لبنان: عون تفهّم هواجس «الثنائي» فرجحت كفة انتخابه

يعيد إنتاج وثيقة الوفاق واتفاق الطائف بنسختهما الأصلية

رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون (رويترز)
رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون (رويترز)
TT

لبنان: عون تفهّم هواجس «الثنائي» فرجحت كفة انتخابه

رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون (رويترز)
رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون (رويترز)

يستعد لبنان مع انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية للدخول في مرحلة سياسية جديدة تواكب التحولات التي شهدتها المنطقة، والتي أدتْ إلى رفع يد الوصاية السورية عن لبنان بسقوط الرئيس بشار الأسد، التي استمرت أكثر من 3 عقود كانت وراء سوء تطبيق وثيقتي «الوفاق الوطني» و«اتفاق الطائف»، الذي حال دون قيام مشروع الدولة الحاضنة لجميع اللبنانيين، وبات يتطلب إعادة إنتاجهما بنسختهما الأصلية التي أقرت في اجتماع النواب اللبنانيين في المملكة العربية السعودية عام 1989، وهذا ما تعهد به الرئيس العتيد في خطاب القسم الذي ألقاه أمام النواب فور انتخابه، وقُوبل بارتياح غير مسبوق من الثنائي الشيعي، رغم أن «حزب الله»، كما علمت «الشرق الأوسط»، سجّل تحفّظه على حق الدولة في احتكار السلاح.

فـ«حزب الله» كان يفضّل، كما تقول مصادره لـ«الشرق الأوسط»، ألا يتطرق الرئيس عون في خطابه إلى هذا الموضوع، باعتبار أن سلاحه سيُدرج في سياق البحث في الاستراتيجية الدفاعية كجزء من استراتيجية الأمن الوطني، مع أن خصومه يرون أن لا ضرر من الإشارة إليه على مرأى من الحضور الدبلوماسي العربي والأجنبي لجلسة الانتخاب الذي يُجمع على أن الانتقال بلبنان إلى مرحلة جديدة يتطلب أولاً عزم الدولة على استرداد سيادتها بالكامل على كافة الأراضي اللبنانية، بدءاً بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيه تمهيداً لتثبيت وقف النار في الجنوب وتطبيق القرار 1701.

وكشفت مصادر الحزب أن مرحلة ما بعد تثبيت وقف النار في الجنوب احتلت حيزاً من اللقاء الذي عُقد بين دورتي انتخاب الرئيس، بين العماد عون ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، والمعاون السياسي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري النائب علي حسن خليل، وقالت إنه عُقد في منتصف الطريق بين مبنى البرلمان ومقر عون في وزارة الدفاع في اليرزة.

وقالت إن اللقاء جاء استجابة من «الثنائي الشيعي» لنصيحة خليجية بضرورة التواصل مع عون قبل انتخابه رئيساً للجمهورية للبحث بما لديه من هواجس لا بد من تبديدها، لأن الدول العربية تنأى بنفسها عن التدخل في التفاصيل، وأن ما يهمها إخراج انتخاب الرئيس من المراوحة، وهي على استعداد لمساعدة اللبنانيين للتلاقي، شرط أن يساعدوا أنفسهم للانتقال ببلدهم إلى مرحلة التعافي. وأكدت أن النصيحة قوبلت بانفتاح عبّر عنه الرئيس بري أمام زواره فور انتخاب عون رئيساً للجمهورية.

ولفتت إلى أن عون استمع إلى هواجس الثنائي الشيعي، وأبدى انفتاحاً على بعض ما طرحه رعد وخليل على قاعدة أنهما مع إعطاء فرصة لتثبيت وقف النار تمهيداً لتطبيق القرار 1701. وقالت إنهما جددا التزامهما إخلاء منطقة جنوب الليطاني من أي سلاح غير شرعي لتسهيل انسحاب إسرائيل من البلدات التي تحتلها فور انتهاء فترة الهدنة وعدم توفير الذرائع لها للإطاحة بالاتفاق الذي ترعاه اللجنة «الخماسية».

وقالت المصادر نفسها إن رعد وخليل طرحا الفصل بين جنوب الليطاني وشماله باعتبار أن الأخير هو شأن لبناني لا بد من معالجته ضمن التفاهم على الإطار العام للاستراتيجية الدفاعية للبنان في التصدي للأطماع الإسرائيلية التي أوردها الرئيس عون في خطاب القسم، وأكدت أن أجواء اللقاء كانت مريحة من دون أن ينوبا عنه بالكشف عن موقفه، مع أنهما يدركان جيداً أن دخول لبنان في مرحلة جديدة يستدعي من الثنائي الشيعي التكيف معها وإنما بإيجابية.

بكلام آخر، فإن السلاح الموجود في شمال الليطاني امتداداً إلى المناطق الأخرى، وكما يرى الثنائي الشيعي، يجب أن يبقى ورقة ضغط بيد الدولة اللبنانية لضمان انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية تمهيداً لإعادة ترسيم الحدود استناداً إلى ما نصت عليه اتفاقية الهدنة على نحو يضمن انسحابها من عدد من النقاط المتداخلة التي سبق للبنان أن تحفّظ عليها وطالب باستردادها كونها تخضع لسيادته.

إلا أن البحث في مرحلة ما بعد تثبيت وقف النار فتح الباب أمام التطرق للإطار السياسي العام، بدءاً من تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب في ضوء تلويح رعد وخليل بتفضيل الثنائي التعاون مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وكان جواب الرئيس عون بأن القرار يبقى ملكاً للنواب بتسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة بموجب الاستشارات الملزمة التي سيجريها قريباً.

وتردد أن الثنائي الشيعي طرح ما لديه من هواجس، وطالب بأن تُسند وزارة المال إلى وزير شيعي، وفي المقابل فإن البحث بذلك سابق لأوانه، لأنه من غير الجائز أن يتقدم تشكيل الحكومة على تكليف من يشكلها، الذي يعود له توزيع الحقائب بالتشاور مع رئيس الجمهورية.

أبناء بلدة القليعة التي يتحدر منها العماد جوزيف عون يحتفلون بانتخابه رئيساً للجمهورية (رويترز)

ونقلت المصادر نفسها عن عون قوله إنه ليس في وارد السماح بكسر أي فريق سياسي، وأنه ليس من الذين يسمحون بغلبة فريق على آخر، وأن ما يهمه تشكيل حكومة تكون على مستوى التحديات لإنقاذ البلد من أزماته المتراكمة، بالتالي اختيار الوزير المناسب في المكان المناسب. وأكدت أن ما يهمه الإطلالة على اللبنانيين على نحو يسمح باسترداد ثقتهم بالدولة، ويمهد الطريق لإعادة إدراج لبنان على لائحة الاهتمام الدولي والإفادة من الحاضنة العربية والدولية الداعمة للبنان لمواكبة التحولات في المنطقة.

وهكذا انتهى لقاء عون برعد وخليل إلى تعبيد الطريق أمام انتخاب عون في الدورة الثانية بعد أن أدار بري بمهارة، وكعادته، الدورة الأولى، ولم يفتح الباب أمام تمديد الجدل حول دستورية انتخابه قبل تعديل الدستور بما يسمح بتأهيله للترشح للرئاسة، خصوصاً وأنه كاد ينذر بأن يتحول إلى اشتباك سياسي ما لم يتدخل داعياً النواب للمباشرة بالاقتراع للرئيس.

أما لماذا مدد بري جلسة الانتخاب لدورة ثانية، وهل يتعلق تمديدها بإعطاء فرصة للقاء رعد وخليل بعون لطمأنة الثنائي الشيعي بتبديد هواجسه وتوفير التطمينات له.

وقد يكون اللقاء لترحيل حسم انتخابه إلى الدورة الثانية، وهذا ما أتاح للثنائي الشيعي تمرير رسالة إلى الخارج أمام أعين السلك الدبلوماسي بأنه هو من أمّن إيصاله إلى رئاسة الجمهورية، وأنه أحد الشركاء في حسم المعركة لصالحه بتأييده من كتلتي «التنمية والتحرير» و«الوفاء للمقاومة» وإلا لكان انتخابه دخل في أزمة مديدة.

فالرئيس بري بتأييده لعون أثبت للمجتمع الدولي أنه وحليفه ليسا في وارد الصدام معه، وشكلا الرافعة التي حسمت انتخابه، وبأن الثنائي الشيعي يقف إلى جانب إعادة الانتظام للمؤسسات الدستورية، وأن لا غنى عنه إلى جانب الحزب بترجيح كفته، إضافة إلى تمريره رسالة مماثلة للداخل بأن الرهان على كسر الثنائي وإضعافه ليس في محله، وأن الرد على المراهنين جاء من صندوق الاقتراع الذي أمّن ما يفوق التأييد النيابي المطلوب لتجاوز الطعن بدستورية انتخابه.


مقالات ذات صلة

تصعيد عسكري في جنوب لبنان يختبر تمديد الهدنة 3 أسابيع

المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)

تصعيد عسكري في جنوب لبنان يختبر تمديد الهدنة 3 أسابيع

اختبر التصعيد الميداني في جنوب لبنان صمود الهدنة الممدّة لثلاثة أسابيع؛ إذ أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء قرية كاملة تقع على مسافة 11 كيلومتراً من الحدود.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)

جنود وضباط إسرائيليون ينهبون محتويات منازل جنوب لبنان

كشفت وسائل الإعلام العبرية عن «السر الذي أصبح معلناً» عن تصرفات الجنود والضباط الإسرائيليين، الذين يقومون بعمليات نهب واسعة جداً في الجنوب اللبناني

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طائرة مسيّرة إسرائيلية فوق مدينة صيدا اللبنانية (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يعترف بإسقاط «حزب الله» إحدى مسيّراته في لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي أنَّ «حزب الله» أسقط إحدى طائراته المسيّرة في جنوب لبنان، بعد ساعات من تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل والحزب المدعوم من إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب - بيروت )
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

تمديد الهدنة يبدّد جزءاً من مخاوف الحرب ولا يلغي قلق اللبنانيين

قبل ساعات قليلة من تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لمدة ثلاثة أسابيع، كانت السفارة الأميركية في بيروت ترسم مشهداً مختلفاً تماماً: طلب مغادرة فورية لرعاياها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تصعيد عسكري في جنوب لبنان يختبر تمديد الهدنة 3 أسابيع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)
TT

تصعيد عسكري في جنوب لبنان يختبر تمديد الهدنة 3 أسابيع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)

يختبر التصعيد الميداني في جنوب لبنان صمود الهدنة الممدّة لثلاثة أسابيع؛ إذ أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء قرية كاملة تقع على مسافة 11 كيلومتراً من الحدود، بعد إسقاط طائرة مسيرة إسرائيلية في أجواء مدينة صور، على وقع تهديد صريح من «حزب الله» بالردّ على أي هدف يُقصف في لبنان، ومطالبته للدولة بالانسحاب من المفاوضات.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر الجمعة، إن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل تم تمديده لثلاثة أسابيع عقب اجتماع رفيع المستوى في البيت الأبيض.

واستقبل ترمب سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل ليتر والسفيرة اللبنانية لدى الولايات ​المتحدة ندى معوض في المكتب البيضاوي؛ لإجراء جولة ثانية من المحادثات بوساطة أميركية، بعد يوم من مقتل خمسة أشخاص على الأقل بينهم صحافية، في غارات إسرائيلية. وكتب ترمب على موقع «تروث سوشيال»: «سار الاجتماع بشكل جيد للغاية! ستعمل الولايات المتحدة مع لبنان لمساعدته على حماية نفسه من (حزب الله)».

آلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

تصعيد ميداني

ولم تمضِ ساعات على إعلان ترمب، حتى جاء التسخين في ميدان جنوب لبنان؛ إذ قصف الجيش الإسرائيلي منزلين في بلدتي تولين وخربة سلم خارج الخط الأصفر، فضلاً عن عمليتي نسف للمنازل في مدينة بنت جبيل وبلدة حانين، وتفجيرين في بلدة الخيام، داخل الخط الأصفر، إلى جانب تحليق للمسيرات في أجواء العاصمة بيروت. وبعد الظهر، أصدر إنذار إخلاء شامل لبلدة ديرعامص التي تبعد 6 كيلومترات عن الخط الأصفر.

ويعد هذا الإنذار، الأول منذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ في الأسبوع الماضي، وقالت مصادر أمنية في جنوب لبنان إن هذا الإنذار «يمثل تصعيداً كبيراً يهدد الهدنة بشكل كامل»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الإنذار الذي ترافق مع قصف شمال الليطاني «يمثل اختباراً للهدنة الهشة التي لم تدفع سكان الجنوب للعودة، ولم تعد الحياة إلى سابقها في الضاحية الجنوبية».

خروق متواصلة

وجاء تمديد الهدنة نتيجة جولة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لكنه اقترن بشروط معقدة، أبرزها منح إسرائيل هامش حركة عسكرية تحت عنوان «الدفاع عن النفس»، إلى جانب إلى طرح دعم أميركي للبنان تحت عنوان «حمايته من (حزب الله)».

والواضح أن المعنيين بالملف اللبناني باتوا يسلّمون بأن الخروق للهدنة متواصلة، في ظل دفع إسرائيلي لتنفيذ منطقة عازلة داخل جنوب الليطاني، وتسعى لجعل المنطقة خالية من السكان عبر عمليات التجريف ومسح الأحياء بالمتفجرات.

السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى يرفع قبعة تحمل شعار «أميركي تعود» خلال لقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض (أ.ب)

ورأى سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى أنه «تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لكن فيما خص الخروق من الصعب وقفها». وقال في حديث تلفزيوني: «الرئيس الأميركي دونالد ترمب طلب من إسرائيل عدم التعرض للمدنيين والصحافيين».

رفض «حزب الله»

في المقابل، يرفض «حزب الله» هذا الواقع، ويتعامل معه بالرد العسكري والسياسي؛ إذ أعلن عن إسقاط مسيرة إسرائيلية، كما أعلن عن استهداف جنود إسرائيليين في بلدة القنطرة (داخل الخط الأصفر)، رداً على غارة تولين.

وقال رئيس كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب محمد رعد، إن «كلّ هدنةٍ مفترضة، تمنح العدو المحتل في لبنان استثناءً خاصاً لإطلاقه النار أو القيام بأي تحرك أو إجراء ميداني في مناطق المواجهة وضمن الأراضي اللبنانية؛ سواء كان ذلك لتثبيت موقع أو زرع لغم أو تنفيذ اغتيالٍ أو تفجير منزلٍ أو منشأة أو تجريف أرضٍ أو ما شابه ذلك، فهي ليست هدنة على الإطلاق، وإنما هي خداع ماكر واستغباء للآخرين ينطوي على تغطية العدوانية الإسرائيلية، وغضّ الطرف عن مواصلة العدو خروقاته وانتهاكاته».

وأضاف في تصريح: «على السلطة أن تخجل من شعبها وتنسحب مما سُمِّي مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني، وأخشى ما نخشاه من الإصرار على هذه الخطيئة أن تقع البلاد في أسوأ مما أوقِعت به في 17 أيار المشؤوم مطلع الثمانينات».

وأضاف: «أيّ تواصل رسمي أو لقاء يجمع بين طرف لبناني وإسرائيلي في حال الحرب القائمة بين لبنان وكيان الاحتلال الصهيوني لن يحظى بتوافق وطني لبناني على الإطلاق، وسيشكّل مخالفة دستورية موصوفة لن تغفرها ذريعةٌ ولا مصلحةٌ مُدَّعاة».

الدخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)

وفي السياق نفسه، رأى عضو كتلة الحزب البرلمانية النائب علي فياض، أن الهدنة «من الناحية العملية تدفع باتجاه الالتزام بوقف إطلاق النار من الطرف اللبناني، في حين أنه لا يرتب أي التزامات، ولو في الحدود الدنيا، على الطرف الإسرائيلي، وهو ما لا يمكن للمقاومة أن توافق عليه، بل تؤكد رفضها له ومواجهته». وقال: «كل اعتداء إسرائيلي ضد أي هدف لبناني، مهما تكن طبيعته، يعطي الحق للمقاومة بالرد المتناسب وفقاً للسياق الميداني».

السفيرة اللبنانية

وكانت سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض أعلنت أن الوفد اللبناني شدّد خلال الجولة الثانية من المحادثات في البيت الأبيض على ضرورة وقف الخروقات الإسرائيلية وإنهاء الدمار في الجنوب.

السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض تتوسط السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (أ.ب)

وقالت معوض إن «الرئيس ترمب وعدنا بجعل لبنان عظيماً من جديد»، معربة عن أملها في تحقيق هذه الرؤية، ومؤكدة أنّ لبنان يضع استعادة سيادته الكاملة على أراضيه في صلب أولوياته.

وأضافت أن الوفد اللبناني شكر الإدارة الأميركية على جهودها، مشيدة بالدور الشخصي لترمب في دعم لبنان، ومواكبة مساعيه نحو الاستقرار وإعادة الإعمار.

وأوضحت أن المحادثات ركّزت على آليات تنفيذ وقف إطلاق النار، وضمان عدم تكرار الخروقات، لا سيما تلك التي طالت مناطق مدنية في الجنوب، مشددة على التزام لبنان بالمسار الدبلوماسي بوصفه خياراً أساسياً، بالتوازي مع تمسكه بحق الدفاع عن سيادته.


«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

بدأ الجناحان المسلحان لحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، مؤخراً إحصاء خسائرهما البشرية التي طالت قيادات وعناصر الجانبين خلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين، وكذلك من طالتهم الاستهدافات لاحقاً في ظل الخروق المستمرة لوقف إطلاق النار المعلن في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ودشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع، وذلك من خلال بث مقاطع فيديو لكل واحد منهم، إلى جانب تعريف بهويته ومنصبه وتاريخ مقتله، في وقت اكتفت فيه «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي»، بإصدار بيانات متتالية معلنةً فيها مقتل العشرات من قادتها الميدانيين، بينما لم تُشِر إلى النشطاء الميدانيين الذين لا يحملون رتباً عسكرية.

فلسطينيون يحملون جثمان قتيل سقط في هجوم إسرائيلي خلال تشييعه بدير البلح (وسط قطاع غزة) الخميس (رويترز)

وبدأت «القسام» في يناير (كانون الثاني) 2016، بنشر مقاطع فيديو لنشطائها، ونعت حتى الجمعة، ما لا يقل عن 280 ناشطاً، غالبيتهم قادة فصائل وسرايا، وهي تصنيفات عسكرية معتمدة تنظيمياً داخل الفصائل الفلسطينية، حيث يلاحظ أن هناك عدداً أقل من قادة كتائب المناطق الذين نعتهم حتى الآن، ويتوقع نشر مقاطع فيديو لاحقاً بشأنهم، كما رصدت «الشرق الأوسط»، وأوضحت مصادر ميدانية لمراسلنا.

ويتبين من قائمة الفيديوهات التي نشرتها «كتائب القسام» وأحصتها «الشرق الأوسط»، أن هناك 9 قادة كتائب أعلن عن مقتلهم؛ من أبرزهم محمود حمدان قائد «كتيبة تل السلطان» في رفح، الذي قتل برفقة يحيى السنوار قائد «حماس» في أكتوبر 2024، وكذلك مهدي كوارع قائد «الكتيبة الجنوبية» في خان يونس، الذي قتل في مايو (أيار) 2025، برفقة محمد السنوار قائد «القسام» الذي اغتيل في نفق شرق المدينة.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

كما تم رصد مقتل 6 من نواب قادة الكتائب، فيما قتل 72 قائد سرية، و10 نواب لهم، وقتل 60 قائد فصيل، بينما قتل 6 من قادة المجموعات، ضمن ما تم نشره فقط، في حين أن هناك أعداداً أخرى لم تنشر بعد.

وتؤكد التقديرات الميدانية أن هناك الآلاف من عناصر «القسام» قتلوا خلال الحرب، وسيتم الإعلان عنهم لاحقاً.

وطوال الحرب لجأت «كتائب القسام»، كما هي حال «سرايا القدس»، إلى إخفاء معلومات عن قادتها ونشطائها الميدانيين الذين قتلوا، قبل أن تكشف عن عدد بسيط منهم خلال الهدنة الأولى التي بدأت في يناير 2025، قبل استئناف إسرائيل للحرب، ومع توقفها في أكتوبر 2025، أعلنت لاحقاً عن سلسلة من قادتها البارزين، قبل أن تعلن عن الأسماء الجديدة عبر «السوشيال ميديا» من خلال مقاطع فيديو تعريفية عنهم ونشاطاتهم.

وكانت «كتائب القسام» قد نعت الغالبية العظمى لأعضاء مجلسها العسكري الذين تم اغتيالهم، وفي مقدمتهم قائده محمد الضيف، الذي اغتيل في يوليو (تموز) 2024 برفقة قائد لواء خان يونس رافع سلامة، كما نعت مروان عيسى، نائب قائد الكتائب، وكذلك محمد السنوار الذي تولى قيادة الكتائب لاحقاً، إلى جانب كثير من قادة الألوية والتخصصات العسكرية في المجلس، وكذلك الناطق باسمها حذيفة الكحلوت الشهير بـ«أبو عبيدة».

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس - 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وتمتلك «كتائب القسام» منظومة عسكرية متكاملة إدارياً وتنظيمياً، تتشكل من 5 ألوية؛ هي: لواء الشمال، ولواء غزة، والوسطى، وخان يونس، ورفح. وفي كل لواء كتائب عدة تتشكل من سرايا وفصائل وتشكيلات عسكرية، وتضم آلاف المقاتلين الذين يتدربون على أيدي مدربين بعضهم تلقى تدريبات عسكرية خارج القطاع؛ مثل لبنان وإيران، ومن قبل في سوريا قبيل تدهور العلاقات بين الجانبين في أعقاب الأحداث الداخلية التي شهدتها البلاد بدءاً من عام 2011.

ولدى «القسّام» 24 كتيبة عسكرية؛ موزعة كالآتي: 6 كتائب في الشمال، ومثلها في غزة، و4 في الوسطى، و4 في خان يونس، ومثلها في رفح.

وتضم كل كتيبة، وفق المساحة الجغرافية للمناطق، ما بين 600 مقاتل حداً أدنى، و1200 حداً أقصى. وتضم كل كتيبة من 4 إلى 6 سرايا، وكل سرية تضم 3 أو 4 فصائل، وفق التوزيع الجغرافي. ويتكون الفصيل من 3 أو 5 تشكيلات أو مجموعات. وكل تشكيل يضم ما بين 2 و3 عقد أو ما يُسمى «الزمر». ويضم كل فصيل نحو 50 فرداً، يُضاف إليهم عدد آخر يعملون في مجال التخصصات المختلفة.

مجموعة من «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد» (إ.ب.أ)

وفي التركيبة الهيكلية الرسمية لـ«القسّام»، يضم كل لواء هيئة لـ«القضاء العسكري»، وركن تصنيع، وهيئة رقابة، وركن أسلحة الدعم والقتال، وركن عمليات، وركن استخبارات، وركن الجبهة الداخلية، وركن القوى البشرية، وهيئة المعاهد والكليات.

ولا يوجد عدد واضح لأعداد المقاتلين في «كتائب القسّام»، لكنها كثيراً ما ركزت في السنوات الأخيرة على حشد أكبر عدد ممكن من الشبان، ونجحت في تجنيد كثير من المقاتلين الجدد خلال الحرب.

من جانبها، نعت «سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي»، 239 من قادتها وذلك من مستويات مختلفة، بينهم 7 من قادة المجلس العسكري، من أبرزهم رياض أبو حشيش المطلوب لإسرائيل منذ أكثر من 35 عاماً، وحسن الناعم قائد التصنيع العسكري، ومحمد أبو سخيل قائد العمليات، وعلي الرازينة قائد لواء الشمال، الذي اغتيل اثنان من نوابه.

أرشيفية لمسلّحين من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

كما اغتيل 3 من أعضاء التخصصات الركنية، في وقت نعت فيه 15 من قادة كتائبها، و12 نائباً لهم، و78 قائد فصيل من تخصصات ميدانية مختلفة، إلى جانب نعيها لـ38 قائداً في الوحدة الصاروخية المسؤولة عن إطلاق الصواريخ اتجاه إسرائيل، كما نعت ما لا يقل عن 14 قائداً ينشطون في عمليات التصنيع العسكري.

ولا توجد هيكلية واضحة للتصنيفات العسكرية في «سرايا القدس»، أو أعداد مقاتليها.

وكان التركيز الإسرائيلي طوال الحرب بشكل أساسي، يستهدف قادة ونشطاء «كتائب القسام» باعتبارهم الجهة المركزية التي بدأت هجوم 7 أكتوبر 2023، واحتفظت بأكبر عدد من المختطفين الأحياء والأموات الذين أسرتهم من داخل مستوطنات ومواقع إسرائيلية على حدود القطاع في ذلك اليوم، كما أن «الكتائب» تشكل القوة العسكرية الأولى في قطاع غزة، تليها «سرايا القدس».


جنود وضباط إسرائيليون ينهبون محتويات منازل جنوب لبنان

جنود إسرائيليون داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
TT

جنود وضباط إسرائيليون ينهبون محتويات منازل جنوب لبنان

جنود إسرائيليون داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)

كشفت وسائل الإعلام العبرية عن «السر الذي أصبح معلناً» عن تصرفات الجنود والضباط الإسرائيليين، الذين يقومون بعمليات نهب واسعة جداً في الجنوب اللبناني. وقالت صحيفة «هآرتس»، في تقرير مفصل لمراسلها ينيف كوفوفنش، إن المسألة تجاوزت السلوك الفردي الشاذ، وتحولت إلى ظاهرة معروفة ومكشوفة تتم بمعرفة كبار الضباط في الجيش.

جنود إسرائيليون في مهمة قتالية داخل الأراضي اللبنانية (الجيش الإسرائيلي)

وقالت الصحيفة إنها تعتمد في تقريرها على شهادات جنود كانوا شهود عيان، ولم يعد بمقدورهم الصمت إزاءها. وقالت إن هؤلاء الجنود، الذين يخدمون في الجيش النظامي وكذلك في الاحتياط، ينهبون كميات كبيرة من ممتلكات المدنيين من البيوت والمحلات التجارية، ولم يعودوا يكتفون بأشياء صغيرة أو رمزية؛ بل ينهبون الدراجات النارية والتلفزيونات واللوحات والأرائك والسجاد بشكل واسع. وأكدت أن القيادات العليا والدنيا في الميدان يعرفون بذلك، لكنهم لا يتخذون أي إجراءات تأديب للقضاء عليها.

إجراءات تأديبية

أوردت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي يتخذ إجراءات تأديبية وجنائية عند الضرورة، وأن الشرطة العسكرية تجري عمليات تفتيش «عند المعبر الحدودي الشمالي عند مغادرة ميدان القتال».

وحسب الشهادات التي وردت في التقرير، يقوم الجنود بتحميل سياراتهم بالمعدات المسروقة فور مغادرتهم لبنان من دون محاولة إخفائها. وقال أحد المقاتلين: «هذه ظاهرة جنونية، أي شخص يأخذ شيئاً - تلفزيونات، أو سجائر، أو أدوات أو أي شيء آخر - يضعه على الفور في سيارته أو يخبئه، ليس في الموقع؛ لكن الأمر ليس سراً، الكل يرى ويفهم».

تجاهل القيادة

وبحسب أقوال المقاتلين، يتجاهل بعض القادة هذه الظاهرة، في حين يدينها آخرون، ولكنهم يمتنعون عن معاقبة اللصوص. ويضيف: «عندنا لا ينتقدون أو يغضبون. قائد الكتيبة وقائد اللواء يعرفان كل شيء». وقال آخر: «في حالة ميدانية بلبنان، ضبط أحد القادة مقاتلين وهم يغادرون بسيارة جيب فيها مسروقات». وقد صرخ عليهم وأمرهم برمي المسروقات، لكن الأمر انتهى هنا ولم يتم فتح أي تحقيق. مقاتل ثالث قال: «القادة ينددون بالأمر ويقولون إنه خطير، لكنهم لا يفعلون أي شيء».

ومع أن المقاتلين أكدوا أن النهب ليس جزءاً من سياسة الجيش الرسمية؛ فإنهم أشاروا إلى أنه يتفاقم بسبب غياب الرقابة. أحدهم أوضح قائلاً: «قائد الكتيبة وقائد اللواء يطلقان تصريحات غاضبة، لكن من دون أفعال تبقى هذه التصريحات مجرد كلام فارغ. إن التساهل في تطبيق القانون يرسل رسالة واضحة؛ فلو أنهم طردوا أو سجنوا أحداً، أو نشروا شرطة عسكرية على الحدود، لتوقف الأمر على الفور تقريباً. ولكن عندما لا يكون عقاب فالرسالة واضحة». وقد استنتج المقاتلون أن التفاوت في حجم عملية النهب بين الوحدات - حيث هو معدوم في بعضها في حين ينتشر على نطاق واسع في وحدات أخرى - يتعلق بشكل وثيق بمستوى تطبيق القادة للقواعد والمعايير التي يغرسونها في مرؤوسيهم.

جندي إسرائيلي في وضعية اقتحام داخل الأراضي اللبنانية (الجيش الإسرائيلي)

وربط بعض المقاتلين بين استمرار القتال منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واختيار عدم إشراك جهاز التحقيق التابع للشرطة العسكرية في كشف ملابسات عمليات النهب التي ينفذها جنود الاحتياط. وقال أحدهم: «يخدم الجنود هنا منذ أكثر من 500 يوم في الاحتياط. ولا يستطيع القادة الآن - سواء كانوا قادة سرايا أو كتائب أو حتى ألوية - سجن جنود الاحتياط. هم يعرفون أن الانضباط في الجيش الإسرائيلي انهار، وليست لديهم القدرة على التأثير فيه. هم يفضلون التستر على كل شيء بهدوء، حتى يتمكن الجنود من العودة إلى الخدمة في الجولة المقبلة». وأشار المقاتلون إلى أن عمليات النهب تتوسع بسبب الدمار الواسع الذي لحق بالبنى التحتية والممتلكات في أعقاب العمليات العسكرية. الجنود يقولون لأنفسهم: «ماذا يهم إذا أخذتها؟ هي ستدمر في كل الحالات».

تبدل ظروف الميدان

أيضاً ازدادت عمليات النهب في الحملة الحالية نتيجة تغير نمط القتال بجنوب لبنان؛ فبعد قرار كثير من مقاتلي حزب الله التوجه شمالاً، لم يعد معظم الجنود في جنوب لبنان ينخرطون في قتال كثيف. ويقضي الجنود وقتاً طويلاً في المناطق المدنية المهجورة، وهي القرى والبلدات التي هرب سكانها قبل وصول الجنود إليها. وهذا يختلف عن الحملة السابقة التي شهدت معارك ضارية ومتكررة.