مسؤول أممي لـ«الشرق الأوسط»: سوريا فقدت ربع رصيدها السكني

قال إن البرنامج يبذل جهوداً لتأمين التمويل وسينقل الملف إلى منتدى الرياض الإنساني

نازحة تطل مع طفلها في مخيم أطمة للنازحين على مشارف إدلب في شمال غربي سوريا (أ.ف.ب)
نازحة تطل مع طفلها في مخيم أطمة للنازحين على مشارف إدلب في شمال غربي سوريا (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي لـ«الشرق الأوسط»: سوريا فقدت ربع رصيدها السكني

نازحة تطل مع طفلها في مخيم أطمة للنازحين على مشارف إدلب في شمال غربي سوريا (أ.ف.ب)
نازحة تطل مع طفلها في مخيم أطمة للنازحين على مشارف إدلب في شمال غربي سوريا (أ.ف.ب)

تحدث كبير الموظفين في برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN- HABITAT)، عرفان العلي، عن خطط البرنامج لمساعدة الحكومة السورية الجديدة في عملية إعادة التأهيل والإعمار، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن جهداً كبيراً يبذله لتأمين التمويل اللازم للمشاريع.

العلي مع تأكيد «تفاؤله» بحدوث تنمية حضرية في سوريا التي فقدت تقريباً 25 في المائة من رصيدها السكني جراء الحرب، يلفت إلى أنه عقد اجتماعات ممتازة مع المسؤولين، وأن «هناك مؤشرات ممتازة من قبل الحكومة والجهات المانحة، إلا أنه يرى أن تسريع عملية إعادة التعافي والإعمار «بحاجة إلى تثبيت الاستقرار، ومناخ سياسي أمني ملائم، وإلى انفتاح وعدالة انتقالية وتوفُّر الظروف التي تساعدنا وتساعد الجهات الداعمة».

عرفان العلي كبير موظفي برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الشرق الأوسط)

وزار المسؤول الأممي العلي دمشق في الفترة من 11 - 15 فبراير (شباط) الحالي، وتحدث عن مشاريع قائمة ومقترحات مشاريع، وجهود كبيرة جداً لتأمين التمويل قائلاً: «خلال هذه الزيارة التقيت مجموعة من 6 إلى 7 جهات مانحة وسفارات، وسنشارك في المنتدى الإنساني في الرياض الذي ينظّمه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، يومي 24 و25 فبراير المقبل، لنضع مجموعة من المشاريع على الطاولة التي تخصَّص لسوريا، كما نقوم بجهد كبير مع البنوك الدولية والجهات الأخرى؛ لأن الاحتياج كبير، ونحن لا نزال في مرحلة حشد التمويل والمساعدات».

جانب من الدمار في مدينة داريا قرب العاصمة دمشق (أ.ب)

ولدى سؤال العلي عن تصور البرنامج للتكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار، يُذْكر أن هناك الكثير من الأرقام والتقديرات، تتراوح بين 400 و500 مليار، «وكلها أرقام تستند إلى تقديرات ربما تكون بعيدة إلى حد ما عن الاحتياج الفعلي». ولوضع تقدير فعلي للتكلفة، قام البرنامج بعمل دراسة وتشخيص في أكثر من 75 مكاناً، وطور وحدث هذه الدراسات مرات عدة، وهو الآن بحاجة إلى تحديث هذه التقديرات وفق الأسعار الرائجة والأضرار الجديدة التي حدثت، وفق المسؤول الأممي الذي يضيف: «بالنسبة لاعتماد كامل (التكلفة) نحن بحاجة لوقت لتقدير الأرقام».

سوريا التي فقدت تقريباً 25 في المائة من رصيدها السكني تقدَّر بمليون وحدة سكنية دُمرت أو تضررت بشكل كبير قد يصعب ترميمها، وبالتالي هناك تحديات كبيرة وعمل كبير جداً يجب القيام به.

مدينة عين العرب (كوباني) شمال سوريا تعرضت لدمار كبير في معارك لطرد «داعش» (أرشيفية)

بيد أن العلي يبدي تفاؤله بالحصول على «تمويل جيد من المانحين» بعد التغيير الذي طرأ في سوريا بزوال النظام السابق، لأن «هناك نيات جديدة»، ويوجد لدى كثير من الشركاء الذين تحدثت معهم خلال زيارتي لدمشق عدد كبير من مقترحات المشاريع الجديدة والأولويات، في مناطق مختلفة، منها حلب وريفها ودمشق وريفها وحماة وريفها وإدلب وريفها، وسنقترح هذه المشاريع ونرى». يضيف: «نحاول حشد التمويل اللازم وإن نجحنا في جمع 20 – 30 في المئة فسنكون سعداء جداً».

صورة للدمار بمدينة حمص في 16 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

يشرح العلي طبيعة عمل البرنامج الذي يعد المنظمة الأممية التقنية المعنية بموضوع دعم التجمعات البشرية (المدن القرى والبلدات) ومركزه نيروبي: «في الأزمات وما بعد الأزمات والكوارث، هناك أضرار كبيرة وتحديات كبيرة، ويأتي دور البرنامج في مساعدة السلطات والحكومات لعملية إعادة التأهيل والإعمار وتنفيذ المشاريع الخاصة بذلك، من خلال التخطيط العملي بشكل فني ومستدام يحقق العدالة الاجتماعية والانسجام الاجتماعي والاستدامة البيئية، وبنفس الوقت التركيز على السكن والمأوى، وهو القطاع الأساسي الذي نركز عليه».

يقوم البرنامج بالمساعدة التقنية والفنية، وينفذ كثيراً من المشاريع في مجال إعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق سورية عدة، فمنذ زلزال عام 2023، يعمل على إعادة تأهيل منازل وبنى تحتية في مناطق كثيرة، بحسب العلي.

ويؤكد أنه «كانت هناك صعوبات كبيرة جداً في المرحلة السابقة لتأمين تمويل لهذه المشاريع، بسبب القيود الكبيرة جداً، على الرغم من أنها تستهدف المتأثرين، وهم ضحايا الزلزال والدمار والتشرد»، لكن الأمور تغيرت بعد سقوط الأسد. يقول العلي: «الآن نحن متفائلون بأنه سيكون هناك دعم وتسهيلات أكبر لمحاولة الوصول إلى أكبر عدد ممكن من ذوي الاحتياجات الكبيرة جداً».

منظر عام لمخيم للنازحين بشمال إدلب في 25 سبتمبر 2022 (رويترز)

ويتابع: «البرنامج يعمل في سوريا منذ سنوات عدة، لكن الآن أصبحت الظروف مساعدة أكثر، وهي بحاجة لشراكات أكبر لتسريع إعادة التعافي وإعادة الإعمار، والتركيز على تخطيط سليم يحقق العدالة والتنمية البيئية والعمرانية والتنمية المستدامة، وأيضاً إعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية، من مياه، كهرباء، صرف صحي، طرق، إدارة النفايات الصلبة، والتركيز على المأوى والسكن».

زوال النظام وعوائقه

وإن كان سبب تفاؤله الحالي هو انتهاء عوائق كان يضعها نظام الأسد أمام عمل البرنامج، لكننا متفائلون وننظر إلى المستقبل، ويضيف العلي: «14 عاماً من الضغط والتشرد والدمار، والآن أعتقد أنه يجب أن نبذل كل جهودنا لتأمين المساعدة لأكبر قدر ممكن من هؤلاء، وأن نصل إليهم في كل مكان في سوريا».

وفيما يتعلق بإمكانية تأمين مساكن للنازحين في المخيمات شمال سوريا من قِبل البرنامج وعودتهم إلى مدنهم وقراهم، يجيب العلي: «هذا هو المأمول من المجتمع الدولي ومن الحكومة السورية الجديدة، لكن الأمر يواجه تحديات كبيرة»، بحسب العلي الذي يوضح: «هناك عقوبات لا تزال مفروضة على سوريا، وقد تم تخفيف بعضها، لكن لا تزال هناك عقوبات شديدة على عملية التحويلات المصرفية، وبالتالي الكثير من العقبات، وندعو بشكل مستمر لرفعها لأن مسوغاتها لم تعد موجودة». ويشدد: «نحن بحاجة إلى تسريع عجلة إعادة التعافي والإعمار وللموارد اللازمة لتسريع عودة النازحين في المخيمات الذين يعانون من شتاء قارس».

نازح سوري وابنه في مخيم دير بلوط للنازحين بعفرين شمال سوريا بعد هطول أمطار غزيرة على شمال سوريا مايو الماضي (أ.ف.ب)

ومن وجهة نظره «لن يعود هؤلاء وتنتهي مرحلة النزوح والخيم بهذه السرعة، إن لم يتم تأمين الظروف بالسرعة الكبيرة من سكن ومدارس وفرص العمل في أماكنهم التي نزحوا عنها في الأساس».

وبشأن معاناة من فقد وثائق حقوق الملكية الخاصة، يؤكد العلي أن موضوع حقوق الملكية والسكن هو أولى أولويات عمل البرنامج، مشيراً إلى أنه خلال السنوات الماضية «كنا نعمل عليه بشكل أساسي من خارج سوريا، في لبنان وتركيا، عبر توثيق الوثائق المتوفرة للنازحين (سندات الملكية أو الطابو العقاري).

المصوّر عمّار عبد ربّه في المعرض الذي أقامه عن الدمار الذي عاينه في حلب

كما يحاول البرنامج، وفق العلي، «توفير أي وثائق موجودة لدى من فقد وثائق الملكية، مثل عقود إيجار وفواتير مياه وكهرباء، لتأمين عودتهم في المستقبل، كما كنا في داخل سوريا، نحاول بناء علاقة مع السلطات المعنية بموضوع الوثائق العقارية لكي نحضر لهذه المرحلة».

وبعد أن يشدد العلي على أنه «إذا دُمرت الوثائق الخاصة بك فهذا لا يعني أنك لست صاحب حق»، يوضح أن هناك حالياً دعاوى وبرامج ومشاريع تتوجه بشكل أساسي لحفظ وصيانة حقق الملكية، «فهناك من أقام في عقارات لآخرين وغير ذلك، وكثير من الحقوق تم انتهاكها والتعدي عليها، وهذا الموضوع شائك وكبير لكننا بحاجة لأن نتصدى له، والحكومة بحاجة للعمل المشترك مع المنظمات الدولية والأهلية المعنية للانطلاق في عملية استعادة هذه الحقوق».


مقالات ذات صلة

حرب إيران تُعقّد مسارات الإمداد الطبي الطارئ لمنظمة الصحة العالمية

شؤون إقليمية موظفون يفرِّغون شحنة مساعدات مقدَّمة من صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الصحة العالمية بمطار بيروت الدولي بلبنان 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

حرب إيران تُعقّد مسارات الإمداد الطبي الطارئ لمنظمة الصحة العالمية

قال مسؤول إن منظمة الصحة العالمية تعمل على إيجاد طرق بديلة لنقل الإمدادات الطبية الطارئة من مركزها في دبي إلى مناطق الأزمات، مثل لبنان، عبر رحلات برية طويلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج جانب من الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الأربعاء (الأمم المتحدة)

السعودية ترحِّب بإدانة مجلس حقوق الإنسان هجمات إيران

رحَّبت السعودية بتبني مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بالإجماع بشأن تداعيات الهجمات الإيرانية غير المبررة ضد دول الخليج والأردن على حقوق الإنسان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)

الأمم المتحدة تصنّف تجارة الرقيق في أفريقيا «أخطر جريمة ضد الإنسانية»

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، أن تجارة الرقيق التي حصلت في أفريقيا عبر التاريخ تشكّل «أخطر جريمة ضد الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شؤون إقليمية المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في بروكسل ببلجيكا 25 مارس 2026 (رويترز)

المفوض الأممي للاجئين: نحتاج إلى مزيد من المال لمساعدة نازحي حرب إيران

حث مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الجهات المانحة على توفير مزيد من الأموال للتعامل مع التداعيات الإنسانية للحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».


الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني وسط مقاطعة «الثنائي الشيعي»

جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
TT

الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني وسط مقاطعة «الثنائي الشيعي»

جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)
جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

تجنبت الحكومة اللبنانية، في جلسة مشحونة سياسياً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، بحث قرار وزير الخارجية، جو رجّي، طرد السفير الإيراني، في غياب وزراء «حزب الله» و«حركة أمل» الذين قاطعوا الجلسة اعتراضاً، لتتحوّل الجلسة اختباراً فعلياً لتماسك الحكومة عند تقاطع أزمتين: اشتباك داخلي على الخيارات السيادية، وتصعيد إقليمي يضغط على لبنان من بوابة الجنوب والنزوح.

وشارك في الجلسة كل الوزراء باستثناء المحسوبين على «الثنائي الشيعي»، فيما كانت لافتة مشاركةُ وزير شؤون التنمية الإدارية (المستقل) فادي مكّي، الذي خرق المقاطعة الشيعية للجلسة رغم إعلانه أنه يعارض القرار، لكنه شارك «لضمان انتظام العمل العام»، مع تأكيده أنه «لا خيار إلا الدولة».

ولم تتطرق مقررات الجلسة إلى موضوع طرد السفير، فيما رفض وزير الإعلام، بول مرقص، الإجابة عن أسئلة الصحافيين بعد الجلسة، في مسعى واضح لتجنب الخوض في هذا الملف، في ضوء مساعٍ لإيجاد مخرج لأزمة الاعتراض الشيعي. وعلم أن «الثنائي الشيعي» يرفض حتى الساعة مخرجاً مقترحاً بالموافقة على تعيين طهران سفيراً جديداً في بيروت.

من القرار الدبلوماسي إلى الاشتباك السياسي

وأتت الجلسة، التي سبقتها اتصالات على أكثر من خط لمحاولة احتواء الخلاف والتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف من دون التوصل إلى نتيجة، في سياق تصاعد التوتر السياسي على خلفية قرار طرد السفير الإيراني، الذي سرعان ما تحوّل إلى نقطة اشتباك داخل الحكومة بين مَن يراه إجراءً سيادياً، ومَن يعدّه خطوة تحتاج إلى مقاربة أكبر توازناً.

وفي حين تتجه الأنظار إلى ما سيكون عليه موقف «الثنائي الشيعي» في المرحلة المقبلة، تشير المعلومات إلى أن مقاطعة جلسة الخميس لا تعكس توجهاً نحو الانسحاب من الحكومة، بل جاءت بوصفها رسالة اعتراض سياسية على مسار القرار؛ مما أبقى الخلاف داخل المؤسسات، وأعاد تثبيت نمط إدارة النزاعات عبر التعطيل الجزئي بدلاً من الانفجار الكامل.

ويحاكي هذا المشهد سوابق قريبة، لا سيما في ملف «حصرية السلاح»، حيث استُخدمت المقاطعة أداةَ ضغط من دون الذهاب إلى إسقاط الحكومة؛ مما يجعل جلسة الخميس امتداداً لمسار إدارة التوازنات الدقيقة داخل السلطة التنفيذية.

انقسام في مقاربة القرار

وقبيل انعقاد الجلسة، عكست مواقف الوزراء انقساماً واضحاً في المقاربات. وقال وزير العدل؛ المحسوب على حزب «الكتائب»، عادل نصار: «قرار المقاطعة من (حركة أمل) و(حزب الله) وسط هذه الأزمة وهذا الظرف غير مبرّر». وقال وزير المهجرين كمال شحادة: «قرار طرد السفير الإيراني اتُّخذ بالتكافل والتضامن مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ولا تراجع عنه».

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً جلسة الحكومة في غياب وزراء «الثنائي الشيعي» (رئاسة الحكومة)

كما أكد وزير الصناعة؛ المحسوب على حزب «القوات اللبنانية»، جو عيسى الخوري، أنه «لا تراجع عن القرار» و«ما حَدَا بِدُّو يدافع عن إيران»، فيما قال وزير الزراعة؛ المحسوب على الحزب «التقدمي الاشتراكي»، نزار هاني: «سيُبحث بمقترحات عدة، ولا خطر على الحكومة».

وقالت وزيرة السياحة؛ المحسوبة على رئيس الجمهورية: «أنا ضد تدخل إيران في الشؤون اللبنانية، وكان لا بد من أن توجِّه الحكومة هذه الرسالة لإيران».

في المقابل، قال وزير العمل، محمد حيدر، في حديث إذاعي، إن «مشاركة وزير التنمية الإدارية، فادي مكي، في جلسة مجلس الوزراء يعود إلى الوزير مكي نفسه»، مشيراً إلى أن «الاتصالات كانت قائمة منذ صدور قرار وزارة الخارجية المتعلق بأوراق اعتماد السفير الإيراني، مع ضرورة ترك الأمور تأخذ مجراها للتوصل إلى حل». وأوضح أن «ظروف الحرب في لبنان تتطلب تضامن جميع الأطراف وتكثيف الاتصالات»، عادّاً أن «التراجع عن القرار بات ضرورياً لتفادي الانقسامات»، لافتاً إلى أنه «لا قرار لدى (الثنائي الشيعي) بمقاطعة الجلسات المقبلة، والاتصالات مستمرة لإيجاد مخارج مناسبة». وفي السياق نفسه، قال النائب حسين الحاج حسن (حزب الله)، في تصريح تلفزيوني، إن السفير الإيراني «لن يغادر بيروت».

مكّي: لا خيار إلا الدولة

وفي بيان له، أصدره بعد مشاركته في الجلسة، أكّد الوزير فادي مكّي أنّه يُعارض القرار الذي اتّخذته وزارة الخارجيّة، إلّا إنّه شارك في الجلسة انطلاقاً من اقتناعه بأنّ «المشاركة الفاعلة تُشكّل ضرورةً وطنيّةً لضمان انتظام العمل العام ومواجهة التحدّيات المتفاقمة». وقال إنّ لبنان يمرّ «بأزمةٍ وجوديّة»؛ مما يفرض «تعزيز حضور الدّولة، وتغليب منطق المسؤوليّة الوطنيّة»، مشدداً على أنّ مجلس الوزراء يبقى «الإطار الطّبيعي لاتّخاذ القرار الوطني».

الوزير فادي مكي (الوكالة الوطنية)

وأضاف مكي أنّ الأولويّة يجب أن تكون لمواجهة «عدوانٍ إسرائيليٍّ مستمرّ» يتجلّى في «تدميرٍ ممنهج واستهداف للمدنيين والبنى التحتية»، عادّاً أنّ ذلك «انتهاك صارخ للقانون الدولي».

تحرك نحو مجلس الأمن

وأعلن وزير الإعلام، بول مرقص، عقب الجلسة، أنّ مجلس الوزراء خصّص اجتماعه لبند وحيد يتعلق بملف النازحين وتداعيات الحرب الإسرائيلية على مختلف المستويات، في ظل غياب وزراء المالية والصحة والبيئة والعمل.

ونقل مرقص عن سلام تحذيره من «خطورة التهديدات الإسرائيلية المتكررة باحتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني»، مشيراً إلى حديث إسرائيلي عن ضم هذه المنطقة، بالتوازي مع «تفجير الجسور على النهر، وتهجير السكان، وقضم الأراضي، وهدم المنازل»، عادّاً أن ذلك «يشكل تهديداً مباشراً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وانتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وفي هذا السياق، طلب سلام من وزارة الخارجية التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، معلناً عزمه التواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة لبحث هذه التطورات.

وفي ملف العلاقات الخارجية، أعرب سلام عن أسفه لما أعلنته الكويت من تفكيك خلية إرهابية تضم شخصين منتميين إلى «حزب الله»، مؤكداً «تضامن لبنان الكامل مع الكويت وحرصه على أفضل العلاقات بدول الخليج»، ومشدداً على ضرورة التزام اللبنانيين بالقوانين في الدول التي يعملون فيها، كاشفاً عن اتصال أجراه برئيس الوزراء الكويتي للتعبير عن استنكار لبنان هذه الأعمال.

كما أشار إلى أن «القصف الإيراني بات يتركز بنسبة كبيرة على دول الخليج ودول أخرى في المنطقة، مقابل نسبة أقل على إسرائيل»، عادّاً أن استهداف منشآت مدنية «يشكل تطوراً خطيراً لا يمكن للبنان تجاهله»، ومؤكداً أنه سيُجري اتصالات مع قادة الدول الخليجية للتعبير عن التضامن.


العراق يرفض «أي اعتداء أو استهداف» يطول الخليج والأردن انطلاقاً من أراضيه

استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)
استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)
TT

العراق يرفض «أي اعتداء أو استهداف» يطول الخليج والأردن انطلاقاً من أراضيه

استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)
استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)

أعلن العراق، الخميس، رفضه «أي اعتداء أو استهداف» يطول دول الخليج والأردن انطلاقاً من أراضيه، وذلك غداة مطالبة هذه الدول بغداد باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هجمات تتعرض لها منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط.

ومنذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، تعلن يومياً فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران ومنضوية ضمن ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، شنّ هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

وفي بيان مشترك صدر مساء الأربعاء، دعت السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والأردن، الحكومة العراقية إلى «اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الهجمات التي تشنها الفصائل والميليشيات والمجموعات المسلحة من أراضي جمهورية العراق نحو دول الجوار بشكل فوري».

وأعربت وزارة الخارجية العراقية، الخميس، في بيان عن «رفض الحكومة القاطع لأي اعتداء أو استهداف يطول دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية».

وأكّدت أنها «ماضية في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع التحديات الأمنية كافة»، مشيرة إلى «استعدادها الكامل لتلقي أي معلومات أو أدلة تتعلق بأي استهداف ينطلق من الأراضي العراقية ضد دول الجوار، والعمل المشترك لمعالجتها بشكل مسؤول وسريع».

وشددت على أنها «ملتزمة باتخاذ كل ما يلزم للحفاظ على سيادة العراق وتعزيز علاقاته الأخوية، ومنع أي أعمال قد تسيء إلى أمن واستقرار المنطقة».

ومطلع هذا الشهر، استدعت وزارة الخارجية الكويتية القائم بأعمال سفارة العراق لدى الكويت، لتسليمه مذكرة احتجاج إثر اعتداءات من فصائل مسلحة عراقية على الأراضي الكويتية. قدّم بعد ذلك السفير الكويتي في بغداد إلى «الخارجية» العراقية معلومات عن استهدافات قال إن مصدرها الأراضي العراقية، وطالب حكومة العراق بالتدخل لوضع حدّ لها.

وفي عمّان، أكّد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن بلاده تعرّضت لضربات من فصائل عراقية مسلحة.

وتعليقاً على البيان المشترك، قال مساء الأربعاء فصيل «سرايا أولياء الدم» الذي يقول إنه ينتمي لفصائل «المقاومة الإسلامية في العراق»، والذي أعلن منذ بدء الحرب مهاجمة أهداف في الأردن والكويت، إن «المقاومة الإسلامية تستهدف الوجود الأميركي حصراً» في هذه الدول.