غزة... الأوضاع الإنسانية تتأزم والنزوح يتواصل

أكثر من 15 ألف طفل قتلوا منذ بداية الحرب

فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)
فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)
TT

غزة... الأوضاع الإنسانية تتأزم والنزوح يتواصل

فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)
فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)

تواصلت الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، الثلاثاء، وخلفت جولتها التصعيدية الحالية، التي بدأت قبل أسبوع تقريباً، أكثر من 792 قتيلاً وأكثر من 1663 جريحاً بحالات متفاوتة، فيما لا يزال هناك ضحايا تحت أنقاض منازل دمرت على رؤوس ساكنيها.

وتركزت الغارات التي باتت تحدث طوال ساعات اليوم بشكل أساسي على منازل وخيام النازحين إلى جانب استهداف أراضٍ زراعية ومركبات يعتقد أنها شاركت في عروض عسكرية لحركة «حماس» خلال عمليات تسليم الرهائن الإسرائيليين.

وحتى أحدث حصر لوزارة الصحة في غزة، صباح الثلاثاء، فإن عدد الضحايا منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وصل إلى 50144 قتيلاً، وأكثر من 113704، وذلك بعد تسجيل 62 قتيلاً و296 مصاباً في آخر 24 ساعة.

وأفادت إحصائية لهيئة إنقاذ الطفولة نشرتها عبر حسابها في منصة «إكس»، بأن «أكثر من 270 طفلاً في غزة قتلوا خلال أسبوع واحد منذ استئناف الغارات الإسرائيلية على القطاع».

وبحسب إحصائيات وزارة الصحة بغزة، فإن 15613 طفلاً (أقل من 18 عاماً وفق التصنيف العالمي) قتلوا منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر.

وكثيراً ما حذرت منظمات أممية وحقوقية من أن الأطفال والنساء والمدنيون بشكل عام يدفعون ثمن الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، إلى جانب استهداف عمال الإغاثة وتلك المنظمات سواء من الموظفين الفلسطينيين أو الأجانب.

«أوامر نزوح»

يأتي ذلك في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية الصعبة في غزة، مع عودة القتال واشتداد الغارات الجوية من جانب، ومحاولات إسرائيل توسيع عملياتها البرية ومطالبة سكان عدد من المناطق بالنزوح منها.

وألقت طائرات مسيّرة إسرائيلية «كواد كابتر» مناشير خلال ساعات ليل الاثنين وفجر وصباح الثلاثاء، تطالب سكان مناطق محددة في جباليا وبيت لاهيا، وجميع مناطق بلدة بيت حانون في شمال القطاع، بالإخلاء الكامل والتوجه نحو مناطق وصفتها بأنها «آمنة».

فلسطينيون ينزحون يوم الثلاثاء من جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)

واضطرت مئات العائلات للنزوح وتفكيك خيامها التي وضعت عند منازلها المدمرة في أراضٍ خصصت لإقامة مخيمات لاستيعابهم، وتوجهت نحو عمق غزة وتحديداً إلى غربها، لتضطر لوضع خيامها في الشوارع العامة والفرعية وفي الساحات المفتوحة من أجل إيجاد ملاذ آمن لها.

وقالت آمال السحار (61 عاماً) وهي من سكان تل الزعتر شرق جباليا، لـ«الشرق الأوسط» إن زوجها وأبناءها الثلاثة اضطروا لتفكيك خيمتها التي أتت بها من جنوب القطاع بعد أن كانت نازحة في مواصي خان يونس قبيل وقف إطلاق النار، وحملتها لتعود وتنزح بها مجدداً لتضعها في ساحة مدرسة حكومية هي بمثابة مركز إيواء حالياً، في حي الشيخ رضوان.

وافترشت عشرات العائلات ساحة مدرسة عمرو بن العاص بحثاً عن ملاذ آمن في ظل ظروف شهر رمضان الصعبة للعام الثاني على التوالي التي يعيشها أهل غزة.

وتقول السحار: «حياتنا كلها مأساة، واحنا مش عارفين وين نروح ولا عارفين شو نعمل، يرموا علينا قنبلة نووية ويريحونا، بكفينا عذاب».

وتكرر المأساة لدى عماد حجازي (43 عاماً) وهو من سكان مشروع بيت لاهيا شمال القطاع، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يعيش في بيته المتضرر جزئياً الذي اضطر لإغلاق فتحاته بالشوادر (الخيام) لستر نفسه وعائلته المكونة من 14 فرداً، مشيراً إلى أنه اضطر لترك أمتعته وحمل بعض الملابس والنزوح إلى غرب مدينة غزة.

ووصل حجازي إلى ساحة الجندي المجهول والشوارع المحيطة بها في حي الرمال بمدينة غزة التي كانت تعد من أرقى المناطق، وتحولت جميعها إلى منطقة مليئة بخيام النازحين الفارين من كل مكان.

فلسطينيان مسنان يتحركان في بيت لاهيا يوم الثلاثاء وخلفهما سحابة دخان ناجم عن قصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

ويصف حجازي الظروف التي يعيشها سكان قطاع غزة بأن أقل ما يمكن أن توصف به أنها «جهنمية»، متسائلاً: «من المسؤول عما وصلنا إليه؟، ومتى سنرتاح ويتوقف كل هذا العناء؟!». كما قال.

ويضيف: «عشت أنا وعائلتي عاماً كاملاً في دير البلح خلال النزوح الأول، وكنا نتمنى أن نرجع إلى مناطقنا، والآن لما رجعنا، رجع كل شيء مثل أول ملاحقة وقتل وحرب وتهجير». وتابع: «لم نعد نفهم ما يجري لنا أو بنا... شو هو مصيرنا؟ ما ضل أمل بشيء بالنسبة إلنا غير من ربنا وحده)».

ولا تقتصر عمليات النزوح على شمال القطاع، بل امتدت لمناطق شرق مدينة غزة وتحديداً في مناطق جزئية من أحياء الشجاعية والتفاح والشعف.

«تخفيض موظفين»

من جهتها أعلنت متحدثة باسم الأمم المتحدة، (الثلاثاء)، أن المنظمة الدولية ستخفض عدد موظفيها الدوليين في غزة بنحو الثلث، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بالسلامة.

وقالت أليساندرا فيلوتشي، المتحدثة باسم الأمم المتحدة، في مؤتمر صحافي بجنيف: «نسعى لخفض عدد الموظفين الدوليين بنحو الثلث، والسبب في ذلك يعود في الواقع إلى أن الأمين العام (أنطونيو غوتيريش) لا يملك ضمان سلامة موظفي الأمم المتحدة»، وذكرت أن هذا يعني نحو 30 من أصل 100 موظف دولي.

وأضافت أن الوكالات ذات الصلة تشمل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وتأتي تلك التطورات بعد أيام من قتل غارة إسرائيلية لموظف تابع للمنظمة الدولية وإصابتها لآخر، بعد قصف استهدف مقراً تابعاً لعمليات الأمم المتحدة في دير البلح وسط غزة.

نازحون فلسطينيون فروا من رفح يصلون إلى خان يونس (أ.ب)

وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم غوتيريش، إن إسرائيل نفذت الأسبوع الماضي هجمات مروعة أسفرت عن مقتل مئات المدنيين بينهم موظفون تابعون للأمم المتحدة، وذلك رغم تزايد احتياجات المدنيين للمساعدات الإنسانية والحماية.

وتقول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» إن 124 ألف شخص نزحوا داخل قطاع غزة في غضون أيام، مضطرين للفرار إثر القصف المتواصل، حيث تحمل الأسر القليل مما لديها، وهي بلا مأوى ولا أمان ولا ثمة مكان يمكنهم الذهاب إليه.

وأضافت أن «السلطات الإسرائيلية قطعت جميع المساعدات، فبات الطعام شحيحاً والأسعار مرتفعة»، واصفةً الأوضاع في القطاع بأنها «مأساة إنسانية»، مشيرةً إلى أن أكثر من مليون شخص في غزة معرضون لخطر عدم الحصول على طرود غذائية إذا لم يسمح بدخول الإمدادات.

وتقول إسرائيل إنه يتم إطلاق صواريخ من تلك المناطق تجاه المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، فيما تبنت فصائل فلسطينية منها «حماس» و «الجهاد الإسلامي» إطلاقها تجاه بعض تلك المستوطنات.

ولاقى ذلك سخطاً في أوساط الغزيين بعد أن اضطروا للنزوح بفعل إطلاق هذه الصواريخ.

«حصار في رفح»

وفي رفح، تحاصر دبابات إسرائيلية لليوم الثالث على التوالي حي تل السلطان غرب مدينة رفح، وتنفذ عمليات عسكرية داخله وتحاصر الآلاف من السكان الذين يعيشون في خيام داخله، وسط ظروف قاهرة وصعبة.

وبحسب «الهلال الأحمر»، فإن مصير تسعة من طواقم الإسعاف التابعة لها لا يزال مجهولاً منذ ثلاثة أيام، عقب حصارهم في تلك المنطقة، في حين يقول الدفاع المدني إن ستة من عناصرها ما زال أيضاً مصيرهم مجهولاً.

وقال «الهلال الأحمر» في بيان له، إن السلطات الإسرائيلية ترفض كل محاولات التنسيق عبر المنظمات الدولية، لوصول فريق الإنقاذ إلى المكان لمعرفة مصير طاقمها، معربةً عن قلقها البالغ بشأن سلامتهم، محملةً إياها المسؤولية الكاملة عن حياتهم.

فلسطيني يعاين آثار ضربة إسرائيلية استهدفت ساحة لإصلاح سيارات الإسعاف في مخيم المغازي وسط قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

وبحسب بلدية رفح فإن الآلاف ما زال مصيرهم مجهولاً، حيث تقوم قوات الاحتلال بعمليات قتل واعتقال وتحرم هؤلاء من المياه والطعام في ظروف هي الأقسى والأصعب عليهم منذ بداية الحرب الإسرائيلية.

ومن جانب آخر، يزيد عودة إسرائيل للعمليات العسكرية مخاوف أهالي الرهائن الإسرائيليين الذين يخشون على حياة أبنائهم.

وفي تصريح لافت، عبر الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ الذي كثيراً ما كان يدعو للعمل على إطلاق سراحهم، عن صدمته إزاء التعامل مع قضية عودة الرهائن الإسرائيليين، وقال: «أنا مصدوم حقاً، كيف أن قضية الرهائن لم تعد في قمة أولوياتنا وفي مقدمة الأخبار فجأة... يجب علينا ألا نفقد التركيز، والعمل على كل ما يتعلق بإعادة الرهائن إلى ديارهم، حتى آخر واحد منهم».

وبحسب إحصائيات إسرائيلية، فإنه ما زال في قطاع غزة 58 رهينة من أصل 251 خطفتهم «حماس» وفصائل فلسطينية في السابع من أكتوبر.


مقالات ذات صلة

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

خاص طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب) p-circle

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

أكدت 3 مصادر فلسطينية التوصل إلى ما وصفته بـ«صياغات مناسبة» بين ممثلي فصائل غزة المجتمعة في القاهرة والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، حول «السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم تصاعد الدخان جرَّاء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ف.ب)

تقرير: النزاعات العالمية بلغت ذروتها في 2025

سجَّل عام 2025 رقماً قياسياً في عدد النزاعات المسلحة بين الدول، هو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في وسط الصورة (أ.ف.ب) p-circle

معاملة نشطاء «أسطول غزة» تستدعي تحقيقاً إيطالياً بحق بن غفير

فتحت السلطات الإيطالية تحقيقاً مع وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بشأن معاملة نشطاء أسطول المساعدات المتجه إلى غزة في منتصف مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص الفلسطيني يوسف سلمان يحمل الحقيبة المدرسية لابنه جاد (8 سنوات) بعد مقتله في غارة إسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين بمدينة غزة الاثنين (رويترز) p-circle

خاص «توافق» بين فصائل غزة على مقترح الوسطاء لـ«حصر السلاح»

أظهرت إفادات من مصادر فلسطينية إحراز «توافق» بين الفصائل المشاركة في لقاءات القاهرة على مقترح وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بشأن «حصر السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون جثمان أحد ضحايا غارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة الأحد (أ.ب)

«حصر السلاح» يتصدّر بنود الوسطاء لفصائل غزة

قالت مصادر من فصائل فلسطينية عدة، يجتمع ممثلوها في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن قضية «حصر السلاح» في غزة باتت في مقدمة بنود المقترح المقدم من الوسطاء بشأن.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)
طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)
TT

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)
طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)

أكدت 3 مصادر فلسطينية، الثلاثاء، التوصل إلى ما وصفته بـ«صياغات مناسبة» بين ممثلي الفصائل المجتمعة في القاهرة والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، حول القضايا العالقة خاصة فيما يتعلق بالسلاح، وضرورة الالتزام بتنفيذ كامل البنود بشكل متزامن، وضمن اتفاق شامل وليس بشكل مجزأ.

وقال مصدر من «حماس» وآخران من فصيلين مختلفين لـ«الشرق الأوسط»، إنه تمت صياغة واعتماد البنود الخمسة عشر الواردة في خريطة الطريق التي قدمها الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، في شهر أبريل (نيسان) الماضي، مبينة أن من بين ذلك الصياغة المتعلقة بالبند الثامن حول السلاح.

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)

وبينت المصادر الثلاثة أن النص «يشير بشكل واضح إلى حصر وتخزين السلاح، وليس تسليمه، مع التأكيد على أنه سيكون في عهدة جهة فلسطينية يتم الاتفاق عليها، وألا يسلم إلى أي طرف آخر، وبمراقبة ومتابعة من الدول الوسيطة، وممثل عن قوة الاستقرار الدولية التابعة لـ(مجلس السلام)».

وحول الأنفاق وأماكن تصنيع الأسلحة المختلفة، أوضحت المصادر أنه تم البحث في هذه النقطة وتم التوصل لمقاربات واضحة تضمن عدم استخدامها مع إيجاد آلية أخرى لضمان ذلك.

وأكدت جميع المصادر أن العملية «ستتم على مراحل ووفق جدول زمني مرتبط بشكل أساسي بانسحاب إسرائيل والتزامها بتنفيذ ما عليها من بنود لم تنفذها حتى الآن»، مشيرة إلى ربط الاتفاق بـ«تسريع دخول لجنة التكنوقراط لإدارة غزة إلى القطاع لتولي مهامها، وتفكيك العصابات المسلحة، والالتزام بالبروتوكول الإنساني الشامل المتعلق بالمرحلة الأولى».

في انتظار الرد الأميركي والإسرائيلي

وأوضحت المصادر أن أي إعلان بشأن الاتفاق «سيكون بعد التوافق مع إسرائيل والإدارة الأميركية بشأنه»، مشيرة إلى أن هذا الدور يتعلق بالوسطاء الذين يبذلون «جهوداً كبيرة» منذ يوم السبت الماضي.

وعلمت «الشرق الأوسط»، أن ملادينوف قد يصل القاهرة يوم الأربعاء في ظل «التوافق الإيجابي» ما بين الوسطاء والفصائل الفلسطينية على بنود «خريطة الطريق».

العصابات تصعد

ميدانياً، صعدت العصابات المسلحة المدعومة إسرائيلياً، الثلاثاء، من اعتداءاتها داخل مناطق قطاع غزة، ونفذت عمليات تفتيش واحتجاز لمواطنين في مناطق يفترض أنها خاضعة لـ«حماس».

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل حيز النفاذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحتل القوات الإسرائيلية نحو 60 في المائة من مساحة القطاع تقع شرق «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل مع مناطق نفوذ «حماس» والفصائل والواقعة غرب الخط ذاته.

وتُصر الفصائل في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة على تفكيك العصابات التي تتمركز في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، خاصة مع تطور أساليبها وتنفيذها عمليات اغتيال بحق نشطائها خلال الأشهر الماضية.

وتسللت عناصر عصابة مسلحة إلى منطقة جسر وادي غزة على شارع صلاح الدين الرئيس الذي يربط شمال القطاع بوسطه وجنوبه، الثلاثاء، وتمركزت تماماً عند الجسر في المنطقة الفاصلة ما بين الشمال والوسط، قبل أن توقف مركبات المواطنين بشكل مفاجئ، وحافلة كانت تقل العديد من الغزيين.

وبحسب مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن قوة إسرائيلية تقدمت للمنطقة ذاتها بعد انتشار عناصر من عصابة مسلحة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق شوقي أبو نصيرة، وتأمينهم للطريق، قبل أن تستقر القوتان من الجانبين في المنطقة، مبيناً أنهم «حققوا مع كل مركبة مرت من المنطقة قبل أن تتوقف تلقائياً حركة المركبات».

ووفقاً للمصادر، فإن أفراد العصابة المسلحة تفقدوا هويات بعض الموجودين في المركبات، واحتجزت 3 مواطنين قبل أن تنقلهم للقوة الإسرائيلية، فيما استجوبت آخرين كانوا على متن تلك المركبات.

وذكرت وزارة الصحة بغزة، أن القوات الإسرائيلية حققت مع 7 أفراد من طواقم الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أثناء تأديتهم واجبهم الإنساني على شارع صلاح الدين، مشيرة إلى أنه تم الإفراج عن 5 من أفراد الطاقم بعد إخضاعهم للتحقيق، فيما استمرت باحتجاز آخرين ولا يعرف مصيرهما.

وطالبت الوزارة بالإفراج الفوري عن سائقي الإسعاف المحتجزين، مؤكدة أن استهداف الطواقم الطبية وعرقلة عملها يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني ويقوض الجهود الرامية إلى تقديم الرعاية الصحية والخدمات الإسعافية للمواطنين.

يسير مسعفون فلسطينيون أمام سيارات إسعاف مدمرة في مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ووفقاً للمصدر الميداني، فإن هناك 3 مواطنين آخرين ما زالوا محتجزين حتى إعداد التقرير بعد ظهيرة الثلاثاء.

وأصدرت الجهات الحكومية والأمنية بغزة دعوات للفلسطينيين بتجنب سلوك طريق صلاح الدين بسبب نشاطات العصابات المسلحة والقوات الإسرائيلية التي توجد برفقتهم.

«هجوم متزامن»

وفي حادثة أخرى، تسلل عناصر من عصابة مسلحة يقودها غسان الدهيني الذي تولي المسؤولية عن هذه العصابة بعد مقتل ياسر أبو شباب قبل أشهر، إلى منطقة البردويل في مواصي رفح شمال غربي المدينة جنوب قطاع غزة.

ووفقاً لمصدر ميداني وآخر محلي من سكان مواصي رفح تحدثا لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك العصابة داهمت بعض المنازل القائمة في المنطقة وكذلك خياماً للنازحين، واعتدت على السكان وصادرت بعض الهواتف النقالة التي أبلغوا أصحابها بأنه ستتم إعادتها لهم بعد تفحصها، قبل أن تحقق ميدانياً مع بعض أصحاب المنازل وآخرين، وتعتقل 4 شبان اقتادتهم إلى عمق مناطق انتشار تلك العصابة.

وبحسب المصدرين، فإن طائرات مسيرة صغيرة من طراز «كواد كابتر» كانت تحلق في سماء المنطقة، وأجبر عناصر العصابة المسلحة التعريف على أنفسهم أمام إحدى الطائرات التي حلقت على ارتفاعات منخفضة جداً بالقرب من الشبان الأربعة.

ورجح المصدر الميداني أن اقتراب الطائرة المسيرة كان بطلب من ضابط إسرائيلي للتحقق من هوية المعتقلين الذين قامت العصابة المسلحة بنقلهم لموقع إسرائيلي داخل مناطق انتشارها.

وتزامنت اعتداءات العصابات المسلحة مع تصعيد إسرائيلي متواصل في مناطق متفرقة من قطاع غزة. كما هاجمت زوارق حربية مراكب الصيادية قبالة سواحل دير البلح وسط القطاع، واعتقلت 9، واقتادتهم إلى جهة مجهولة للتحقيق معهم.


الحيّ المسيحي في مدينة صور اللبنانية يفرُغ من سكانه بعد إنذار إسرائيلي

السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحيّ المسيحي في مدينة صور اللبنانية يفرُغ من سكانه بعد إنذار إسرائيلي

السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

في الحيّ السياحي في مدينة صور المطلّ على البحر، حزم من تبقى من السكان أمتعتهم، الثلاثاء، وغادروا على عجل بعد إنذار إخلاء من الجيش الإسرائيلي شمل للمرّة الأولى الحي المسيحي الذي لجأ إليه عدد من النازحين من مناطق أخرى.

وقال إلياس بربور بينما كان يهمّ بالمغادرة: «حزمنا أمتعتنا، وسوف نغادر. في البداية كنا نعد أنفسنا غير معنيين بالإنذار، لكننا الآن معنيون»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبات الحيّ الذي تقطنه غالبية من المسيحيين الذين يحاولون البقاء بمنأى عن الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، ويعجّ خلال أشهر الصيف بالسياح والزوار، فارغاً، بينما كان بعض المتأخرين يضعون حقائبهم في سياراتهم استعداداً للخروج بدورهم.

وتتعرّض صور، المدينة الساحلية التي تعدّ من كبرى مدن جنوب لبنان، وتضم آلاف النازحين من القرى المجاورة، لضربات إسرائيلية واسعة منذ بدء الحرب، لم يحدّ منها الإعلان عن وقف لإطلاق النار في 17 أبريل (نيسان).

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وشكّلت الحارة المسيحية خصوصاً، طوال أسابيع، ملجأً للنازحين الذين أمضى بعضهم أيّامه ولياليه في السيارات وعلى الأرصفة أو في محلّات تجارية.

وأضاف بربور متحسّراً: «ما ذنبنا؟ ماذا نفعل؟... من أجل ماذا؟».

ويؤكد الرجل أنه سوف يذهب إلى منزل شقيقته في العاصمة «لعدة أيام لنرى ما سيحدث».

خلفه، رست قوارب الصيادين بمحاذاة الأرصفة الضيقة للحيّ القديم. أما المطاعم والمقاهي التي تتسّم بطابع تقليدي، فقد أغلقت أبوابها وهجرها روادها.

وبُعيد الإنذار الإسرائيلي، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية عن ضربات إسرائيلية على المدينة ومحيطها.

وكانت ضربة إسرائيلية قد تسبّبت قبل يومين بأضرار في معلم أثري قديم يعود لآلاف السنين.

وتسبّبت ضربة إسرائيلية أخرى سبقت التحذير الإسرائيلي في مقتل 8 أشخاص في المدينة، وفق وزارة الصحة.

صورة تُظهر حطاماً في أعقاب غارات جوية إسرائيلية بالقرب من الموقع الأثري لميدان سباق الخيل الروماني في مدينة صور جنوب لبنان 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

99 في المائة من الحي بات فارغاً

ونشر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على منصة «إكس» الثلاثاء «إنذاراً عاجلاً إلى سكان مدينة صور - بما فيها الحارة المسيحية - والمخيمات (الفلسطينية) والأحياء المحيطة بها».

وأضاف: «حرصاً على سلامتكم، ندعوكم إلى إخلاء منازلكم فوراً... والانتقال شمالاً إلى ما وراء نهر الزهراني»، أي على مسافة نحو 40 كيلومتراً من الحدود.

وبرّر ذلك بوجود «عناصر (حزب الله) أو منشآت أو وسائل قتالية» بالقرب منهم، ما «يعرّض حياتكم للخطر»، متهماً عناصر من الحزب «بالعمل داخل الحي المسيحي في المدينة».

وقال عضو مجلس بلدية صور وليد الطويل إنه بُعيد الإنذار «فرغت الحارة (المسيحية)... بنسبة 99 في المائة، وبقي عدد قليل من الأشخاص».

وأضاف أن غالبية الناس توجهوا إلى بيروت وصيدا التي تقع شمال نهر الزهراني.

أما من لا يملكون مكاناً يلجأون إليه، فجلسوا بسياراتهم على الكورنيش البحري بمحاذاة شاطئ المدينة الرملي الذي يزدحم خلال أشهر الصيف عادة بالزوار.

عند مدخل مدينة صيدا الواقعة إلى الشمال من صور، شاهد مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أشخاصاً وصلوا من صور، منهم من حزم أمتعة فوق سيارته.

ونصب بعض النازحين خيماً على أرصفة المدينة على غرار أحمد حيدر الذي قال: «اليوم هدّدوا الحارة المسيحية... عندما حصل التهديد، خفنا ورحلنا... هدّدوا منطقة صور بأكملها. لم يعد هناك أمان مطلقاً».


مقتل 12 شخصاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان اليوم (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان اليوم (أ.ف.ب)
TT

مقتل 12 شخصاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان اليوم (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان اليوم (أ.ف.ب)

أسفرت غارات جوية إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم (الثلاثاء)، عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 29 آخرين.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية، بسقوط «تسعة شهداء و29 جريحاً جراء الغارات المعادية التي استهدفت حي المساكن الشعبية في مدينة صور»، لافتةً إلى أن الغارات تسببت بدمار كبير في المحال التجارية.

وأشارت الوكالة إلى مقتل «مواطن صاحب مزارع للدواجن في غارة معادية استهدفته في مزرعته في بلدة عدشيت»، كاشفةً عن مقتل «فتى (16عاماً) في غارة لمسيَّرة معادية استهدفته أمام منزله في حي الشريفة في بلدة حبوش».

وتعهَّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس، بمواصلة الحملة العسكرية ضد «حزب الله».

وقال كاتس، في بيان: «سيواصل الجيش الإسرائيلي العمل في لبنان ضد منظمة (حزب الله)»، مضيفاً أنه سيضرب ضاحية بيروت الجنوبية رداً على كل هجوم على شمال إسرائيل.

وأضاف كاتس: «نرفض بشكل قاطع تهديدات إيران. وأي محاولة إيرانية للربط بين لبنان وإيران، ومهاجمة إسرائيل ستواجَه بقوة كبيرة، كما حدث بالأمس».

وتتمسّك إيران بأن يكون وقف الحرب في لبنان جزءاً من التفاهم الذي تريد التوصل اليه مع واشنطن، بينما تريد إسرائيل فصل المسارين.

وشنّت إسرائيل، أول من أمس، غارة على ضاحية بيروت الجنوبية أدّت إلى مقتل شخصين حسب وزارة الصحة، وقالت الدولة العبرية إنها جاءت رداً على مهاجمة «حزب الله» لأراضيها بعيد إعلان جيشها اعتراض مقذوفين أُطلقا من لبنان.

وكانت تلك أول ضربة تتعرض لها الضاحية منذ إعلان التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان إثر مباحثات عقدها موفدون لحكومتي البلدين في واشنطن الأسبوع الماضي.

كانت الولايات المتحدة قد أعلنت للمرة الأولى وقفاً لاتفاق النار بين لبنان وإسرائيل اعتباراً من 17 أبريل (نيسان)، لكنه لم يغيّر في أرض الواقع. ويتبادل الحزب وإسرائيل الاتهام بخرقه يومياً.