اعتقال هانيبال القذافي في لبنان يدخل عامه العاشر... ولا أمل بتحريره قريباً

وكيلته تحذر: حياته بخطر... والحكومة الليبية متواطئة

هانيبال القذافي (أ.ف.ب)
هانيبال القذافي (أ.ف.ب)
TT

اعتقال هانيبال القذافي في لبنان يدخل عامه العاشر... ولا أمل بتحريره قريباً

هانيبال القذافي (أ.ف.ب)
هانيبال القذافي (أ.ف.ب)

يدخل اعتقال هانيبال القذافي، نجل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، في لبنان عامه العاشر، بناء على مذكرة التوقيف الوجاهية الصادرة بحقّه عن القاضي زاهر حمادة، المحقق العدلي في قضية «خطف وإخفاء» المرجع الشيعي الإمام موسى الصدر، ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عبّاس بدر الدين، في العاصمة الليبية طرابلس في عام 1978. وفي غياب أي أفق لحلّ هذه القضية والإفراج عنه، أطلقت وكيلة القذافي الابن المحامية ياسمين الشيباني، صرخة اتهمت فيها الحكومة الليبية ووزيرة العدل بـ«عدم الاكتراث لحياة هانيبال المهددة بالخطر جراء تدهور وضعه الصحي، وخطر الحرب الإسرائيلية على لبنان».

ولم تحقق الإجراءات القضائية المستمرّة مع هانيبال أي تقدّم، يقابلها رفض المحقق العدلي إطلاق سراحه. وكشف مصدر قضائي لبناني بارز لـ«الشرق الأوسط» أن «توقيف هانيبال مستمرّ إلى حين تحقيق شرطين أساسيين: الأول أن يقدّم ما يمتلك من معلومات عن ظروف ومكان احتجاز الإمام الصدر ورفيقيه، والثاني أن تبدي السلطات الليبية تعاونها مع القضاء اللبناني بأن تنفّذ مذكرة التفاهم التي وقعتها مع لبنان، وتسلّم لبنان نسخة عن التحقيقات المستقلّة التي أجرتها بعد سقوط نظام معمّر القذافي». وأكد أن «التحقيق اللبناني معطّل بفعل إحجام الجانب الليبي عن التعاون»، مذكّراً بأن «الكتاب الذي وجّهه المدعي العام الليبي الصدّيق الصور في شهر آب (أغسطس) من عام 2023، وأعلن فيه عن تعاون متبادل يؤدي إلى تسليم هانيبال إلى السلطات الليبية مقابل تزويد القضاء اللبناني بالمعلومات المتوفرة للقضاء الليبي، لم يصل إلى لبنان حتى الآن، كما أن السفارة اللبنانية في طرابلس لم تتسلّم نسخة عن هذا الكتاب حتى الآن؛ ما يفيد بأن الدولة الليبية مسؤولة عن استمرار توقيف هانيبال في بيروت».

وأكدت المحامية ياسمين الشيباني أن موكلها «لا يزال محتجزاً في لبنان من دون وجه حقّ، بعد أن جرى اختطافه قبل تسع سنوات واعتقاله على جرم لا يعرف عنه شيئاً». واتهمت المجلس الرئاسي الليبي بـ«الخذلان»، حين أعلن عن «تشكيل لجنة برئاسة وزيرة العدل حليمة البوسيفي، من أجل إطلاق سراح هانيبال، وأنه أمر بتشكيل هيئة دفاع تتولى المتابعة القانونية أمام كل الجهات والمحاكم اللبنانية التي تتولى عملية الاحتجاز، ولم تقم هذه الهيئة بمبادرة فعلية، بل اكتفت بتصريحات رنّانة صدرت عن وزيرة العدل تدّعي فيها بأنها تعمل جاهدة من أجل سلامة هانيبال وإطلاق سراحه، في حين ثبت أن سعادة الوزيرة مجرد بيدق ولا تحكم في أمرها بشيء».

ودائماً ما يصوّب الجانب الليبي على «الخطر» المحدق بحياة هذا الرجل سواء بدواعٍ صحّية أو بتهديد أمني، وجددت المحامية الشيباني تحذيرها من أن «الحرب الإسرائيلية على لبنان تضع حياة هانيبال في خطر، خصوصاً أن الأوضاع في لبنان ما زالت متأزمة، كما أن حالته الصحّية تشهد تدهوراً نتيجة ظلم الأسر الذي يعانيه للسنة العاشرة». وذكّرت بتصريح «أدلى به أحد النواب اللبنانيين في لقاء متلفز قبل هجوم إسرائيل على الجنوب اللبناني، والذي قال فيه إن لديه معلومات في قضية اختفاء الصدر، إلا أنه لا يجرؤ أن يدلي بها خوفاً مما سوف يحدث؛ لأن هذا سوف يمسّ أشخاصاً بعينهم في لبنان، ومع هذا لم يقم القضاء اللبناني باستدعائه بسبب الميليشيات التي تتحكم في لبنان، وهي من تقوم باحتجاز هانيبال معمر القذافي».

ورغم استمرار الإجراءات القضائية التي فرضت استمرار توقيفه، أوضحت وكيلة هانيبال أن الأخير «لديه ثقة بالقضاء اللبناني، إلا أن السياسيين الفاسدين فيه كانوا أقوى من العدالة»، معتبرة أن هانيبال «أضحى أسيراً في سجون الميليشيات اللبنانية، وأن ليبيا لم يعد فيها رجل مثل معمر القذافي، ولم تعد تلك الدولة القوية، بل أصبحت بلداً تحكمه جماعات غارقة في الصراعات على السلطة والاقتتال على المناصب، لم يقوموا بأي شيء من أجل إطلاق سراحه مع علمهم أن حياته في خطر بعد الهجوم الصهيوني الشرس على لبنان».

وتشير المعطيات إلى أن مسألة عودة هانيبال القذافي إلى الحرية غير موجودة في حسابات المراجع القضائية المسؤولة عن توقيفه؛ إذ اعتبر القاضي حسن الشامي رئيس لجنة المتابعة لقضية اختفاء الصدر ورفيقيه، أن «دخول توقيف القذافي الابن عامه العاشر، لا يشكل أي ضغط على الجانب اللبناني على الإطلاق». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حتى لو دخل التوقيف عامه العشرين فلا مجال للإفراج عنه؛ لأنه مرتكب وممعن بالارتكاب، وما دام أنه لم يلتزم القانون ومستمر في كتم المعلومات المهمة التي لديه سيبقى موقوفاً»، لافتاً إلى أن هانيبال «أدلى بمعلومات مهمّة أمام المحقق العدلي، وذكر أسماء الأشخاص الذين ارتدوا ملابس الإمام موسى الصدر ورفيقيه، واستخدموا جوازات سفرهم وغادروا عبرها إلى روما لتضليل خطفهم وإخفائهم في ليبيا». ولوّح القاضي الشامي بإجراءات عقابية إضافية ستطال القذافي الابن، وقال إن «الافتراءات التي ساقها بحقّ قضاة لبنانيين واتهامهم بالابتزاز، هي جريمة جنائية وسيلاحق عليها في وقت لاحق».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن «لقاءً عُقد في إسطنبول الأسبوع الماضي، بين وفد لبناني ضمّ لجنة المتابعة لقضية الصدر، ووفد قضائي ليبي مؤلف من ثلاثة قضاة من مكتب المدعي العام الصدّيق الصور، بناء على طلب الأخير، لإنجاز خطوة مهمة جداً، وهي تطبيق مذكرة التفاهم بين البلدين». وأوضح مصدر لبناني شارك في الاجتماع أنه فوجئ بأن «القضاة الليبيين أبلغوا الوفد اللبناني أنهم لن ينفّذوا مذكرة التفاهم». وقال المصدر الذي رفض ذكر اسمه: «لقد حددوا المكان (إسطنبول)، والزمان 26 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ أي في اليوم الأخير الذي سبق هدنة وقف إطلاق النار في لبنان، ورغم الخطر الأمني جازفنا وسافرنا إلى إسطنبول، لكنهم كالعادة لم يقدموا لنا أي معلومة، لا بل تنصلوا من مذكرة التفاهم».


مقالات ذات صلة

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

المشرق العربي أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

بعدما علم بتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط ويشمل لبنان، عاد كمال كمال إلى مدينته النبطية، ليفاجأ بأن تعب العمر استحال ركاماً.

«الشرق الأوسط» (النبطية)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يبكون أمس زميلاً لهم قُتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

أمهات جنود إسرائيليين في رسالة للرئيس اللبناني: نرفض سياسة نتنياهو

توجهت مجموعة كبيرة من الناشطات الإسرائيليات تضم 1250 أمّاً لجنود برسالة مفتوحة للرئيس اللبناني جوزيف عون بقبول دعوته للسلام، ونبذ خيار بنيامين نتنياهو بالحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)

خاص نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

أعاد الاتفاق الأميركي - الإيراني فتح باب العودة أمام آلاف اللبنانيين الذين أمضوا الأشهر الماضية بين النزوح والترقب.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آمال وترّيث في الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي الإيراني

قوبل الاتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الذي لم تكشف تفاصيله رسمياً بعد، الاثنين، بمزيج من التشكيك والارتياح الشعبي في أنحاء الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية محكومة بمعادلة الانسحاب مقابل السلاح

يستعد لبنان للدخول في مرحلة سياسية-أمنية جديدة غير تلك التي كانت قائمة قبل الإعلان بصورة رسمية عن توصل الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى اتفاق مرحلي.

محمد شقير (بيروت)

عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تُجرى العام الحالي، بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لـ«منظمة التحرير»، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الفلسطينية، انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة».

وهاجم متحدث باسم حركة «حماس» إجراءات عباس، قائلاً إنها «استمرار لمنطق الاستفراد» بالسلطة.


«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)

حذّر تقرير أصدرته مجموعة «الأزمات الدولية» من تنامي الضغوط والعقوبات الإسرائيلية على الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس بسبب وقف الإيرادات، وفرض القيود على العلاقات المصرفية، وفقدان العمال الفلسطينيين وظائفهم في إسرائيل.

ونبه التقرير الذي أعدته «الأزمات الدولية» بعنوان «مواجهة القبضة الإسرائيلية الخانقة على اقتصاد الضفة»، وأتاحته للنشر، الاثنين، إلى أنه «منذ هجوم (حماس) على إسرائيل أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فرضت الحكومة الإسرائيلية عقوبات اقتصادية جديدة على الضفة الغربية»، موضحة أن هذه العقوبات «أدت إلى منع وصول السلطة الفلسطينية إلى المال، وخنقت حرية حركة السكان الفلسطينيين».

وجاء في التقرير أن «اقتصاد الضفة الغربية، الذي حرصت إسرائيل منذ وقت طويل على بقائه مترنحاً، يواجه ضغوطاً تزداد حدة»، ولفتت إلى أن المجتمع الفلسطيني حافظ على بقائه، لكن في حالة من الفقر المدقع؛ وفي حال عدم معالجة ذلك، من المرجح أن يفضي إلى فقدان الأمن وارتفاع مخاطر عدم الاستقرار وازدياد حدة العنف.

عمال فلسطينيون ينتظرون للعبور إلى إسرائيل من الضفة في فبراير 2022 (أ.ب)

كما دعا إلى دعم دولي للضفة الغربية وقطاع غزة «لتجاوز اعتمادهما على إسرائيل واكتساب سيادة حقيقية». لكنه شدد أولاً على أنه «يتعين على الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات لتيسير الدفعات النقدية إلى الأسر والمؤسسات الفلسطينية، وذلك برفع القيود المفرطة على حرية الحركة وإلغاء الإجراءات المالية العقابية».

إحكام القيود على الضفة

وفق تقرير «الأزمات الدولية» فإنه «على مدى العامين ونصف العام الماضيين، ومع تركُّز أنظار العالم أولاً على غزة والآن على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أحكمت إسرائيل القيود التي تفرضها على وصول فلسطينيي الضفة الغربية إلى التمويل وقدرتهم على الحركة، متذرعةً بمبررات أمنية مبالغ بها». واستشهد بقطع وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، جميع مصادر الإيرادات الرئيسية للسلطة الفلسطينية تقريباً. ومن ثم، فقد تقلّص اقتصاد الضفة الغربية، شديد الاعتماد على إسرائيل، إلى حد أنه لم يعد قادراً على توفير الخدمات العامة الأساسية.

جندي إسرائيلي بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية أثناء مداهمات أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقدّر أنه «من أجل تفادي حدوث انهيار اقتصادي، ينبغي على إسرائيل التحرك على نحو عاجل للسماح للعمال الفلسطينيين بالعودة إلى تلك الوظائف، وتحويل الإيرادات المستحقة للسلطة الفلسطينية. ولا بد من القيام بفعل دولي لإجبار إسرائيل على اتخاذ هذه الخطوات وغيرها بحيث يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من الشروع بالتعافي، ويتمكن بمرور الوقت من الوقوف على قدميه».

حسب التقرير، فإن الاقتصاد الفلسطيني بات «أكثر اعتماداً على القوة المحتلة القوية اقتصادياً؛ وعلى الشيقل الإسرائيلي الذي لا تتمتع السلطة الفلسطينية بأي تأثير عليه من حيث السياسة النقدية، الذي تعكس قوته الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية لا الفلسطينية، وعلى المصارف المراسلة الإسرائيلية، التي تشكل القناة الوحيدة لربط النظام المالي الفلسطيني بالأسواق الدولية، وعلى التجارة التي تمر من خلال الموانئ الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. من خلال نقاط التفتيش ووسائل أخرى، قسمت إسرائيل الضفة الغربية أيضاً إلى جيوب منفصلة تقريباً، فأوجدت بذلك اقتصادات صغرى تجد صعوبة في التعامل بعضها مع بعض، ناهيك عن التعامل مع العالم. وقد عقَّد ذلك دور السلطة الفلسطينية في إدارة الاقتصاد».

إجبار على الاقتراض

وخلص التقرير إلى أن «الأثر التراكمي للسياسات الاقتصادية التي تبنتها إسرائيل منذ عام 1967، لا سيما خلال السنتين الماضيتين، كان مدمراً على الأُسر، والمؤسسات، والبلديات الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية أيضاً»، منبهاً إلى أن السلطة الفلسطينية تُجبر على «الاقتراض بشكل كبير من المصارف، وعلى مراكمة الديون متأخرة السداد لموظفي القطاع العام، والمقاولين والمزودين، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على النظام المالي الذي تعتمد عليه، وفي الوقت نفسه حرمان القطاع الخاص من الاقتراض».

واتهم التقرير القادة الإسرائيليين بأنهم «وضعوا حتى الآن مجموعة من السياسات التي تبدو مصممة لإضعاف الاقتصاد الفلسطيني إلى حد الاعتماد الكامل على إسرائيل»، متسائلاً حول «ما إذا كانت إدارة ترمب ستضغط على إسرائيل، كجزء من خطتها ذات العشرين نقطة لقطاع غزة، أو كجزء من أي خطة أخرى، لتخفيف حدة حملتها على اقتصاد الضفة الغربية».

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وأشار تقرير «الأزمات الدولية» إلى من شبه المؤكد أن الضغوط الخارجية ستكون ضرورية لإقناع إسرائيل بالتحرك بشأن الأولوية الاقتصادية القصوى بالنسبة للضفة الغربية التي أُضعفت على نحو قسري، والتي تتمثل بتيسير التدفقات النقدية من جديد إلى الأسر والمجتمعات المحلية.

على الجانب الآخر، دعا التقرير السلطة الفلسطينية إلى ضرورة أن «تُجري إصلاحات، بما فيها تحسين الشفافية في إنفاق موازنتها، والتعاون الكامل مع المراجعات المالية الخارجية المستقلة، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية من خلال تحسين حوكمتها».

وجدد التأكيد على أهمية مساعدة الجهات الفاعلة الخارجية الملتزمة بالوصول إلى حصيلة سلمية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني باعتبارها «جوهرية»، خصوصاً وأن «البديل القاتم لا يمكن أن يكون سوى المزيد من العنف مع استمرار الحوكمة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بالتردي حتى الوصول إلى الانهيار الكامل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك
TT

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

مع استمرار خروج مظاهرات في عدد من المحافظات السورية وتصاعدها احتجاجاً على عودة من يتم وصفهم في الأوساط الشعبية بـ«شبيحة» النظام السابق والمطالبة بمحاسبتهم، وتطورها إلى «حراك» يومي، دعت وزارة الداخلية السوريين إلى عدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون، بينما أصدرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بياناً، الاثنين، قالت فيه إن العدالة الانتقالية لا تقوم على مبدأ الانتقام والثأرية، واستيفاء الحق بالذات خارج إطار القانون.

وركزت وسائل الإعلام الرسمية، الاثنين، على تصريحات للرئيس أحمد الشرع كان قد أدلى بها خلال اجتماع مع وجهاء من ريف دمشق، الخميس الماضي، دعا فيها إلى عدم استخدام العدالة الانتقالية عنواناً للانتقام أو وسيلةً للتسلط؛ «لأننا عندها نكون قد واجهنا ظلماً بظلمٍ آخر» على حد تعبيره.

تجدر الإشارة إلى أن محافظات سورية مختلفة تشهد احتجاجات شعبية، مثل دير الزور، وحلب، وإدلب، وريف دمشق، رفضاً لإعادة تعويم وتدوير المرتبطين بالنظام السابق، مشددة على أن عودتهم تمثل إهانة لدماء الشهداء. وقد أظهر مقطع فيديو نشره نشطاء، بعض الأهالي وهم ينتقمون من أفراد تسببوا لهم بالضرر في ظل النظام البائد.

مظاهرات ليلية في حلب وإدلب مطالبة بملاحقة «الشبيحة» وأعوان نظام الأسد (متداولة)

بعد انطلاق الاحتجاجات، يوم الجمعة، في حيّ السكري بمدينة حلب، اتسع الحراك منذ مساء السبت، حيث شهدت أحياء كانت ضد النظام السابق، مظاهرات ليلية شارك فيها المئات.

ونقل «تلفزيون سوريا» أن محتجين خرجوا عقب صلاة المغرب من مساجد تلك الأحياء، رافعين شعارات تطالب بإخراج «فلول وشبيحة» نظام الأسد، وتدعو إلى تسريع مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحق السوريين

وبينما خرجت مظاهرات مماثلة في محافظة حلب، شهدت تل رفعت توتراً أمنياً جرت السيطرة عليه من قبل قوى الأمن الداخلي، وذلك على إثر انتشار شعارات مؤيدة للنظام السابق على جدران المدارس والمساجد؛ ما اضطر الأمن العام في مدينة تل رفعت، الأحد، إلى الانتشار داخلها بعد هجوم نفذه عدد من الأهالي على منازل بتهمة أنها سكن «شبيحة» مع محاولة طردهم خارج المدينة، ونشرت على مواقع التواصل أنباء عن تنفيذ حملة اعتقالات طالت أشخاصاً متورطين في تأجيج الرأي العام.

وبالاضافة لمظاهرات مناطق مختلفة من محافظة إدلب في الشمال السوري، شهدت مناطق مثل كفر تخاريم تعرّضاً لمواطن من قبل عدد من الأهالي، قاموا بضربه قبل أن يفارق الحياة، على خلفية اتهامات تتعلق بتعاونه مع النظام السابق في حادثة أثارت تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل. وفي حادثة مشابهة في كفرعويد تعرّض شاب للاعتداء؛ ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة، وسط اتهامات تتعلق بالتعاون مع النظام السابق، بحسب ما أورد موقع «سوريا ألترا».

خيمة اعتصام الكرامة في دير الزور (فيس بوك)

عودة رموز «الحرس الثوري»

تشهد دير الزور في الشرق السوري، مظاهرات حاشدة يومية أبرزها وسط المدينة؛ حيث نصب الأهالي «خيمة اعتصام الكرامة» للتعبير عن تمسكهم برفض عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وطالبوا بتسريع مسار العدالة الانتقالية والمحاسبة.

الناشط السياسي «راغب التاية» المشارك في المظاهرات والاعتصام، بيّن أن الأهالي في المنطقة الشرقية، خصوصاً في دير الزور، لديهم احتقان كبير جداً جراء رؤية «شبيحة» نظام بشار الأسد القتلة يتحركون بشكل طبيعي في الشوارع.

وأوضح التاية لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا الأمر أدى إلى «انفجار المخزون القهري داخل كل مواطن ضحى في مواجهة نظام الأسد، ولم نكن نتمنى أن تٌوضع حكومتنا في هذا الموقف المحرج بمواجهة أهالي الشهداء والضحايا والفقراء، الذين يرون كرامتهم منتهكة».

وذكر أن من بين المعتصمين في الخيمة أمهات فقدن أبناءهن في سجن صيدنايا أو قٌتلوا برصاص جيش و«شبيحة» الأسد، وأبناء معاقين جراء كل ذلك.

ومن مطالب الاحتجاجات توظيف أبناء الثورة وعدم تهميشهم، وفي هذا الصدد قال التاية: «هناك شباب ناضلوا ضد نظام الأسد، وتُطلب منهم الآن شروط تعجيزية لتوظيفهم، من ذلك أن تكون أجسامهم سليمة!».

وكانت دير الزور قد شهدت مؤخراً عودة شيخ عشيرة «البقارة»، نواف البشير، المرتبط سابقاً بنظام الأسد والميليشيات المدعومة من إيران؛ ما أثار غضباً شعبياً واسعاً، كذلك الإفراج عن مدلول العزيز مؤسس ميليشيا بدعم إيراني، ويواجه اتهامات بأنه كان واجهة اقتصادية للمشروع الإيراني. وسبق ذلك تسوية وضع، فرحان المرسومي، المتهم بتهريب السلاح والمخدرات والعمل مع «الحرس الثوري» الإيراني.

الصحافي داود السيد من أبناء مدينة دير الزور، لفت إلى أن الاستقبالات التي جرت لهؤلاء رغم تاريخهم الدموي وعودة آخرين من «آل شويش» الذين كانت لهم علاقة مباشرة مع قيادة «فيلق القدس» الإيراني، شكلتا «استفزازاً للأهالي». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «شبيحة» النظام السابق ومخبريه، لم يغيبوا عن المشهد، ولم تجر ملاحقتهم ومحاسبتهم، علماً أن «لواء الباقر» الذي كان يتزعمه نجل نواف البشير نكّل بالأهالي.

حقوق الضحايا لن تضيع

وفي سعي الحكومة إلى تخفيف الاحتقان الشعبي، التقى نائب محافظ دير الزور بدري المصلوخ وقائد الأمن الداخلي العميد حذيفة الصوا، عدداً من المشاركين في خيمة الاعتصام، يوم الأحد.

ووفق ما أعلنت المحافظة، فإنه تم الاطلاع على مطالب الأهالي ومقترحاتهم، وجرى التأكيد على متابعة القضايا المطروحة، والبدء باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة ما أمكن منها بما يحقق المصلحة العامة، ويستجيب لاحتياجات المواطنين».

وفي تصريح له أكد الصوا أن «قوى الأمن الداخلي مستمرة في أداء واجبها بملاحقة المجرمين والخارجين عن القانون، وفق الأصول القانونية».

وفي بيان لها حول التوترات في إدلب، شددت وزارة الداخلية على أن تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة، كما حثت كل من يمتلك معلومات أو أدلة موثقة عن أشخاص متورطين في جرائم أو انتهاكات، على المبادرة بتقديمها إلى الجهات المختصة عبر القنوات الرسمية المعتمدة مشددة على أن حقوق الضحايا لن تضيع.

امتداد لريف دمشق

الحراك الشعبي الغاضب من رموز النظام البائد امتد إلى ريف دمشق، وأظهر مقطع فيديو نشرته تنسيقية مدينة التل مجموعة من الشبان يطاردون «شبيحاً» في المنطقة المحيطة بالجامع الكبير، في وقت تحدث فيه نشطاء ومنصات إخبارية عن انتشار قصاصات ورقية في مدينة قارة تطالب «الشبيحة» بمغادرة الأحياء السكنية، أو الالتزام بالمنازل وانتظار الحساب.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد الذين جندتهم إيران والنظام السابق لقمع المظاهرات والقتال إلى جانبه، لكن تقارير تشير إلى أنهم بين 50 - 100 ألف عنصر في ذروة نشاطهم خلال سنوات الصراع.

حقوق للضحايا والمتهمين

الخبير القانوني السوري، المعتصم الكيلاني، يرى أن خروج هذه الاحتجاجات في هذا التوقيت ليس أمراً مستغرباً، إذ إن المجتمعات الخارجة من النزاعات أو من الأنظمة السلطوية تمر عادةً بمرحلة تُعرف بالعدالة الانتقالية، حيث يسعى الضحايا وذووهم إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.

وأوضح الكيلاني لـ«الشرق الأوسط»، أن المطالب قد تكون مؤجلة لسنوات بسبب الخوف أو غياب البيئة السياسية المناسبة، ثم تظهر بقوة عندما تتغير موازين السلطة، وتصبح إمكانية المساءلة أكثر واقعية.

ورأى أن التعامل مع هذه المطالب يجب أن يتم ضمن إطار سيادة القانون، وليس عبر الانتقام أو العقوبات الجماعية أو الاتهامات غير المستندة إلى أدلة؛ فالمبدأ القانوني الأساسي يقضي بأن المسؤولية شخصية، وأن أي شخص تُوجَّه إليه اتهامات بارتكاب جرائم أو انتهاكات يجب أن يخضع لتحقيقات مستقلة وإجراءات قضائية عادلة تكفل حقوق الضحايا وحقوق المتهمين في آن واحد.

ويرجح الكيلاني أن تدرك السلطات السورية الجديدة أن ملف المساءلة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الداخلي؛ لذلك فإن نجاحها سيقاس بقدرتها على إيجاد آليات قانونية ومؤسساتية لمعالجة الانتهاكات السابقة. وفي المقابل، فإن تجاهل هذه المطالب أو تأجيلها لفترات طويلة قد يؤدي إلى تصعيد الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.

ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين العدالة والاستقرار، بل في تحقيق عدالة قانونية منظمة تسهم في ترسيخ الاستقرار والمصالحة الوطنية، بدلاً من فتح الباب أمام أشكال جديدة من الثأر أو الاستقطاب المجتمعي.

اقرأ أيضاً