«نريد العدالة»... ناجون من الهجوم الكيماوي بسوريا يتحدثون لأول مرة

رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)
رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

«نريد العدالة»... ناجون من الهجوم الكيماوي بسوريا يتحدثون لأول مرة

رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)
رجل وطفل في مستشفى محاصر في مدينة الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)

تحدث ناجون من الهجوم الكيماوي الذي تعرض له سوريون في الغوطة الشرقية بدمشق عام 2018 عن أحاسيسهم لأول مرة بعد سقوط نظام بشار الأسد، مطالبين بتحقيقات جديدة في الهجوم و«إقرار العدالة».

ويقول توفيق ديام، وهو أحد الضحايا إن تلك هي المرة الأولى التي يتمكن فيها من التحدث بحرية عما حدث لعائلته في عام 2018، في دوما في ضاحية الغوطة الشرقية بدمشق. ويتابع لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «لو تحدثت من قبل، لكانت قوات بشار الأسد قد قطعت لساني. كانوا ليذبحوني. لم يُسمح لنا بالحديث عن ذلك».

وقُتلت زوجة توفيق وأطفاله الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عاماً - جودي ومحمد وعلي وقمر - في هجوم كيميائي في 7 أبريل (نيسان) 2018.

وقالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي هيئة مراقبة عالمية، في تقرير العام الماضي إنها تعتقد أن مروحية تابعة للقوات الجوية السورية غادرت قاعدة الضمير الجوية القريبة بعد الساعة 19:00 بقليل من ذلك اليوم وأسقطت أسطوانتين صفراوين أصابتا مبنيين سكنيين، وأطلقتا غاز الكلور عالي التركيز.

وقال توفيق إن عائلته كانت خارج منزله في الطابق الأرضي عندما سقطت القنابل، وتابع: «سمعت انفجاراً وصرخ الناس في الشوارع «كيماويات، كيماويات». خرجت راكضاً. كانت هناك رائحة كريهة. رأيت رغوة صفراء تخرج من أفواه الناس. لم يكن أطفالي قادرين على التنفس، كانوا يختنقون. رأيت أشخاصاً يفرون في الشارع».

أسرة سورية تفر من قصف النظام على بلدة حمورية بالغوطة الشرقية المحاصرة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتقول منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن 43 شخصاً على الأقل قتلوا. ويقول توفيق إن عدد القتلى تجاوز 100، ويتابع: «حتى أنا كدت أموت. بقيت في المستشفى لمدة 10 أيام. نجا خمسة أو ستة رجال فقط في هذا المجمع».

ونفت حكومة الأسد استخدام الأسلحة الكيماوية على الإطلاق. وقالت حليفتها روسيا إن هجوم دوما كان «مدبراً».

وكانت الغوطة الشرقية واحدة من أكثر المناطق التي شهدت صراعاً عنيفاً لمدة خمس سنوات طويلة خلال الحرب الأهلية في سوريا.

وفي نهاية المطاف حاصرها النظام، وقصفها مع حليفته روسيا بشكل عشوائي في محاولة للسيطرة عليها من مقاتلي المتمردين. ولحق الدمار بأغلب المباني. ومن الصعب أن تجد مبنى واحداً لا يحمل ندوب الحرب، فقد قصف العديد منها بشدة، حتى أنها أصبحت مجرد هياكل.

في أكثر من مناسبة في الغوطة الشرقية، استخدمت الأسلحة الكيميائية - المحظورة بموجب بروتوكول جنيف واتفاقية الأسلحة الكيميائية - لمهاجمة دوما. واستولت قوات بشار الأسد على دوما بعد وقت قصير من هجوم الكلور، ولم تُسمع قصص الضحايا بالكامل منذ ذلك الحين.

تصاعد الدخان من الغوطة الشرقية المحاصرة في دمشق 27 فبراير (رويترز)

ويقول توفيق وهو يسحب الصورة الوحيدة التي لديه لهم، وعيناه تدمعان بالدموع: «لا يمر يوم دون أن أفكر في أطفالي».

وفي هذا الصدد، يقول خالد ناصر إن ابنته الرضيعة نور وابنه عمر البالغ من العمر عامين وزوجته الحامل فاطمة قُتلوا أيضاً في هجوم الكلور عام 2018.

ويقول خالد بكلمات غاضبة بسبب اضطراره لكتمه لمدة ست سنوات خلال حديثه: «كان معظم القتلى من الأطفال والنساء. يعرف العالم أجمع أن بشار الأسد ظالم وكاذب، وأنه قتل شعبه. قُتلت زوجتي قبل يومين من موعد ولادتها لطفلنا».

ولم يكن هجوم غاز الكلور المرة الوحيدة التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية في المنطقة. ففي عام 2013، أطلقت صواريخ تحتوي على غاز الأعصاب السارين على عدة ضواحٍ يسيطر عليها المتمردون في الغوطة الشرقية والغربية، مما أسفر عن مقتل مئات الأشخاص. وأكد خبراء الأمم المتحدة استخدام غاز السارين ولكن لم يُطلب منهم توجيه أي لوم، وفق «بي بي سي».

مبنى مدمر بجدارية خلال إحياء الذكرى العاشرة للهجوم الكيماوي على الغوطة (أرشيفية - د.ب.أ)

أنكر النظام السوري أن قواته أطلقت الصواريخ، لكنه وافق على التوقيع على اتفاقية الأسلحة الكيميائية وتدمير الترسانة الكيميائية المعلنة لسوريا.

وبين عامي 2013 و2018، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ما لا يقل عن 85 هجوماً بالأسلحة الكيميائية في سوريا، متهمة الحكومة السورية بالمسؤولية عن غالبية هذه الهجمات.

بالإضافة إلى دوما في عام 2018، حدد فريق التحقيق والتحديد التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية الجيش السوري باعتباره مرتكباً لأربع حالات أخرى من استخدام الأسلحة الكيميائية في عامي 2017 و2018. ووجدت بعثة تقصي الحقائق السابقة، والتي لم تكن مكلفة بتحديد هوية الجناة، أن الأسلحة الكيميائية استخدمت في 20 حالة.

وأفادت «بي بي سي» أنه يمكن رؤية قطع العظام وسط منطقة اعتبرت مقبرة جماعية لضحايا الهجوم، ويقول توفيق: «هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدمي هنا، أقسم بالله. لو حاولت المجيء إلى هنا في وقت سابق، لكانوا (النظام) قد أعدموني. في العيد، عندما كنت أفتقد عائلتي، كنت أركب على جانب هذا الطريق وألقي نظرة سريعة نحو هذا (التل). كان ذلك يجعلني أبكي».

ويريد توفيق حفر القبور، حتى يتمكن من إقامة جنازة كريمة لعائلته، فيما يقول خالد: «نريد تحقيقات جديدة في الهجوم»، ويقول إن الشهادات التي قدمها كثيرون لبعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في عام 2019 لم تكن موثوقة.

توفيق ديام يحمل هاتفه وعليه صورة لعائلته التي قتلت في الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية عام 2018 في سوريا (بي بي سي)

هذا ادعاء أكده عبد الرحمن حجازي، أحد شهود العيان الذين أدلوا بشهاداتهم أمام البعثة، والذي يقول إنه أُجبر على تقديم رواية النظام للأحداث، وقال: «احتجزني ضباط المخابرات وأمروني بالكذب. أخبروني أن الناس قُتلوا بسبب استنشاق الغبار وليس المواد الكيميائية. وهددوني بأنه إذا لم أوافق، فلن تكون عائلتي في مأمن. أخبروني بأن منزلي كان محاطاً برجال النظام».

تنص إحدى النتائج الواردة في تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لعام 2019 عن دوما على ما يلي: «ذكر بعض الشهود أن العديد من الأشخاص لقوا حتفهم في المستشفى في 7 أبريل نتيجة للقصف العنيف و/أو الاختناق بسبب استنشاق الدخان والغبار».

يقول عبد الرحمن إن المجتمع نبذه هو وعائلته لسنوات بعد أن أدلى بشهادته. ووجد صعوبة في الحصول على وظيفة. والآن يريد تحقيقاً جديداً. ويتابع: «أريد أن تظهر الحقيقة. لا أستطيع النوم. أريد العدالة لكل والد».


مقالات ذات صلة

سكان يغادرون مناطق سيطرة الأكراد في ريف حلب بعد مهلة جديدة من الجيش السوري

المشرق العربي سكان يعبرون جسراً متضرراً لدى فرارهم من منطقة تسيطر عليها قوات «قسد» شرق مدينة حلب  (أ.ف.ب)

سكان يغادرون مناطق سيطرة الأكراد في ريف حلب بعد مهلة جديدة من الجيش السوري

يواصل السكان الجمعة مغادرة مناطق تسيطر عليها القوات الكردية في ريف حلب الشرقي في شمال سوريا، بعدما أعطى الجيش مهلة جديدة لهم، مع إرساله تعزيزات إلى المنطقة.

«الشرق الأوسط» (حلب)
المشرق العربي السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توماس برَّاك خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في بيروت 22 يوليو الماضي (رويترز)

برَّاك: أميركا على اتصال وثيق مع جميع الأطراف في سوريا

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برَّاك، الجمعة، إن الولايات المتحدة لا تزال على اتصال وثيق مع جميع الأطراف في البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي نازحون سوريون يسيرون لعبور معبر نهري بالقرب من قرية جريرة الإمام في ريف حلب الشرقي بالقرب من خط المواجهة بين القوات الحكومية و«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في دير حافر 15 يناير 2026 (أ.ب)

الجيش السوري يعلن تمديد مدة الممر الإنساني بشرق حلب يوماً آخر تسهيلاً لعبور المدنيين

أعلن الجيش السوري، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين، لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية نازحون سوريون بجوار معبر إنساني أعلنه الجيش السوري في قرية حميمة بريف حلب الشرقي قرب خط المواجهة مع «قسد» (أ.ب)

أنقرة تأمل حلاً سلمياً لمشكلة «قسد»... وتدعم دمشق إذا اختارت القوة

أكدت تركيا أنها ستدعم الحكومة السورية حال اختارت استخدام القوة ضد «قسد»، معربة عن أملها في أن تُبدي الأخيرة حسن نية وأن تتجه إلى الحوار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي حشد من جنود الجيش السوري على الطريق السريع M4 باتجاه دير حافر بريف حلب الشرقي حيث حشود مقابلة لقسد    (إ.ب.أ)

الجيش السوري يرسل تعزيزات إلى الشرق من مدينة حلب

استقدم الجيش السوري الأربعاء تعزيزات إلى ريف حلب الشرقي، كما أعلن أنه سيفتح ممراً إنسانياً للمدنيين مع تصاعد التوتر بمواجهة «قسد».

«الشرق الأوسط» (حلب (سوريا))

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
TT

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)

يتقدّم ملف سلاح «حزب الله» إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني، ليس بوصفه ملفاً داخلياً قابلاً للحسم، بل كعقدة بنيوية تتشابك فيها الحسابات المحلية بالضغوط الإقليمية والدولية. ومع تصاعد الحراك الدبلوماسي غير المعلن، يتّضح أن النقاش لم يعد يدور حول آليات نزع السلاح، بل حول الضمانات، ومآلات الانسداد القائم.

حراك خارجي بلا خريطة طريق

تتحرّك عواصم معنية بالاستقرار اللبناني، في إطار «اللجنة الخماسية» التي تضمّ الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، ضمن مسار اتصالات لحث السلطات اللبنانية على تنفيذ حصرية السلاح بيد السلطات الشرعية، في مقابل رفض «حزب الله» إطلاق المرحلة الثانية من الخطة في شمال الليطاني. ويقول معارضو الحزب إن رفض الحزب لا ينطلق من مقاربة عسكرية ودفاعية فقط، بل من مقاربة سياسية أوسع، متعلقة بضمانات ومكاسب سياسية في الدولة.

غير أن الرد المباشر على أي طرح مشابه جاء سلبياً، حسب ما يقول معارضو الحزب، ويشرح مصدر معارض للحزب لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «تُظهر التجربة اللبنانية أنّ مرحلة ما بعد الحرب الأهلية قامت على تسويات ضمنية، حوّلت السلاح إلى نفوذ سياسي داخل الدولة، غير أنّ إعادة إنتاج هذه الصيغة اليوم مستحيلة. فالتوازنات التي حكمت مرحلة التسعينيات تبدّلت، والانقسام العمودي داخل المؤسسات يمنع أي صيغة تقاسم جديدة للسلطة».

رجلا دين شيعيان يشاركان في الذكرى السنوية لاغتيال أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله في سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تخفي القوى السياسية، على اختلاف مواقعها، خشيتها من فتح باب المكتسبات، لما يحمله من مخاطر تفجير داخلي أو تكريس اختلال دائم في بنية الدولة. من هنا، سقط عملياً أي حديث جدي عن «السلاح مقابل مكاسب سياسية».

لا تسييل للسلاح ولا مقايضة

وفي هذا الإطار، يقول عضو تكتل «القوات اللبنانية» النائب ملحم الرياشي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «(حزب الله) وافق وينجز مع الجيش تسليم السلاح جنوب النهر؛ أي في المنطقة المتاخمة للحدود مع إسرائيل، وبالتالي ما نفع السلاح شمال النهر؟ إنه لزوم ما لا يلزم». ويضيف: «إن عملية تسييل السلاح بمراكز سلطة ونفوذ هي أمر مرفوض بالمبدأ؛ لأن دقة التركيبة اللبنانية تستدعي إعادة نظر كاملة في النظام، وليس زيادة نفوذ لمكوّن لبناني على حساب آخر؛ فإما أن نعيد النظر بكل التركيبة من جذورها، أو نُبقي القديم على قدمه؛ أي نلتزم جميعاً»، ويشدّد على أنّ «(القوات اللبنانية) ملتزمة باتفاق الطائف».

ويرى الرياشي أنّ «السلاح مرتبط عضوياً بسلاح إيران ومشروعها»، قائلاً: «ندعو (حزب الله) إلى إخراج نفسه من صراع الآخرين، والعمل معنا على تحييد لبنان عن حروب الآخرين، لما فيه مصلحته ومصلحة إخوتنا الشيعة اللبنانيين ومصلحتنا جميعاً».

مشكلة سياسية لا تقنية

ثمة مخاوف لبنانية من أن يساهم فتح باب المقايضة في تعميق الانقسام بدل معالجته، وهو ما جعل هذا المسار يتراجع عملياً، لمصلحة نقاش أكثر تعقيداً حول مفهوم الضمانات.

ويرى النائب اللبناني السابق إلياس عطا الله، أنّ الإشكالية لا تكمن في شكل الضمانات أو نوعها، بل في طبيعة المشروع نفسه. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مسألة (حزب الله) لم تكن يوماً مشروعاً عسكرياً بحتاً، بل مشروعاً سياسياً». ويشير إلى أنّ الحزب «منذ تأسيسه عام 1982، ارتبط عضوياً بإيران، حتى وإن تغيّرت أشكاله وتكويناته مع الوقت»، معتبراً أن «السلاح لم يكن أداة دفاع وطنية مستقلة، بل جزءاً من بنية سياسية خارج منطق الدولة».

ويشير عطا الله إلى أنّ «تجربة ما بعد الحرب اللبنانية عام 1990 أثبتت أنّ كل القوى سلّمت سلاحها للدولة، وكأنّ الحرب انتهت فعلياً، باستثناء طرف واحد قرّر ربط سلاحه بمشروع إقليمي»، لافتاً إلى أنّ «هذا الخيار جعل التخلي عن السلاح يتناقض مع طبيعة هذا التكوين وخياراته الأساسية».

الضمانات... والموقف الإيراني

وحسب عطا الله، فإنّ الحديث المتكرر عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يعالج جوهر الأزمة. ويقول إنّ «(حزب الله) لا يبحث عن مكاسب سياسية مقابل تسليم سلاحه؛ لأنّ المسألة أعمق من ذلك»، مضيفاً أنّ «الحزب لا يريد دولة قوية وقادرة، بل دولة ضعيفة تُبقي السلاح خارج المحاسبة والشرعية».

ويتابع أنّ «السلاح بالنسبة إليه ليس ورقة تفاوض داخلية، بل أداة مرتبطة مباشرة بإيران، وبوظيفة تتجاوز الحدود اللبنانية»، معتبراً أنّ «الحديث عن تسليم طوعي للسلاح يتجاهل واقع أنّ هذا السلاح مرتبط بعقيدة تعتبر التخلي عنه نفياً للذات السياسية والتنظيمية».

ويتقاطع هذا التشخيص مع قراءة أوسع ترى أنّ ملف السلاح بات جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، ما يجعل أي نقاش داخلي حوله رهينة تطورات خارج الحدود. وفي هذا الإطار، يعتبر عطا الله أنّ «أي حديث عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يغيّر في جوهر المشكلة؛ لأنّ القرار ليس لبنانياً خالصاً»، مشدداً على أنّ «الرهان على تسوية داخلية من دون فك الارتباط الإقليمي هو رهان على الوقت لا أكثر».


بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
TT

بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)

بينما يواصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مهامه بصورة طبيعية رغم أن حكومته تحولت إلى «حكومة تصريف أعمال» بعد إعلان نتائج الانتخابات وتصدر قرارات ذات طبيعة إلزامية لمؤسسات الدولة، ينشغل البيتان الكردي والشيعي في كيفية حسم اختيار رئيس جمهورية «كردي» ورئيس وزراء «شيعي»، طبقاً للمدد الدستورية.

وبما أنه لم يتبقَّ من المدة الدستورية اللازمة لذلك سوى نحو أسبوعين، فإن العاصمة العراقية بغداد تترقب بقلق بالغ كيفية التغلب على الخلافات داخل البيتين الكردي والشيعي. كما أنها تراقب بقلق أكبر الزيارة المرتقبة والوشيكة للمبعوث الرئاسي الأميركي مارك سافايا إلى العراق.

وبات سافايا يتنقل بين وزارتي الخزانة والحرب بالتزامن مع الحركة المكوكية للقائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، الذي التقى معظم المسؤولين والقيادات العراقية مؤخراً. وطبقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن سافايا في واشنطن وعن هاريس في بغداد، فإن في جعبة الرجلين قضية واحدة محددة، وهي عدم إشراك القوى والفصائل المسلحة في الحكومة العراقية القادمة رغم أن تلك القوى تملك نحو ثلث البرلمان العراقي، فضلاً عن إيقاف كل منابع التمويل بالعملة الصعبة لها ولإيران.

السوداني والمالكي

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

ومع أن سافايا لم يعلن بعد الوقت المناسب لزيارته إلى العراق، فإن كل الدلائل تشير إلى أن الزيارة أصبحت وشيكة بعد أن مهد لها القائم بالأعمال الأميركي جيداً. وفي الأثناء، لا يزال الجدل قائماً داخل الإطار التنسيقي الشيعي بشأن ما إذا كان مرشحه غير الرسمي حتى الآن نوري المالكي سوف يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة.

من جهة أخرى، أثار تنازل السوداني قلقاً مزدوجاً داخل قوى الإطار التنسيقي، رغم أنه يملك الكتلة الأكبر داخل البيت الشيعي والفائز الأول في الانتخابات. ففي الوقت الذي وجدت بعض قوى الإطار التنسيقي أن السوداني لا المالكي هو رجل المرحلة المقبلة نظراً لعلاقته الجيدة مع أطراف مهمة في الإدارة الأميركية بمن فيهم المبعوث الرئاسي سافايا، فإن أطرافاً أخرى داخل الإطار التنسيقي وجدت أن ترشيح المالكي للمنصب قد يضيف المزيد من الأعباء أمامها، لا سيما في حال إصرار الإدارة الأميركية على تنفيذ كل مطالبها، وفي مقدمتها عدم مشاركة قوى السلاح في الحكومة المقبلة وتجفيف كل منابع تمويل إيران عبر الدولار.

المالكي من جهته يحاول تقديم تطمينات للإدارة الأميركية بأنه سيكون قادراً على التعامل مع الملفات الشائكة. وطبقاً للبيان الصادر عن مكتبه بعد لقائه القائم بالأعمال الأميركي، فقد وصف العلاقة بين العراق والولايات المتحدة بأنها «علاقة صداقة»، بينما قوى السلاح في العراق تعد الوجود الأميركي في العراق «احتلالاً».

وعود سافايا وأجندته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية-إكس)

كثف المبعوث الأميركي مارك سافايا خلال اليومين الماضيين لقاءاته في واشنطن مع وزارتي الخزانة والحرب في سياق جهوده الخاصة للتعامل مع الملف العراقي، من زاوية تبدو شديدة التعقيد على القوى السياسية الشيعية المقربة من إيران، خصوصاً الفصائل المسلحة، فضلاً عن بعض قيادات الإطار التنسيقي.

وأكد سافايا، في بيان يوم الجمعة، أنه عقد اجتماعاً في البيت الأبيض مع كلٍّ من وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، ومدير شؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، وبحث معهما الزيارة التي سيجريها إلى العراق. وقال في البيان: «اتفقنا على أن القضايا التي جرى بحثها سيتم تناولها خلال زيارتي المقبلة إلى العراق، حيث سأتواصل مع أصحاب القرار المناسبين لمواجهة الوضع على الأرض لما فيه مصلحة الشعب العراقي».

وكان سافايا أعلن يوم الخميس عما سماه إجراء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فضلاً عن مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تقوّض النزاهة المالية وتموّل الأنشطة الإرهابية.

المعاملات المالية المشبوهة

الحكومة والبنك المركزي يسعيان لإقناع العراقيين بوضع أموالهم في البنوك (البنك المركزي العراقي)

وأضاف في البيان أنه التقى مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لبحث التحديات الرئيسية وفرص الإصلاح في المصارف الحكومية والمصارف الخاصة في العراق، مع تركيز واضح على تعزيز الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية.

وأوضح أن الجانبين اتفقا على إجراء مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات تهريب وغسل أموال وعقود ومشاريع «احتيالية» تموّل الأنشطة الإرهابية. وأضاف أن المباحثات تضمنت أيضاً مناقشة الخطوات المقبلة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات «الخبيثة» التي تقوض النزاهة المالية وسلطة الدولة. وأكد مبعوث الرئيس الأميركي أن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم في ظل قيادة الرئيس دونالد ترمب.


الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
TT

الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)

يزور الرئيس السوري أحمد الشرع برلين الثلاثاء، وفق ما أظهر جدول أعمال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الذي نُشر الجمعة.

و​قال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن المستشار فريدريش ميرتس سيناقش قضايا ‌من بينها ‌عودة ‌المواطنين ⁠السوريين ​إلى ‌بلادهم خلال اجتماعه مع الشرع في برلين يوم ⁠الثلاثاء.

وأضاف المتحدث: «‌لدينا رغبة ‍في ‍تعزيز العلاقات، وإذا جاز التعبير، بدء صفحة جديدة مع الحكومة ​السورية الجديدة. لدينا العديد من القضايا ⁠المهمة التي يجب التعامل معها... ومنها على سبيل المثال عودة السوريين إلى وطنهم».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

وتأتي الزيارة بعد أقل من شهر من ترحيل ألمانيا لمواطن سوري مدان بالسطو المسلح والاعتداء والضرب والابتزاز، إلى بلاده في 23 ديسمبر (كانون الأول)، وهي أول عملية من نوعها منذ اندلاع النزاع في عام 2011.

ومنذ توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بدأ ميرتس في تشديد سياسات الهجرة في ظل صعود اليمين المتطرف.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، دعا ميرتس إلى إعادة لاجئين سوريين إلى بلدهم بحجة أن «الحرب الأهلية في سوريا قد انتهت».

وبعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا، تجميد إجراءات طلبات اللجوء في سياق المكاسب الانتخابية القوية التي حققتها أحزاب اليمين المتطرف في أعقاب هجمات مختلفة ارتكبها أجانب.