لماذا توترت العلاقات بين البابا فرنسيس وإسرائيل؟

البابا فرنسيس خلال لقاء جمعه بالرئيسين الفلسطيني محمود عباس والإسرائيلي حينها شمعون بيريز عام 2014 (رويترز - أرشيفية)
البابا فرنسيس خلال لقاء جمعه بالرئيسين الفلسطيني محمود عباس والإسرائيلي حينها شمعون بيريز عام 2014 (رويترز - أرشيفية)
TT

لماذا توترت العلاقات بين البابا فرنسيس وإسرائيل؟

البابا فرنسيس خلال لقاء جمعه بالرئيسين الفلسطيني محمود عباس والإسرائيلي حينها شمعون بيريز عام 2014 (رويترز - أرشيفية)
البابا فرنسيس خلال لقاء جمعه بالرئيسين الفلسطيني محمود عباس والإسرائيلي حينها شمعون بيريز عام 2014 (رويترز - أرشيفية)

أعربت الحكومة الإسرائيلية، الخميس، عن تعازيها في وفاة بابا الفاتيكان الراحل فرنسيس، بعد ثلاثة أيام من رحيله عن عمر يناهز 88 عاماً.

وجاء في منشور صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو: «تعبر دولة إسرائيل عن خالص تعازيها للكنيسة الكاثوليكية والكاثوليك في جميع أنحاء العالم في وفاة البابا فرنسيس، رحمه الله».

وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية قد نشرت بعد ساعات من إعلان وفاة البابا فرنسيس، تعزية على منصة «إكس»: «ارقد بسلام، البابا فرنسيس. رحم الله ذكراه»، وبعد ساعات حُذفت التعزية دون إبداء أي تفسير.

علما الفاتيكان وإسرائيل خلال إقامة البابا فرنسيس صلاة الملائكة في الساحة الرئيسية بالكرسي الرسولي الخميس (رويترز)

وقالت وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء إنه في ظل حزن عالمي شديد على وفاة البابا فرنسيس، بدا قرار حذف المنشور وكأنه يعكس التوترات التي برزت بين إسرائيل والفاتيكان بسبب انتقادات البابا المتكررة لسلوك إسرائيل خلال حرب غزة.

وأضافت أن نتنياهو عادةً ما يُسارع إلى إصدار بيانات حول وفاة الشخصيات الدولية البارزة لكنه التزم الصمت لأيام حيال وفاة البابا، فيما جاءت التعازي من الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الذي يتولى منصباً شرفياً إلى حد كبير، والذي أشاد بالبابا فرنسيس لكونه «رجل إيمان عميق ورحمة لا حدود لها».

وتحسنت العلاقات بين إسرائيل وبابا الفاتيكان الراحل بشكل مطرد وبرز ذلك جلياً من خلال زيارته للأراضي المقدسة عام 2014 لكن كل شيء تغير بعد اندلاع حرب غزة بهجوم «حماس» على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ومع تعبيره عن تعاطفه مع القتلي والرهائن الإسرائيليين، أشار البابا فرنسيس إلى أن هجمات إسرائيل اللاحقة على غزة ولبنان كانت «غير أخلاقية وغير متناسبة»، كما دعا إلى إجراء تحقيق لتحديد ما إذا كانت هجمات إسرائيل على غزة تُشكل إبادة جماعية، وهي تهمة تنفيها إسرائيل بينما تستمر التحقيقات بواسطة الأمم المتحدة.

البابا فرنسيس يجتمع بوفد الفلسطينيين في الفاتيكان الذين لديهم أقارب معتقلون لدى إسرائيل (رويترز)

وقال وديع أبو نصار، رئيس مجموعة تمثل المسيحيين في إسرائيل والأراضي الفلسطينية: «أدان البابا فرنسيس ما حدث في 7 أكتوبر، لكنه كان واضحاً أيضاً في أن ما حدث يوم 7 أكتوبر لا يبرر ما يحدث منذ ذلك الحين».

وأضاف أبو نصار أن البابا فرنسيس «كان بمثابة صديق يقول الحقيقة، حتى لو لم يكن ذلك ما تريد سماعه بالضبط».

وطوال الحرب، حافظ البابا فرنسيس على توازن دقيق بين علاقاته الوثيقة بإسرائيل وإدانة الخسائر الفادحة في غزة، وفقاً لأمنون رامون، الخبير في المسيحية بإسرائيل والباحث البارز في معهد القدس لأبحاث السياسات.

وكان البابا فرنسيس قريباً بشكل استثنائي من كاهن الرعية المحلي في غزة، وهو، مثل البابا السابق، من الأرجنتين.

تاريخ من التوتر

ولطالما كانت علاقة إسرائيل بالفاتيكان هشة تاريخياً، وينبع هذا من الغضب إزاء ما يُنظر إليه على أنه تقاعس من جانب الفاتيكان خلال الحرب العالمية الثانية، حيث يجادل النقاد بأن البابا بيوس الثاني عشر التزم الصمت خلال الهولوكوست على الرغم من علمه المحتمل بالخطة النازية لإبادة اليهود، ويصر المؤيدون على أنه استخدم الدبلوماسية الهادئة لإنقاذ أرواح اليهود.

وأطلق الكرسي الرسولي رسمياً علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 1993.

ويشكل المسيحيون أقل من 2 في المائة من سكان الأرض المقدسة. ويوجد نحو 182 ألفاً في إسرائيل، و50 ألفاً في الضفة الغربية، و1300 في غزة، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية.

وفي بداية تولي البابا فرنسيس منصبه تحسنت العلاقة مع إسرائيل بشكل ملحوظ، وزار البابا فرنسيس الأراضي المقدسة عام 2014 في أولى زياراته الدولية، حيث التقى نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي. كما زار الرئيس الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز الفاتيكان مرات عدة، بما في ذلك زيارته إلى فلسطين مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لغرس شجرة سلام في حدائق الفاتيكان.

إلا أن تحول الحكومة الإسرائيلية نحو اليمين، والحرب الدائرة في غزة، أدى إلى توتر العلاقات وأعرب البابا عن قلقه بشأن الرهائن المحتجزين في غزة.

وقال القس ديفيد نيوهاوس، وهو كاهن شغل منصب المتحدث الرسمي خلال زيارة البابا عام 2014: «عبّر البابا فرنسيس عن قلقه لأول مرة في 8 أكتوبر، في اليوم التالي لبدء الحرب، وواصل النهج نفسه حتى نهاية حياته: الحرب هزيمة، لا نصر للحرب».

البابا فرنسيس خلال لقائه الوفد الإسرائيلي الذين لديهم أقارب محتجزون لدى «حماس» (أ.ف.ب)

وأضاف: «أعرب البابا فرنسيس عن قلقه البالغ بشأن الرهائن، لكنه قال إن العنف يجب أن يتوقف، وإن إسرائيل تستخدم القوة لتحقيق أمر لا يمكن تحقيقه بالقوة».

والتقى البابا فرنسيس بعائلات الرهائن المحتجزين في غزة والفلسطينيين المتضررين من الحرب.

وفي مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في أبريل (نيسان) 2023، قال بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، إن حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة قد زادت من تدهور حياة المسيحيين في مهد المسيحية، وأشار إلى تزايد الهجمات على المواقع المسيحية والحجاج ورجال الدين.

على الرغم من أن قادة العالم، بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سيحضرون جنازة البابا فرانسيس، فإن إسرائيل سترسل سفيرها لدى الفاتيكان فقط، وهو دبلوماسي بمستوى أدنى.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، أورين مارمورشتاين، إن هذا يرجع جزئياً إلى تضارب المواعيد، وجنازة يوم السبت، السبت اليهودي، الذي يُلزم السياسيين الإسرائيليين بالبقاء على بُعد مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من الجنازة، وذكر أن القرار لا يُشير إلى أي توتر مع الفاتيكان.

وقال مارمورشتاين: «ستُمثل إسرائيل رسمياً في الجنازة من خلال سفيرنا هناك». وأضاف: «كانت هناك أمور لم نتفق عليها، لكننا سنشارك في الجنازة».

وقال أبو نصار: «كان البابا فرنسيس من أفضل أصدقاء إسرائيل، لكن القيادة الإسرائيلية لم تفهمه جيداً»، وأضاف أبو نصار، وهو كاثوليكي من مدينة حيفا شمال إسرائيل: «كان الرجل زعيم أهم كنيسة في العالم. كان الرجل رئيس دولة وله أتباع من بين دافعي الضرائب الإسرائيليين يستحق الرجل بعض الاحترام».


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان سيواصل دعواته للسلام رغم انتقادات ترمب

الولايات المتحدة​ صورة مركبة فيها البابا لاوون الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle 00:34

بابا الفاتيكان سيواصل دعواته للسلام رغم انتقادات ترمب

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بابا الفاتيكان بأنه «متساهل مع الجريمة»، و«سيئ للغاية في السياسة الخارجية»، و«محابٍ لليسار الراديكالي».

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز) p-circle 00:34

بابا الفاتيكان يعتزم مواصلة معارضته للحرب رغم هجوم ترمب

شنَّ ترمب، هجوماً لاذعاً على ​البابا ليو في وقت متأخر من أمس الأحد، واصفاً إياه بأنه «ضعيف» في التعامل مع الجريمة و«سيئ» في السياسة الخارجية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ) p-circle

البابا ليو «أقرب من أي وقت مضى» إلى الشعب اللبناني

قال البابا ليو الرابع عشر، الأحد، إنه «أقرب من أي وقت مضى» إلى الشعب اللبناني، وشدد على أن حمايته «واجب أخلاقي»، في وقت تتواصل الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)

بابا الفاتيكان: كفى عرضاً للقوة... كفى حرباً

انتقد البابا ليو الرابع عشر بشدة دعاة الحرب و«عرض القوة» خلال صلاة من أجل السلام، السبت، تناول فيها النزاعات التي تشعل العالم.

«الشرق الأوسط»
أوروبا البابا لاوون الرابع عشر مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الفاتيكان (د.ب.أ)

دعوة للسلام في أول لقاء بين ماكرون والبابا لاوون الرابع عشر

قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، بزيارة للفاتيكان التقى خلالها البابا لاوون الرابع عشر للمرة الأولى.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)

تتواصل الخروقات الإسرائيلية للهدنة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على جبهة لبنان، في ظلِّ استمرار العمليات العسكرية والغارات التي يشنّها الطيران الحربي على أهداف يزعم أنها تابعة لـ«حزب الله»، ما حمل الأهالي العائدين إلى بعض القرى الجنوبية إلى مغادرتها فوراً؛ خوفاً من تجدد القتال على نحوٍ سريع.

الخط الأصفر

وتترافق هذه الخروقات، مع إعلان الجيش الإسرائيلي «إنشاء الخطّ الأصفر في جنوب لبنان على غرار غزّة»، ما يعني منع الأهالي من العودة إلى 55 بلدة لبنانية واقعة ضمن هذا الخطّ.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام خطاً أصفر فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، لافتاً إلى أنه استهدف مسلحين مشبوهين حاولوا الاقتراب من قواته على طول هذا الخط. وقال الجيش: «خلال الساعات الـ24 الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي، العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان، إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكَّلت تهديداً مباشراً»، في إشارة أولى إلى هذا الخط منذ بدء تنفيذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في مناطق عدة بجنوب لبنان»، مذكِّراً بأنَّ الجيش مخوّل التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي هذا الإطار، يقول الخبير العسكري والأمني العميد فادي داود لـ«الشرق الأوسط»: «إن الخط الأمني الإسرائيلي غير رسمي، لكنه عملياً يشكل نقطة احتكاك خطيرة. هو يُعرف ميدانياً بالخط التقني الإسرائيلي على طول الحدود بين لبنان وإسرائيل، وهو ليس حدوداً رسمية معترفاً بها دولياً، بل إجراء أمني فرضته إسرائيل لأنه يتجاوز الخط الأزرق، و يُستخدم لفرض وقائع ميدانية، كما أنه يمكن أن يشعل اشتباكاً بسرعة كبيرة».

وضع غير مطمئن

أمام التطورات الميدانية التي فرضتها الحرب الأخيرة، بات من الصعب إحصاء الخروقات الإسرائيلية، لعدم قدرة قوات «اليونيفيل» على دخول البلدات الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، أن الخروقات الإسرائيلية «ليست محصورة بالقصف المدفعي والاستهداف عبر المسيّرات، أو بنقاط الاشتباك مع مقاتلي (حزب الله)، بل هناك تفخيخ متعمّد للمنازل ونسفها بالكامل، بذريعة تدمير البنى التحتية العائدة للحزب». ورأى أن الوضع في الجنوب «غير مطمئن، وثمة قلق من العودة إلى دوامة القتال». وأكد المصدر أن «الجانب اللبناني كان يتابع التطورات عبر مهمّة لجنة (الميكانيزم)، إلّا أن هذه اللجنة ليست موجودة حالياً، وبالتالي لا توجد آلية للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة».

مواطنون لبنانيون يزيلون الأنقاض من محل تجاري دُمِّر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)

على الصعيد الميداني، قُتل شخص في بلدة كونين، وأُصيب آخرون جراء جسم مشبوه يعتقد أنه قنبلة عنقودية من مخلفات القصف الإسرائيلي، وذلك بعد ساعات قليلة على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، بينما يستمرّ القصف المدفعي يٌسمع في عدّة قرى واقعة في القطاع الأوسط، كما أطلق الجيش الإسرائيلي رشقات نارية على بلدة عيترون. وأفادت المعلومات الميدانية بأن مدينة الخيام لا تزال تتعرَّض لقصف مدفعي، كما نفَّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف لمبانٍ في بلدات الخيام، والقنطرة، وشمع، وبنت جبيل، والبياضة، كما سُمعت في محيط بنت جبيل أصوات انفجارات وتمشيط.

مساران للعمليات في الجنوب

وفرضت شروط الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ منتصف ليل الخميس ـ الجمعة، واقعاً جديداً أكثر صعوبة مما كان عليه الوضع في قرار وقف الأعمال العدائية الذي اتفق عليه الجانبان، اللبناني والإسرائيلي، في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ورأى داود، أن «العمليات الإسرائيلية جنوب نهر الليطاني تجري على مسارين متوازيين، يهدفان إلى تثبيت واقع ميداني جديد في المنطقة». ويوضح أن المسار الأول «يتمثَّل بمحاولة الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده في القرى التي سيطر عليها، بالتوازي مع استكمال سياسة التدمير الشامل التي اعتمدها سابقاً في قطاع غزة»، مشيراً إلى أنَّ الجيش الإسرائيلي «يركز الآن على تدمير المباني في القرى التي أحكم سيطرته عليها في النسقين الأول والثاني، ويعمد إلى اقتلاع الأشجار، بما فيها الزيتون، وإضرام النيران في الأحراج لتحويلها إلى منطقة محروقة بالكامل»، لافتاً إلى أنَّ إسرائيل «تعمد إلى تجريف ركام المنازل المُهدَّمة ونقلها لإعادة تدويرها، في مؤشر إلى نية إحداث تغيير جذري في طبيعة المنطقة».

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان بعد إعلان وقف إطلاق النار (أ.ب)

معركة بنت جبيل

أما المسار الثاني، فيتركز وفق تقدير العميد داود على معركة بنت جبيل، ويؤكد: «هذه المعركة لها بعدان أساسيان: الأول رمزي، بعد أن أطلق (حزب الله) على المدينة اسم (عاصمة المقاومة)، والثاني استراتيجي، نظراً إلى موقعها الجغرافي القريب من الحدود، وتجعل مَن يسيطر عليها قادر على أن يتحكم بشمال إسرائيل وجنوب لبنان».

أهمية بنت جبيل لا تقتصر على رمزية المدينة فحسب، بل ترتبط بمحيطها، ويعدّ العميد فادي داود، أن «السيطرة عليها تعني سيطرة تلقائية على الطرق والبلدات المحيطة بها، لأنَّها تمنح أفضليةً ميدانيةً تسمح بالتحكم الناري بالقطاعين الشمالي الشرقي والغربي من المنطقة»، لافتاً إلى أنَّ «العمليات داخل بنت جبيل ستستمرّ بغض النظر عن الهدنة». ورجّح أنه «في حال توفر ضوء أخضر أميركي، فإنَّ إسرائيل قد تواصل عملياتها ضمن ما تُعرف بـ(الحرب الصغيرة) أو ما تُعرف بـ(حرب العصابات)؛ بهدف استكمال السيطرة على ما تبقَّى من مواقع للحزب داخل المدينة».

أطفال يرفعون إشارة النصر خلال عودتهم إلى قراهم في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار (رويترز)

وشدَّد العميد داود، على أنَّ «العمليات الإسرائيلية غير المرئية، هي ترجمة فعلية لسياسة الأرض المحروقة، وتحويل البلدات المحتلة في جنوبي الليطاني إلى مساحة مدمرة بالكامل، بما يعكس نمطاً عملياتياً مشابهاً تماماً لما جرى في غزة».


ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل التي تنشط داخل قطاع غزة، وخاصةً جناحها المسلح «كتائب القسام».

وقال مصدران من «حماس» في خارج قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك محاولات من بعض الدول الوسيطة لإقناع الحركة بإبداء موافقة خطية مبدئية على الخطة، التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، لقيادة الحركة منذ نحو أسبوعين، على أن يتم التفاوض بشأن بنودها لاحقاً في مرحلة أخرى.

وأوضح المصدران أن هناك محاولات لانتزاع هذه الموافقة قبل الحصول على ضمانات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، مبينةً أن الفريق المفاوض مُصر على الاستمرار في التمسك بموقفه الذي يهدف لضمان تنفيذ المرحلة الأولى بكامل بنودها، قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية.

الدمار في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال المصدران: «إن هناك محاولات من الوسطاء وجهات عدة ليكون هناك تنفيذ للمرحلة الأولى بجميع بنودها بلا استثناء، مقابل أن يتم العمل فوراً على بدء تطبيق الثانية بشكل متزامن، وقد يفضي هذا الحراك إلى اتفاق».

ولفت مصدر إلى أن هناك مخاوف حقيقية لدى قيادة «حماس» من استغلال إسرائيل والولايات المتحدة، لموافقة الحركة المبدئية للتوقيع على الوثيقة المتعلقة بالمرحلة الثانية، لإجبار الحركة على خطوات ما زالت ترفضها ضمن الخطة الأصلية وطلبت تعديلات واضحة عليها.

وأشار المصدر إلى أن بعض الدول الوسيطة تتفهم موقف «حماس» ومخاوفها وتحاول نقل رسائل طمأنة بهذا الشأن، فيما لا تزال الاتصالات والنقاشات الداخلية في أوساط الحركة ومع الفصائل الفلسطينية مستمرة.

واقترحت بعض الفصائل، بدعم من وسطاء، أن يتم تقصير مدة المرحلة الثانية من 8 أشهر إلى 3 أو 4، لاستغلال أي تقدم إيجابي في تحسين الوضع الإنساني والحياتي للسكان بقطاع غزة، وخاصةً إطلاق مرحلة إعادة الإعمار في ظل الحاجة الماسة للتقدم في هذا الملف، مع استمرار تفاقم حياة النازحين المدمرة منازلهم والذين يعيشون في ظروف قاسية وصعبة جداً، حسب مصدر فصائلي لـ«الشرق الأوسط».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأى المصدر الفصائلي أن الهدف من تقصير مدة تطبيق المرحلة الثانية، هو الانتقال لمراحل أكثر تقدماً تخدم جميع الأطراف، وخاصةً الفلسطيني الذي يسعى إلى لملمة أوراقه على الصعيد الداخلي والالتفات لاحتياجات السكان، والعمل على بناء نظام وطني فلسطيني متكامل، مشيراً إلى أن هناك جهوداً تُبذل أيضاً بدعم عربي وكذلك من دول إسلامية، منها تركية، للعودة إلى الحوار الوطني الفلسطيني ولكن حتى هذه اللحظة لا يوجد تقدم ممكن أن يشير إلى عقد اجتماع قريب، ولكن الجهود مستمرة من أجل ذلك.

ولفت إلى أن هناك توافقاً لدى الفصائل بشأن قضية حصر السلاح، لكن ليس بالطريقة المطروحة نفسها، وهناك تعديلات تريد الفصائل إدخالها على المقترح الأساسي، وستنتظر ما ستؤول إليه الاتصالات الجارية حالياً لتقديم تعديلاتها في حال بدأت مناقشات جدية بشأن المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي الميداني داخل قطاع غزة، ما أدى لارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين.

وأصيب 4 فلسطينيين، صباح السبت، أحدهم وُصفت جروحه بالخطيرة، إثر إطلاق النار باتجاههم شرقي مدينة غزة، وشرق بلدة جباليا شمالي القطاع.

وقتل الجمعة، 3 فلسطينيين في سلسلة اعتداءات إسرائيلية طالت مجموعات من المواطنين وخيام النازحين في خان يونس جنوب القطاع، ومناطق شماله. ومن بين الضحايا فلسطينيان شقيقان كانا يقودان مركبة مياه محلاة تقدم خدمات للنازحين بدعم من منظمة «اليونيسف» التي أعلنت تعليق نشاطاتها شمال القطاع بعد الحادثة.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى أكثر من 773، وأكثر من 2015 مصاباً، والعدد التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72500.


مقتل جندي حفظ سلام في لبنان... والتقييمات تشير لمسؤولية «حزب الله»

جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

مقتل جندي حفظ سلام في لبنان... والتقييمات تشير لمسؤولية «حزب الله»

جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، اليوم السبت، إن جندياً من ​قوات حفظ السلام قُتل وأصيب ثلاثة إثر تعرض دورية تابعة لها لإطلاق نار من أسلحة خفيفة في أثناء إزالة ذخائر على طريق في قرية غندورية في جنوب لبنان.

وأضافت أن اثنين ‌من المصابين ‌في حالة خطيرة.

وقالت «​اليونيفيل» ‌إن ⁠التقييمات ​الأولية تشير ⁠إلى أن إطلاق النار جاء من جهات غير حكومية، يشتبه في أنها تابعة لـ«حزب الله». وذكرت أنها فتحت تحقيقاً في ما وصفته بأنه «هجوم متعمد».

وأعلن الرئيس ⁠الفرنسي إيمانويل ماكرون، في ‌وقت سابق، ‌مقتل جندي فرنسي يخدم ​ضمن القوة ‌في الهجوم، وحمّل جماعة «حزب ‌الله» المدعومة من إيران المسؤولية، وحث السلطات اللبنانية على اتخاذ إجراءات ضد المسؤولين عن ذلك.

وندد الجيش اللبناني بإطلاق ‌النار وأعلن فتح تحقيق، بينما قدم الرئيس جوزيف عون تعازيه ⁠في ⁠مقتل الجندي وأمر بفتح تحقيق عاجل. وندد أيضاً رئيس الوزراء نواف سلام بالهجوم.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد تم نشر «اليونيفيل» لأول مرة في عام 1978، وظلت موجودة خلال الصراعات المتعاقبة بما في ذلك حرب العام 2024 حين تعرضت مواقعها لإطلاق نار بشكل متكرر.