«اجتياح» إسرائيل الهدنة يرفع منسوب الخوف اللبناني

لقاء مرتقب بين بري والجنرال الأميركي

رئيس البرلمان اللبناني خلال اجتماع سابق مع الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكستين (أ.ف.ب)
رئيس البرلمان اللبناني خلال اجتماع سابق مع الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكستين (أ.ف.ب)
TT

«اجتياح» إسرائيل الهدنة يرفع منسوب الخوف اللبناني

رئيس البرلمان اللبناني خلال اجتماع سابق مع الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكستين (أ.ف.ب)
رئيس البرلمان اللبناني خلال اجتماع سابق مع الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكستين (أ.ف.ب)

تمادي إسرائيل في تدميرها للبلدات اللبنانية الواقعة على تخوم حدودها وتحويلها أرضاً محروقة ومهجورة، أخذ يُقلق رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري الذي سيلتقي قريباً الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز، رئيس هيئة الرقابة الدولية المولجة مواكبة تطبيق وقف النار.

وما يقلق بري أيضاً أن إسرائيل تلوح أيضاً بتمديد حالة الطوارئ في المنطقة الشمالية بذريعة عدم جاهزية الجيش اللبناني للانتشار في القرى التي تنسحب منها بانتهاء فترة الهدنة في مهلة أقصاها في 27 يناير (كانون الثاني) المقبل، وفق ما نص عليه اتفاق وقف النار تمهيداً لتطبيق القرار 1701، وحاجتها إلى مزيد من الوقت لاستكمال تدمير البنى التحتية العسكرية لـ«حزب الله».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن منسوب المخاوف من «اجتياح» (مواصلة خرق) إسرائيل للهدنة وتفلتها من الاتفاق الذي توصل إليه الوسيط الأميركي آموس هوكستين مع بري لتثبيت وقف النار في الجنوب، أخذ يرتفع لدى الأخير في ضوء مواصلة إسرائيل لخرقه وتوغلها في عدد من القرى؛ كونها تقع في جنوب الليطاني، وهي منطقة العمليات المشتركة للجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) لبسط سلطة الدولة ومنع أي وجود عسكري فيها.

اجتماع خلال ساعات

وكشف مصدر نيابي، أن بري سيلتقي قريباً الجنرال الأميركي في حضور السفيرة الأميركية ليزا جونسون فور عودتها إلى بيروت. وقال إن اللقاء سيُعقد في الساعات المقبلة وعلى جدول أعماله النظر في الخروق الإسرائيلية ووقفها شرطاً لوضع حد لتمادي تل أبيب في تدميرها البلدات الواقعة جنوب الليطاني على نحو يؤدي إلى تحويلها منطقة مهجورة من أهلها يستحيل العيش فيها، إضافة إلى استيضاحه حول عزمها على تمديد فترة الهدنة، وإنما على طريقتها، لاستكمال مشروعها التدميري لشبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرقات بما يمكّنها من عزل 22 بلدة حدودية عن العمق الجنوبي امتداداً إلى شمال الليطاني.

ولفت إلى أن بري يود اختبار مدى استعداد الجنرال الأميركي للتدخل التزاماً منه بتطبيق الاتفاق ومنع تل أبيب من تماديها في خرق وقف النار، خصوصاً أنها تصرّ على توغلها في عدد من القرى التي لم تسيطر عليها طوال فترة اجتياحها جنوب الليطاني. وقال إنه يود وضعه أمام مسؤوليته بإلزام إسرائيل التقيد حرفياً ببنود الاتفاق واضعاً حداً لتلويحها بتمديد الهدنة بما يمكنها من تدمير مزيد من القرى.

وأكد المصدر أن قيادة الجيش اللبناني تواصل تدعيم وتعزيز وحداتها العسكرية التي يُفترض أن تنتشر في جنوب الليطاني بمؤازرة «يونيفيل»، لكن توسيع انتشارها يتوقف على انسحاب إسرائيل من القرى التي تحتلها، خصوصاً أن انسحابها من بلدة الخيام بقي ناقصاً بإصرارها على الاحتفاظ بعدد من المواقع الاستراتيجية بداخلها، وهذا ما حال دون سيطرة الجيش بالكامل على البلدة.

وسأل: ما الجدوى من اجتياح إسرائيل قرية القنطرة والقرى المجاورة لها، ما دام أنها اضطرت إلى الانسحاب منها بضغط أميركي، علماً أنه لم يسبق أن دخلت إليها طوال فترة الحرب؟ وهل تتوخى من توغلها استدراج «حزب الله» للعودة بالوضع إلى المربع الأول، أي إلى ما قبل الاتفاق على الهدنة، مع أنه أخذ على عاتقه ضبط النفس وعدم الرد تاركاً لهيئة الرقابة الدولية التدخل لوقف كل خروقها؟

عدم انجرار الحزب

ورأى أن الحزب بعدم انجراره للرد يأتي في سياق مراعاته المزاج الشعبي الجنوبي الذي هو في حاجة إلى التقاط أنفاسه استعداداً لعودة الجنوبيين إلى قراهم، رغم أن هناك استحالة للعيش فيها، خصوصاً تلك الواقعة على امتداد الخطوط الأمامية التي حولتها إسرائيل أنقاضاً يستحيل الإقامة فيها لانعدام أبسط مقومات البقاء. وقال إن الجنرال الأميركي كان تحدث أثناء اجتماعه برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عن تباطؤ وحدات الجيش في الانتشار جنوب الليطاني، وكان يُفترض فيه الضغط على إسرائيل لتسريع انسحابها؛ ما يضع قيادة الجيش أمام مسؤوليتها لاختبار مدى قدرتها على ملء الفراغ بمؤازرة «يونيفيل».

وأكد أن الجنرال الأميركي أبدى تفاؤله بانسحاب إسرائيل إلى حدودها الدولية التزاماً منها بتطبيق الاتفاق، مع أنها تحاول الآن كسب الوقت بإجراء مسح أمني لعلها تتمكن من وضع يدها على أنفاق جديدة للحزب لتدميرها.

الثقل الأميركي

ونقل عن دبلوماسي غربي، كما علمت «الشرق الأوسط»، قوله إن تطبيق الاتفاق يقع على عاتق الجنرال الأميركي الذي ينزل بكل ثقله للضغط على إسرائيل للالتزام به بلا أي تعديل؛ تمهيداً لتثبيت وقف النار، خصوصاً أنه كان وراء انسحابها من وادي الحجير، وجزم بأن عودة هوكستين وإن كانت مطروحة فإن جهات رسمية لبنانية لم تتبلغ حتى الساعة بموعد مجيئه.

أجهزة التنصت

في هذا السياق، سأل المصدر النيابي عن صحة ما يتم تداوله حول قيام إسرائيل بزرع أجهزة للتنصت والتصوير موصولة بالأقمار الاصطناعية في عدد من المواقع؛ بما يسمح لها بمراقبة المنطقة للتأكد من عدم قيام المجموعات المسلحة، في إشارة إلى «حزب الله»، بالتسلل إليها لتهديد أمنها مع انسحابها منها، سيما وأنها من أصحاب السوابق في هذا المجال.

تعدد التفسيرات

في المقابل، لفت مصدر في المعارضة إلى ضرورة تدخل الحكومة لوضع حد للالتباس الناجم عن تعدد تفسيرات البنود الواردة في الاتفاق وما إذا كانت تشمل خلو منطقة شمال الليطاني من المسلحين، أو أنها محصورة بجنوبه امتداداً لحدود لبنان الدولية مع إسرائيل، كما يقول «حزب الله» استناداً إلى ما تبلغه من الحكومة؛ لأن شمال الليطاني ليس مشمولاً بالاتفاق وهو شأن لبناني داخلي ولم يسبق لهوكستين أن طرحه في مفاوضاته مع بري، وبالتالي يبقى، من وجهة نظر الحزب، خاضعاً، كغيره من المناطق، للحوار المرتقب للتوصل إلى توافق على الاستراتيجية الدفاعية للبنان.

رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مجتمعاً مع لجنة مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي (أ.ب)

وتردد أن اجتماع قائد الجيش العماد جوزف عون بمسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» وفيق صفا اتسم بالإيجابية، وخُصص لمراجعة المضامين الواردة في الاتفاق، مع تأكيد عون أنه تسلم نصه من الرئيس ميقاتي وسيعمل على تطبيقه، رغم أن المصدر في المعارضة سأل ما الذي يمنع الحزب من أن يبادر فوراً إلى وضع ما تبقى لديه من أنفاق ومنشآت عسكرية وأسلحة بتصرف الجيش اللبناني، وبهذا يكون قد انتزع من إسرائيل ذريعة توغلها في البلدات بحثاً عنها لتدميرها ومهد الطريق أمام تطبيقه؟

ورأى المصدر أن ليس في مقدور الحزب الالتفاف على الاتفاق، وأن مصلحته تكمن بوقوفه خلف الحكومة لتطبيق القرار 1701 الذي وحده يعيد الهدوء إلى الجنوب ويحظى بإجماع دولي. وقال إن الحزب يقف حالياً أمام ضرورة التكيف مع المرحلة السياسية الجديدة بدءاً بانخراطه في مشروع الدولة لأن لا بدائل لديه، وهذا يتطلب منه الخروج من حال الإرباك التي ما زالت تنسحب عليه من جراء التخبط الذي يحاصر القيادة الإيرانية بعد أن افتقدت جميع أوراقها التي كانت بحوزتها للتدخل في المنطقة بغية تحسين شروطها للتفاوض مع الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

قال «حزب الله» اللبناني إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة

يوسف دياب (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.