تدمير رُبع أنفاق غزة... حقيقة أم تبرير إسرائيلي لاستمرار العمليات العسكرية؟

مصادر من «حماس»: الأنفاق الحدودية ربما تكون دُمّرت بالكامل

جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

تدمير رُبع أنفاق غزة... حقيقة أم تبرير إسرائيلي لاستمرار العمليات العسكرية؟

جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يتفقدون في أواخر 2023 نفقاً قيل إن «حماس» استخدمته بهجوم 7 أكتوبر (أ.ف.ب)

بينما تتحدث مصادر أمنية إسرائيلية عن تدمير نحو 25 في المائة فقط من أنفاق حركة «حماس» في قطاع غزة منذ بدء الحرب قبل عام ونصف العام، تُقدّر مصادر من داخل الحركة وأخرى ميدانية أن مثل هذه التصريحات لا تعدو كونها تبريراً لاستمرار العمليات العسكرية في القطاع.

ويربط البعض بين هذه التصريحات وبين تقرير صحافي إسرائيلي أشار إلى أن الجيش يهدف إلى تحويل مدينة رفح لمنطقة عازلة.

ونقلت «القناة 12» العبرية عن مصادر إسرائيلية قولها إنه تردد خلال مناقشات أمنية جرت في الآونة الأخيرة أنه لم يتم تدمير سوى 25 في المائة فقط من الأنفاق، وأنه لا تزال لدى «حماس» بُنية من الأنفاق التي كانت قائمة منذ ما قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تقدر بنحو 75 في المائة.

وأشارت القناة إلى أن إسرائيل ترفض حتى الآن الانسحاب من محور «فيلادلفيا» (صلاح الدين) بين قطاع غزة وسيناء؛ لمنع محاولات التهريب عبر الأنفاق.

غير أن مصادر من «حماس» عدّت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي من مثل هذه التصريحات «هو تبرير استمرار العمليات العسكرية والجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وآخرها المجزرة الكبيرة في حي الشجاعية».

وشن الجيش الإسرائيلي غارة على مبنى في حي الشجاعية بمدينة غزة، الأربعاء، أسفرت عن مقتل 29 شخصاً على الأقل، قائلاً إنه استهدف قيادياً كبيراً من حركة «حماس».

جثمان طفل مسجى على الأرض بعد ضربة إسرائيلي في حي الشجاعية بمدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالأنفاق، أقرَّت المصادر بأنه لا يزال هناك عدد منها يُستخدم وفق الظروف الميدانية لأغراض، منها نقل المحتجزين الإسرائيليين من منطقة إلى أخرى.

العدد غير معروف

أما عن عدد ما بقي من أنفاق، قالت مصادر «حماس» إنه غير معروف تحديداً، ولا يمكن الكشف عن تقدير نسبته.

وبشأن الأنفاق على الحدود، تُقدر المصادر أنها قد تكون دُمرت بالكامل ولم يعد هناك ما يمكن استخدامه، أو يمكن حفره نظراً للسيطرة العسكرية للقوات البرية الإسرائيلية على طول امتداد المحور.

ولفتت إلى أن إسرائيل دمرت أيضاً بعض الأنفاق الدفاعية، وأخرى كانت تستخدم في مهام القيادة والتحكم والسيطرة.

وأضافت: «التقرير الإسرائيلي يتحدث عن نسب محددة، لكن ما هي الأعداد التقديرية أو المحددة لديها، لا أحد يعرف؛ ولذلك لا يمكن الجزم بحقيقة ما يقولونه، وكل ما يمكن قوله في هذا الأمر أن (كتائب القسام) لا تزال تحافظ على بعض قدراتها العسكرية، ومنها عدد من الأنفاق».

أكدت أيضاً مصادر ميدانية من غزة لـ«الشرق الأوسط» أن فصائل المقاومة لا يزال لديها عدد من الأنفاق، وقال أحدها: «لكن طريقة الاستعراض الإعلامية الإسرائيلية أهدافها واضحة المعالم، وتتمثل في تبرير استمرار العمليات أمام المجتمع الإسرائيلي من جانب، والذي يرفض استمرار الحرب ويريد استعادة مختطفيه، ومن جانب آخر أمام المجتمع الدولي الذي لا يزال يظهر تعاطفاً غير مسبوق مع إسرائيل رغم كل ما ترتكبه من مجازر بحق المدنيين».

وأشارت المصادر إلى أن القوات الإسرائيلية خلال عملياتها بغزة طوال الحرب، استخدمت سلاح الجو التابع لها في قصف عشرات الأنفاق، كما استخدمت قواتها البرية لتفجير أنفاق كبيرة ومهمة للمقاومة، خصوصاً «كتائب القسام»، وعملت على تدميرها إما بتفجيرها ونسفها، أو من خلال ضخ المياه بداخلها.

وأضافت: «في بعض الأحيان كانت تضخ الغاز السام لقتل من بداخلها، ومن بينهم مختطفون إسرائيليون، قبل أن تتراجع عن هذه الخطوة بعدما اكتشفت أنها قتلت ثلاثة مختطفين بالطريقة نفسها داخل مدينة غزة».

«عن أي أنفاق يتحدثون؟»

لفتت المصادر إلى أن الفصائل الفلسطينية اضطرت مع العمليات الإسرائيلية المتنوعة إلى نقل رهائنها إلى فوق الأرض، ومع عودة الهدوء لبعض المناطق أعادتهم إلى الأنفاق. وقالت: «يتم نقلهم منها وخارجها وفق الظروف الميدانية بما يحافظ على حياتهم لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين في أي اتفاق يُعقَد من جديد».

صورة أرشيفية لجندي إسرائيلي داخل أحد الأنفاق في غزة (رويترز)

وأضافت أن التصريحات الإسرائيلية تبرر استمرار العمليات العسكرية من ناحية، ومن ناحية أخرى «تكشف مدى الفشل الإسرائيلي في حال كانت حقيقية».

وقال أحدها: «إسرائيل منذ شهر مايو (أيار) 2024، وهي تحتل محور صلاح الدين، وتنفذ عمليات حفر وتدمير، وأكملت سيطرتها واحتلالها لمدينة رفح بشكل شبه كامل، ونحن الآن نقترب من عام كامل وهي تعمل هناك، فعن أي أنفاق يتحدثون؟».

وتابع: «من الواضح أن هذه كلها مبررات لاستمرار وجودهم بالمنطقة واستمرار عملياتهم بمناطق أخرى».

السيطرة على رفح

وربما يفسر هذا ما ذكرته صحيفة «هآرتس»، الأربعاء، من أن الجيش الإسرائيلي يهدف إلى تحويل مدينة رفح منطقة عازلة.

وتشكل رفح نحو 20 في المائة من مساحة قطاع غزة؛ إذ تبلغ مساحتها 75 كيلومتراً مربعاً، وتمتد من محور «فيلادلفيا» على الحدود مع مصر إلى ما يسمى إسرائيلياً محور «موراغ»، وفلسطينياً مفترق «مصبح».

وكان يعيش في هذه المساحة نحو 200 ألف فلسطيني، أصبحوا جميعاً نازحين خارجها بعدما تهدمت معظم منازلهم.

وبيَّنت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي يعمل فعلياً على توسيع محور «موراغ» من خلال تدمير المباني على طول امتداده، بينما قد يمتد عرضه إلى نحو كيلومتر، مشيرةً إلى أن اقتطاع مدينة رفح بالكامل من مساحة قطاع غزة يحوّلها جيباً داخل الأراضي الإسرائيلية ويبعدها عن الحدود مع مصر، وكل ذلك يأتي في إطار الضغط على «حماس».

ولفتت الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن منذ بداية الحرب على غزة نيته إنشاء منطقة عازلة على طول حدود قطاع غزة لإبعاد التهديدات عن المستوطنات المحيطة إلى مسافة تتراوح بين 800 متر و1.5 كيلومتر مربع، وهذه منطقة تبلغ مساحتها نحو 60 كيلومتراً مربعاً، أي تشكل أكثر من 16 في المائة من أراضي قطاع غزة، وكان يعيش فيها نحو ربع مليون غَزي حتى السابع من أكتوبر 2023.

وتهدم نحو 90 في المائة من المباني في المنطقة العازلة أو تضرر بالفعل، بحسب تقرير نشره مركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة في أبريل (نيسان) من العام الماضي.

عمليات بلا هدف

ويتساءل بعض العسكريين عن أهداف الجيش الإسرائيلي من عملياته في القطاع.

وقال قادة وجنود احتياط لصحيفة «هآرتس» إن الجيش يكرر الرسائل ذاتها منذ بداية الحرب، دون هدف واضح.

فلسطينيون يهرعون بأطفال جرحى للمستشفى بعد ضربة إسرائيلية بمدينة غزة الأربعاء (رويترز)

ونقلت الصحيفة عن جندي في لواء احتياط يخدم في قطاع غزة: «من الصعب أن نصدق أنه بعد عام ونصف العام عدنا إلى نقطة البداية»، مضيفاً: «إنهم يعودون لتدمير ما تم تدميره، دون أن يعرف أحد إلى متى، وما هو هدف العملية، وما هو الإنجاز العملياتي الذي تحتاج إليه القوات لإنجاز المهمة».

وإلى جانب عدم التيقن من الأهداف، يدور تساؤل آخر حول المخاطر غير الضرورية التي تتربص بالجنود الإسرائيليين، كما ذكرت الصحيفة.

وقال ضابط احتياط يقاتل بالقطاع: «جميع المنازل في غزة على وشك الانهيار. فقدنا الكثير من الجنود في انهيار المباني، وقضينا ساعات طويلة في انتشالهم من تحت أنقاض منازل انهارت بهم».

وأشارت الصحيفة إلى أن أخطر هذه الحوادث وقع في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، عندما قُتل 21 جندياً من قوات الاحتياط خلال انفجار مبانٍ في المنطقة العازلة بالقرب من طريق كيسوفيم.

وقال الضابط للصحيفة: «إذا لم يفهم قادة الجيش أن الجنود على استعداد للقتال، فعليهم أن يفهموا أنهم لا يريدون الموت في حوادث عملياتية غير ضرورية».


مقالات ذات صلة

«حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

المشرق العربي مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

«حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمتلكه الحركة في قطاع غزة هي أسلحة خفيفة، ليس لها أي تأثير حقيقي أو يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة ينتظرون تلقي وجبات الطعام يوم الثلاثاء (د.ب.أ)

8 دول عربية وإسلامية تعبّر عن بالغ قلقها من تدهور الوضع الإنساني في غزة

عبّر وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية منها مصر والسعودية وقطر في بيان مشترك اليوم (الجمعة) عن قلقهم البالغ من تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة.

الولايات المتحدة​ زهران ممداني (رويترز)

زهران ممداني يلغي أوامر تنفيذية وقّعها رئيس بلدية نيويورك السابق لدعم إسرائيل

وقّع زهران ممداني، في أول يوم له رئيساً لبلدية نيويورك الأميركية يوم الخميس، أمراً تنفيذياً يلغي جميع الأوامر التي أصدرها رئيس البلدية السابق إريك آدامز

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية نتنياهو يرفع خريطة لإظهار ما سماه «لعنة محور الإرهاب الإيراني» خلال كلمته في الأمم المتحدة الجمعة (أ.ف.ب)

هل تستعد إسرائيل لحرب جديدة «متعددة الجبهات»؟

رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حاول تهدئة طهران بالقول إنه "لا يخطط لمحاربتها"، ظهرت تقارير تفيد بأن جيشه يكثف استعداداته لحرب جديدة مفاجئة.

نظير مجلي (تل ابيب)
شؤون إقليمية رفع المشاركون بمسيرة دعم غزة في إسطنبول الأعلام الفلسطينية والتركية مطالبين بوضع حد للعنف في القطاع (أ.ب)

الآلاف يشاركون بمظاهرة دعماً لغزة في إسطنبول

شارك آلاف الأشخاص بمسيرة في إسطنبول بمناسبة رأس السنة دعماً لقطاع غزة، ملوّحين بالأعلام الفلسطينية والتركية ومطالبين بوضع حد للعنف في القطاع.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)

الجيش الإسرائيلي: استهداف منشآت وموقع تدريب لـ«حزب الله» جنوب لبنان

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي: استهداف منشآت وموقع تدريب لـ«حزب الله» جنوب لبنان

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الجمعة، تنفيذ هجمات على عدة أهداف في لبنان، شملت منشآت تابعة لـ«حزب الله» في مناطق متعددة في الجنوب.

وفقاً للجيش الإسرائيلي، شملت الأهداف موقع تدريب تستخدمه وحدة النخبة التابعة لـ«حزب الله» المدعوم من إيران، بالإضافة إلى مبان يزعم أنها تستخدم مستودعات للأسلحة.

الدخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت منطقة تبنا في الزهراني على ساحل جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

كانت طائرة مسيرة إسرائيلية قد ألقت صباح اليوم الجمعة قنبلةً على حفارة في بلدة عيتا الشعب في جنوب لبنان، حسب ما أعلنت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.


«حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)
مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

«حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)
مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

قللت مصادر قيادية من حركة «حماس» مما وصفته بـ«الفزاعة» التي تستخدمها إسرائيل بشأن سلاح الحركة، وضرورة نزعه، كأحد شروط الانتقال للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتطبيق باقي بنود تلك المرحلة.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تمتلكه الحركة في قطاع غزة، هي أسلحة خفيفة، ليس لها أي تأثير حقيقي أو يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي، وبالكاد تستخدم للتصدي لتلك القوات، ولا تصلح لتنفيذ هجمات كبيرة كما جرى في هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وبينت المصادر أن ما تمتلكه عناصر الفصائل المسلحة هي أسلحة من طراز «كلاشنكوف» و «إم 16» وأسلحة خفيفة مماثلة، إلى جانب عدد محدود جداً من القذائف المضادة للدروع، وعبوات ناسفة، غالبيتها فردية، وليست كبيرة الحجم، فيما فقدت تقريباً كل ما تملك من صواريخ وقذائف هاون وغيرها، بعد استخدام غالبيتها العظمى خلال فترة العامين من الحرب، إلى جانب تدمير الاحتلال الإسرائيلي ذخائر عثر عليها.

مقاتلون من حركة «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

وتقول المصادر إن إسرائيل تستخدم قضية السلاح بهدف عدم الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، والانتقال للمرحلة الثانية، بهدف الحفاظ على أهدافها الأمنية الاستراتيجية بعيدة المدى، التي تخدم بقاء قواتها داخل القطاع، تحديداً في المنطقة الواقعة شرق «الخط الأصفر» المشار إليه كخط انسحاب في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار.

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» الأميركية، إنه يوجد في قطاع غزة حالياً 20 ألف عنصر من «حماس»، مسلحين بأسلحة كلاشنكوف، ويمتلكون حوالي 60 ألف قطعة سلاح، ويستخدمونها أيضاً ضد المدنيين في غزة الذين يعارضون استمرار حكمهم، مضيفاً: «نزع السلاح يعني أخذ كل الأسلحة منهم والتخلص منها، وأيضاً تفكيك مئات الكيلومترات من أنفاق الإرهاب التي لديهم... (حماس) ترفض فعل ذلك. إذا قامت (حماس) فعلاً بنزع سلاحها أرى مستقبلاً آخر لغزة».

وحسب «القناة الثالثة عشرة» العبرية الإسرائيلية، فإن نتنياهو أبلغ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بهذه الإحصائية، التي تشير لوجود نحو 60 ألف قطعة كلاشنكوف، وأن ترمب صُدم بهذه الأرقام، وأكد على ضرورة نزع كل هذا السلاح قبل أي خطوة.

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

وتقول المصادر القيادية من «حماس»، تعليقاً على تصريحات نتنياهو: «هو يحاول التأثير بطريقة أو بأخرى على الأفكار الأميركية بشأن المرحلة الثانية، من خلال إطلاق ادعاءات مختلفة منها قضية الأسلحة الخفيفة التي يحاول من خلالها توسيع مفهوم نزع السلاح بغزة، وإجبار المقاومة على تسليم كل ما لديها حتى الأسلحة الشخصية».

واعتبرت المصادر أن هذا الإصرار الإسرائيلي لمحاولة نزع كل الأسلحة لدى الفصائل الفلسطينية يهدف لتحويل غزة إلى منطقة مسالمة، ترفع الراية البيضاء، وتفريغها من كل مقومات الصمود والمقاومة التي على مدار عقود الاحتلال تمتاز غزة بها، وتتفوق فيها على جبهات أخرى، كما قالت، مضيفةً: «لن يحقق نتنياهو شيئاً من هذا القبيل، وكما فشل سابقاً، هو والعديد من قادة الاحتلال الإسرائيلي، فإنه سيفشل مرةً أخرى هو ومن سيحاول فعل ذلك».

ورداً على سؤال عما إذا كان يعني ذلك رفض «حماس» نزع سلاحها، قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية ما زالت تبحث مع الوسطاء، وهناك عديد من الأفكار التي ما زالت قيد التطوير بما يفضي إلى اتفاق بشأن هذا السلاح، وضمن إجماع وطني فلسطيني شامل».

وبشأن ما تبقى لدى «حماس» من أنفاق، قالت المصادر: «كل هذه القضايا قيد البحث والتفاوض، والحركة غير معنية بإعاقة الانتقال للمرحلة الثانية أو أي من بنودها، لكن لن يكون ذلك على حساب الثوابت الأساسية الفلسطينية».

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، الجمعة، أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير شكك خلال نقاش أمني عُقد قبيل سفر نتنياهو إلى الولايات المتحدة، في قدرة قوة الاستقرار الدولية على نزع سلاح «حماس»، مشيراً إلى أن قواته مستعدة عملياتياً لتقوم بنفسها بهذه المهمة من خلال عملية عسكرية أخرى في القطاع. فيما يشارك نتنياهو الشعور ذاته في ظل مساعي الإدارة الأميركية لاستنفاد كل الفرص من أجل هذه الخطوة.

مسلحان من «حماس» يحرسان منطقة في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

يأتي ذلك في وقت ما زالت إسرائيل، ورغم انتهاء الحرب التي استمرت عامين، تكتشف مزيداً من الأنفاق في قطاع غزة. وشكل اكتشاف أحدها مفاجأة بسبب قربه من حدود كيبوتس «كيسوفيم» الواقع شرق المنطقة الوسطى للقطاع.

ووفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» فإن النفق كان على بعد 800 متر من تلك المستوطنات، ويوجد في المنطقة العازلة ما بين القطاع وإسرائيل، وهي المنطقة التي من المفترض أن تبقى تحت سيطرتها في أي سيناريو مستقبلي، مشيرةً إلى أن الجيش الإسرائيلي يجري تحقيقاً حول تاريخ حفره وسبب عدم اكتشافه سابقاً، نظراً لوقوعه في منطقة تنتشر فيها مواقع عسكرية إسرائيلية دائمة على جانبي الحدود منذ فترة ليست بالقصيرة، مشيرةً إلى أنه كشف بفعل الأمطار الغزيرة في المنطقة.


جنوب لبنان ساحة غير مستقرة بانتظار التسويات الكبرى

عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

جنوب لبنان ساحة غير مستقرة بانتظار التسويات الكبرى

عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

لم يكن جنوب لبنان، منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006، خارج دائرة الحرب بقدر ما كان خارج توقيتها. فالهدنة التي سادت لم تكن سلماً راسخاً، بل صراع تأجّل انفجاره من دون تفكيك أسبابه أو معالجة شروطه البنيوية، وبات، منذ اندلاع الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ساحة غير مستقرة، تنتظر التسويات السياسية الإقليمية والدولية.

وعلى امتداد 19 عاماً، سُوّق هذا الواقع بوصفه استقراراً، فيما كان في جوهره توازناً هشّاً تحكمه حسابات الردع وتديره السياسة الإقليمية، ومع الوصول إلى نهاية عام 2025، لم ينكشف انهيار الاستقرار بقدر ما انكشف وهمه، حسبما تقول مصادر لبنانية مواكبة لتحولات الجبهة الجنوبية.

السياسة قبل الميدان

يرى الوزير اللبناني الأسبق رشيد درباس أنّ «ما سُمّي استقراراً في جنوب لبنان بعد عام 2006 لم يكن في جوهره سوى هدوء مغشوش ومسموم، جرى التعاطي معه منذ البداية بوصفه تسوية ظرفية لا مساراً فعلياً نحو الاستقرار». ويحذّر من أنّ هذا الفهم الخاطئ «شكّل أحد الأسباب الأساسية لانفجار المشهد لاحقاً».

ويقول درباس لـ«الشرق الأوسط»: «تعاملت الأطراف المعنية مع وقف إطلاق النار (أي حزب الله) بعد عام 2006، فرصةً لتثبيت النفوذ وبناء موازين قوى جديدة، لا مدخلاً لحماية الجنوب أو تحصين الدولة». وفي المقابل، استخدمت إسرائيل مرحلة الهدوء «فترة إعداد واستنزاف صامت»، من خلال التحضير لمواجهات لاحقة، فيما تعامل «حزب الله» مع الهدوء باعتباره «فرصة لتعزيز قبضته العسكرية وتجاوز دور الدولة و(اليونيفيل)».

أضرار لحقت بكنيسة في بلدة الخيام جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي في عام 2024 (إ.ب.أ)

في هذا السياق، يعتبر درباس أنّ لبنان فوّت «فرصة ثمينة للتموضع الكامل تحت مظلّة الشرعية الدولية»، مضيفاً: «الالتزام الصارم بهذه المظلّة، كان سيمنح الدولة أوراق قوة سياسية وقانونية في مواجهة أي اعتداء إسرائيلي، سواء عربياً أو دولياً». ويرى أنّ «الخروج التدريجي من خيمة الشرعية الدولية انعكس مباشرة على دور (اليونيفيل)، التي بات وجودها بلا فاعلية حقيقية، في ظل استهداف عناصرها وخطفهم وإهانتهم، من دون قرار سياسي واضح بحمايتها أو تمكينها من أداء مهمتها». ويخلص درباس إلى أنّ هذا الواقع «لم يُفرض علينا من الخارج، بل صنعناه بأيدينا».

ويشدّد على أنّ تبدّد الهدوء لا يمكن اختصاره بخرق أمني أو تجاوز عسكري، لأن «الخرق الأمني أداة من أدوات الصراع، لا سببه الجوهري». فالخلل، وفق توصيفه، «سياسي بامتياز، نابع من تجاهل غير مبرّر لموازين القوى، ومن وهم ساد لدى بعض القوى بإمكان فرض معادلات عسكرية أو سياسية لا تتناسب مع واقع لبنان»، معتبراً أنّ «أي رهان على موازاة من هذا النوع يفتقر إلى الحدّ الأدنى من التقدير السياسي».

مفهوم الردع

من زاوية عسكرية - سياسية، يقدّم اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي قراءة مكمّلة، معتبراً أنّ «ما وُصف بالاستقرار في جنوب لبنان بين عامي 2006 و2024 لم يكن استقراراً حقيقياً، بل هدوء كاذب أخفى تحضيرات متبادلة لحربٍ مؤجَّلة بين إسرائيل و(حزب الله)». ويؤكّد أنّ «ما جرى بعد عام 2024 لم يكن انقلاباً مفاجئاً على هذا الواقع، بل انكشاف لطبيعته الفعلية».

ضابطة إسرائيلية تستعرض أسلحة صادرها الجيش في معارك جنوب لبنان وغزة وسوريا (إ.ب.أ)

ويوضح شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» أن حرب 2006 «لم تُحقق أهدافها النهائية لأيٍّ من الطرفين؛ إسرائيل لم تُنهِ قدرات (حزب الله)، والحزب لم ينجح في تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية داخلية أو إقليمية»، ويكشف أنّ «هذه النتيجة أدخلت الطرفين في مرحلة استعداد طويل الأمد لمواجهة لاحقة، ظهرت معالمها بوضوح في التحصينات الواسعة التي أقامها الحزب في الجنوب، مقابل تحضير إسرائيل بنك أهداف استخبارياً دقيقاً وراكمت ذخائر وخططاً عملياتية قبل سنوات». وحسب شحيتلي: «لم يكن الجنوب خارج زمن الحرب، بل داخل زمن انتظارها».

ويشير إلى أنّ تنفيذ القرار 1701 حقق إنجازات ميدانية وأمنية خلال سنوات الهدوء النسبي، لكنه يلفت إلى أنّ هذه الإنجازات «سقطت عملياً مع اندلاع الحرب الأخيرة»، ويضيف: «الجهوزية الأميركية والغربية السريعة أثبتت أنّ الصراع لم يكن محلياً صرفاً، بل جزء من سياق إقليمي أوسع تُدار فيه الجبهة اللبنانية ضمن توازنات تتجاوز الداخل اللبناني».

ما الذي تغيّر بين 2006 و2025؟

في مقارنة مباشرة بين حرب 2006 والجولة الأخيرة، يحدّد شحيتلي فارقاً جوهرياً تمثّل في «نجاح الضربة الاستباقية الإسرائيلية هذه المرّة في استهداف قيادة (حزب الله) وخطوط الإمداد وبنك الأهداف منذ المراحل الأولى»، على عكس ما حصل عام 2006 حين فشلت إسرائيل في تعطيل منظومة القيادة والسيطرة، واستمرت خطوط الإمداد فاعلةً، ما أطال أمد الحرب آنذاك»، ويضيف: «يعكس هذا التحوّل تغيّراً في فلسفة إدارة المواجهة، من استنزاف طويل إلى محاولة حسم الإيقاع مبكراً، وهو ما يرفع تكلفة أي جولة لاحقة ويقلّص هوامش الهدوء القابل للإدارة».

لا ضمانات

مطلع عام 2026، لا يبدو أن الجنوب عاد إلى استقرار فعلي، بل إلى صيغة أكثر هشاشة من سابقاتها. فالعوامل التي حكمت الاستقرار بعد 2006 تغيّرت: أدوات الحرب تطوّرت، البيئة الإقليمية ازدادت تعقيداً، والدولة اللبنانية باتت أضعف اقتصادياً ومؤسساتياً. من هنا، يخلص شحيتلي إلى أنّ الاستقرار الأمني المستدام بات «مرهوناً بقرار سياسي إقليمي ودولي واسع، يرتبط بتسويات كبرى، في مقدّمها مسار القضية الفلسطينية وطبيعة الدور الإقليمي لإيران». وفي غياب ذلك، يحذّر من أنّ الجنوب سيبقى «ساحة لا استقرار».