إدارة بايدن تغض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية في الجولان وسوريا

أوسع هجمات أميركية لمنع «داعش» من استغلال الفوضى بعد سقوط الأسد

مركبات عسكرية إسرائيلية تعبر السياج في أثناء عودتها من المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان السورية قرب قرية مجدل شمس (أ.ف.ب)
مركبات عسكرية إسرائيلية تعبر السياج في أثناء عودتها من المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان السورية قرب قرية مجدل شمس (أ.ف.ب)
TT

إدارة بايدن تغض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية في الجولان وسوريا

مركبات عسكرية إسرائيلية تعبر السياج في أثناء عودتها من المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان السورية قرب قرية مجدل شمس (أ.ف.ب)
مركبات عسكرية إسرائيلية تعبر السياج في أثناء عودتها من المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان السورية قرب قرية مجدل شمس (أ.ف.ب)

أمرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بعمليات عسكرية واسعة النطاق ضد «داعش» في سوريا سعياً إلى منعه من استغلال الفوضى التي تلت إطاحة حكم الرئيس بشار الأسد، وغضت الطرف عن تقدم القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان والغارات على كل الأراضي السورية، بينما أبدت الأمم المتحدة استعدادها لرفع «هيئة تحرير الشام» من لوائح الإرهاب إذا قرنت رسائلها «الجيدة» و«المطمئنة» بالأفعال.

ومنذ الأحد، شنت القوات الأميركية، التي لا تزال تحتفظ بنحو 900 جندي على الأراضي السورية، واحدة من أكبر هجماتها وأكثرها اتساعاً ضد معسكرات «داعش» وعملائها في البادية السورية. واستهدفت ما لا يقل عن 75 هدفاً في خمسة مواقع باستخدام قاذفات من طراز «بي 52» وطائرات هجومية من طراز «إيه 10» ومقاتلات من طراز «إف 15». وأفادت الناطقة باسم وزارة الدفاع «البنتاغون»، سابرينا سينغ، بأن الولايات المتحدة وشركاءها يريدون التأكد من أن التنظيم لن يتمكن من استغلال الفراغ الذي خلفه رحيل الأسد. وقالت: «أعتقد أن هذا يوجه رسالة» من إدارة الرئيس جو بايدن التي تؤكد أنها فوجئت بسرعة تقدم الفصائل السورية المعارضة بقيادة «هيئة تحرير الشام» نحو دمشق والانهيار السريع لحكم الأسد.

الرئيس الأميركي جو بايدن (رويترز)

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن «داعش سيحاول استخدام هذه الفترة لإعادة تأسيس قدراته، وإنشاء ملاذات آمنة» على غرار ما حصل عام 2014 حين أعلن التنظيم إنشاء «دولة الخلافة»، وما تلا ذلك من تشكيل تحالف دولي عريض للقضاء عليه عام 2019. وأضاف: «أظهرت ضرباتنا الدقيقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، أننا عازمون على عدم السماح بحصول ذلك».

جهود دبلوماسية

وبينما سعى زعيم «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً) أحمد الشرع (الذي كان معروفاً بلقبه «أبو محمد الجولاني») إلى طمأنة السوريين بأن المجموعة صارت «أكثر اعتدالاً»، يؤكد المسؤولون الأميركيون أنهم يتبنون موقف «الانتظار والترقب في الوقت الحالي».

بموازاة ذلك، هرع عدد من كبار الدبلوماسيين الأميركيين إلى عقد اجتماعات في كل من تركيا والأردن ولبنان والعراق وإسرائيل، في سياق جهود هدفها الحفاظ على الاستقرار في سوريا ومحاولة دعم عملية الانتقال السياسي بمساعدة من الأمم المتحدة.

وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر إنه «في النهاية، هذه عملية يجب أن يقودها السوريون، وليس الولايات المتحدة، وليس أي دولة أخرى في المنطقة». وأضاف: «سنحمي مصالحنا الخاصة بينما نفعل ذلك، وسنتأكد من عدم عودة داعش (...) لكن ليس من حق الولايات المتحدة أن تحاول استخدام نفوذها لنملي عليهم أي مسار للمضي قدماً». وشدد على أن «هيئة تحرير الشام» قالت أخيراً «الأمور الصحيحة»، لكن أفعالها المستقبلية «تظل سؤالًا مفتوحاً». ولفت إلى أن العقوبات الأميركية على سوريا واستئناف العلاقات الدبلوماسية معها أدوات يمكن استخدامها لمحاولة تشجيع زعماء سوريا الجدد على تعزيز عملية سياسية شاملة.

وأكد مسؤول كبير آخر أنه «من السابق لأوانه القول» ما إذا كانت وعود «هيئة تحرير الشام» حول التعددية والديمقراطية ستتحقق. وأضاف: «لم نستخلص أي استنتاجات بعد»، لكنه كشف عن أن المسؤولين في إدارة الرئيس بايدن أجروا محادثات «بناءة» مع فريق الرئيس المنتخب دونالد ترمب في شأن سوريا.

مجلس الأمن موحد

وعقد مجلس الأمن، الذي تتولى الولايات المتحدة رئاسته للشهر الحالي، اجتماعاً مغلقاً بطلب أولي من روسيا وقبل أن تنضم بريطانيا إلى الدعوة، واستمع إلى إحاطتين من المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا، بما في ذلك حول التداعيات على قوة الأمم المتحدة لمراقبة فك الاشتباك «أندوف» في الجولان، ولا سيما في ظل الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق الهدنة بين سوريا وإسرائيل.

مجلس الأمن خلال أحد اجتماعاته المفتوحة حول سوريا (رويترز)

ووفقاً لدبلوماسيين شاركوا في الجلسة، سلط بيدرسن الضوء على الحاجة الملحة إلى «ترتيبات انتقالية» تكفل استمرارية عمل المؤسسات السورية، داعياً إلى «المحافظة على سيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها بطريقة يمكن أن تحظى بدعم ومشاركة المجتمع الدولي بأكمله». وحض على «إعطاء الأولوية للحوار والوحدة والتزام القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان». وأشار إلى المحادثات التي أجراها أخيراً دولياً وإقليمياً، بما في ذلك مع فريق عمل وقف النار التابع للمجموعة الدولية لدعم سوريا في جنيف، الذي جمع ممثلين من روسيا وتركيا والولايات المتحدة، فضلاً عن لقاءاته خلال منتدى الدوحة، بمشاركة وزراء خارجية «صيغة آستانة»: إيران وروسيا وتركيا، بالإضافة الى المملكة العربية السعودية والأردن وقطر ومصر والعراق.

وركز الاجتماع أيضاً على تأثير التطورات الأمنية السورية على منطقة عمليات «أندوف»، التي قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - الذي رأى أن اتفاق فك الاشتباك بين إسرائيل وسوريا لعام 1974 «انهار» - إن مرتفعات الجولان المحتلة ستبقى إسرائيلية «إلى الأبد».

وعلى أثر الاجتماع، بدا أعضاء مجلس الأمن متحدين حيال الحاجة إلى الحفاظ على سيادة سوريا وسلامة أراضيها ووحدتها وتقديم المساعدة الإنسانية لملايين المحتاجين.

وأقر المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، بأن السيطرة السريعة لقوى المعارضة على سوريا فاجأت الجميع. وقال: «أعتقد أن المجلس كان متحداً إلى حد ما بشأن الحاجة إلى الحفاظ على سلامة أراضي سوريا ووحدتها، وضمان حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المحتاجين»، آملاً في إصدار بيان موحد بشأن سوريا «في الأيام المقبلة».

وأكد المندوب الأميركي البديل روبرت وود أن الولايات المتحدة تعمل على التوصل إلى اتفاق بشأن إصدار بيان، مؤكداً أن «الهدف هو أن يتحدث المجلس بصوت واحد حيال الوضع في سوريا». وأضاف: «لم يتوقع أحد أن تسقط القوات السورية مثل بيت من ورق، وقد فاجأ ذلك الكثيرين (...) إنه وضع متقلب للغاية، لكن الجميع تقريباً تحدثوا عن الحاجة إلى احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها واستقلالها والقلق بشأن الوضع الإنساني». وإذ أشار إلى «الكثير من عدم اليقين في شأن المستقبل»، عدّ «إطاحة الأسد فرصة جديدة لسوريا ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وكرامة الشعب السوري». وأضاف: «نريد أن نحاول الاستفادة من الفرص قبل أن تحاول أطراف فاعلة شريرة أخرى الاستفادة لأغراض غير جيدة».

وقال المندوب الصيني فو كونغ إن «الوضع يحتاج إلى الاستقرار ويجب أن تكون هناك عملية سياسية شاملة، كما يجب ألا تكون هناك عودة للقوى الإرهابية».

لوائح الإرهاب

ولم يتطرق الاجتماع إلى رفع «هيئة تحرير الشام» من لوائح الإرهاب.

المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن خلال مؤتمر صحافي في جنيف (أ.ف.ب)

وبعيد الجلسة، تحدث بيدرسن مع الصحافيين في جنيف، فطالب إسرائيل بإنهاء عملياتها في سوريا، واصفا إياها بأنها «مقلقة للغاية». وقال: «نحن مستمرون في رؤية تحركات وأعمال قصف إسرائيلية في سوريا»، مضيفاً أن «ذلك يجب أن يتوقف. هذا أمر مهم للغاية». وأكد أنه «من المهم للغاية ألا نرى أي إجراء من أي جهة دولية يدمر إمكانية حدوث هذا التحول في سوريا»، في إشارة إلى التحركات الإسرائيلية لتوسيع المنطقة العازلة في الجولان. وكذلك أكد أن الترتيبات الانتقالية عقب إطاحة الأسد لا بد أن تشمل كل الفصائل، بما في ذلك «هيئة تحرير الشام» بقيادة أحمد الشرع، رغم أن الأمم المتحدة تصنفها منذ تسع سنين جماعة إرهابية، ملاحظاً أنه «حتى الآن توجه هيئة تحرير الشام والفصائل المسلحة الأخرى رسائل جيدة إلى الشعب السوري (...) حول الوحدة والشمول».

وطالب بيدرسن بوضع «ترتيبات انتقالية يمكن الوثوق بها وتشمل الجميع في سوريا، وإذا ما حدث ذلك فقد يؤدي إلى نهاية العقوبات وعودة اللاجئين وتحقيق العدالة». ولم يستبعد أن يعيد المجتمع الدولي النظر في مسألة تصنيف «هيئة تحرير الشام» منظمة إرهابية.


مقالات ذات صلة

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».