اللاتماثليّة الجيوسياسيّة على المسرح السوريّ

روسيا وإيران وتركيا تتصارع... وإسرائيل تقوم بإعادة تموضع تحسباً لـ«السيناريو السيئ»

علم الاستقلال السوري في حلب يوم الجمعة (د.ب.أ)
علم الاستقلال السوري في حلب يوم الجمعة (د.ب.أ)
TT

اللاتماثليّة الجيوسياسيّة على المسرح السوريّ

علم الاستقلال السوري في حلب يوم الجمعة (د.ب.أ)
علم الاستقلال السوري في حلب يوم الجمعة (د.ب.أ)

مثلّثات من دول غير عربية تتصارع جيو - سياسياً على المسرح العربيّ. يتركّز الصراع حالياً على محور الهلال الخصيب. يُلقّب هذا المحور بمحور اللاستقرار المُستدام. وهذا أمر يعني أن الاستقرار فيه هو حالة استثنائيّة، بدءاً من العراق، وصولاً إلى لبنان وفلسطين، ومروراً بسوريا. وإذا رأينا أن المثلث الجيوسياسيّ التاريخي التقليديّ مؤلّف من روسيا وإيران وتركيا، فإن إسرائيل هي جزء من مناطق الهلال الخصيب، وهي لاعب أساسيّ في الصراع الإقليميّ، لكن الصراع يدور أيضاً في داخلها، الأمر الذي يؤكّد ديمومة لا استقرارها، أسوة ببقية دول الهلال، غير أن الفارق التاريخيّ بين فلسطين الأمس وإسرائيل اليوم هو أن إسرائيل اليوم ارتقت في دورها الجيوسياسيّ لتصبح لاعباً إقليميّاً مهمّاً؛ فهي في النادي النووي، ولكن بغموض (كونها لا تُقر بذلك علناً). هناك قدرية جغرافية، كما تاريخيّة، تتحّكم في الصراع الجيوسياسيّ بين هذه الدول؛ فهذه الدول تحمل في جيناتها الحلم الإمبراطوري القديم، ولديها مشاريع إقليميّة لا تخفيها، وتسعى إلى مناطق نفوذ. وإذا كانت غالبيتها إمبراطوريات قديمة، فإن إسرائيل تسعى، بحسب بعض الدراسات، إلى إنشاء إسرائيل الكبرى. وفي حين أنها غير قادرة على احتلال الأرض لإنشاء إمبراطورية بالمعنى التقليديّ، إلا أنها من دون شك تسعى إلى امتلاك القدرة على التأثير في محيطها المباشر، كما في بقية المنطقة.

جنود إسرائيليون يضعون صورة الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد على عربتهم قرب الحدود الإسرائيلية - السورية يوم السبت (أ.ف.ب)

الصراع الجيوسياسيّ - المثلث الأكبر

ربما يمكن قول إن حالة العداء بين كل من روسيا وإيران وتركيا هي الحالة المُستدامة، لكن تقاطع المصالح في بعض الأوقات قد يؤدّي إلى التعاون. ويعود هذا السبب إلى القرب الجغرافيّ، أو حتى التماسّ المباشر. تظهر هنا منطقة القوقاز منطقة صراع تاريخيّ بين هذه الدول؛ فهي تجاور المثلث الإمبراطوري جغرافياً، وهي من ضمن مناطق النفوذ المشتركة. إذن، هناك تضارب وتقاطع سلبيّ مستمرّان في المسلَّمات الجيوسياسيّة لهذه الدول. وفي هذه الحالة، يبدأ الصراع يأخذ شكلاً خفياً وظاهراً في الوقت نفسه. ولأن هذه الدول لا تريد المواجهة المباشرة، فهي تذهب إلى مسرح ثانويّ لتصفية الحسابات. وبذلك تسعى هذه الدول إلى رسم وخلق واقع لا تماثليّ تستغل فيه ضعف الفريق الآخر المؤقّت كما الدائم، بالإضافة إلى التخطيط للقدرة على النكران، وخلق واقع وظروف لا تورّطها مباشرة، مع تجنّب خرق المسلَّمات الجيوسياسيّة الحيويّة لهذا الفريق كيلا تتحوّل اللاتماثليّة إلى مواجهة مباشرة.

بعض الأمثلة

تتعاون إيران مع روسيا في أوكرانيا، لكنها على خلاف جوهريّ معها في أرمينيا حول معبر «زنغزور»؛ لأنه يتناسب مع مصالح تركيا، بحيث يصل هذا الممر أذربيجان بالمقاطعة الغربيّة الآذريّة نخجوان، الأمر الذي يفتح الباب أمام حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان للذهاب من إسطنبول إلى بحر قزوين عبر هذا المعبر ودون عوائق تُذْكر. وإذا سمحت إيران بالتنفيذ، فإن هذا الأمر سيقطع الطريق عليها نحو الشمال عبر أرمينيا ومنها إلى روسيا.

بنت إيران منذ عام 1983 حالة لا تماثليّة في المنطقة عبر مشروع ما يُسمّى بمحور المقاومة. كانت إسرائيل المُتضرّر الأكبر من هذا المشروع، لكن، بعد بدء الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، بدأ هذا المشروع اللاتماثليّ يهدد الأمن القومي التركيّ، خصوصاً بعد وصوله إلى مناطق النفوذ التركية في الشمال السوري حيث الأكراد. ومع الدخول الروسي على خط الحرب السوريّة في عام 2015، والتموضع العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس، ربما يمكن قول إن أكبر لعبة لا تماثلية بدأت بين الأطراف الثلاثة الأساسييّن، لكن مع دور ثانوي لإسرائيل وعن بُعد.

مرّت الحرب السورية بعدة مراحل. وفي كل مرحلة، كان المثلّث الجيوسياسيّ المؤلَّف من الدول الثلاث يدير اللعبة تماشياً مع الواقع الميداني، وبشكل تجنّب الصدام الكبير والمباشر بينها. فعلى سبيل المثال، وعندما تم الاتفاق على 4 مناطق لخفض التصعيد، حسب منصّة آستانة، قامت سوريا وروسيا، بالتعاون مع إيران، بضرب وإسقاط هذه المناطق بدءاً من الجنوب السوري، وصولاً إلى المنطقة الشمالية التي تضم إدلب، حيث المصالح التركيّة. وبذلك تكون تركيا قد أصبحت في حالة لا تماثليّة مع بقية اللاعبين، الأمر الذي جعلها تقاتل مباشرة وعبر جيشها الرسميّ في إدلب. وتعبيراً عن التحولات في موازين القوى على المسرح السوريّ، شهد المسرح الدبلوماسيّ صورة فريدة من نوعها، وهي جعل الرئيس إردوغان ينتظر بفارغ الصبر دقيقتين أمام باب الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو قبل الاجتماع به في عام 2020. ورداً على هذ الحادثة المذلّة دبلوماسيّاً، جعل الرئيس إردوغان الرئيس بوتين ينتظر على بابه عندما كان في طهران عام 2022، لمدة 50 ثانية قبل الدخول للقائه. ألا تعكس هذه المشاهد حالات اللاتماثليّة بين الاثنين؟ أليست صراعاً جيو - سياسيّاً ولكن بطرق ووسائل أخرى؟ الجواب بلى بالطبع.

قوات روسية تنسحب في اتجاه قاعدة حميميم باللاذقية السبت (رويترز)

بعد زلزال غزّة والحرب الإسرائيليّة على لبنان، وبعد الصدامين المباشرين بين إسرائيل وإيران، وبعد سقوط النظام في سوريا وخروج إيران خاسرة منها، تغيّر المشهد الجيوسياسيّ الإقليميّ. عادت إيران إلى محيطها المباشر. هُدّد الوجود العسكري الروسيّ على الساحل السوريّ وسط مؤشرات على سحب للقوات الروسية من سوريا. تبوأت تركيا صدارة المستفيدين من هذا التحوّل، وبدأت إسرائيل بعملية تموضع جديدة بالاتجاه السوري تحسبّاً للسيناريو السيئ، لكن التحدّي الأكبر هو في قدرة الفصائل المسلّحة السوريّة على إعادة إنتاج نظام سياسيّ جديد، يقوم ويرتكز على التعددية الإثنيّة والدينيّة كما المذهبيّة. فهل هذا ممكن؟ بالطبع ممكن إذا لم تتقاتل هذه الفصائل مع بعضها، خصوصاً أن الحرب السورية لم تعد تفيد أحداً، كما أن تكلفة استمرارها أكبر كثيراً من أرباحها.


مقالات ذات صلة

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
TT

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)

بدأ لبنان لملمة خسائره بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في ظل هدنة هشّة، خرقتها إسرائيل بغارة من مسيّرة أدت إلى مقتل شخص، أمس، وفرض منطقة عازلة تضم 55 بلدة، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي، بينها 41 بلدة محتلة، ورفض عودة السكان إليها.

وتقدم الرئيس اللبناني جوزيف عون بالشكر للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية للمساهمة في التوصل إلى الاتفاق، معلناً الانتقال إلى مرحلة «العمل على اتفاقات دائمة». وأكد عون في خطاب وجّهه للبنانيين «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ ابداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها، وترفعُه عالياً، وتجسّدُه فعلاً وقولاً، من أجلِ حياةِ شعبِها وخيرِ أبنائِها لا غير».

وأضاف: «أنا مستعد للذهابِ حيثما كان، لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي». وزاد: «أقول لكم بكل صراحة وثقة، هذه المفاوضات ليست ضعفاً، وليست تراجعاً، وليست تنازلاً، بل هي قرار نابع ‌من قوة إيماننا بحقنا، ومن ‌حرصنا على شعبنا».

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لم تنهِ المهمة بعد في حربها ضد «حزب الله»، قائلاً إن «هناك إجراءات نعتزم اتخاذها بشأن ما تبقى من تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولن أتطرق إليها هنا».

في المقابل، حَظَرَ ترمب على تل أبيب قصف لبنان، وأكد أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة»، و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً»؛ لأن «الكيل قد طفح». ووعد بـ«جعل لبنان عظيماً مرة أخرى».


العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
TT

العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

تتجه الأنظار، اليوم (السبت)، إلى اجتماع حاسم لقوى «الإطار التنسيقي» في بغداد، وسط انقسامات متصاعدة وضغوط دستورية لتسمية رئيس الوزراء الجديد خلال مهلة محدودة.

ويُعقد اللقاء في منزل عمار الحكيم، أحد قادة التحالف الحاكم، بعد تأجيل سابق، في ظل تنافس بين ثلاثة خيارات: تجديد ولاية محمد شياع السوداني، أو ترشيح نوري المالكي أو من يمثله، أو التوافق على شخصية ثالثة.

وتشير مصادر إلى طرح صيغة تقضي باعتماد مرشح يحظى بدعم ثُلثي قادة التحالف؛ لتفادي الانقسام، رغم تعقيد التوازنات. وقالت المصدر إن هناك صيغة تفاهم أولية قيد النقاش، تقضي بأن المرشح الذي يحصل على دعم ثُلثَي قادة «الإطار التنسيقي» (8 قادة من أصل 12) سيتم اعتماده، على أن تلتحق بقية القوى لاحقاً بالقرار في محاولة لتفادي الانقسام.


الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
TT

الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، أن بلاده تعمل حالياً على إبرام «اتفاق أمني» مع إسرائيل، مشدداً على ضرورة انسحابها من مناطق حدودية سيطرت عليها في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

وقال الشرع، خلال جلسة حوارية في إطار الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي انطلق في جنوب تركيا، أمس، إن الجولان أرض سورية محتلة من جانب إسرائيل باعتراف المجتمع الدولي، ولا يمكن لأي دولة الاعتراف بأحقية إسرائيل فيها، وسيكون هذا الاعتراف باطلاً. وتابع أن إسرائيل تنتهك اتفاق فض الاشتباك و«نعمل حالياً على الوصول إلى اتفاق أمني» يضمن عودتها إلى خطوط 1974.

في السياق ذاته، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم براك، إن سوريا لم تُطلق منذ 8 ديسمبر 2024 رصاصة واحدة على إسرائيل، بل على العكس صرّح الرئيس الشرع، مراراً، بأنهم منفتحون على اتفاق عدم اعتداء وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.