سقوط «جمهورية الكبتاغون» التي موَّلت دولة الأسد (صور)

مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)
مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)
TT

سقوط «جمهورية الكبتاغون» التي موَّلت دولة الأسد (صور)

مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)
مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

منذ الانهيار السريع لحكم الأسد، عُثر في مناطق مختلفة من سوريا على كميات كبيرة من أقراص الكبتاغون المكدَّسة في مستودعات أو قواعد عسكرية، لتؤكد التقارير حول دور النظام السوري في صناعة هذه المادة المخدرة المحظورة، وتهريبها إلى دول العالم.

وأفادت شبكة «سكاي نيوز» البريطانية بأن هناك موقعين رئيسيين: أحدهما فيلا خاصة بالقرب من الحدود اللبنانية، والآخر مصنع للكبتاغون في ضاحية خارج دمشق. وأفادت مراسلة الشبكة بأن «ما يلفت انتباهك هو الرائحة. إنها لاذعة ومعدنية وتلتصق بأنفك».

ويقول الحراس في الفيلا بالقرب من الحدود اللبنانية، إن رائحة الكبتاغون تسبب لهم الصداع. وأحرقوا مخزون حبوب الكبتاغون الذي اكتشفوه؛ لكنهم احتفظوا بالمواد الخام، من براميل الكافيين، والأكياس المكدسة مما يشبه الطحين قليلاً، والكحول؛ وقالوا إنهم تلقوا نصيحة بأنها قد تكون مفيدة للأدوية.

حبوب الأمفيتامين -المعروفة باسم كبتاغون- التي كانت معدة للإخفاء داخل مكونات كهربائية شوهدت في المستودع حيث تم تصنيع المخدرات قبل سقوط حكومة بشار الأسد في منشأة بمدينة دوما (أ.ب)

واستولى مقاتلو الفصائل على قواعد عسكرية ومراكز توزيع منشطات يدخل في تركيبها الأمفيتامين. وفي هذا الصدد، يقول «أبو بكر»، وهو جندي من «هيئة تحرير الشام» للشبكة البريطانية: «في إدلب، أي شخص يشارك في مثل هذه الأنشطة يتم طرده من المدينة». وتقول المعارضة السورية بقيادة «هيئة تحرير الشام» إنهم عثروا على كمية هائلة من المخدرات وتعهدوا بإتلافها. ويقول «أبو بكر»: «لكننا كنا نعلم بطبيعة الحال ما كان يحدث في بقية أنحاء سوريا ومع النظام. كان النظام مفلساً والاقتصاد ميتاً. لذا فقد موَّلوا أنفسهم بأموال المخدرات».

فيلَّا «الرجل الكبير»

وأفادت الشبكة البريطانية اليوم (الثلاثاء) بأن هذه الفيلا كانت مملوكة لضباط من الفرقة المدرعة الرابعة في سوريا، والتي كان يديرها شقيق الأسد، ماهر. ويقول حراس «هيئة تحرير الشام» إن الفيلا كان يديرها «العقيد باسم». يقول «أبو بلال» وهو مزارع يعيش في الجوار: «كان (باسم) الرجل الكبير هنا في هذه المنطقة، وكان يزرع الخوف في كل من يعيش هنا، وكان كل شيء محظوراً».

حبوب الكبتاغون مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع بمدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

كما سقط مستودع في مقلع على مشارف دمشق؛ حيث تم إخفاء حبوب الكبتاغون داخل مكونات كهربائية للتصدير. وقال «أبو مالك الشامي» وهو من «هيئة تحرير الشام» وقد ارتدى قناعاً أسود، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «بعد أن دخلنا وأجرينا عملية تمشيط، وجدنا أن المصنع لماهر الأسد وشريكه عامر خيتي».

وكان ماهر الأسد قائداً عسكرياً، وشقيق رئيس النظام المخلوع، ويُفترض الآن أنه هارب. ويُتهم على نطاق واسع بأنه المسؤول عن تجارة الكبتاغون المربحة. أما عضو مجلس الشعب سابقاً عامر خيتي، ففرضت عليه الحكومة البريطانية عقوبات، وقالت إنه «يسيطر على كثير من الشركات في سوريا التي تسهل إنتاج وتهريب المخدرات»، كما فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات عام 2020 بسبب علاقته بنظام الأسد، وفق صحيفة «الغارديان».

في أجهزة منزلية... وعبوات شوكولاتة

وفي مرأب أسفل المستودع ومناطق التحميل، تم تعبئة آلاف حبوب الكبتاغون ذات اللون البيج، وتخبئتها في ملفات نحاسية لمحولات كهربائية منزلية جديدة. وقال الشامي: «وجدنا كمية كبيرة من الأدوات (الكهربائية) التي وضعت بداخلها أكياس من حبوب الكبتاغون المعدة للتهريب إلى خارج البلد». وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن هناك «كمية كبيرة منها لا يمكن عدها».

وفي المستودع في الأعلى، كانت صناديق من الورق المقوى جاهزة لإخفاء الحبوب المخدرة على أنها حمولة من بضائع اعتيادية، إلى جانب كمية كبيرة من «الصودا الكاوية» المعبأة في أكياس بيضاء.

أحد أفراد المعارضة السورية يحرس منطقة داخل مصنع لتصنيع حبوب الكبتاغون في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

وكان أحد المصانع ينتج الشوكولاتة ورقائق البطاطس فوق الأرض، والمخدرات تحتها، وكانت الحبوب مخبأة داخل أنظمة التبديل الكهربائية، وحتى الفاكهة البلاستيكية، وكانت تغطي الأرضيات أكوام ضخمة من حبوب الكبتاغون، بقيمة تتراوح بين دولارين و20 دولاراً لكل منها، حسب المكان الذي تباع فيه، وفق «سكاي نيوز» البريطانية.

وفي سياق متصل، أشار المحامي السوري حسن أنور لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن حبوب الكبتاغون كانت تُصدَّر من اللاذقية ضمن ملصقات الملابس الصينية الصنع.

حرق وتدمير

وتمت عملية حرق لحبوب الكبتاغون هذا الأسبوع في قاعدة المزة الجوية، التي أصبحت الآن في أيدي مقاتلي «هيئة تحرير الشام». وخلف الكومة المشتعلة، في مبنى للقوات الجوية تعرض للنهب، كانت هناك كميات أخرى من الكبتاغون، إلى جانب صادرات أخرى غير مشروعة.

حبوب الكبتاغون مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع بمدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

وقال أحد أعضاء «هيئة تحرير الشام» الذي يستخدم الاسم الحركي «خطاب» في مطار المزة العسكري: «عندما دخلنا إلى هنا وجدنا كمية كبيرة من الكبتاغون. لذا قمنا بإتلافها وحرقها. إنها كمية ضخمة يا أخي». وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قمنا بإتلافها لأنها ضارة بالناس. تضر الصحة، وتضر الطبيعة والبشر».

وأكد خطاب أن «هيئة تحرير الشام» التي شكَّلت حكومة انتقالية لا تريد إلحاق الأذى بجيرانها من خلال تصدير المخدرات التي يمكن أن تدر مليارات الدولارات.

ما هو الكبتاغون؟

الكبتاغون هو أحد الأسماء التجارية العديدة لفينيثيلين الهيدروكلوريد، وهو مركب كيميائي ينتمي إلى عائلة الأمفيتامينات التي تنشط الجهاز العصبي المركزي. والصودا الكاوية -أو هيدروكسيد الصوديوم- هي عنصر أساسي في إنتاج الميثامفيتامين، وهي مادة أقوى من الأمفيتامين وأخطر.

في الأصل، كان هذا العقار المضاد للخَدَر يُنتَج في أوروبا الوسطى، وسرعان ما اكتسب سمعة سيئة في الشرق الأوسط؛ حيث بدأ النظام السوري والميليشيات المدعومة من إيران في إنتاجه بكميات كبيرة أثناء الحرب الأهلية السورية، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

أحد أفراد المعارضة السورية خلال عرض مادة سائلة لتصنيع حبوب الأمفيتامين المعروفة باسم الكبتاغون في مدينة دوما على مشارف دمشق (أ.ب)

ويتكون الدواء من مادة «أمفيتامين» التي تُحدث تأثيرات نفسية أقوى وأسرع بكثير من الأمفيتامين وحده، وهي تعطي شعوراً بالحيوية والنشاط والسعادة، ومادة «الثيوفيلين» وهي تشبه في تأثيرها تأثير الكافيين في تنشيط المخ.

وبحلول الثمانينات، قررت منظمة الصحة العالمية حظر إنتاج الكبتاغون وتداوله، بعدما ثبت أنه يؤدي للإدمان؛ حيث أشارت إلى أن مضار إدمان هذا الدواء تفوق فوائده الإكلينيكية، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

ويقول خبراء الصحة إن إدمان الكبتاغون يتسبب في زيادة ضغط الدم ومعدل نبضات القلب، وإنه على المدى الطويل قد يصيب الأشخاص بأمراض القلب واختلال الدورة الدموية.

عائد اقتصادي ضخم

دعمت عائدات بيع الكبتاغون طوال سنوات الحرب المستمرة منذ 13 عاماً حكومة الأسد التي سقطت في هجوم خاطف من فصائل مسلحة، بقيادة «هيئة تحرير الشام». وحوَّل الكبتاغون سوريا إلى أكبر دولة في العالم تعتمد على عائدات المخدرات، وأصبح أكبر صادرات سوريا متجاوزاً جميع صادراتها القانونية مجتمعة، وفقاً لتقديرات مستمدة من بيانات رسمية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووفقاً للبنك الدولي، كان الكبتاغون القطاع الأكثر قيمة في الاقتصاد السوري المدمَّر بسبب الحرب؛ حيث تبلغ قيمته ما بين 1.9 مليار دولار أميركي (1.5 مليار جنيه إسترليني) و5.6 مليار دولار أميركي (4.4 مليار جنيه إسترليني)، مع تقدير الناتج المحلي الإجمالي السوري بما لا يزيد عن ذلك بكثير؛ 6.2 مليار دولار أميركي (4.9 مليار جنيه إسترليني) في عام 2023، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية.

وقدر المحللون أن نظام الأسد حقق ربحاً صافياً قدره 5 مليارات دولار سنوياً من التجارة، وهي قيمة أكبر بعدة مرات من الميزانية الرسمية، وشريان حياة حيوي للدولة المفلسة.

وكثيراً ما عُرضت مبالغ كبيرة من المال على الشباب الفقراء من الجنوب للعمل في تهريب المخدرات، ونقل الكبتاغون عبر الحدود الأردنية، وهو ما قد يؤدي إلى حكم الإعدام إذا تم القبض عليهم من قبل حرس الحدود الأردنيين، وفق «الغارديان».

وقال «أبو حمزة»، أحد زعماء الفصائل المعارضة في درعا، جنوب سوريا، للصحيفة البريطانية: «كانت الميليشيات تستغل الفقراء للتهريب، وقد جلبت كثيراً من المخدرات إلى مجتمعنا. والآن نحتاج إلى وضع خطة لإصلاح هذه الأمور».


مقالات ذات صلة

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

المشرق العربي مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

من المتوقع أن يعلن مكتب الرئاسة أسماء ثلث مقاعد المجلس بعد المصادقة على نتائج انتخابات الحسكة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اللقاء في أبوظبي (وام)

محمد بن زايد والشرع يبحثان تعزيز العلاقات والتطورات الإقليمية

بحث الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون المشترك.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
كتب التطور الإعصاري للرأسمالية... العصر الحديث بين فكّي شموليتين

التطور الإعصاري للرأسمالية... العصر الحديث بين فكّي شموليتين

يطرح الكتاب تصوراً للرأسمالية بوصفها قوة تتجاوز بُعدها الاقتصادي، لتغدو نظاماً شمولياً عابراً للقارات...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
خاص صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب) p-circle 03:03

خاص «داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

تشكل الأشهر القادمة مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة وأجهزتها الأمنية وتنظيم «داعش».

سلطان الكنج

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
TT

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

وأقرت الحكومة، قبل أيام، إعادة بناء مستوطنتين شمالي الضفة الغربية، بالإضافة إلى 34 مستوطنة جديدة أقرت قبل أسبوعين.

وغالبية المستوطنات التي أقرتها حكومة نتنياهو جديدة، وأربع منها تم تجميدها في زمن حكومة أرييل شارون، بالإضافة إلى 170 مزرعة استيطانية للرعي، أقيمت خلال الفترة نفسها وتم وضع مليون دونم تحت تصرفها من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وحسب تقرير لحركة «سلام الآن» الإسرائيلية؛ فإن الحكومة خصصت لهذه المشاريع الاستيطانية وحدها ميزانية مباشرة بقيمة 19 مليار شيقل (نحو 7 مليارات دولار).

ورغم أن القيادات العسكرية والاستخبارات حذرت من خطورة الاستيطان من الناحية الأمنية إذ تثقل كاهل الجيش والمخابرات بالأعباء، وتحتاج إلى حراسة على مدار الساعة خوفاً من انتقام الفلسطينيين؛ فإن الحكومة ماضية في برامجها التوسعية والاستيطانية، ولا تخفي هدفها الأكبر منها ألا وهو منع إقامة دولة فلسطينية.

وإلى جانب الاستيطان، الخطير بحدّ ذاته، يقوم أفراد ميليشيات المستوطنين المسلحة، في كل يوم، باقتحام أراضي القرى والتجمعات الأهلية الفلسطينية، ومرات عديدة تتم بمرافقة مسلحين يخدمون في كتائب الدفاع التي تحولت إلى ميليشيات رسمية تابعة للجيش.

احتكاكات مقصودة

ويدور الحديث عن أعمال احتكاك مقصودة، هدفها طرد الفلسطينيين من بيوتهم؛ ورغم ذلك تتواصل دون عراقيل ودون إنفاذ للقانون من أجهزة الاحتلال.

وقتلت عناصر هذه الميليشيات منذ بداية الحرب على غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، 13 فلسطينياً وهم في قراهم. ورغم أن القتلة معروفون لدى الفلسطينيين؛ فإن الشرطة لم تعتقلهم، ولم توجه إليهم لوائح اتهام، وفي أحسن الأحوال يتم التحقيق معهم ويفرج عنهم.

وبالتوازي، توجد أيضاً اعتداءات جماعية منظمة دون وقوع قتلى، يقوم بها عشرات الشبان الملثمين الذين يحملون العصي ومواد حارقة، يعتدون ثم يغادرون المكان في غضون دقائق، وتأتي قوات الأمن متأخرة، ونتيجةً لذلك لا يكون هناك معتقلون في الغالب.

والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وفي الأسابيع الأخيرة أطلقت تنديدات من جانب الحكومة ورئيس الأركان، إيال زامير، في أعقاب ضغط أميركي، لكن هذا لا يكفي إذ إن العنف يتصاعد فقط وسيستمر إلى أن تقرر الحكومة وضع حد للظاهرة.

«خطة الحسم»

ويقول الباحثان الكبيران في معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، العميد (احتياط) أودي ديكل، والدكتورة تامي كينر، إن «الضفة الغربية تشهد في السنوات الثلاث الأخيرة ليس فقط نهضة استيطانية إشكالية، وعنفاً دموياً خطيراً من اليهود ضد العرب؛ بل تشهد أيضاً تحولاً في العقائد والمفاهيم والممارسات العملية».

وشرح الباحثان في مقال مشترك أنه «تحت ذريعة دواعي الأمن والسعي وراء (الأمن المطلق)، تتبنى الحكومة سياسة فرض السيادة الإسرائيلية، وعرقلة سبل التوصل إلى تسوية سياسية مستقبلية، وإضعاف السلطة الفلسطينية حتى انهيارها، وتهجير الفلسطينيين من ديارهم داخل الأراضي الفلسطينية».

ويعتقد الباحثان أن «هذه السياسة تتبنى في الواقع مبادئ (خطة الحسم) التي يروج لها اليمين الآيديولوجي في الحكومة، بقيادة الوزير بتسلئيل سموتريتش، التي تُهدد الاستقرار والأمن في المناطق الفلسطينية، وتؤدي إلى واقع دولة واحدة، مع تغيير جذري في صورة إسرائيل».

جندي إسرائيلي مسلّح بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية اثناء مداهمات (أ.ف.ب)

ويحذر الباحثان من أن «إسرائيل قد تجد نفسها في خطر جسيم يتمثل في اندلاع أعمال إرهابية واسعة النطاق، وتآكل أخلاقي داخلي، وتزايد الانتقادات الدولية الموجهة إليها إلى حد تصنيفها رسمياً دولة فصل عنصري، وتعميق إجراءات العزلة السياسية، وتجميد علاقات السلام القائمة منذ أمد طويل وتهدد حتى (اتفاقيات إبراهيم)».

الجدير بالذكر أن الجيش الإسرائيلي، الذي يحذر من النشاط الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، يقوم هو نفسه بعمليات يسميها هجمات استباقية على جميع البلدات في الضفة الغربية.

وحسب إفادة للأمم المتحدة في مارس (آذار) الماضي، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى 1071 شخصاً منذ 7 أكتوبر 2023، بينهم 233 طفلاً.

وفي حملات اعتقالات يومية نفذت قوات الاحتلال أكثر من 9 آلاف حالة اعتقال لفلسطينيين في الضفة الغربية، وفي الفترة نفسها، تم تهجير نحو 40 ألف فلسطيني وتدمير مخيمات لاجئين في جنين وطولكرم.


نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

أفاد مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، الخميس، ​في حين قتل جنود بالرصاص فتى يبلغ من العمر 15 عاماً خلال مداهمة للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.

وقال مسعفون في غزة إن شخصاً قُتل في غارة جوية استهدفت خان يونس جنوب القطاع، وأسفرت عن إصابة آخرين. فيما أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه استهدف مسلحين ينقلون ذخيرة ويشكلون تهديداً لجنوده.

وأكد مسؤولون في قطاع الصحة مقتل 3 آخرين، بينهم أحد أفراد فرق الإنقاذ، ‌في غارة منفصلة ‌استهدفت مخيم المغازي للاجئين بمنطقة ​دير ‌البلح ⁠وسط قطاع ​غزة.

ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي تعليق بعدُ على تلك الغارة.

وتشن إسرائيل غارات متكررة على قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار؛ الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتتبادل إسرائيل وحركة «حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

جنود إسرائيليون في بستان حيث تعمل جرافة على اقتلاع أشجار الزيتون في قرية اللبن الشرقية قرب نابلس (أ.ف.ب)

ولا توجد آلية لتطبيق ومراقبة الهدنة. وقتل 4 جنود إسرائيليين وأكثر ⁠من 780 فلسطينياً في قطاع غزة منذ بدء ‌سريان وقف إطلاق النار.

وفي «مجمع الشفاء ‌الطبي» بمدينة غزة، وهو أكبر مرفق ​طبي في القطاع، وقف الأقارب ‌بين المعزين الذين تجمعوا لدفن 5 أشخاص، بينهم 3 أطفال، كانوا راحوا ضحية غارة جوية إسرائيلية، الأربعاء، على بلدة في شمال غزة. وقال محمد بعلوشة، وهو من أقارب أحد الضحايا: «لا يوجد وقف لإطلاق نار، ولا هدنة، ولا أي شيء، العدو يضرب... ولا أمان في أي منطقة».

ولم ‌يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على تلك الضربة، وفق وكالة «رويترز».

عنف في الضفة الغربية

في مدينة نابلس ⁠بالضفة الغربية، ⁠قال مسؤولون صحيون إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على فتى وقتلته خلال «مداهمة مستمرة» في المدينة.

وأعلنت وزارة الصحة، في بيان مقتضب، «استشهاد الطفل يوسف سامح اشتية (15 عاماً) برصاص الاحتلال في نابلس».

ورداً على استفسارات «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال الجيش الإسرائيلي إنه يحقق في الحادث.

وكانت وزارة الصحة أعلنت أن مستوطنين إسرائيليين أطلقوا النار على رجل يبلغ من العمر 25 عاماً وقتلوه في بلدة دير دبوان قرب رام الله أمس، في أحدث حلقة من سلسلة وقائع وصفتها منظمات حقوقية بأنها تصاعد في العنف ضد الفلسطينيين من جانب المستوطنين والجنود الإسرائيليين.

ولم يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على أي من الواقعتين.

وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 15 شخصاً على الأقل قتلوا في هجمات المستوطنين الإسرائيليين ​هذا العام.


لبنان يجدد ثوابت التفاوض: انسحاب كامل ولا منطقة عازلة

بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)
بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان يجدد ثوابت التفاوض: انسحاب كامل ولا منطقة عازلة

بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)
بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)

جدّد المسؤولون اللبنانيون تأكيدهم على جملة من الشروط والثوابت الأساسية المرتبطة بأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، في مقدّمها الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، ورفض إقامة أي منطقة عازلة، بالتوازي مع التشديد على حماية السيادة وحقوق اللبنانيين، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار بوصفه مدخلاً لأي تسوية.

سلام: لا اتفاق من دون انسحاب

في هذا السياق، حثّ رئيس الحكومة نواف سلام، الإدارة الأميركية على الضغط على إسرائيل لتقليص مطالبها وإنهاء غزوها للبلاد. وشدد على أن لبنان لا يمكنه توقيع أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً كاملاً للقوات الإسرائيلية.

وأكد: «لا يمكننا العيش مع ما يسمى منطقة عازلة، مع وجود إسرائيلي حيث لا يُسمح للنازحين اللبنانيين بالعودة، وحيث لا يمكن إعادة إعمار القرى والبلدات المدمّرة».

ودعا رئيس الحكومة في حديث لصحيفة «واشنطن بوست»، إلى تمديد وقف إطلاق النار الهش الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وينتهي بنهاية هذا الأسبوع، على غرار ما فعله الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي مدد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

وأضاف سلام: «اتخذنا قرارات جريئة وأحرزنا تقدماً بمصادرة الأسلحة وحظر العمليات العسكرية لـ(حزب الله)»، مشيراً إلى أن احتكار الدولة للسلاح مصلحة لبنانية بغض النظر عن مطالب إسرائيل، فالدولة لا يمكن أن تمتلك جيشين.

وأكد أن نزع السلاح عملية لا يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها، لكن الأهم هو إظهار الجدية، مشدداً على «أن تقوية الجيش هو السبيل لتحقيق حصر السلاح بيد الدولة».

وناشد سلام واشنطن وباريس «المساعدة في توسيع وتعزيز جيشنا الذي يعاني ضائقة مالية في المعدات والتدريب، كما نناشد الشركاء توفير الأموال لمواجهة المأساة الإنسانية ولتلبية احتياجات إعادة الإعمار في لبنان».

الدعم السعودي

في إطار الدعم الذي يلقاه لبنان للتوصل إلى استقرار دائم، استقبل الرئيس جوزيف عون مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان، «حيث جرى عرض للأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة»، إضافة إلى «دور المملكة العربية السعودية في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها».

كذلك، أعلنت رئاسة مجلس النواب «أن رئيس البرلمان نبيه بري تواصل مع وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، حيث جرى خلاله التداول بتطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة على ضوء مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، لا سيما استمرارها بأعمال التدمير الممنهج للقرى الحدودية الجاري على قدم وساق».

ولفت البيان إلى أن «الرئيس بري شكر للمملكة جهودها لمساعدة لبنان على مختلف الصعد، لا سيما تلك المتصلة بوقف العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف لبنان وأمنه وسيادته واستقراره».

سيدات يحملن صور الصحافية آمال خليل التي قتلت في قصف إسرائيلي خلال تأديتها عملها في جنوب لبنان وذلك خلال تشييعها الخميس في بلدتها البيسارية في جنوب لبنان (رويترز)

الراعي: خطاب عون مفصلي

في موازاة ذلك، أكد البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي بعد لقائه الرئيس جوزيف عون، «أن المفاوضات التي تكلم عنها رئيس الجمهورية خالية من أي تضحية أو تفريط بحقوق لبنان، وأن الرئيس لا يقبل بذلك»، مشدداً على أنه «يكفينا حروباً وخراباً ودماراً».

وشدد على أن «ما طرحه رئيس الجمهورية واضح لجهة عدم التفريط بأي حق من حقوق لبنان، وأن الهدف هو تأمين حقوق اللبنانيين كافة، من السيادة إلى تحرير الأرض وعودة الأسرى وإعادة الإعمار»، داعياً إلى مقاربة هذا المسار بهدوء ووعي، ومؤكداً «أهمية الجيش ودور قائده والحاجة لدعمه من قبل الجميع».

وفيما لفت الراعي إلى أنه شكر رئيس الجمهورية على خطابه في 17 أبريل (نيسان)، وصف الخطاب بأنه «مفصلي، يردّ الكرامة إلى اللبنانيين ويترجم مبادئ الإخلاص للوطن، وحفظ الدستور، واستقلال البلاد، وسلامة أراضيها ووحدتها ويترجم مضمون خطاب القسم».

وكان موضوع المساعدات لأهالي الجنوب الصامدين حاضراً في اللقاء، حيث قال الراعي: «تكلمنا على وجوب تأمين الممرات الإنسانية للصامدين في قراهم في الجنوب، وهو حق ترعاه القوانين الدولية، بحيث تصل إليهم المساعدات الغذائية والأدوية، إضافة إلى إمكانية التحرك للاستشفاء».

وقف إطلاق النار مدخل للتفاوض

في الإطار نفسه، شدد وزير التنمية الإدارية فادي مكي بعد لقائه الرئيس عون على «الأهمية القصوى لتثبيت وقف إطلاق النار وتوسيعه، وضمان أن يكون شاملاً وكاملاً»، معتبراً أن ذلك يجب أن يشمل وقف كل الأعمال العدائية، بما فيها تدمير المنازل في القرى الحدودية، وأن هذا المسار يشكّل مدخلاً أساسياً لأي مفاوضات ويحمي المدنيين، ويعزز الاستقرار.

فضل الله للخروج من مسار التنازل

فيما يسود الترقب في لبنان لما ستؤول إليه الجهود المبذولة على خط المفاوضات، يستمر المسؤولون في «حزب الله» في رفع سقف مواقفهم لجهة رفض المسار التفاوضي، وهو ما عبر عنه مجدداً النائب في كتلة «حزب الله» حسن فضل الله، معتبراً أن «الحديث عن احتلال 55 قرية أو إقامة منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات غير دقيق»، وقال: «هناك وجود متفاوت بين المناطق، وأن المقاومين موجودون قرب الحدود في بعض النقاط».

شاب على متن دراجته النارية أمام جامع تعرض للقصف الإسرائيلي في بلدة كفرصير في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح فضل الله أن «الاعتداءات بالنار تشمل هذه القرى عبر الطائرات المسيّرة أو القصف المدفعي أو إطلاق النار المباشر».

وفيما قال: «لن نقبل بوقف إطلاق نار من جهة واحدة، بينما يواصل العدو اعتداءاته من دون رد»، وأضاف: «الرد المناسب يُقرَّر من قبل قيادة المقاومة وفق المعطيات الميدانية».

وسياسياً، دعا النائب فضل الله السلطة اللبنانية إلى «الخروج من مسار التنازل الذي ورّطت لبنان به»، مطالباً بـ«وقف كل أشكال التواصل المباشر مع العدو».