لبنان يوكل لواشنطن أمر إلزام إسرائيل بالانسحاب من جنوبه

«حزب الله» يختار المقاومة «المدنية» بوقوفه خلف الدولة

جنود لبنانيون في دورية راجلة قرب منزل مدمر في الناقورة بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون في دورية راجلة قرب منزل مدمر في الناقورة بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يوكل لواشنطن أمر إلزام إسرائيل بالانسحاب من جنوبه

جنود لبنانيون في دورية راجلة قرب منزل مدمر في الناقورة بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون في دورية راجلة قرب منزل مدمر في الناقورة بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تلويح إسرائيل ببقاء جيشها في عدد من المواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان، بخلاف ما نص عليه الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية ويلزمها بالانسحاب منه فور انقضاء المهلة الزمنية التي حددها لتثبيت وقف النار والتي تنتهي فجر الأحد، استدعى تكثيف الاتصالات اللبنانية - الأميركية لمطالبة واشنطن، باعتبارها الضامنة لتطبيقه، بإلزام تل أبيب بوجوب التقيُّد بحرفيته، خصوصاً وأنها تولت رعايته وترأس اللجنة «الخماسية» المشرفة على تنفيذه، وهذا ما يعرض مصداقيتها للاهتزاز في حال سماحها لإسرائيل بالتفلت منه.

عون يتولى الاتصال بواشنطن

وعلمت «الشرق الأوسط» أن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون يتولى شخصياً الاتصالات بواشنطن وبعدد من العواصم الغربية والعربية المعنية بعودة الاستقرار إلى لبنان، محذّراً من التداعيات المترتبة على تفلُّت تل أبيب من الاتفاق، داعياً الإدارة الأميركية الجديدة، مع وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، لممارسة نفوذها على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وإلزامه بوجوب التقيُّد بمضامين الاتفاق.

ويأتي دخول عون شخصياً على خط الاتصالات بواشنطن في ضوء الأجواء التي سادت لقاء رئيس المجلس النيابي نبيه بري برئيس لجنة المراقبة الدولية لتطبيق الاتفاق الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز في حضور السفيرة الأميركية ليزا جونسون ومطالبته بأن تفي واشنطن بتعهدها بالضغط على إسرائيل للانسحاب فور انتهاء مهلة الستين يوماً لتثبيت وقف النار، برغم أنها ماضية في خرقه بتدميرها وجرفها عدداً من المنازل في معظم البلدات الجنوبية الحدودية.

وقالت مصادر مواكبة للقاء إن الجنرال الأميركي لم يحمل في جعبته ما يدعو للتفاؤل بأن الاتفاق الذي توصل إليه بري مع الوسيط الأميركي آموس هوكستين سيأخذ طريقه إلى التنفيذ، وأن إسرائيل تطلب تمديد المهلة للانسحاب من الجنوب، برغم أن الاتفاق حظي بتأييد ترمب وسلفه الرئيس جو بايدن. وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن لبنان أوكل أمره لواشنطن لضمان تطبيقه، وأنه «لا يمانع أن يقتصر التمديد على عدة أيام، أما أن تطالب بشهر فهذا مرفوض ويُطلب منكم التدخل على عجل لإلزام إسرائيل بضرورة التقيُّد بالمهلة التي حددها الاتفاق لسحب جيشها من الجنوب».

ولفتت إلى أن بري استفسر من الجنرال الأميركي عن موقف واشنطن التي رعت الاتفاق وتعهدت بتنفيذه، وقالت بأن التذرُّع ببطء الجيش اللبناني بالانتشار بمؤازرة قوات الطوارئ الدولية «يونفيل» في البلدات التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، ليس في محله، وأن حاجتها إلى مزيد من الوقت لتدمير ما تبقى من البنى العسكرية لـ«حزب الله» ليست مقنعة ما دام أن لا شيء يمنعها من التواصل مع رئيس اللجنة وإبلاغه ما لديها من معلومات تتعلق بوجود مخازن للسلاح والصواريخ العائدة للحزب ليبادر بالتعاون مع الجيش اللبناني لوضع اليد عليها ومصادرتها.

وسألت المصادر نفسها ما إذا كانت إسرائيل بإصرارها على البقاء في عدد من المواقع تتوخى تمرير رسالة سياسية بأن لا شيء يمنعها من التوغل متى تشاء بداخل البلدات الجنوبية متذرّعة بوجود مجموعات تخطط لتهديد أمن مستوطناتها الواقعة على تخوم حدودها مع لبنان ما يستدعي منها التدخل في الوقت المناسب؟

مقاومة مدنية

وتوقفت مصادر سياسية أمام رد «حزب الله»، وقالت بأن الحزب اختار المقاومة «المدنية» لإصرار إسرائيل على تمديد المهلة لتأخير انسحابها. وقالت بأنه ارتأى عدم الاستعجال بحرق المراحل، ويكتفي الآن بـ«مطالبة الدولة اللبنانية - كما ورد في بيانه - بالضغط على الدول الراعية لاتفاق وقف النار مع إسرائيل لإلزامها بالانسحاب الكامل خلال مهلة الستين يوماً»، وأكد أنه «يرجح حالياً خيار الوقوف وراء الدولة التي يفترض فيها التعاطي مع التلكؤ بالانسحاب بكل الوسائل والأساليب التي كفلتها المواثيق الدولية لاستعادة الأرض وانتزاعها من براثن الاحتلال»، ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه ويقرر كيف سيتصرف في اليوم التالي إذا امتنعت إسرائيل عن الانسحاب.

لكن هذه المصادر لا ترى من مانع لإعطاء فرصة للضغط الأميركي على إسرائيل، إلا إذا كانت واشنطن تستخدم التلويح الإسرائيلي بعدم الانسحاب لتمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر بأنها تطلب ثمناً سياسياً من الدولة اللبنانية التي ما زالت في مرحلة التأسيس، في مقابل الضغط عليها للانسحاب، برغم أن جهات رسمية لبنانية تستبعد أي غطاء أميركي للتلويح الإسرائيلي، وتؤكد أن العلاقة مع الإدارة الأميركية الجديدة بأحسن حالاتها، وهي كانت في طليعة الدول المرحبة بانتخاب رئيس للجمهورية ومؤيدة لتكليف القاضي نواف سلام بتشكيل الحكومة العتيدة ليستعيد لبنان عافيته السياسية والاقتصادية.

ولم تستبعد المصادر أن تلويح إسرائيل بتأخير الانسحاب يهدف إلى اختبار مدى استعداد «حزب الله» للرد وصولاً إلى إحراجه أمام حاضنته الشعبية في حال ارتأت قيادته أن هناك ضرورة لضبط النفس وعدم السماح لها باستدراجه إلى مواجهة غير متوازنة هو في غنى عنها.

وسألت عما إذا كانت إسرائيل تتطلع من خلال تلويحها بعدم الانسحاب إلى إلزام لبنان تبنّي تفسيرها للقرار 1701 ليشمل جنوب الليطاني وشماله على نحو يؤدي إلى حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية، في ضوء تأكيد تل أبيب للجنة المراقبة الدولية أنها بحاجة لمزيد من الوقت لاستكمال تدميرها ما تبقى من مخزون صاروخي وأنفاق للحزب بعضها لم يُستخدم، وهذا ما اكتشفه جيشها لدى توغله في عدد من البلدات بحثاً عنها.


مقالات ذات صلة

إصابة جنديين اثنين بغارة إسرائيلية على قوات لبنانية وفِرق إنقاذ

المشرق العربي جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)

إصابة جنديين اثنين بغارة إسرائيلية على قوات لبنانية وفِرق إنقاذ

أعلن الجيش اللبناني، اليوم الثلاثاء، إصابة اثنين من جنوده بـ«استهداف إسرائيلي مُعادٍ» أثناء عملية إنقاذ بجنوب لبنان، حيث تُواصل إسرائيل شنّ ضربات رغم وقف النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد في عمليات هدم إسرائيلية لبلدة الطيبة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

روبيو يرى اتفاقاً لبنانياً - إسرائيلياً على «زوال حزب الله»

رأى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية «متفقتان» على التوصل إلى «السلام وزوال حزب الله»، عادَّاً اللبنانيين «ضحية» لإيران.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته في الاجتماع غير الرسمي لقادة دول الاتحاد الأوروبي في قبرص (أ.ب)

عون: لبنان يرفض أن يكون «ورقة تفاوض» في الصراعات الإقليميَّة

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن لبنان «يرفض أن يكونَ ورقةَ تفاوض في الصراعاتِ الإقليميَّة»، مشدداً على أنه «يفاوض باسمه، دفاعاً عن مصالحه الوطنيَّة وسيادتِه».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)

سفير لبنان بالرياض: السعودية لعبت الدور الأساسي في وقف إطلاق النار

أكد سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح أن السعودية لعبت الدور الأساسي في التوصل لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن الأجواء قبل مفاوضات واشنطن تشير لتمديد الاتفاق.

غازي الحارثي (الرياض)
المشرق العربي طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».