تدمير رُبع أنفاق غزة... حقيقة أم تبرير إسرائيلي لاستمرار العمليات العسكرية؟

مصادر من «حماس»: الأنفاق الحدودية ربما تكون دُمّرت بالكامل

جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

تدمير رُبع أنفاق غزة... حقيقة أم تبرير إسرائيلي لاستمرار العمليات العسكرية؟

جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)

بينما تتحدث مصادر أمنية إسرائيلية عن تدمير نحو 25 في المائة فقط من أنفاق حركة «حماس» في قطاع غزة منذ بدء الحرب قبل عام ونصف العام، تُقدّر مصادر من داخل الحركة وأخرى ميدانية أن مثل هذه التصريحات لا تعدو كونها تبريراً لاستمرار العمليات العسكرية في القطاع.

ويربط البعض بين هذه التصريحات وبين تقرير صحافي إسرائيلي أشار إلى أن الجيش يهدف إلى تحويل مدينة رفح لمنطقة عازلة.

ونقلت «القناة 12» العبرية عن مصادر إسرائيلية قولها إنه تردد خلال مناقشات أمنية جرت في الآونة الأخيرة أنه لم يتم تدمير سوى 25 في المائة فقط من الأنفاق، وأنه لا تزال لدى «حماس» بُنية من الأنفاق التي كانت قائمة منذ ما قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تقدر بنحو 75 في المائة.

وأشارت القناة إلى أن إسرائيل ترفض حتى الآن الانسحاب من محور «فيلادلفيا» (صلاح الدين) بين قطاع غزة وسيناء؛ لمنع محاولات التهريب عبر الأنفاق.

غير أن مصادر من «حماس» عدّت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي من مثل هذه التصريحات «هو تبرير استمرار العمليات العسكرية والجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وآخرها المجزرة الكبيرة في حي الشجاعية».

وشن الجيش الإسرائيلي غارة على مبنى في حي الشجاعية بمدينة غزة، الأربعاء، أسفرت عن مقتل 29 شخصاً على الأقل، قائلاً إنه استهدف قيادياً كبيراً من حركة «حماس».

جثمان طفل مسجى على الأرض بعد ضربة إسرائيلي في حي الشجاعية بمدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالأنفاق، أقرَّت المصادر بأنه لا يزال هناك عدد منها يُستخدم وفق الظروف الميدانية لأغراض، منها نقل المحتجزين الإسرائيليين من منطقة إلى أخرى.

العدد غير معروف

أما عن عدد ما بقي من أنفاق، قالت مصادر «حماس» إنه غير معروف تحديداً، ولا يمكن الكشف عن تقدير نسبته.

وبشأن الأنفاق على الحدود، تُقدر المصادر أنها قد تكون دُمرت بالكامل ولم يعد هناك ما يمكن استخدامه، أو يمكن حفره نظراً للسيطرة العسكرية للقوات البرية الإسرائيلية على طول امتداد المحور.

ولفتت إلى أن إسرائيل دمرت أيضاً بعض الأنفاق الدفاعية، وأخرى كانت تستخدم في مهام القيادة والتحكم والسيطرة.

وأضافت: «التقرير الإسرائيلي يتحدث عن نسب محددة، لكن ما هي الأعداد التقديرية أو المحددة لديها، لا أحد يعرف؛ ولذلك لا يمكن الجزم بحقيقة ما يقولونه، وكل ما يمكن قوله في هذا الأمر أن (كتائب القسام) لا تزال تحافظ على بعض قدراتها العسكرية، ومنها عدد من الأنفاق».

أكدت أيضاً مصادر ميدانية من غزة لـ«الشرق الأوسط» أن فصائل المقاومة لا يزال لديها عدد من الأنفاق، وقال أحدها: «لكن طريقة الاستعراض الإعلامية الإسرائيلية أهدافها واضحة المعالم، وتتمثل في تبرير استمرار العمليات أمام المجتمع الإسرائيلي من جانب، والذي يرفض استمرار الحرب ويريد استعادة مختطفيه، ومن جانب آخر أمام المجتمع الدولي الذي لا يزال يظهر تعاطفاً غير مسبوق مع إسرائيل رغم كل ما ترتكبه من مجازر بحق المدنيين».

وأشارت المصادر إلى أن القوات الإسرائيلية خلال عملياتها بغزة طوال الحرب، استخدمت سلاح الجو التابع لها في قصف عشرات الأنفاق، كما استخدمت قواتها البرية لتفجير أنفاق كبيرة ومهمة للمقاومة، خصوصاً «كتائب القسام»، وعملت على تدميرها إما بتفجيرها ونسفها، أو من خلال ضخ المياه بداخلها.

وأضافت: «في بعض الأحيان كانت تضخ الغاز السام لقتل من بداخلها، ومن بينهم مختطفون إسرائيليون، قبل أن تتراجع عن هذه الخطوة بعدما اكتشفت أنها قتلت ثلاثة مختطفين بالطريقة نفسها داخل مدينة غزة».

«عن أي أنفاق يتحدثون؟»

لفتت المصادر إلى أن الفصائل الفلسطينية اضطرت مع العمليات الإسرائيلية المتنوعة إلى نقل رهائنها إلى فوق الأرض، ومع عودة الهدوء لبعض المناطق أعادتهم إلى الأنفاق. وقالت: «يتم نقلهم منها وخارجها وفق الظروف الميدانية بما يحافظ على حياتهم لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين في أي اتفاق يُعقَد من جديد».

صورة أرشيفية لجندي إسرائيلي داخل أحد الأنفاق في غزة (رويترز)

وأضافت أن التصريحات الإسرائيلية تبرر استمرار العمليات العسكرية من ناحية، ومن ناحية أخرى «تكشف مدى الفشل الإسرائيلي في حال كانت حقيقية».

وقال أحدها: «إسرائيل منذ شهر مايو (أيار) 2024، وهي تحتل محور صلاح الدين، وتنفذ عمليات حفر وتدمير، وأكملت سيطرتها واحتلالها لمدينة رفح بشكل شبه كامل، ونحن الآن نقترب من عام كامل وهي تعمل هناك، فعن أي أنفاق يتحدثون؟».

وتابع: «من الواضح أن هذه كلها مبررات لاستمرار وجودهم بالمنطقة واستمرار عملياتهم بمناطق أخرى».

السيطرة على رفح

وربما يفسر هذا ما ذكرته صحيفة «هآرتس»، الأربعاء، من أن الجيش الإسرائيلي يهدف إلى تحويل مدينة رفح منطقة عازلة.

وتشكل رفح نحو 20 في المائة من مساحة قطاع غزة؛ إذ تبلغ مساحتها 75 كيلومتراً مربعاً، وتمتد من محور «فيلادلفيا» على الحدود مع مصر إلى ما يسمى إسرائيلياً محور «موراغ»، وفلسطينياً مفترق «مصبح».

وكان يعيش في هذه المساحة نحو 200 ألف فلسطيني، أصبحوا جميعاً نازحين خارجها بعدما تهدمت معظم منازلهم.

وبيَّنت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي يعمل فعلياً على توسيع محور «موراغ» من خلال تدمير المباني على طول امتداده، بينما قد يمتد عرضه إلى نحو كيلومتر، مشيرةً إلى أن اقتطاع مدينة رفح بالكامل من مساحة قطاع غزة يحوّلها جيباً داخل الأراضي الإسرائيلية ويبعدها عن الحدود مع مصر، وكل ذلك يأتي في إطار الضغط على «حماس».

ولفتت الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن منذ بداية الحرب على غزة نيته إنشاء منطقة عازلة على طول حدود قطاع غزة لإبعاد التهديدات عن المستوطنات المحيطة إلى مسافة تتراوح بين 800 متر و1.5 كيلومتر مربع، وهذه منطقة تبلغ مساحتها نحو 60 كيلومتراً مربعاً، أي تشكل أكثر من 16 في المائة من أراضي قطاع غزة، وكان يعيش فيها نحو ربع مليون غَزي حتى السابع من أكتوبر 2023.

وتهدم نحو 90 في المائة من المباني في المنطقة العازلة أو تضرر بالفعل، بحسب تقرير نشره مركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة في أبريل (نيسان) من العام الماضي.

عمليات بلا هدف

ويتساءل بعض العسكريين عن أهداف الجيش الإسرائيلي من عملياته في القطاع.

وقال قادة وجنود احتياط لصحيفة «هآرتس» إن الجيش يكرر الرسائل ذاتها منذ بداية الحرب، دون هدف واضح.

فلسطينيون يهرعون بأطفال جرحى للمستشفى بعد ضربة إسرائيلية بمدينة غزة الأربعاء (رويترز)

ونقلت الصحيفة عن جندي في لواء احتياط يخدم في قطاع غزة: «من الصعب أن نصدق أنه بعد عام ونصف العام عدنا إلى نقطة البداية»، مضيفاً: «إنهم يعودون لتدمير ما تم تدميره، دون أن يعرف أحد إلى متى، وما هو هدف العملية، وما هو الإنجاز العملياتي الذي تحتاج إليه القوات لإنجاز المهمة».

وإلى جانب عدم التيقن من الأهداف، يدور تساؤل آخر حول المخاطر غير الضرورية التي تتربص بالجنود الإسرائيليين، كما ذكرت الصحيفة.

وقال ضابط احتياط يقاتل بالقطاع: «جميع المنازل في غزة على وشك الانهيار. فقدنا الكثير من الجنود في انهيار المباني، وقضينا ساعات طويلة في انتشالهم من تحت أنقاض منازل انهارت بهم».

وأشارت الصحيفة إلى أن أخطر هذه الحوادث وقع في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، عندما قُتل 21 جندياً من قوات الاحتياط خلال انفجار مبانٍ في المنطقة العازلة بالقرب من طريق كيسوفيم.

وقال الضابط للصحيفة: «إذا لم يفهم قادة الجيش أن الجنود على استعداد للقتال، فعليهم أن يفهموا أنهم لا يريدون الموت في حوادث عملياتية غير ضرورية».


مقالات ذات صلة

أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب) p-circle 00:18

سانشيز: حرب الشرق الأوسط «أسوأ بكثير» من غزو العراق

قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، لنواب البرلمان، اليوم (الأربعاء)، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في أن يُلحق بلبنان «نفس ما حدث في غزة».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )

ممارسات «الميليشيات الولائية» تهدد بإعادة بغداد إلى العزلة

مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)
مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)
TT

ممارسات «الميليشيات الولائية» تهدد بإعادة بغداد إلى العزلة

مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)
مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)

دعت مصادر عراقية مطلعة في أربيل حكومة محمد شياع السوداني إلى التمعن في قراءة بيان «السداسي العربي» الذي اتهم «ميليشيات عراقية باستهداف دول الجوار العربي»، لافتة إلى أن «ممارسات الميليشيات الولائية تنذر بإعادة العراق إلى حالة من العزلة العربية والدولية، كانت بذلت في السنوات الماضية جهود حثيثة للخروج منها».

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن بيان «السداسي العربي» صدر عن دول «عارضت الحرب وسعت إلى منع وقوعها، ورفضت صراحة استخدام أجوائها ممراً للحرب على إيران»، مشيرة إلى أن الدول المذكورة كانت «اتخذت في عهد حكومة الرئيس مصطفى الكاظمي سلسلة من الخطوات الإيجابية على الصعيدين السياسي والاقتصادي امتد تأثيرها الفعلي إلى الحكومة الحالية، بهدف تعزيز العلاقات مع العراق»، مشيرة إلى إسهام هذه الدول في «تحسين صورة النظام العراقي وإعادة إحياء دوره في العائلة العربية وخارجها».

وأشارت المصادر العراقية إلى أن «دول البيان السداسي ترى مصلحة للعرب في عودة العراق دولة عربية طبيعية تضطلع بدور فاعل في محيطها، ودون اشتراطات حول الوضع العراقي الداخلي أو حول علاقات بغداد الإقليمية والدولية»، مذكرة بأن «الحكومة العراقية لم تعلن أي شكوى من سياسات هذه الدول أو تتهمها بأي تدخل في شؤونها الداخلية»، فضلاً عن «تبادل زيارات كثيرة فتحت أبواب الاستقرار والاستثمار».

عدّت دول البيان أن إحياء العلاقات السياسية والاقتصادية مع العراق سيمكن حكومته من متابعة بناء المؤسسات والتغلب على جروح الفترة العصيبة التي عاشها العراق في أعقاب الغزو الأميركي، ولاحقاً بعد ظهور «تنظيم داعش» الإرهابي.

الحكومة العراقية ارتكبت خطأً حين حققت ما يشبه المزج شبه الكامل بين الجيش والحشد الشعبي (أ.ف.ب)

«خطأ بغداد الكبير»

وفق المصادر، فإن الحكومة العراقية «ارتكبت خطأ كبيراً حين حققت ما يشبه المزج شبه الكامل بين الجيش العراقي والحشد الشعبي ومن دون ضمان أن لافتة (الحشد) لن تستخدم من قبل ميليشيات ولائية تعتمد عملياً سياسة (إيران أولاً) بدلاً من سياسة (العراق أولاً) التي تتحدث عنها الحكومة العراقية».

وذكرت المصادر العراقية أن «الميليشيات الولائية لطالما كانت تتموضع خلف مظلة الحشد الشعبي بذريعة أن الأخيرة مؤسسة حكومية، بينما يجري اليوم استدراج الجيش العراقي إلى منزلق خطير يندفع إليه الحشد الشعبي بعنوانه ومضمونه».

ولم تتمكن السلطات العراقية من اتخاذ موقف فاعل وحاسم منذ تردد أنباء عن قيام «الميليشيات الولائية» بإطلاق صواريخ ومسيّرات في اتجاه أهداف مدنية في الدول الخليجية بذريعة استهداف ما تسميه إيران القواعد الأميركية في المنطقة.

وقالت المصادر إنه «لطالما بذلت الحكومة العراقية في السنوات الماضية جهوداً للزعم بأن العراق دولة طبيعية صاحبة حق في السيادة على أراضيها، وأنها ليست مجرد ساحة لمواجهة أميركية - إيرانية»، بينما تبين عكس ذلك مع «انخراط ميليشيات ولائية في الحملة العسكرية الإيرانية لتوسيع دائرة النار في الحرب الحالية».

وحذرت المصادر من «إعادة العراق إلى موقع الساحة مجدداً، وأن يستدرج جيشه وسلطته إلى سلوك يعيد البلاد إلى دائرة العزلة، مع ما تعنيه من خسائر سياسية واقتصادية».

ولا يتردد مسؤولون عراقيون في القول إن اقتصاد بلادهم المنهك غير قادر بالتأكيد على احتمال أثمان الوصول إلى قطيعة كاملة مع أميركا، ما يعني بالضرورة أن الخسائر ستكون مضاعفة إذا انزلقت البلاد إلى مواجهة حامية معها.

وقالت المصادر إن «سلوك الميليشيات الولائية، ورغم وجود مؤيدين له في العراق، فإنه بالتأكيد لا يحظى بتعاطف فئات ومكونات عراقية أخرى لا تخفي معارضتها عودة إيران إلى الاستئثار بحصة كبيرة في صناعة القرار العراقي وتوجهات البلاد».

القوى المعتدلة في «الإطار التنسيقي» مطالبة بالتدارك قبل انزلاق العراق إلى مواجهة حامية (وكالة الأنباء العراقية)

قبل فوات الأوان

ودعت المصادر ما وصفتها بـ«القوى العاقلة» في «الإطار التنسيقي» إلى «تدارك الموقف قبل فوات الأوان»، خصوصاً إذا تعثرت محاولات التفاوض الأميركية الحالية مع إيران، ونفذ الرئيس دونالد ترمب تهديده بإعادة «فتح أبواب الجحيم».

وقالت المصادر إن «العراق ليس مضطراً لدفع ثمن أي خيارات انتحارية يمكن أن يقدم عليها (الحرس الثوري) الإيراني رغم ما أظهرته الحرب من خلل فاضح في ميزان القوى بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى».

وفي هذا السياق، عدّت المصادر العراقية أن «البيان السداسي يحض السلطات العراقية على منع الانزلاق في هذا الاتجاه»، مشدداً على «تغيير سريع في الأولويات السياسية بجعل المصلحة العراقية العامة في صدارتها».


خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية، وأخرى مخابراتية بلباس مدني تتبع كافة القوى الأمنية للإمساك بالوضع الأمني وقطع الطريق على من يحاول الإخلال به، والإساءة لاستيعاب واحتضان أهالي بيروت للنازحين، وللحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، على أن تتلازم مع تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيفهم لتفويت الفرصة على إسرائيل في رهانها على إحداث فتنة مذهبية مع تدفّق مزيد من موجات النزوح.

خيام للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية الجنوبية في وسط بيروت (رويترز)

فبيروت الإدارية اليوم غير ما كانت عليه قبل استقدام التعزيزات للإمساك بالوضع مع بدء الجيش بمؤازرة القوى الأمنية بتطبيق خطة متكاملة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري رفيع أن التحضير للخطة الأمنية التي بوشر بتنفيذها بدأ على مراحل بترؤس رئيس الجمهورية العماد عون الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى، وأتبعه بلقاء القيادات العسكرية والأمنية، تُوّج بوضع اللمسات الأخيرة عليها، وحُددت ساعة الصفر لتنفيذها، على أن تشمل بيروت الإدارية باعتبارها الحاضنة للعدد الأكبر من موجات النزوح، وتتبعها تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيف النازحين لطمأنتهم وتبديد ما لدى مضيفيهم من هواجس ومخاوف من التجاوزات التي تحصل، وعلى رأسها وجود أفراد يتجولون بأسلحتهم بين المراكز المخصصة لإيوائهم.

وكشف المصدر أن الاجتماعات التي عقدها عون تباعاً مع رئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت في سياق التحضير للمناخ السياسي المواتي لوضع تنفيذ الخطة الأمنية على نار حامية، وقال إن استقبال برّي لوزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار هو للتأكيد على أن اللعب بالأمن خط أحمر ولا يمكن السماح لأي كان بتهديده، وأن الخطة تحظى بتأييد برّي لتدارك حصول احتكاكات أو إشكالات بين النازحين ومضيفيهم، مبدياً ارتياحه لاحتضانهم واستيعابهم وللحملات التضامنية بالتعاون مع القوى السياسية في العاصمة والأماكن الأخرى لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

وأكد أن برّي لم يتردد في طلب التشدُّد لضمان تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلُّت أمني يفتح الباب أمام إغراق العاصمة في فتن مذهبية متنقلة، ووجوب التدخل فوراً لوأدها بملاحقة المخلين بالأمن ومحاسبتهم أمام القضاء المختص، ما يشكل شبكة أمان لقطع الطريق على إسرائيل التي تراهن على أن تدفق موجات النازحين إلى بيروت الإدارية سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى قنابل موقوتة سرعان ما تنفجر ويصعب السيطرة عليها، وتؤدي إلى إقحامها في نزاعات مذهبية. وقال إن التقارير التي ترد يومياً إلى عون من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية تشير إلى أن 80 في المائة من الإشكالات تحصل بين النازحين أنفسهم، في حين أن 20 في المائة منها يعود إلى إشكالات فردية بين النازحين والمضيفين تتطلب معالجتها فوراً للسيطرة عليها لعدم تعكير علاقتهم بمضيفيهم.

لا يزال مئات النازحين ينامون في خيام بوسط بيروت رافضين الانتقال إلى مراكز للنزوح في الشمال أو جبل لبنان (رويترز)

ولفت المصدر إلى أن التنسيق قائم بين القيادات الأمنية والمعنيين بملف النزوح في حركة «أمل» و«حزب الله» بغية التعاون لتفادي التجاوزات التي تحصل من دون مبرر لها، ومعظمها يتعلق بمرور سيارات حزبية في شوارع العاصمة يصر أصحابها على بث الأناشيد والخطب، ومعظمها للأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، وهذا يستدعي تدخلهم لوضع حد لهذه التصرفات التي ترتد سلباً على تضامن البيارتة مع النازحين. وأكد أن مسؤولين في «حزب الله» ممن يهتمون بالنازحين يشكون باستمرار، في اتصالاتهم بالقيادات العسكرية والأمنية ووزراء، من وجود حملات تحريض على النازحين، وتحديداً ضد الجماعات المنتمية للحزب، ما يرفع من منسوب الاحتقان، وهم يغمزون من قناة حزب معين، في إشارة إلى «القوات اللبنانية»، بذريعة أنه يضيّق الحصار عليهم ويمنعهم من الإقامة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وقيل لمسؤولي الحزب، كما علمت «الشرق الأوسط»، إنه لا مشكلة تعوق معالجة ما يشكو منه بعض النازحين شرط أن يتجاوب الحزب مع رغبتهم في منع تنقل بعضهم، وإن كانوا قلة، بسلاح لا مبرر له ولا يخدم التضامن مع النازحين. فالشكوى في هذا الخصوص لا تقتصر على حزب معين، وإنما تكاد تكون شائعة لدى أهالي بيروت.

كما طالبوهم بضبط أداء مسؤوليه ومنعهم من استخدام المواقف والخطب النارية من العيار الثقيل التي تولد حالات من الحذر والريبة، وتذكّر أهالي العاصمة باجتياحه مدينتهم في مايو (أيار) 2008 احتجاجاً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصال الخاصة التابعة للحزب. فالضرورة تقضي، بحسب المصدر، بالحفاظ على التعايش في العاصمة والمناطق التي تستضيف النازحين بدلاً من اتباع بعض المجموعات سلوكاً لا يخلو من الاستفزاز.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن نواباً سألوا زملاءهم في كتلة «الوفاء للمقاومة» عن الجدوى من تهديد أمين عام الحزب نعيم قاسم اللبنانيين بالحرب الأهلية، وملاقاته من قبل نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بإطلاق تهديدات ببتر اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة، وانضمام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق في الحزب وفيق صفا لاحقاً إليهما بتهديده بالنزول إلى الشارع ما لم تتراجع الحكومة عن قرارها الأخير المتعلق بالجناح العسكري للحزب؟

وتوقف هؤلاء النواب المنتمون إلى كتل متعددة أمام اضطرار برّي للتدخل في حينها لدى الحزب لمنع توجّه محازبيه بمسيرات سيّارة إلى بيروت بذريعة الاحتجاج على ما يسمونه بـ«الخطيئة» التي ارتكبتها الحكومة بدعوة الحزب لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته بيد الدولة، مبدين ارتياحهم لرد فعله أمام زواره على تهديد صفا الذي لا مبرر له وكان في غنى عنه، ما يضع قاسم أمام مسؤوليته حيال برّي، الذي يسعى جاهداً لتنقية الأجواء من الشوائب التي تعتريها والتي تعود إلى تجاوزات لا جدوى منها سوى أنها ترفع منسوب الاحتقان الذي وحدها إسرائيل هي المستفيدة منه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، وتهديد وحدتهم التي هي بمنزلة سلاح معنوي في تصديهم للأخطار التي تهدد بلدهم. ويبقى على الحزب أن يستجيب للإجراءات والتدابير التي وحدها توفر شبكة الأمان للنازحين ومضيفيهم في آن واحد، وهذا يتطلب منه بالدرجة الأولى التصدي لحالات الانفلاش التي تُقلق مضيفيهم.


الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.