توفيق سلطان: كمال جنبلاط لم يكن معجباً بالأسد ولا بأمثاله

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه أبلغ الحريري بقرار اغتياله قبل ثلاثة أيام (الثانية والأخيرة)

TT

توفيق سلطان: كمال جنبلاط لم يكن معجباً بالأسد ولا بأمثاله

الملك سلمان بن عبد العزيز ورفيق الحريري وتوفيق سلطان (أرشيف توفيق سلطان)
الملك سلمان بن عبد العزيز ورفيق الحريري وتوفيق سلطان (أرشيف توفيق سلطان)

بعد حرب 1973 وما أعقبها، أدرك الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد استحالة استعادة مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل بالوسائل العسكرية. زاد في إحباطه قرار مصر أنور السادات الإبحار في اتجاه آخر. أدرك أيضاً، وهو ابن أقلية، خطورة استعادة الجولان بأسلوب استعادة سيناء إذ لم يكن يرغب في أن يترك لوريثه علماً إسرائيلياً يرفرف في دمشق. لم يبق أمامه غير تعويض وحيد اسمه لبنان الذي لم ينس الأسد أن بعض أقضيته سلخت عن سوريا.

صار لبنان ساحته وملعبه ودرعه ومصدر أوراق دوره الإقليمي. ولم يتسامح نظام الأسدين مع أي محاولة لـ«سرقة لبنان» منه، سواء كان اسم «السارق» كمال جنبلاط أم بشير الجميل أم رينيه معوض أم رفيق الحريري. وكانت «خطيئة» جنبلاط مضاعفة، إذ كان حليفاً وفياً لياسر عرفات الذي خاض معركة شرسة وطويلة لمنع الأسد من الإمساك بالقرار الفلسطيني.

كان السياسي اللبناني توفيق سلطان في قلب علاقة جنبلاط مع الأسد الأب. كان سلطان نائباً لجنبلاط في رئاسة «الحزب التقدمي الاشتراكي» وكذلك في «الحركة الوطنية اللبنانية» التي ضمت قوى يسارية وقومية متضامنة مع الفلسطينيين. يعرف القصة كما يعرف قصصاً كثيرة وسأتركه يروي.

«شاركت في أكثر من لقاء مع الرئيس الأسد وعبد الحليم خدام وكمال جنبلاط. وكان كمال بك بتهذيبه وواقعيته يواجه ويقول الأمور كما هي. في عام 1976 قامت بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد علاقة منتظمة ومرتبة. وكان الأسد يقول لحكمت الشهابي (رئيس الأركان السوري بين 1974 و1998) إن هذه اللقاءات يجب أن تكون دورية، وهذا ما فعلناه.

في إحدى الزيارات بدأنا بالقيادة القومية عند عبد الله الأحمر (الأمين العام المساعد لحزب «البعث»)، نعقد اجتماعاً ونتحدث في السياسة. وحسب معلوماتي أن الاجتماعات التي تعقد في القيادة القومية أو وزارة الخارجية كانت تخضع للتنصت ويسمعها الرئيس وعندما ندخل إليه يكون عارفاً الجو. وهناك أناس قالوا: بالصوت والصورة.

لقاء بين الأسد وجنبلاط بحضور توفيق سلطان (إلى اليسار) وعبد الله الأحمر (أرشيف توفيق سلطان)

كان إلى جانب عبد الله الأحمر شاب من قيادة «البعث»، وكان زهير محسن (مسؤول تنظيم «الصاعقة» الفلسطيني التابع لـ«البعث») وجورج صدقني (السياسي السوري). جورج صدقني كان مماحكاً، وكلف بكتابة تاريخ «البعث». قال: يا كمال بك، لمَ لا تقيمون معنا جبهة؟ قال له: لا أريد أن أقيم جبهة. سأله لماذا فأجابه: أنا لا أقيم جبهة مع حزب قراره خارجي. أي تأتيه أوامر من الخارج وينفذها على الطاولة.

انتهت الجلسة. قال عبد الله الأحمر: يا كمال بك لنصدر بياناً مشتركاً. البيان المشترك يعني الإيحاء أن القيادة القومية تشتغل. قال ليعده توفيق وجورج. بنود ولا شيء. أعد البيان المشترك، ورحنا عند الرئيس الأسد وعقدنا اجتماعاً. وفي نهاية الاجتماع دائماً، الرئيس الأسد يدعونا إلى غداء في قصر الروضة. بعد الغداء، كنا نشرب القهوة، أحضر البيان المشترك وأعطي كل واحد نسخة.

كمال جنبلاط رفض مجاملة الأسد

كنت واقفاً مع مصطفى طلاس (وزير الدفاع السوري بين 1972 و2004)، ورأيت كمال بك يخرج قلماً ويبدأ بالتشطيب، فقلت الله يسترنا، ربما نكون غلطانين نحن. جئت وجلست على الأريكة بجانبه، وكان قربه الرئيس الأسد. فنظرت ووجدت أنه شطب فقرة جاء فيها: «وقد أشاد وفد الحزب التقدمي الاشتراكي بالحركة التصحيحية»... شطبها كلها والتفت إليّ، علماً أنني لم أكتبها. وقال: نحن لم نقل ذلك. ما هي علاقتنا؟ نحن الجميع أصحابنا.

فعل هذا أمام الأسد، فطلب منهم الأسد أن يشطبوها. شطبت، ودعنا. في طريق العودة قال جنبلاط لمرافقه: افتح لنا الراديو لنرى إن وضعوا شيئاً مزوراً. قال لي: لا ينفع الكلام الذي كتبوه. قلت له: كمال بك، أريد أن أسألك سؤالاً. شخص استقبلنا، وضيفنا، ولنا شغل يومي ودائم معه، ماذا يضرنا لو جاملناهم بكلمتين؟ فقال لي: أنا لا أجامل.

عندما وصلنا إلى بيروت، لملمت أغراضي وذهبت إلى طرابلس، فشلت. لم أعد قادراً على بناء هذه العلاقة. كلمتان فيهما إشادة بهم شطبهما جنبلاط.

جاءني اتصال من حكمت الشهابي لأذهب إلى الشام، فذهبت. فقال لي رسالة من الرئيس الأسد بأن تحضر له كمال بك على السريع ولو أراد أن يحدثه عن العشب والقمح وزحل، أي من الأدبيات التي يكتبها كمال بك. تدهورت العلاقات لاحقاً وكان جنبلاط صريحاً وجعل العلاقة إما أبيض وإما أسود. عارض دخول الجيش السوري إلى لبنان وأشرف شخصياً على عمليات تلغيم المجارير في بحمدون. نصحه كثيرون بالابتعاد، بينهم الرئيس أنور السادات، لكنه رفض».

توفيق سلطان مع وليد جنبلاط ومحسن إبراهيم وجورج حاوي وإبراهيم قليلات وعبد الله سعادة (أرشيف توفيق سلطان)

سألته إن كان كمال جنبلاط معجباً بالأسد، فأجاب: «لا بحافظ الأسد ولا بأمثال حافظ الأسد. يعني، طريقة تفكير كمال جنبلاط وتكوينه مختلفان. طريقة الأسد ليست مستحبة عنده. لكن لا يعني أنه لم يتعامل معه، بل تعامل معه. حاول وحاول. كمال جنبلاط عقله دائماً على فلسطين. كل زيارة كان يسأل الأسد: كيف وضعك العسكري؟

أتذكر مرة دعونا، أنا وهو، بعد حرب 1973. استقبلنا الأسد، ولم يكن يلبس بدلة. كان يرتدي ملابس عسكرية من دون إشارات، وقال لي تأخرتم، أريد أن أغير ملابسي لكنني أنتظركم لنتصور بها. فقلت له: لنتصور. وتصورنا وقوفاً. وقتها كان (جنبلاط) يسأله، فأشاد الأسد بالجيش العراقي، (وقال) كانوا شجعاناً... و(أشاد) بالمغاربة. سأله عن الطيارين، فقال له: باكستانيون.

كان كمال جنبلاط يسأله عن التفاصيل، يسأله عن الطقس، عن كمية الأمطار، عن القمح. كان مطلعاً وكأنه جزء من النظام السوري. كان يعتبر أن لهم موقعاً (مؤثراً في قضية فلسطين).

بخلاف ذلك، لم يكن معجباً... كل قصة «البعث» لم تكن راكبة في عقله. كمال جنبلاط كان مستعداً أن يتعامل مع خصم ديمقراطي وبطريقة ديمقراطية. لا يقبل أن تكون الطريقة ديكتاتورية. وفي هذا السياق قال للرئيس السوري: لن أدخل القفص الذهبي الكبير.

في أحد الاجتماعات طلب الأسد من (نائبه عبد الحليم) خدام أن يقرأ لنا رسالة من كاظم الخليل نائب رئيس حزب «الوطنيين الأحرار» الذي كان يتزعمه (الرئيس اللبناني الأسبق) كميل شمعون. وتحدث الخليل عن اقتراح إقامة كونفدرالية بين لبنان وسوريا. قال له كمال جنبلاط: «إنهم يكذبون عليك. واسمع مني، لا تدخل إلى لبنان لأنك إذا دخلت إلى لبنان فأنت تعطي مبرراً لإسرائيل لتدخل. نحن قصتنا مع الفريق الثاني الذي نختلف معه في لبنان، محدودة، وبجهد معين تترتب، بخسارة بربح بتسوية تترتب، لكن مع إسرائيل لا تترتب».

بعد 11 سنة، وكان إيلي حبيقة (القيادي في جماعة «القوات اللبنانية») أصبح وزيراً، وخلال جلسة حضرها مجموعة من الوزراء اللبنانيين، يقول حافظ الأسد: بيار الجميل (مؤسس حزب «الكتائب اللبنانية») كذب علي. لم يذكر كميل شمعون. عندها قال له أحد الوزراء هذا (حبيقة) تلميذه، فقال حبيقة: أنا لا علاقة لي.

اللقاء الأخير بين الأسد وجنبلاط

من ناحية أخرى. أنا لم أشارك في الجلسة الأخيرة بين الأسد وجنبلاط على رغم إلحاح الأخير عليّ للذهاب معه. جاء ياسر عرفات إلى منزل كمال جنبلاط، وكان الجميع حاضرين، وكان يحاول إقناع جنبلاط بأن يذهب للقاء الأسد وأن الجو في سوريا يتقبل وجهة نظرك. وهو وضع السوريين بجو أن كمال جنبلاط سيأتي ويوافق على رؤيتهم.

أنا كإنسان مسؤول عن الملف أعرف أن هذا الكلام غير صحيح. لا كمال جنبلاط سيقبل ولا هم سيقبلون. مشروعان مختلفان تماماً. ذهب جنبلاط وكان ما كان. تأخر في العودة فاتصلت بحكمت الشهابي وسألته: خيراً إن شاء الله؟ قال لي: من أين سيأتي الخير؟ الجو ليس جيداً. قلت له: لم يصل إلى بيروت. قال: الطقس «عاطل»، وغادر متأخراً وحاولت كثيراً أن أبقيه فلم يقبل.

صدرت الصحف في اليوم التالي بجو تفاؤلي. ذهبت إليه (جنبلاط) فقال إن ما نشر غير صحيح، فقلت له: أعرف أنه ليس صحيحاً. قال لي: لم نستطع التفاهم معه. واستشهد كمال جنبلاط لاحقاً في 16 مارس (آذار) 1977».

أصيبت الطائفة الدرزية بجرح غير مسبوق. وخيم القلق على «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«الحركة الوطنية». كان كمال جنبلاط زعيماً درزياً ووطنياً وكان مظلة للقوى اليسارية والقومية. في هذا المناخ اتخذ وليد كمال جنبلاط قراراً بالغ الصعوبة. لم يغامر بإقحام طائفته في نزاع مفتوح مع نظام حافظ الأسد.

وبعد نحو أربعين يوماً من اغتيال والده، دخل وليد مكتب حافظ الأسد يرافقه عدد من الأركان الذين عملوا إلى جانب والده، وكان بينهم توفيق سلطان. وسيستمع وليد لاحقاً إلى نصيحة والدته مي التي أرشدته إلى حكمة صينية تقول: اجلس على ضفة النهر وانتظر جثة عدوك. وبعد سنوات طويلة تلقى وليد نبأ فرار بشار الأسد وتلقى لاحقاً نبأ اعتقال نائب رئيس المخابرات الجوية السورية اللواء إبراهيم حويجة، المتهم بالإشراف على اغتيال والده.

قصة الأسدين مع الحريري

لم يسمح الأسد لكمال جنبلاط بإرباك خطته لإدارة لبنان عبر واجهات محلية. ولم يسمح بعد سنوات للرئيس المنتخب بشير الجميل بتسلم سلطاته الرسمية حين اغتاله عضو في «الحزب السوري القومي الاجتماعي» الموالي لدمشق.

لكنَّ لاعباً جديداً سيدخل الحلبة رئيساً للوزراء في 1992 واسمه رفيق الحريري. وثمة من يقول إن الأسد الأب لم يخطر بباله أن الحريري سيتحول زعيماً غير منازع في طائفته السُنيّة، علاوة على تمدده إلى طوائف أخرى.

لم يعرف لبنان سابقاً لاعباً بهذه المواصفات. كانت لدى رفيق الحريري قوة مالية ضاربة في بلد يترنح اقتصاده. وكانت لديه ترسانة من العلاقات العربية والدولية لم يمتلكها يوماً أي حاكم في دمشق. باكراً حرص الأسد على توفير ضوابط تبقي الحريري في حجم معقول وتحت السقف السوري. حين غاب حافظ الأسد حمل نجله بشار معه إلى القصر قلقاً دائماً من الحريري وكأنه يحاول «سرقة لبنان» عبر توفير مظلة دولية لإخراج بيروت تدريجياً من دائرة النفوذ السوري. وفي 14 فبراير (شباط) 2005، اغتيل رفيق الحريري وتوجهت أصابع الاتهام إلى النظام السوري، لكن المحكمة الخاصة المعنية أدانت لاحقاً وغيابياً عناصر من «حزب الله».

الملك سلمان بن عبد العزيز ورفيق الحريري وتوفيق سلطان (أرشيف توفيق سلطان)

كان توفيق سلطان حاضراً في تلك المحطات الساخنة وها هو يتذكر: «بنى رفيق الحريري علاقة مع الأسد الذي دعاه في البداية لزيارته. جاء رفيق الحريري وزوجته نازك من باريس إلى الشام، ومعهما الهدايا. استقبلهما الرئيس وتناولا العشاء عنده وحضّر لهما مكاناً للنوم عنده في البيت. فوجئ الأسد حين قال الحريري: أنا سأعود. فقال له: كيف ستعود؟ فقال له: أنا طائرتي مثل البيت، فيها غرفة للنوم. وفي 1992 كان الحريري يبحث عمن يريد الترشح للانتخابات وكنت شاهداً».

قلتُ لسلطان ما رواه وزير الخارجية اللبناني الأسبق فارس بويز لـ«الشرق الأوسط». قال بويز إن الأسد الأب وافق على تولي الحريري رئاسة الحكومة، لكنه اشترط أن تسبق الانتخابات النيابية توليه ليضمن وجود أكثرية مؤيدة لسوريا يمكن أن تراقبه وتضبطه، فأجاب: «هناك شيء من هذا الكلام. لست عارفاً بالأمر، لكن هناك شيئاً منه، وهو يعني أن الحكم السوري كان مؤيداً لوجود رفيق الحريري لكن ليس مطلق الصلاحيات، بل مقيداً».

قلت له إن بويز تحدث عن «تيار علوي» حاضر في قصر الأسد كان يتوجس منذ اللحظة الأولى من مجيء الحريري، فأجاب: «هناك قصة تعطيك الدليل. كانوا ضد أن يصبح لدى رفيق الحريري هذه الزعامة الواسعة الكبيرة في البلد. مثلاً، أعد له في البقاع عبد الرحيم مراد لقاءً شعبياً كبيراً وحضره غازي كنعان.

بعد فترة في التوقيت الذي وضع فيه الحجر الأساس لشركة «سوليدير» (التي يملكها الحريري والتي تولت مشاريع إعادة الإعمار) أنا كنت في الجامعة الأميركية أزور شخصاً، فقال لي لن يدعوا رفيق يذهب إلى الشمال. كان دعاه وجيه البعريني، وقيل إن مائة خيّال سيستقبلونه في العبدة وسيقام له مهرجان. وهذا الشخص سمّيع مضبوط وقالها لي. ذهبت إلى السوليدير، وكان أتى بصائب سلام للمشاركة في وضع حجر الأساس. كلفت حسني المجذوب وقلت له يوشوش الحريري بأنهم لن يدعوه. صار رفيق يبحث عني برأسه. ذهبنا إلى البيت، فقال لي: ما القصة؟ فقلت له. قال: معقول؟ قلت له: نعم معقول. فقال لهم اطلبوا وجيه البعريني الذي كان صاحب الدعوة. تذرع الحريري بالطقس فرد عليه بأنه جيد. في النهاية أفهمه أنه غير قادر. لمست ذلك شخصياً. أنا موجود في قلب طرابلس، وأنا حزبي، من «الحزب التقدمي الاشتراكي»، وعلى كل لفة كوع يقولون (المخابرات السورية) رفيق الحريري وتوفيق سلطان، توفيق سلطان ورفيق الحريري، إنه يدخل الحريري إلى البلد. جلست معهم، أنا ماذا لدي؟ هل لدي جريدة تكتب له؟ هل لدي مقهى مخصص له؟

لقاء بين حافظ الأسد ورفيق الحريري (غيتي)

قلت لجماعة المخابرات السورية. هل أنا أدخله؟ وإذ فتح رفيق الحريري مكتباً في طرابلس، فقلت لهم: هل أنا أدخله، لقد فتح مكتباً؟ قالوا: صحيح. هم يقاطعون معنا وأنت لا تقاطع. كانوا يريدونني أن أكون مخبراً عندهم. لم يكونوا يريدون أن يلتقي بتوفيق سلطان. والله أنا أرى في رفيق الحريري فرصة للبلد بأن تعود ويعود الإنماء ونأخذ حصتنا في طرابلس. هذه كانت الرؤية ولا تزال إلى اليوم».

الحريري اخترق أصحاب مواقع في النظام السوري

في الحقيقة أقام رفيق الحريري علاقة وثيقة مع عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي. مع عبد الحليم علاقة شخصية وعائلية، ومع حكمت علاقة جدية لأن الأمزجة تختلف. في المقابل كان هناك أولاد الأسد وجو بيت الأسد وابنة الأسد، كانت بشرى لها دور أساسي. هؤلاء ضده. هؤلاء واجهة الدولة.

أصبح طرف في سوريا معادياً للحريري. طرف له وجود فاعل داخل سوريا وله امتداد فاعل في لبنان والتنسيق قائم بينهما. هؤلاء أثروا في السياسة اللبنانية وفي العلاقة. كان رفيق الحريري دائماً يختصر المسافات، حيثما يظهر عائق لديه جرافة يفتح بها. يعني فلان، كم ثمنه؟ يشتريه. تسألني إن كان الحريري اخترق أصحاب مواقع في النظام السوري، وجوابي هو نعم. رستم غزالة مسؤول المخابرات السورية في لبنان كانت له هو الآخر مخصصات».

تحذير للحريري من الاغتيال

وعن اغتيال الحريري، يقول سلطان: «معروف أن كثيرين وبينهم خدام نصحوا الحريري أن يترك البلد خوفاً على سلامته. يوم الجمعة الذي سبق الاغتيال اتصل بي أحد اللبنانيين المهمين وسألني: هل تستطيع أن تلاقيني قرب البلدية في مقهى نجار، قلت له نعم. قال: لدي نصف ساعة. رفيق الحريري ووليد جنبلاط على (لائحة) القتل.

كنا في يوم الجمعة، وقتل (الحريري) الاثنين. قلت له: هل أستطيع أن أقول لهما، قال: نعم. قلت له: إذا أحرجاني هل أسميك؟ فكر قليلاً وقال: نعم. ذهبت إلى رفيق الحريري، الطقس لم يكن جيداً، خرجت معه إلى الحديقة في الخارج وأخبرته، أومأ بيده هكذا (غير مبالٍ). من قال لك؟ أجبته. قال: هذا لا يعرف، أنا لدي ضمانة. هذا كان يوم الجمعة. مساء جلسنا في المقهى الذي كنا نجلس فيه. (الصحافيون) محمد شقير، وفيصل سلمان، ووليد شقير. هممت لأذهب، فورد اتصال لوليد وقال لي: اجلس الرجل (الحريري) آتٍ. جاء ودخل بسيارته إلى الداخل وأفرغوا المقهى وجلسنا.

أتذكر ذات يوم قال لي (الحريري): تعال إلي إلى قريطم في وقت معين. لا قبل ذلك. ذهبت إليه، انتظرت ساعة ولم يأت، فقلت لهم سأذهب إلى وليد (جنبلاط) وأعود. ذهبت فوجدت سياراته تقفل الشارع هناك. قالوا: ادخل ادخل، فقلت لهم: لا أريد. عدت إلى منزله. مر أمامي ولم يسلم ومطأطأ الرأس دخل إلى المصعد وذهب إلى غرفته. ذهبت إلى وليد فقال لي: جئت في وقتك، كان عندي رفيق الحريري.

حكى لي القصة عن جلسة رفيق الحريري مع بشار الأسد، وقوفاً. قال له: أنت ووليد وشيراك تبعكم، تريدون أن تأتوا برئيس، سأكسر البلد على رأسك ورؤوسهم.

رفيق الحريري كانت عنده ضمانات أميركية أنه لن يقتل، لكن ثبت أن ليست هناك ضمانات. رفيق الحريري مثلما هو ثابت وشائع وذائع، له علاقات مع مجموعة واسعة من الدول ومواقع مختلفة من الدول، وكان رجلاً متزناً ورائقاً وغير مغامر ولا يفضل اللعب. كان حريصاً على ترتيب الوضع بلبنان وعلى إنماء البلد، وكانت عروبته صافية. هذه ضايقت كثيرين».

بشار الأسد «خفيف وعديم القدرة»

سألته هل تحدى الحريري بشار الأسد بالقرار 1559؟ وهل تعتقد أنه كانت له علاقة بالقرار؟ أجاب: «مثلما هو ثابت بشار الأسد ورقة خفيفة. هذا ثابت. يعني مع ضعف النظام في سوريا وكل شيء، مع حجمهم، انظر كيف انفرط النظام في 24 ساعة تقدر تعرف كيف هي شخصيته، ليس دقيقاً في الحساب لو كان دقيقاً في الحساب لكان رأى أن القرار جدي وثمنه غالٍ لتصرف على نحو مغاير.

لا يمكن أن تسميه مغامراً، بل كان خفيفاً وعديم القدرة على الاستيعاب. لا أعرف إلى أي مدى كانت الحلقة الضيقة تضعه في الجو، لكن من دون أدنى شك كان لديهم قلق من رفيق الحريري، وهذه القوى لا يستطيع أن يجمعها إلا شخص ذو وزن وله صلات اسمه رفيق الحريري. إن أزحنا رفيق الحريري، وخلال 24 ساعة أو 48 ساعة، وشيء من العزاء تنتهي القصة. وإذ اكتشف أن القصة أكبر من هكذا بكثير.

والحقيقة أن الحريري كان الوحيد القادر على مساعدة سوريا في لبنان. مرة كنت في باريس، وكان رفيق الحريري رتب لبشار زيارة إلى باريس، وأنا في المقهى رأيت سوريين كثيرين من جماعة الأسد وعلى رأس الطاولة شخص من جماعة الحريري يستضيفهم. أرسل رفيق الحريري فريقاً وصحافيين ومصورين وأمنيين وكل شيء واستأجر لهم فنادق. اشتغل لهم كثيراً. أحضر جاك شيراك إلى بيروت وألقى خطاباً في البرلمان قال فيه إن الجيش السوري سيبقى في لبنان حتى إحلال السلام في الشرق الأوسط».

عبّر توفيق سلطان عن أسفه لأن اللبنانيين أضاعوا فرصاً كثيرة. فضلوا أحياناً التنازل للخارج على التنازل لشركائهم في الوطن. قال لو أن تفاهماً حصل بين كمال جنبلاط وبشير الجميل لوفر اللبنانيون على أنفسهم عذابات كثيرة. أضاعوا الفرص أيضاً في محطات أخرى. أعرب عن أمله في أن يشهد مشروع الدولة انطلاقة جدية مع انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة نواف سلام.

يتحدث سلطان بلغة العقلاء الذين خبروا نقاط ضعف التركيبة اللبنانية وحساسياتها. يظهر في حديثه حنين إلى تلك الأيام التي كانت فيها بيروت موعداً لبنانياً وعربياً ودولياً. يقترب سلطان من التسعينات محتفظاً بقدر من الأمل أن يكون اللبنانيون تعلموا من تجاربهم، وأن يتشاركوا في بناء دولة القانون التي يتخاطبون في رحابها بلغة القوة والاستقواء.


مقالات ذات صلة

لبنان يحقق مع سوري بشبهة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد

المشرق العربي جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)

لبنان يحقق مع سوري بشبهة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد

نقلت وكالة «رويترز» عن أربعة مصادر مطلعة، الجمعة، أن السلطات اللبنانية ألقت القبض على مواطن سوري كان يساعد كبار مساعدي الرئيس المخلوع بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الوزير طارق متري مستقبلاً الوفد السوري في بيروت مطلع سبتمبر 2025 (إكس)

ما علاقة زيارة مسؤولين سوريين مطعماً فاخراً في بيروت بتسليم ضباط الأسد؟

طلبت السلطات السورية من قوات الأمن اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط كبير فروا إلى لبنان بعد سقوط بشار الأسد، اعتماداً على تحقيق أجرته وكالة «رويترز».

«الشرق الأوسط» (دبي - لندن)
خاص خريطة مدينة حلب ويتضح فيها حيا الشيخ مقصود والأشرفية (متداولة)

خاص «جبل السيدة» الذي أصبح «الشيخ مقصود» والأشرفية امتداداً لـ«حي السريان»

يستعيد عقيل حسين، الناشط والصحافي السوري ابن حلب، علاقته بحيي الشيخ مقصود والأشرفية، كونه شارك في الحراك المدني بعد انطلاق الثورة السورية مارس (آذار) 2011.

«الشرق الأوسط» (حلب (سوريا))
شؤون إقليمية نتنياهو في مرتفعات جبل الشيخ (أ.ف.ب)

الهوة كبيرة بين إسرائيل وسوريا ولا يمكن جسرها بيومين في باريس

حسب تسريبات صحافية فإن الرئيس ترمب قال لنتنياهو، إن المطلب السوري عادل، وإن على إسرائيل أن تجد حلولاً إبداعية أخرى غير البقاء على الأرض.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية يقول زعماء «الحريديم» إن إجبار طلبة المعاهد الدينية على الخدمة العسكرية ينذر بتدمير هويتهم (أ.ب)

الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

استبدل الجيش الإسرائيلي قواته العاملة في الجنوب السوري، من الكتيبة «55» إلى كتيبة «الحشمونائيم» الدينية، التي تضم جنوداً من التيار الحريدي المتزمت دينياً.

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)

حظر تجول في الشدادي بعد هروب «دواعش»

قوات الحكومة السورية تعبر نهر الفرات في محافظة دير الزور شرق البلاد أمس (أ.ف.ب)
قوات الحكومة السورية تعبر نهر الفرات في محافظة دير الزور شرق البلاد أمس (أ.ف.ب)
TT

حظر تجول في الشدادي بعد هروب «دواعش»

قوات الحكومة السورية تعبر نهر الفرات في محافظة دير الزور شرق البلاد أمس (أ.ف.ب)
قوات الحكومة السورية تعبر نهر الفرات في محافظة دير الزور شرق البلاد أمس (أ.ف.ب)

أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، مساء أمس، عن حظر تجول كامل في مدينة الشدادي وما حولها، في جنوب محافظة الحسكة بشمال شرقي البلاد، وقال الجيش إن عدداً من ​عناصر تنظيم «داعش» فرّوا من سجن كان خاضعاً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في المدينة، متهماً «قسد» بإطلاق سراحهم.

وقال الجيش، في بيان، إنه سيتدخل لتأمين السجن والمدينة ويبدأ عمليات تمشيط بحثاً عن العناصر الذين تم إطلاق سراحهم، ودعا المواطنين إلى إبلاغ الوحدات العسكرية المنتشرة عن أي عناصر فارين من التنظيم.

وبعد يوم من موافقة «قوات سوريا الديمقراطية»، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في سوريا، على الانسحاب من مناطق واسعة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، اتهمت الحكومة السورية الإدارة الذاتية بمحاولة «توظيف ملف الإرهاب سياسياً»، مؤكدة في بيان «رفضها القاطع» لاستخدامه «ورقة ابتزاز سياسي أو أمني تجاه المجتمع الدولي».

ونوهت هيئة العمليات بأن قيادة الجيش تواصلت مع الوسطاء وقادة «قسد»، بهدف تسليم سجن الشدادي للأمن الداخلي بهدف تأمينه وتأمين محيطه، لكن قيادة «قسد» رفضت ذلك، وهو أمر نفته «قسد» التي تحدثت عن هجوم تعرض له السجن.


«حماس» تستعد لخروج قيادات من غزة


فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)
فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)
TT

«حماس» تستعد لخروج قيادات من غزة


فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)
فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)

كشفت مصادر من حركة «حماس» في غزة أن قيادات من التنظيم تستعد للخروج من القطاع «بشكل آمن» بعد إجراء «ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع في إطار المرحلة الثانية» من اتفاق وقف إطلاق النار، التي أعلنت الولايات المتحدة انطلاقها، الأسبوع الماضي.

وتحدثت 3 مصادر من مستويات ميدانية وقيادية في «حماس»، وجميعهم من المقيمين في غزة، إلى «الشرق الأوسط»، عن أن بعض القيادات البارزة من المستوى السياسي والعسكري يستعدون لـ«خروج آمن». وذكرت المصادر أسماء عدد من القيادات المرجح مغادرتها.

وأشارت المصادر من داخل القطاع إلى أن هذا الخروج «سيكون بلا عودة، على الأقل لسنوات». بينما قالت مصادر أخرى إن بعض القيادات سيخرجون لعقد «لقاءات في مصر حول القوات الأمنية الحكومية بغزة، ثم سيعودون». لكن مصدراً قيادياً كبيراً في «حماس»، يقيم خارج القطاع، قال: «أنفي صحة الأنباء عن خروج قيادات من القطاع»، مضيفاً: «هذا الموضوع لم يطرح».


قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن في زيارة مفصلية مطلع فبراير

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل محاطاً بالعسكريين (قيادة الجيش)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل محاطاً بالعسكريين (قيادة الجيش)
TT

قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن في زيارة مفصلية مطلع فبراير

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل محاطاً بالعسكريين (قيادة الجيش)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل محاطاً بالعسكريين (قيادة الجيش)

يستعد قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، لزيارة رسمية إلى واشنطن مطلع الشهر المقبل، في محطة تُعدّ مفصلية على المستويين السياسي والعسكري. وتأتي هذه الزيارة في توقيت دقيق؛ إذ تسبق «مؤتمر باريس» المخصص لدعم الجيش اللبناني، يوم 5 مارس (آذار) المقبل.

في موازاة ذلك، سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية في ظلّ تصعيد ميداني وغارات جوية إسرائيلية متواصلة على الجنوب. وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إنه «خلال قيام الجيش اللبناني بعملية تثبيت نقطة جديدة جنوب بلدة العديسة، أقدم الجيش الإسرائيلي على استفزاز مباشر، تمثّل في تحريك دبابة (ميركافا) خارج الجدار الحدودي وتوجيه مدفعها نحو الجنود اللبنانيين، في محاولة لدفعهم إلى الانسحاب، إلا أن الجيش اللبناني رفض التراجع وعمد إلى تثبيت مركز له في المنطقة».