تهديدات حوثية للسكان بسبب أزمات الوقود والغاز

ظهور سوق سوداء في إب واتهامات للجماعة بالوقوف خلفها

زحام دراجات نارية أمام شاحنة محملة بالبنزين في مديرية النادرة في محافظة إب (إكس)
زحام دراجات نارية أمام شاحنة محملة بالبنزين في مديرية النادرة في محافظة إب (إكس)
TT

تهديدات حوثية للسكان بسبب أزمات الوقود والغاز

زحام دراجات نارية أمام شاحنة محملة بالبنزين في مديرية النادرة في محافظة إب (إكس)
زحام دراجات نارية أمام شاحنة محملة بالبنزين في مديرية النادرة في محافظة إب (إكس)

يواجه سكان مناطق سيطرة الحوثيين أزمة جديدة في الغاز المنزلي إلى جانب وجود أزمات أخرى في الوقود، نتيجة الضربات الإسرائيلية للمنشآت الحيوية والخدمية التي تسيطر عليها الجماعة... كما يواجهون تهديدات بإجراءات عقابية في حال تناقل أخبار الأزمات. وتشتدّ هذه الأزمة في محافظة إب التي يعتقد سكانها أنها متعمدة.

وبعد 3 أيام من إعلان الجماعة الحوثية انتهاء أزمة الوقود في مناطق سيطرتها، تسبب إنذار إسرائيلي باستهداف موانئ الحديدة بعودة اكتظاظ آلاف السيارات والمركبات في طوابير طويلة أمام محطات الوقود في صنعاء ومحافظات أخرى تحت سيطرة الجماعة، وردت الجماعة على تلك الطوابير بإطلاق تهديدات بمحاسبة كل من يتسبب في افتعال الأزمات.

وأرسلت الجماعة مسلحيها لمنع الطوابير، وإجبار أصحاب المركبات على المغادرة قبل الحصول على الوقود، بالتزامن مع إعلان قطاع النفط التابع لها، «أن الإمدادات كافية».

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة الحوثية «تسعى لتأكيد مزاعمها بتحقيق انتصار على الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي سبيل ذلك تحاول منع أي مظاهر لأزمات المواد الأساسية أو تناقل أخبارها».

اليمنيون يتخوفون من تأثير أزمات الوقود والغاز التي بدأت ملامحها أخيراً في حياتهم (رويترز)

وتسببت الغارات الأميركية والإسرائيلية على ميناء رأس عيسى النفطي في محافظة الحديدة (غرب)، في حدوث أزمة وقود، زعمت الجماعة انتهاءها بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منتصف الأسبوع الماضي، التوصل إلى تفاهم معها على وقف هجماتها على الملاحة الدولية، مقابل وقف الجيش الأميركي هجماته.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن وكلاء توزيع الغاز ومسؤولي الأحياء المعروفين بـ«عُقّال الحارات» تلقوا تعليمات بعدم بيع الغاز إلا وفق قوائم التوزيع المعتمدة من طرف الجماعة، بينما تبادل رواد مواقع التواصل الاجتماعي تحذيرات من الإشارة إلى أي أزمات أو طوابير للحصول على الوقود والغاز.

أزمة خاصة بإب

في السياق نفسه، يشتكي سكان محافظة إب، (192 كلم جنوب صنعاء) منذ قرابة أسبوعين، من شح مادة الغاز المنزلي في نقاط البيع ومحطات التعبئة، ويرجحون اختلاق أزمة مفاجئة، في استغلال للضربات الأميركية والإسرائيلية على مواقع الجماعة الحوثية، بعد أن كان الغاز متوفراً بكميات كبيرة.

أزمة جديدة في الغاز المنزلي تشهدها مناطق سيطرة الحوثيين وتشتد في محافظة إب (إعلام محلي)

وذكرت مصادر محلية في المحافظة أن محطات الغاز ونقاط البيع أغلقت فجأة ودون سابق إنذار؛ ما أدى إلى قلق السكان، ولجوء الكثير منهم إلى الاحتطاب بعد يأسهم من الحصول على الغاز.

وطبقاً للمصادر، فإن محلات جديدة افتُتحت بشكل مفاجئ لبيع الغاز، إلى جانب وقوف شاحنات لبيع الأسطوانات الممتلئة به في عدد من الطرقات بأسعار مرتفعة، ما يعني ظهور سوق سوداء، وسط صمت تام من قبل الجماعة الحوثية التي تسيطر على المحافظة.

ووصل سعر الأسطوانة الواحدة إلى أكثر من 30 دولاراً (أكثر من 15 ألف ريال يمني)، بعد أن كانت تُباع رسمياً بنحو 7 آلاف ريال.

وقال ناشطون اجتماعيون في إب لـ«الشرق الأوسط»، إن أزمة الغاز في المحافظة «مفتعلة من قبل مشرفين وقياديين حوثيين دأبوا على افتعال مثل هذه الأزمات، بسبب ما يتحصلون عليه من مبالغ طائلة على حساب السكان».

أزمات الغاز تتكرر في مناطق سيطرة الحوثيين والسكان يتهمون قادة في الجماعة بافتعالها (إعلام محلي)

وأعادوا التذكير بأزمة شبيهة شهدتها المحافظة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والذي شهد اختفاء الغاز من المحطات ونقاط البيع، وظهر في السوق السوداء التي اتضح وقوف قياديين حوثيين خلفها.

افتعال أزمات متتالية

لا تقتصر أزمة الغاز على محافظة إب، فوفق مصادر محلية، تنتشر الأزمة في غالبية مناطق سيطرة الجماعة، إلا أنها ليست بالحدة نفسها كما في إب.

ويشتكي ملاك السيارات والمركبات التي تعمل بالغاز من صعوبة الحصول على الوقود من محطات التعبئة، رغم توفر الغاز للبيع في نقاط بيع وتوزيع الأسطوانات، وهو ما اضطر العديد منهم إلى إيقاف سياراتهم بانتظار توفره.

وأعلن قطاع الغاز التابع للجماعة الحوثية عن إجراءات وصفها بالجديدة، للتخفيف من أزمة الوقود من خلال تحسين عملية توزيع الغاز المنزلي، وتقليص فترات الانتظار أمام المحطات.

قيادي حوثي يزور محطة لتعبئة الغاز في محافظة المحويت (إعلام حوثي)

وتمنع الجماعة الحوثية وصول الغاز المحلي الذي ينتج في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها، وعوضاً عن ذلك تبيع للسكان غازاً مستورداً من إيران، في إجراء يصفه الخبراء الاقتصاديون بأنه حرب تجارية على الحكومة، ودعم لاقتصاد إيران التي تقدم دعماً سياسياً وإعلامياً ولوجيستياً للجماعة.

ووفقاً لناشطين في أرياف محافظة إب، فإن كثيراً من السكان لجأوا إلى الاحتطاب للاستعاضة عن الغاز المنزلي، وهو ما يرون أنه، وفي حال استمرار الأزمة، يهدد بيئة المحافظة المعروفة باخضرارها الدائم.

الناشطون أوضحوا لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتطاب لم يكن وليد الأزمة الحالية، وإنما تسببت فيه أزمات الغاز المتتالية التي تفتعلها الجماعة الحوثية باستمرار في المحافظة.


مقالات ذات صلة

العليمي: أخطر ما يراهن عليه الحوثيون ضرب وحدة «الشرعية»

المشرق العربي الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال الاجتماع (سبأ)

العليمي: أخطر ما يراهن عليه الحوثيون ضرب وحدة «الشرعية»

عدّ الدكتور رشاد العليمي أن أخطر ما يراهن عليه خصوم الدولة لا يتمثل في قدراتهم العسكرية بل بمحاولاتهم «الفاشلة» لاستهداف وحدة الصف الوطني

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي خلال لقائه أعضاء الوفد الجنوبي في الرياض (مكتب المحرّمي)

تكثيف المشاورات في الرياض لإنجاح الحوار الجنوبي اليمني

دخلت التحضيرات للحوار الجنوبي - الجنوبي، المرتقب مرحلة جديدة من المشاورات السياسية، مع تكثيف اللقاءات الرامية إلى تهيئة الظروف اللازمة لإنجاحه.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)

العميد مجلي لـ«الشرق الأوسط»: القوات المسلحة جاهزة لأي تصعيد حوثي... وحماية سيادة اليمن

أكدت القوات المسلحة اليمنية جاهزيتها للتعامل مع أي تطوُّرات ميدانية أو تصعيد عسكري من جانب جماعة الحوثي، وندَّدت بما وصفتها بـ«التدخلات الإيرانية المباشرة».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي القارب كان ينقل معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية (قوات العمالقة)

إحباط تهريب معدات لتصنيع المسيّرات الحوثية في «باب المندب»

ضبط قارب كان ينقل معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية، خلال محاولته العبور إلى سواحل محافظة الحديدة على البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)

خاص مجمع الموهوبين في مأرب... من قلب الحرب إلى صناعة المستقبل

شكّل مجمع الموهوبين نقطة تحول في مسيرة التعليم النوعي في محافظة مأرب، والتحق به منذ افتتاحه عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق.

عبد الهادي حبتور (اليمن مأرب)

قتيل وجريح في ضربتين إسرائيليتين في جنوب لبنان

أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

قتيل وجريح في ضربتين إسرائيليتين في جنوب لبنان

أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
أحد عناصر الدفاع المدني اللبناني يتفقد سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في كفر رمان بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قتل شخص وأصيب آخر في ضربتين نفذهما الطيران المسيّر الإٍسرائيلي على جنوب لبنان، الجمعة، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.

وأوردت الوكالة: «استشهد شاب من مدينة النبطية، في غارة لمسيّرة معادية استهدفته عصر اليوم، عندما كان على دراجة نارية على طريق دوحة بلدة كفررمان»، وأصيب آخر «إصابة خطرة في المنطقة نفسها، في غارة أيضاً لمسيّرة معادية استهدفته في سيارته»، مشيرة إلى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.

من جهته، قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه قتل شخصين في جنوب لبنان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار إلى أنه شنّ ضربة جوية استهدفت «إرهابياً من (حزب الله) كان يعمل قرب مدخل منشأة إرهابية تحت الأرض في تلة علي الطاهر»، وقام بـ«تحييد مشتبه به يتنقل على متن سيارة كان يشكل تهديداً للجنود» الإسرائيليين.

ووقّع لبنان وإسرائيل في واشنطن في 26 يونيو (حزيران) اتفاق إطار، نص خصوصاً على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، على أن ينتشر فيها الجيش اللبناني بدءاً من منطقتين «تجريبيتين».

ويشترط لبنان على إسرائيل الانسحاب من منطقتين تجريبيتين في جنوب البلاد، للقبول بالمشاركة في جولة التفاوض المحددة الأسبوع المقبل في روما، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي مواكب للمفاوضات «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

ومن المقرر أن تُعقد جولة التفاوض المقبلة في روما في 15 و16 الحالي، بطلب من واشنطن التي استضافت الجولات الخمس الأولى. ولم يؤكد لبنان مشاركته رسمياً بعد.

ولا يحدّد الاتفاق جدولاً زمنياً للانسحاب من جنوب لبنان، في حين تكرر إسرائيل على لسان مسؤولين فيها، أن قواتها لن تنسحب من «منطقة أمنية» بعمق عشرة كيلومترات عن حدودها، إلا بعد نزع سلاح «حزب الله»، في خطوة يشكك محللون بقدرة الدولة اللبنانية على إنجازها.

ويرفض «حزب الله» تسليم سلاحه والتفاوض المباشر مع إسرائيل ومخرجاته، ويعوّل على داعمته إيران من أجل وقف الحرب مع الدولة العبرية.


الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)
مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)

سيناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وذلك بعد ضغوط من عدد من الدول الأعضاء على التكتل لاتخاذ إجراءات، حسبما أفاد دبلوماسيون، اليوم (الجمعة).

ورجّح الدبلوماسيون أن النقاش الذي سيجري في اجتماع ببروكسل، يوم الاثنين، لن يُسفر عن أي قرارات ملموسة، ولكنه سيساعد في تبيان مدى الدعم المتوافر للمضي قدماً في إجراءات مثل هذه.

وفرضت دول في الاتحاد الأوروبي، من بينها آيرلندا وهولندا وإسبانيا، قيوداً تجارية خاصة بها على المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحت ضغط متزايد على التكتل لاتخاذ إجراءات، طُرحت هذا الأسبوع خيارات للحد من التجارة مع المستوطنات، بما في ذلك فرض حظر. ويدور خلاف في الاتحاد حول ما إذا كان هذا الإجراء يتطلّب إجماع الدول الـ27 أم تكفيه الغالبية.

ويقول الدبلوماسيون إن ألمانيا وإيطاليا لم تحسما أمرهما بعد بشأن هذه الخطوة.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. ويعيش أكثر من 500 ألف إسرائيلي بين نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، في مستوطنات وبؤر استيطانية غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وأدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، التوسع الاستيطاني «المتواصل» في الضفة الغربية، قائلاً في تقرير، اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية» الشهر الماضي، إن هذه المستوطنات تُسهم في «أكبر أزمة نزوح في الضفة الغربية منذ عام 1967».

ولطالما عاقت الانقسامات قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني موقف موحد تجاه إسرائيل؛ إذ تؤيدها بعض الدول الأعضاء، في حين تدعم دول أخرى الفلسطينيين.


هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
TT

هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)
عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

بعد يومين من تفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ألقت السلطات الأمنية السورية، الخميس، القبض على الخلية المسؤولة عن التفجيرين، وأظهرت التحقيقات الأولية أنها تتبع لتنظيم «داعش».

وفي ظل الحساسية الكبيرة للحدث، بحكم أن التفجيرين حصلا قرب فندق «فورسيزونز» الراقي وسط دمشق، حيث أمضى ماكرون ليلته، خلال زيارته التي تعد الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024، والقلق الشديد الذي لا يزال يعتري الأوساط الشعبية في دمشق من تكرار ما حصل، يطرح السؤال: هل تبعية الخلية المتورطة في التفجيرين لـ«داعش» يعني أن التنظيم لديه إمكانية اختراق الأمن متى يشاء؟

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» بعد الانفجارين (أ.ف.ب)

حسب الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي، عصمت العبسي، المقرب من وزارة الدفاع، فإنه «لا يمكن بأي حال اعتبار حصول التفجيرين مؤشراً على ضعف أو عجز، بل هو تأكيد على طبيعة الحرب غير المتكافئة التي تخوضها السلطات الأمنية والعسكرية السورية ضد (داعش) الذي يعتمد على الانتحارية والعشوائية لزرع الرعب».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عدّ العبسي أن ما حدث «ليس اختراقاً أمنياً بالمعنى التقني، بل محاولة إرهابية فاشلة تم كشفها ومحاكمتها بسرعة قياسية».

ووقع التفجيران على بعد مئات الأمتار من الفندق، بعد دقائق من مغادرة موكب ماكرون باتجاه القصر الرئاسي لعقد اجتماع موسع مع الرئيس الشرع، بحضور وفدين من البلدين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره السوري أحمد الشرع خلال جولة في المسجد الأموي بدمشق (أ.ف.ب)

ونجم التفجيرين عن عبوتين صُنعتا بطريقة بدائية، وأسفرا عن مقتل شخص وإصابة 36 آخرين بجروح، وفق وزارة الصحة.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية، حينها، أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا»، وتبع ذلك تأكيد ماكرون، في منشور على «إكس»، أن زيارته إلى سوريا «ستستمر».

وأوضح العبسي، أن زيارة ماكرون «كانت محاطة بإجراءات أمنية مشددة ومعقدة، وحقيقة تفجير العبوات بعيداً عن مسار الضيف الرسمي، ثم القبض الفوري على منفذيها، يثبتان أن الخط الأحمر للأمن القومي لم يُخترق، وأن الدولة قادرة على الفصل بين ضجيج العدو وأداء مهامها السيادية بامتياز».

وجاء التفجيران بعد أيام من انفجار وقع يوم الجمعة الماضي، داخل مقهى قرب القصر العدلي بدمشق، راح ضحيته 10 أشخاص.

و أوضح العبسي «أن التسلل يختلف عن التوطين، والتنظيم لا يمتلك قاعدة شعبية ولا وجوداً مدنياً حقيقياً، بل يعتمد على خلايا نائمة ومتفرقة تحاول استغلال الفراغ الأمني المؤقت بعد سنوات من الحرب».

متفجرات ضبطها الامن السوري في وكر ل«داعش«(سانا)

ويعكس ظهور هذه الخلايا في محيط دمشق محاولات يائسة للتنظيم الإرهابي لإعادة ترسيخ حضوره قبل أن تُنهيه الدولة تماماً، وليس دليلاً على تغلغل واسع النطاق، وفق العبسي، الذي لفت إلى أن الأجهزة الأمنية «تعمل حالياً وفق منهجية الاستباقية والمراقبة الدقيقة، ما سمح لها بتحويل كل حالة تسلل إلى عملية اعتقال وقضاء، بدلاً من تركها تتحول إلى تهديد مستمر».

وعما إذا كان يعتقد أن عدد خلايا «داعش» كبير في دمشق ومحيطها؟ أوضح العبسي «أن الأرقام ليست المعيار الوحيد للخطر، فالخلية الواحدة المنظمة جيداً قد تكون أكثر ضرراً من عشرات العناصر المشتتة».

وأضاف: «نحن نتعامل مع بقايا تنظيم هزم عسكرياً، لكنه لم يقضَ عليه قضائياً وأمنياً بالكامل بعد، فهناك عناصر متبقية تبحث عن أي فرصة للانتقام أو زعزعة الاستقرار السياسي الجديد، لكن قدرتها محدودة جداً مقارنة بما كانت تملكه سابقاً، ومهمتنا الحالية هي تجفيف منابع هذا النشاط عبر التعاون المجتمعي والمراقبة الذكية، ونحن نجني ثمار هذا النهج يومياً كما ظهر في هذه العملية».

القبض على القيادي البارز في «داعش» فراس الداغر وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل بالتنظيم جنوب سوريا (سانا)

وجاء التفجيران في وقت تواصل فيه وزارة الداخلية تكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب عبر عمليات أمنية مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامة وإدارة مكافحة الإرهاب، حيث أعلنت في 9 يونيو (حزيران) الماضي عن تفكيك 7 خلايا لتنظيم «داعش»، وتوقيف 235 شخصاً من عناصره، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

العبسي، في تصريحه، أكد أن حادثة تفجير العبوتين، «ستسرّع وتيرة الإصلاحات الأمنية الهيكلية التي بدأتها الحكومة بالفعل، وسنشهد تعزيزاً للتعاون بين قوى الأمن الداخلي والمخابرات العامة لإنشاء شبكة معلومات موحدة وسريعة الاستجابة، بالإضافة إلى ذلك، سيتم تكثيف العمليات الميدانية الوقائية في المناطق الريفية والمدن المجاورة للعاصمة لمنع إعادة تشكيل الخلايا»، لافتاً إلى أن الهدف «ليس ردّ الفعل السريع فقط، بل بناء منظومة أمنية متكاملة تجعل البيئة غير صالحة لأي نشاط إرهابي، ما يرسل رسالة واضحة للشركاء الدوليين بأن سوريا آمنة ومستقرة للاستثمار والتفاعل السياسي».

وإضافة إلى الإعلان، أمس (الخميس)، عن إلقاء القبض على المسؤولين عن التفجيرين اللذين استهدفا دمشق في 7 يونيو (تموز) الحالي، أعلنت وزارة الداخلية في اليوم نفسه أنها فككت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، خلايا عدة تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في المنطقة الجنوبية، وألقت القبض على القيادي البارز في التنظيم، المدعو فراس الداغر، وعدد من أبرز المسؤولين عن الاغتيالات والتمويل.

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

ومن جانبه، أوضح الباحث السياسي المختص بالشأن الأمني، ضياء قدور، أن «داعش» يقود اليوم حملة تصعيد منخفضة الشدة ضد الدولة السورية، ولا يزال يشكل تهديداً مستمراً مستغلاً الثغرات الأمنية والخواصر الرخوة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «التفجيرين الأخيرين صحيح أنهما كانا مؤلمين وصادمين، لكن العمليات الأمنية الكبيرة لقوات الأمن كشفت عن قدرات متزايدة ومتصاعدة لديها لمكافحة التنظيم».

وعدّ «أن اعتقال هذا العدد من خلايا التنظيم في آن معاً، هو مؤشر على مدى بنك المعلومات المحدد الذي تمتلكه وزارة الداخلية، وتمتعها بقدرات لوجستية فائقة لمتابعة أهداف لوجستية».

وأوضح «أن الهدف الرئيسي للتفجيرين ليس إيقاع ضحايا بقدر ما هو التشويش على زيارة ماكرون وإظهار الدولة السورية بصورة الضعيفة، وكذلك التشويش على المرحلة الحالية»، مشيراً إلى أن الخلية مرتبطة بـ«داعش»، ولكن ربما تقف وراءها أجهزة استخبارات كبرى، لا تريد لسوريا أن تهدأ وأن تستقر.

وبينما يتم الحديث عن قدرات التنظيم المتزايدة، اعتبر قدور أن هذه ليست عودة صريحة للتنظيم الذي لا يستهدف السيطرة على منطقة معينة أو إعادة بناء «الدولة الإسلامية»، بل هو يعرقل جهود من يقوم ببناء الدولة، وهذه استراتيجية «داعش» اليوم القائمة على الاستنزاف ورفع التكلفة.

دخان ونيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

ومع تزايد القدرات التكنولوجية للقوات الأمنية، ورفع العقوبات، سيصعب على التنظيم تنفيذ عمليات في مراكز المدن، وسيتجه أكثر نحو الضواحي والمناطق المفتوحة، وفق قدور. وأشار إلى «أن التهديد الأمني لا يزال مستمراً، ويجب على الدولة والأجهزة الأمنية أن تجد حلاً شاملاً ومتكاملاً لتهديدات (داعش) المستمرة».

وأضاف: «إحصائيات عام 2026 تقول إن عمليات (داعش) تراجعت مقارنة بالعامين الماضيين، لكن التهديد الأمني مستمر من خلال بعض الثغرات التي يمكن أن يستغلها التنظيم، ويمكن أن يؤدي الأمر إلى أحداث مؤلمة وصادمة في بعض الأوقات، وبالتالي على الدولة السورية أن تضع حدّاً لهذه العمليات من خلال إيجاد معادلة متكاملة للأمن السوري، لا تقوم على تطوير الأدوات الأمنية وقدراتها العسكرية والتكنولوجية فقط، بل على جوانب اقتصادية وملاحقة المظالم الاجتماعية والاقتصادية أيضاً، لأن الأمن بشكل عام معادلة متكاملة، فنحن أمام مرحلة طويلة الأمد، والمعركة صعبة، وقد تواجهنا مطبات وعراقيل، ولكن مع تطوير الخبرات والقدرات التي تضاف والتعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، أعتقد أننا سنصل إلى نتيجة مهمة».