إرهابياً».

وأوضح متحدث باسم «فلاي دبي» في بيان، أن مشادة وقعت داخل قمرة القيادة على متن الرحلة رقم «FZ 1073»، المتجهة من مطار دبي الدولي إلى مطار بن غوريون الدولي، مشيراً إلى أن طاقم الطائرة تمكَّن من السيطرة على الموقف، وتغيير مسار الرحلة والهبوط بسلام في مطار تبوك بالسعودية، مؤكداً أن جميع الركاب وأفراد الطاقم بخير.

وأضاف المتحدث أن الشركة سيّرت رحلتين بديلتين إلى تبوك، مع إعطاء الأولوية لنقل الركاب واستكمال رحلتهم إلى تل أبيب، مؤكداً أن بقية رحلات الناقلة عبر شبكتها الجوية تسير وفق جداولها المعتادة.

وفيما يتعلق بملابسات الحادثة، أشار إلى أن «الأسباب والدوافع وراء ما حدث لا تزال غير معروفة في هذه المرحلة الأولية، وتخضع لتحقيق رسمي، داعياً إلى تجنب التكهنات إلى حين انتهاء السلطات المختصة من جمع الحقائق وتحديد ملابسات الواقعة».

وشدد المتحدث على أن الأولوية القصوى للشركة في الوقت الراهن تتمثل في ضمان سلامة الركاب وأفراد الطاقم المعنيين بالحادثة، وتقديم الدعم اللازم لهم، إلى جانب التعاون مع الجهات المختصة في التحقيق الرسمي.

مطار تبوك يتلقى استغاثة

وفي وقت مبكر من صباح الأربعاء، أصدر مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز بمدينة تبوك، بياناً، جاء فيه أن مركز المراقبة الجوية تلقى عند الساعة 8:44 صباح الأربعاء 30 سبتمبر 2026 بالتوقيت المحلي، نداء استغاثة من الرحلة، تطلب فيه تنفيذ هبوط اضطراري في مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز الدولي.

وعلى أثر نداء الاستغاثة، أعلن المطار حالة الطوارئ، ورفع مستوى التأهب والاستعداد لتقديم المساعدة اللازمة للطائرة فور وصولها، وبعد نحو ساعة من تلقي النداء، هبطت الطائرة بسلام في المطار عند الساعة 9:45 صباحاً بالتوقيت المحلي. وعقب الهبوط، تبين وجود إصابة لدى كل من كابتن الطائرة والطيار المساعد، وجرى نقلهما إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

وفي الوقت نفسه، قدمت الجهات المعنية الرعاية اللازمة للركاب في صالة المسافرين، مع التنسيق مع الناقل الجوي لتأمين طائرة بديلة لهم.

وأكد مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز الدولي التزامه بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة الجوية والركاب وأطقم الضيافة. وأشار المطار إلى أن الجهات المختصة تواصل العمل على استكمال التحقيقات اللازمة للوقوف على ملابسات الواقعة.

وأوضحت إدارة مطار تبوك، في بيان إلحاقي، مساء الأربعاء، أن جميع المسافرين على رحلة «فلاي دبي» غادروا إلى وجهتهم النهائية على متن طائرة بديلة عند الساعة 5:40 مساءً.وجدّد المطار التأكيد على التزامه بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن هيئة الطيران المدني السعودي وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة الجوية والركاب وأطقم الضيافة.

نتنياهو: الركاب منعوا كارثة كبرى

من جهته قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن ركاب الطائرة «نجحوا في تحييد المهاجم، ومنعه من التسبب في (كارثة كبرى).

وقال نتنياهو إن أحد الطيارين طعن الآخر وحاول إسقاط الطائرة، مضيفاً في كلمة متلفزة: «في أثناء الرحلة، وبينما كانوا يقتربون من بلادنا، طعن أحد الطيارين زميله وحاول على ما يبدو إسقاط الطائرة بمن فيها»، مشيداً بـ«الأبطال» الذين تدخلوا للسيطرة على المهاجم، «وأنقذوا أرواحاً كثيرة» وسمحوا «بتجنب كارثة كبرى».

غير أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جزم بأن الحادث كان «محاولة هجوم جهادي»، على حد قوله. وأضاف: «‌المهاجم كان لديه هدف ⁠واحد ⁠هو تحطيم الطائرة».