نقمة في أوساط بيئة «حزب الله»: المقتدرون يغادرون... وعائلات تنتظر التعويض

شخصان يتعانقان على أنقاض المباني المتضررة في قرية جون بقضاء الشوف بلبنان (رويترز)
شخصان يتعانقان على أنقاض المباني المتضررة في قرية جون بقضاء الشوف بلبنان (رويترز)
TT

نقمة في أوساط بيئة «حزب الله»: المقتدرون يغادرون... وعائلات تنتظر التعويض

شخصان يتعانقان على أنقاض المباني المتضررة في قرية جون بقضاء الشوف بلبنان (رويترز)
شخصان يتعانقان على أنقاض المباني المتضررة في قرية جون بقضاء الشوف بلبنان (رويترز)

بدأت النقمة في أوساط بيئة «حزب الله» تخرج إلى العلن، بعد وقف إطلاق النار واكتشاف العائلات ما تركته الحرب من خسائر وتداعيات نفسية واقتصادية عليها.

هذه النقمة التي ظهرت خلال الحرب بشكل علني في أوساط معارضي «حزب الله» وبالهمس في بيئته، بدأت الآن تتجسّد عبر أمور عدة منها: رفض البعض العودة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، أو حتى إعادة إعمار المنازل في الجنوب، نتيجة الخوف من أن تكون أرزاقهم ضحية جديدة في أي حرب مقبلة على لبنان.

فأبناء الضاحية والجنوب والبقاع الذين صمدت منازلهم ولا يملكون خياراً آخر عادوا إليها محاولين إعادة الانطلاق من جديد. أمّا كل مَن لديه بديل عن العودة إلى المناطق التي قد تكون هدفاً في أي حرب مقبلة، قرر البحث عن خيار آخر، لقناعة باتت لدى معظمهم، بأنهم لا يريدون أن يكونوا وقوداً لأي حرب مقبلة.

قلق من المستقبل

فها هو علي شهاب الذي تضرر بيته في الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا يحتاج إلى الكثير لترميمه، قرر البحث عن «منطقة آمنة» ليستأجر بيتاً ويسكن فيه على الأقل خلال السنوات القليلة المقبلة، «لنرى بعد ذلك ماذا سيحصل».

واتخذ شهاب قرار الانتقال رغم أن منزله تعرض لأضرار محدودة وكان يمكنه ترميمه والعودة إليه في وقت قصير، علماً بأن «حزب الله» وبعد الكشف على المنزل قرر بدوره عدم تقديم بدل إيواء له، وسيقتصر التعويض على الترميم. ويضرب الرجل مثلاً بألواح الطاقة الشمسية التي خسرها نتيجة الحرب، كما غيره من العائلات، مؤكداً أنها «لن تكون ضمن التعويضات التي ستقدم من قبل الحزب».

دمار بفعل الغارات الإسرائيلية على مسجد في بلدة ياطر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكان «حزب الله» قد أعلن أنه سيقدم بدل تعويضات للعائلات التي تضررت منازلها أو دُمرت مبلغ 12 ألف دولار مقسمة بين 6 آلاف دولار بدل إيجار لعام كامل (إذا دُمر المنزل)، و6 آلاف لشراء مستلزمات المنزل المُستأجر.

كما طلب «حزب الله» من أصحاب المنازل المتضررة إصلاح الأضرار ليحصلوا على المبالغ التي دفعوها بعد إبراز الفواتير وصور الأضرار.

لكن عملية الدفع لا تزال بطيئة، وفق متضررين، أفادوا أيضاً بأن «لجان الحصر لم تنجز كل الكشف حتى الآن».

ويتحدث شهاب لـ«الشرق الأوسط» عن «نقمة بدأت تتفاقم في أوساط البيئة الشيعية، ويحاول (حزب الله) استيعابها عبر هذه التعويضات». ويشرح أن «ما عانى منه أهالي الضاحية والجنوب والبقاع الذين تشردوا خلال الحرب والذين توقفت مصالحهم وتعرضت بيوتهم للأضرار لم يكن سهلاً عليهم، وهو ما يعبّر عنه كثيرون اليوم». وفي تقدير الرجل، فإن ذلك التململ «سيتفاقم في الأسابيع المقبلة إن لم تكن التعويضات كما يجب».

بتفصيل أكثر يوضح شهاب أن «النقمة هذه سببها القلق من المستقبل؛ فما نسمعه أياً ما كان اليوم هو أنه لا نريد أن نعيد إعمار منازلنا ونخسرها بعد 10 أو 15 سنة، لنبدأ مجدداً من نقطة الصفر، وباتت أسئلة أساسية حاضرة لدى كثير من العائلات ومنها: هل نعيد إعمار منازلنا أم لا؟ هل نعود إلى الضاحية الجنوبية أم نبحث عن مكان أكثر أمناً؟». ويؤكد: «كل مَن يملك خياراً بديلاً، لم ولن يعود إلى الضاحية الجنوبية».

جانب من الدمار جراء الغارات الإسرائيلية في قرية العُديسة جنوب لبنان (أ.ب)

خسارة من 2006

جانب آخر من هذا الغضب يتحدث عنه بغُصة، حسين. ع، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «خسرنا أنا وأهلي وأخي منازلنا في الضاحية الجنوبية، ونحن أبناء منطقة الخيام الحدودية خسرنا أيضاً بيوتنا هناك، واليوم أنا أسكن في زحلة وأهلي يسكنون في مناطق في الجبل، ولن نعود إلى الضاحية في المدى القريب، كما أننا لم نسأل عن التعويضات، ولا نعلم كيف سيعوضوننا».

لكن خسائر حسين خلال الحرب الأخيرة، لم تكن الأولى، فالرجل يقول إنه وعائلته «في حرب عام 2006 لم نحصل كما غيرنا على تعويضات في الخيام، لأننا لم نرفع الرايات (يقصد رايات حزب الله) على منازلنا واليوم لا يهمنا ماذا سيدفعون».

ويوضح: «بيت أخي دُمر نتيجة الضربة التي نُفذت لاغتيال أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله، وبيتي لم يعد صالحاً للسكن بعد استهداف مستودع على مقربة من المبنى، كنا نظن أنه مستودع للخشب فإذا به تابع للحزب».

بوضوح يقول حسين: «نحن لسنا من جمهور (حزب الله) لنتحمل تداعيات قراراته، لكن خُلقنا من الطائفة الشيعية؛ لا شك أننا كنا معهم سابقاً، وهم الذين حرروا أرضنا، لكن اليوم لم نعد نحتمل الحروب».

جانب من الدمار اللاحق بمدينة الخيام التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ويتساءل حسين بأسى: «ماذا استفدنا نتيجة هذه الحرب؟ ظلوا يقولون لنا إن إسرائيل لم تنجح في احتلال القرى، وها هي الحرب انتهت منذ نحو 20 يوماً، وحتى الآن لم نتمكن من زيارة قريتنا».

ولدى حسين أمنية يلخصها بالقول: «أريد أن يعيش أولادي في قريتهم لا أن يتشردوا كما تشردنا».

وربما بسبب الأمنية السابقة يتحدث حسين عن تفكير جدي بالهجرة من لبنان الذي يرى أنه «لم يعد لنا»، ويقول: «أريد أن أغادر كي أبقى مطمئناً على مستقبل أولادي، لم نعد نحتمل المزيد من الخسارات، بالكاد نربي أولادنا ونعلّمهم في المدارس، في حين يقرر طرف آخر الدخول في أي لحظة بحرب ليست لنا، ولم ولن نملك القدرة على تحملها».

دمار وأزمة بدائل

المحلل السياسي وابن الجنوب علي الأمين يتحدث عما يراه أبرز التحديات لفئة كبيرة من بيئة «حزب الله» في الضاحية والجنوب والبقاع: «حجم الدمار، وأزمة إيجاد مساكن بديلة عن البيوت المدمرة، وعودة الخدمات، وإزالة الركام، واستعادة الشعور بالأمان».

جانب من تفاقم أزمة بيئة الحزب يعززها في تقدير الأمين أن «توقف إطلاق النار ملتبس عملياً؛ إذ تستمر إسرائيل بتنفيذ عمليات عسكرية على الحدود وفي عمق الجنوب وأطرافه».

ويقول الأمين لـ«الشرق الأوسط» إن «الهاجس الضاغط على العائدين هو تعويض الخسائر لإعادة البناء والترميم، في وقت يرى بعض الأهالي أن (حزب الله) لا يقوم بأي مبادرة فعلية لتبني ملف التعويض إلا بشكل محدود وهامشي».

ويلفت الأمين إلى أن مسؤولين من الحزب بدأوا «يرمون كرة التعويض على الدولة، وهذا ما يزيد من المخاوف بأن يُترك الناس في أزمتهم من دون أي عمل ملموس لإنقاذهم من كارثة الدمار».

سيارات في حي السلم بضاحية بيروت الجنوبية حيث المباني المدمرة والمتضررة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

الملف الغامض

يتحدث الأمين عن «ملف غامض حتى الآن، يطول أكثر من 30 بلدة على امتداد الحدود، وهي بلدات مدمرة بالكامل، ولم يُعرف بعد ما إذا كانت إسرائيل ستسمح بعودة الأهالي، فضلاً عن قرار السماح بإعادة الإعمار، وهل يمكن أن تمنع إسرائيل عودة أبناء هذه القرى». ويخلص الأمين إلى الأسئلة الكثيرة والغموض الذي يلف إجاباتها «جعل الناس في حال من التشاؤم حيال مستقبل الأيام الآتية».

ويرصد الأمين أن العديد ممن يصفهم بـ«المقتدرين مالياً» بمناطق الحزب يبحثون عن مواقع إقامة جديدة خارجها، بينما تتجه عائلات أخرى نحو الهجرة، كما يتحدث عن «ظهور حالات احتجاج واعتراض واتهام في البلدات الجنوبية والضاحية ضد مسؤولي (حزب الله) بسبب ما يعتبرونه تقصيراً في مواجهة خسائر الناس، والتأخير في التعويض، فضلاً عن جدل في بيئة الحزب عمن هرب ومن صمد واستشهد من المقاتلين».


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
TT

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)

استعادت القوات الحكومية اليمنية، أمس (الأحد)، جبل نعمان الاستراتيجي غرب محافظة تعز، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وأكدت مصادر عسكرية أن سيطرة الجيش على الجبل أعادت وصل جبهة بني بكاري بجبهة الكدحة، وأمّنت طريق بني بكاري - الأشروح - البيرين. ورأت المصادر أن هذه التطورات أربكت خطط الحوثيين، وجعلت ما تبقى من مواقعهم في عزلة الشراجة مكشوفاً نارياً.

كما تصدّت القوات الحكومية لهجمات حوثية في الدمدم وشريرة والوازعية وراسن وبني عمر، في حين لم يطرأ تغيير على خطوط السيطرة في جرداد والمرتفعات المحيطة بها.


لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

يُراهن لبنان على لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقائهما المرتقب في واشنطن، لتجنب فراغ في الجنوب يحدث بانسحاب قوات «يونيفيل»، في ظل غياب التوافق على المرجعية الدولية البديلة.

وفي السياق، كشف مصدر وزاري، أن الرئيس اللبناني جوزيف عون أثار المخاوف من حصول فراغ في الجنوب، لدى اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. وقال المصدر إنهما أبديا تفهماً لمخاوفه.


تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
TT

تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

رفع الجيش الإسرائيلي مستوى التأهب بشكل كبير في الضفة الغربية، أمس (الأحد)، بالمواكبة مع فعاليات «يوم الغفران» اليهودي، كما نصبت القوات الإسرائيلية حواجز عسكرية على مداخل قرى بالضفة.

ووسط استنكار فلسطيني، اقتحم وزير الأمن الإسرائيلي القومي المتطرف إيتمار بن غفير، باحات المسجد الأقصى، أمس، وذلك غداة اقتحام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، منطقة حائط البراق بالقدس المحتلة. وميدانياً، قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينياً في قرية قرب جنين، كما قُتل إسرائيلي في هجوم مسلّح على مستوطنة شمال غرب رام الله.