بايدن وماكرون يعلنان الثلاثاء وقفاً للنار بين لبنان وإسرائيل

آثار دمار في جنوب لبنان من الغارات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
آثار دمار في جنوب لبنان من الغارات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

بايدن وماكرون يعلنان الثلاثاء وقفاً للنار بين لبنان وإسرائيل

آثار دمار في جنوب لبنان من الغارات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
آثار دمار في جنوب لبنان من الغارات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

علمت «الشرق الأوسط» من مصادر واسعة الاطلاع أن الرئيسين الأميركي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون يستعدان لإعلان هدنة بين لبنان وإسرائيل لمدة 60 يوماً تتضمن بدءاً فورياً لإخلاء عناصر «حزب الله» وأسلحتهم من المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني «بشكل يمكن التحقق منه»، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها منذ بدء الغزو البري المحدود للأراضي اللبنانية على أساس القرار 1701.

ويأتي هذا التطور المهم بعدما ظهرت في واشنطن مؤشرات إلى «تفاؤل حذر» بإمكان نجاح الصيغة الأميركية لـ«وقف العمليات العدائية» بين لبنان وإسرائيل على أساس الإخلاء والانسحاب المتبادلين لمصلحة إعادة انتشار القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان، «اليونيفيل» وقوات معززة من الجيش اللبناني في المنطقة، «بعد تذليل العقبة الأخيرة» التي وضعها الجانب الإسرائيلي لجهة مشاركة فرنسا مع الولايات المتحدة و3 دول أخرى في «آلية مراقبة» جديدة تشرف على التحقق من تنفيذ الاتفاق الذي «يحدد بدقة كيفية تنفيذ القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن عام 2006».

بيان مشترك

علمت «الشرق الأوسط» من مصدر وثيق الصلة بالمفاوضات أن العمل جارٍ لإصدار بيان مشترك بين الرئيسين بايدن وماكرون، صباح الثلاثاء، بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ما لم يطرأ أي شيء يتسبب بتأخير البيان الذي سيتضمن إعلان وقف النار، وإنشاء «آلية المراقبة»، موضحاً أن «النقطة الأخيرة التي كانت عالقة تتصل باعتراض إسرائيل على مشاركة فرنسا في آلية المراقبة، والتحقق بسبب موقف ماكرون من مذكرتي التوقيف اللتين أصدرتهما المحكمة الجنائية الدولية بحق كل من (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت».

الرئيسان ماكرون وبايدن لدى لقائهما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وكان الرئيسان بايدن وماكرون تحادثا، الجمعة، لمحاولة حل المشكلة. ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي أن «بايدن أبلغ ماكرون أن نتنياهو على حق في غضبه، وأنه لا يمكن التوسط للتوصل إلى اتفاق مع تعهده أيضاً باعتقال رئيس دولة أحد الطرفين». وأضاف أن ماكرون قال لبايدن إنه «يريد المساعدة لكن وزارة خارجيته توضح فقط التزاماتها القانونية تجاه المحكمة الجنائية الدولية».

ولم يتضح على الفور ما إذا كان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب «أعطى موافقته» على الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها إدارة بايدن في شأن التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين لبنان وإسرائيل.

وقف انتهاكات الطرفين

يتضمن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية طبقاً لما ورد في القرار 1701، أي إلى حدود اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 مارس (آذار) 1948، على أن «تجري عملية إجلاء مقاتلي «حزب الله» وأسلحتهم من منطقة عمليات «اليونيفيل» طبقاً للقرار نفسه الذي ينص أيضاً على وجوب عدم وجود مسلحين أو أسلحة غير تابعين للدولة اللبنانية أو القوة الدولية على امتداد المنطقة بين الخط الأزرق وجنوب نهر الليطاني. وكذلك يكفل الاتفاق «عودة السكان الإسرائيليين واللبنانيين إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم خلال فترة الهدنة».

وبالإضافة إلى التحقق من تنفيذ الاتفاق، ستبدأ محادثات للتوصل تفاهمات إضافية على النقاط الحدودية الـ13 التي لا تزال عالقة بين لبنان وإسرائيل، بما فيها الانسحاب الإسرائيلي من الشطر الشمالي لبلدة الغجر والمنطقة المحاذية لها شمالاً. وينص الاتفاق على «وقف الانتهاكات من الطرفين» مع إعطاء كل منها «حق الدفاع عن النفس».

ووصلت المفاوضين الأميركيين تأكيداتٌ من رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أن «حزب الله» «حصل على نسخة من الاتفاق المكتوب» و«موافق بشكل تام على صيغة الاتفاق وما يتضمنه».

وربط مطلعون التقدم المحرز بسير العمليات العسكرية على الأرض، لكن أحدهم استخدم المثل اللبناني الشائع: «لا تقول فول حتى يصير في المكيول» على رغم «تفاؤله الحذر» بإمكان إعلان الاتفاق «خلال الساعات القليلة المقبلة»، مستشهداً بـ«الإخفاقات الثلاثة للهدنة في حرب غزة رغم إعلانها على أرفع المستويات في واشنطن، ورغم موافقات نتنياهو».

ونقل موقع «أكسيوس» على الإنترنت عن مصادر مطلعة من أن «أي خطأ يمكن أن يقلب المحادثات رأساً على عقب».

«إيجابية نسبية»

أشيعت هذه «الأجواء الإيجابية نسبياً» رغم استمرار العمليات العسكرية واسعة النطاق بين القوات الإسرائيلية ومجموعات «حزب الله» في جنوب لبنان والغارات الجوية في عمق الأراضي اللبنانية، بما في ذلك في بيروت وضاحيتها الجنوبية والقصف الصاروخي البعيد المدى في اتجاه وسط إسرائيل، ومنه تل أبيب.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن محللين أن الهجمات المكثفة تشير إلى أن «إسرائيل وحزب الله يحاولان تعظيم نفوذهما بينما يجري الدبلوماسيون ما يأملون في أن يكون جولة أخيرة من محادثات وقف النار». وأوضحت أن «الشروط تشمل هدنة مدتها 60 يوماً تنسحب خلالها القوات الإسرائيلية ومقاتلو (حزب الله) من المناطق الحدودية، ويعزز الجيش اللبناني والقوة الأممية في لبنان وجودهما في المنطقة العازلة».

غير أن بعض المعنيين بهذا الملف قالوا لـ«الشرق الأوسط» إن «كل القضايا جرى حلّها فيما يتعلق بالجانب اللبناني، وظلّت هناك مسائل عالقة عند الجانب الإسرائيلي».

وأفاد «أكسيوس» بأن «إسرائيل لا تزال لديها تحفظات على بعض تفاصيل الاتفاق التي يتوقع أن تنقل إلى الحكومة اللبنانية، الاثنين»، مضيفاً أن «هذه التفاصيل وغيرها لا تزال قيد التفاوض». ونقل عن مصادر متعددة أن «الاتفاق لن يكون نهائياً حتى حل كل القضايا».

ويتوقع أن يجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر، الثلاثاء، للموافقة رسمياً على اتفاق وقف النار. وكذلك حذر المراقبون أيضاً من أن الجانبين قد لا يتمكنان من وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، بسبب ما يواجهه نتنياهو من ضغوط حلفائه اليمينيين.

وكتب وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتشدد إيتمار بن غفير منشوراً على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، الاثنين، أن الصفقة المقترحة ستكون «فرصة تاريخية ضائعة للقضاء على (حزب الله)». وأضاف: «كما حذرت من قبل في غزة، أحذر الآن أيضاً: سيدي رئيس الوزراء، لم يفت الأوان بعد لمنع هذا الاتفاق! (...) يجب أن نستمر حتى النصر المطلق!».

ضمانات أميركية

نُقل عن مصدر أن «هوكستين أبلغ السفير الإسرائيلي في واشنطن مايك هرتسوغ، السبت الماضي، أنه إذا لم تستجب إسرائيل بشكل إيجابي في الأيام المقبلة لاقتراح وقف النار، فسينسحب من جهود الوساطة». وأكد أن «الولايات المتحدة وافقت على إعطاء إسرائيل رسالة ضمانات تتضمن دعم العمل العسكري الإسرائيلي ضد التهديدات الوشيكة من الأراضي اللبنانية، والعمل على تعطيل أمور مثل إعادة الوجود العسكري لـ(حزب الله) قرب الحدود، أو تهريب الأسلحة الثقيلة»، على أن «تتخذ إسرائيل مثل هذا الإجراء بعد التشاور مع الولايات المتحدة، وإذا لم يتعامل الجيش اللبناني مع التهديد».

وفي محاولة لتذليل ما تبقى من عقبات، اتصل وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بنظيره الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأحد. وكذلك توجه كبير مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» لسياسة الشرق الأوسط دان شابيرو إلى إسرائيل للاجتماع مع كاتس ومسؤولين إسرائيليين آخرين لـ«الضغط من أجل التوصل إلى قرار يسمح للسكان الإسرائيليين واللبنانيين قرب الحدود بالعودة إلى منازلهم التي فروا منها».


مقالات ذات صلة

لبنان يواجه «الرمادي» الإسرائيلي بالتمسك بـ«اتفاق الهدنة» والـ425 و1701

المشرق العربي جنود إسرائيليون يغلقون طريقاً في قرية عيترون جنوب لبنان... 27 يناير 2025 (أ.ب)

لبنان يواجه «الرمادي» الإسرائيلي بالتمسك بـ«اتفاق الهدنة» والـ425 و1701

يفتح ما يُتداول في وسائل إعلام إسرائيلية عن احتمال اعتماد ما يسمى «الخط الرمادي» في جنوب لبنان نقاشاً لبنانياً يتجاوز تفاصيل أي تغيير محتمل في الانتشار العسكري.

صبحي أمهز (بيروت)
يوميات الشرق شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)

سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

للجدار حياةٌ تسبق وصوله إليه. يحمل الفنان تاريخ المكان وآثار مَن عاشوا حوله...

فاطمة عبد الله (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة المنصوري كما بدا من بلدة الحنية في جنوب لبنان يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 (أ.ب)

بعد «علي الطاهر»... تل أبيب توسّع عملياتها وتعلن «السيطرة بالنار»

وسّعت إسرائيل، الجمعة، عملياتها العسكرية على امتداد أكثر من محور في جنوب لبنان، بعد ساعات من التفجير الضخم الذي نفذته في مرتفعات علي الطاهر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء أعمال نسف إسرائيلية استهدفت بلدة الخيام المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يتحرك «وقائياً» لتحصين ملكيات الجنوب من البيع تحت الاحتلال

يدخل لبنان ملف ملكية الأراضي في المناطق الجنوبية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي ضمن إجراءات تحصين الأرض والحفاظ على ارتباط سكانها بها.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يلقي كلمة من أثينا في 20 يناير 2026 (رويترز)

كاتس: مستعدون لمواصلة ضرب «حزب الله» بعد تدمير أنفاق «علي الطاهر»

أعلنت إسرائيل استعدادها لمواصلة ضرب «حزب الله» في مواقع إضافية، بعد تدمير بنى تحتية تحت الأرض في تلة علي الطاهر بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

العراق يعيد فتح معابره مع إيران

مواطنون ورجال أمن عند الجانب العراقي من معبر الشلامجة (أ.ف.ب)
مواطنون ورجال أمن عند الجانب العراقي من معبر الشلامجة (أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معابره مع إيران

مواطنون ورجال أمن عند الجانب العراقي من معبر الشلامجة (أ.ف.ب)
مواطنون ورجال أمن عند الجانب العراقي من معبر الشلامجة (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات العراقية، أمس (الأحد)، إعادة فتح تدريجي للمنافذ البرية الثلاثة مع إيران، التي كانت أغلقتها على خلفية الاعتداء بطائرات مسيّرة على خط أنابيب للنفط في المملكة العربية السعودية، وأقرت بغداد بأنها انطلقت من العراق.

​وقالت «خلية الإعلام الأمني» الرسمية، إن توجيهات صدرت عن رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، «بوضع توقيتات محددة لعملية افتتاح منافذ: الشلامجة، ومندلي، والشيب».

وتقع المنافذ الثلاثة المذكورة في محافظات البصرة وميسان ومندلي. ونُفذت الاعتداءات ضد السعودية، من قرب منفذ الشيب في محافظة ميسان، ما دفع رئيس الوزراء إلى إعفاء قائد شرطة المحافظة من منصبه، ونقل مديري الأجهزة الأمنية فيها إلى «الإمرة» وإحالتهم للتحقيق.

ورأى محللون أن خطوة غلق الحدود مثّلت نوعاً من «رسالة تحذير» غير مسبوقة للجانب الإيراني، بعد أن أعلنت الخلية نفسها، أن «الجهات الأمنية المختصة باشرت عمليات ترتيب إداري وأمني في عدد من المنافذ الحدودية، وهذا يستوجب إغلاقها، واتُّخِذَت سلسلة من الإجراءات القانونية اللازمة، وتكثيف العمل الاستخباري والتحقيق والتدقيق لمعرفة ملابسات الخروقات والمخالفات التي حصلت في هذه المنافذ».


مخاوف لبنانية من تداعيات زلزالية للتفجيرات الإسرائيلية في الجنوب

الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر قصف إسرائيلي إستهدفها (أ.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر قصف إسرائيلي إستهدفها (أ.ب)
TT

مخاوف لبنانية من تداعيات زلزالية للتفجيرات الإسرائيلية في الجنوب

الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر قصف إسرائيلي إستهدفها (أ.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر قصف إسرائيلي إستهدفها (أ.ب)

لم تعد التفجيرات الإسرائيلية المتتالية في جنوب لبنان مجرد عمليات عسكرية تستهدف منشآت ومواقع لـ«حزب الله»، بل بدأت تثير أسئلة ومخاوف عما يمكن أن يحدث في باطن الأرض بعد هذه الانفجارات الهائلة.

فالتفجيرات التي تنفذها إسرائيل في بلدات ومناطق جنوبية، لا سيما تلك التي تستهدف منشآت وأنفاقاً تحت الأرض، تتم بكميات ضخمة من المتفجرات، وتُنتِج موجات ارتدادية واهتزازات تتجاوز في بعض الأحيان محيط الموقع المستهدف.

ومع تكرارها، تتزايد المخاوف من ألا تكون تداعياتها محصورة بالدمار الذي يحدث فوق سطح الأرض، بل أن تمتد إلى الطبقات الجيولوجية والفوالق التي تنشط أصلاً في المنطقة.

لبنانيون يقضون وقتهم على شاطئ في صور بجنوب لبنان، فيما يتصاعد الدخان في بلدة المنصوري عقب غارة إسرائيلية استهدفتها (رويترز)

وكان آخر هذه التفجيرات وأكبرها، بحسب الخبراء، ذلك الذي استهدف منشآت تحت الأرض داخل تلة علي الطاهر. المشاهد التي انتشرت على شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي أظهرت ألسنة لهب ضخمة تصاعدت من باطن التلة، فيما شعر سكان مناطق واسعة بالاهتزازات الناتجة عن الانفجار.

وأفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بتسجيل هزة بلغت قوتها 4.1 درجة.

في تلك الليلة، عاش سكان المنطقة لحظات من الذعر. أحد السكان الذين يقطنون على مسافة نحو 20 كيلومتراً من موقع التفجير وصف المشهد بالقول إن «الأرض ارتجَّت بنا لنحو خمس ثوانٍ»، في وصف يعكس مدى اتساع دائرة الارتدادات التي شعر بها الأهالي.

طائرة إسرائيلية مسيرة تحمل صندوقاً من المتفجرات لإسقاطه على منازل في قرية المنصوري وتفجيره، كما تبدو من قرية حنية، جنوب لبنان (أ ب )

ضغط إضافي في الأرض يحتاج لمزيد من الدراسات

وفي ظل هذه المخاوف يبدو أن تداعيات هذه الانفجارات، وما إذا كانت ستؤدي إلى هزات أو زلازل في المستقبل، تحتاج إلى المزيد من الوقت والدراسات.

وهذا ما تشير إليه مديرة مركز «الجيوفيزياء» التابع لـ«المجلس الوطني للبحوث العلمية»، الدكتورة مارلين البراكس، لافتة إلى أنه «تم بالفعل تسجيل موجات ناتجة عن التفجير يمكن تشبيهها بهزة أرضية بقوة 4.2 درجة، مشيرة إلى أن تفجير علي الطاهر كان الأكبر، يليه تفجير الشقيف. وتوضح أن «التفجيرات الضخمة تخلق ضغطاً إضافياً في الأرض، يُضاف إلى الضغوط الموجودة أصلاً على الفوالق، لكن لا يمكن في الوقت الراهن تحديد حجم هذا الضغط أو الجزم بما إذا كان كافياً لإحداث كسر في الصخور أو تحفيز هزات وزلازل».

وتشدد البراكس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الأمر يحتاج إلى مراقبة علمية دقيقة للنشاط الزلزالي الطبيعي بعد التفجيرات. فإذا طرأ تغير غير طبيعي على هذا النشاط، فقد يشكل ذلك مؤشراً يستدعي القلق». إلا أنها تؤكد أن المركز لم يسجل حتى الآن نشاطاً غير طبيعي يمكن ربطه بهذه التفجيرات، لافتة في الوقت نفسه إلى أن حسم المسألة يحتاج إلى بيانات ودراسات أكثر دقة.

تلة علي الطاهر التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي وقام بتفجير شبكة أنفاق تابعة لحزب الله ليلة الخميس قرب بلدة النبطية، جنوب لبنان (أ ب)

خوف من تأثير التفجيرات المتكررة

وينظر الاختصاصي في إدارة وطب الكوارث الدكتور جبران قرنعوني إلى المسألة من زاوية أكثر إثارة للقلق. ويشير إلى أن «تلة علي الطاهر تقع على فالق الروم المتفرع عن فالق اليمونة، وهي منطقة تضم فوالق نشطة؛ ما يجعل تأثير التفجيرات المتكررة عليها موضع خشية، خصوصاً في ظل استمرار عمليات التفجير وبكميات كبيرة من المتفجرات».

وتوجَد في لبنان عدة فوالق زلزالية. يتركز فالق روم في جنوب لبنان، ويمتد من جزين، ويصل إلى بلدة روم الواقعة شرق صيدا، ثم ينحرف باتجاه إقليم الخروب والدامور حتى يصل إلى خلدة وراس بيروت، كما أن هناك فرضيات تقول إنه يمتد شمالاً إلى البحر الأبيض المتوسط.

ويقول قرنعوني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطر لا يُختصر بلحظة الانفجار نفسها؛ إذ إن التحدي يكمن في احتمال تراكم التأثيرات مع تكرار التفجيرات، لا سيما عندما تقع في مناطق قريبة من الفوالق».

لكنه يشير أيضاً إلى أن تحديد ما إذا كانت هذه العمليات قادرة فعلاً على تحفيز نشاط زلزالي يحتاج إلى تقييمات جيولوجية وزلزالية متخصصة.

وعما إذا كانت هذه التفجيرات تؤثر سلباً على إسرائيل أيضاً، وتعزز احتمالات حصول هزات وزلازل، يقول قرنعوني: «صحيح أنه لا يمكن الجزم، ولكن قد يتمكن الإسرائيليون من التحكم بعصف الانفجارات، فيكون توجهها شمالاً باتجاه لبنان لا جنوباً ليطال الشمال الإسرائيلي».

ولا تقتصر المخاوف المطروحة على الزلازل؛ فالتفجيرات العميقة والعنيفة يمكن أن تطرح، بحسب قرنعوني، أسئلة حول تأثير الضغط على الطبقات الصخرية والمياه الجوفية وشبكات الصرف الصحي في المناطق المحيطة، واحتمال حدوث أضرار في البنى التحتية أو تلوث مصادر المياه، في حال تضررت الشبكات واختلطت المياه المبتذلة بمياه الشرب.

المخاوف متواصلة منذ 2023

وهذه المخاوف ليست جديدة؛ فمنذ اندلاع الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، أكتوبر 2023، ومع توسُّع العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوباً خلال عام 2024، ثم استمرار عمليات التدمير والتفجير بعد ذلك، بدأ الحديث يتكرر عن الآثار التي يمكن أن تتركها التفجيرات المتعاقبة في مناطق تشهد أصلاً نشاطاً زلزالياً.

وأبرز المناطق التي شهدت تفجيرات كبيرة في السنوات الماضية كانت العديسة وكفركلا.

وسبق هذه التفجيرات تفجيران كبيران ضربا الضاحية الجنوبية لبيروت، حين استخدمت 85 قنبلة خارقة للتحصينات، تزن الواحدة منها ألفَي رطل، لاغتيال الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، وقنابل يصل وزنها إلى 73 طناً لاغتيال رئيس المجلس التنفيذي، هاشم صفي الدين.


«اتفاق أوسلو» بعد 33 عاماً: ليس حياً ولم يمت... فما الذي تبقَّى منه؟

القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)
القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)
TT

«اتفاق أوسلو» بعد 33 عاماً: ليس حياً ولم يمت... فما الذي تبقَّى منه؟

القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)
القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)

ربما لم يتبقَّ من «اتفاق أوسلو» الذي وُقع قبل 33 عاماً بين الفلسطينيين والإسرائيليين سوى سلطة بلا سلطة في الضفة الغربية، والكثير من الفوضى والدمار والدم في قطاع غزة، وقدس شرقية تماثل الغربية، وكلتاهما ترزحان تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. كان يُفترض أن تشكل المواقع الثلاثة جميعاً (الضفة وغزة والقدس الشرقية) «الدولة الفلسطينية» بعد 5 سنوات فقط من توقيع الاتفاق عام 1993، أو هكذا ظن وأمل الفلسطينيون حينها.

ومع ذلك لا يمكن اعتبار مشكلة «اتفاق أوسلو» الرئيسية أنه لم يأتِ بالدولة المرجوة فقط، بل إنه منذ توقيعه تراجعت في ظله قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم، وتقلصت، يوماً بعد يوم، المساحات التي تسيطر عليها.

لقد تغيرت وظيفة السلطة إلى حد كبير؛ إذ جعلتها الحكومات الإسرائيلية محاصرة وعاجزة وشبه مفلسة، مع كثير من المشكلات المالية والأمنية، ومشاكل داخلية لا تحصى تطولها وكل الفلسطينيين، في السياسة والأمن والأمان والرواتب والصحة والاقتصاد والكهرباء والماء والوقود والنظام المصرفي...

واليوم بعد 33 عاماً على الاتفاق، يجد الفلسطينيون أنفسهم في معركة رئيسية تقوم على منع تصفية القضية الفلسطينية وتهجيرهم من أرضهم، بعدما كانت معركتهم بعد الاتفاق هي معركة إقامة الدولة.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع «اتفاق أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

يمكن إلقاء اللوم - كل اللوم - على «اتفاق أوسلو» ومساره وخياره، وهذا ما يفعله كثير من الفلسطينيين، لكن لا يمكن إغفال طرفه الآخر؛ أي إسرائيل التي لم توقع ذلك الاتفاق لكي ينجح، وهذا بالضبط ما وعد به رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير آنذاك الجميع بمفاوضات تبدأ ولا تنتهي حتى لا يتبقى شيء للتفاوض حوله.

كما لا يمكن إغفال أن جزءاً كبيراً من الفلسطينيين أنفسهم لم يرد الاتفاق كذلك، وقد عملت فصائل مسلحة على إجهاضه حتى النهاية، بلا كلل ولا ملل، بكل ما أوتوا من قوة وأسلحة.

كان الكثيرون هنا وهناك يرونه خنجراً في الخاصرة، ويجاهرون بأنهم لا يريدونه، وهو في حقيقة الأمر لم يعطهم السلام أو الأمن، لكنه رغم ذلك ظل - حتى الآن - حياً لا يموت، حتى بعد «طوفان الأقصى» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أطلقته «حماس»، وجرف أشياء كثيرة، إلا ما تبقى من «اتفاق أوسلو».

ما «اتفاق أوسلو»؟

إنه «اتفاق إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 13 سبتمبر (أيلول) 1993. ونص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنشاء «سلطة حكم ذاتي لسلطة فلسطينية مؤقتة» ضمن مرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على قرارَي مجلس الأمن «242» و«338».

تحدث الاتفاق عن «وضع حد لعقود من المواجهة والنزاع»، وعن اعتراف كل جانب بـ«الحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة» للجانب الآخر.

وتعامل الاتفاق مع الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم بوضوح تام آنذاك، وتضمن أن تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا. وتبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، ولكن بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

كما جاء فيه أنه من المفهوم أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك.

وتمخض الاتفاق، كذلك، عن تشكيل لجنة الارتباط المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية من أجل معالجة القضايا التي تتطلب التنسيق وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، وكذلك المُنازعات.

ويقسم «اتفاق أوسلو» الضفة الغربية إلى 3 مناطق: «أ» و«ب» و«ج». وتتضمن المنطقة «أ» المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية، وتقع تحت السيطرة الفلسطينية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية، في حين تقع المنطقة «ب» تحت السيطرة الإدارية الفلسطينية، والسيطرة الأمنية لإسرائيل، وتبلغ مساحتها 21 في المائة من مساحة الضفة الغربية، أما المنطقة «ج» فتقع تحت السيطرة الإسرائيلية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 61 في المائة من مساحة الضفة الغربية. وبعد أكتوبر لم تعد إسرائيل تؤمن بهذه التقسيمات.

ماذا حدث بعد الاتفاق؟

كانت نصوص «أوسلو» سياسية وأمنية واقتصادية تنظم العلاقة بين الطرفين، فما الذي طُبّق منه على الأرض؟ وماذا بقي منه اليوم؟

بعد سنوات قليلة من التوقيع توقفت إسرائيل عن استكمال عملية انسحاب قواتها المقررة، وبدلاً من ذلك استباحت المناطق المصنفة «أ»، وهي الأراضي الواقعة تحت الولاية الأمنية الفلسطينية الكاملة، واتخذت إجراءات أدّت إلى تعطيل المرحلة الانتقالية الهادفة إلى تحقيق الاستقلال.

كانت إسرائيل تغتال وتقتل وتقتحم المناطق «أ»، وتبني المزيد من المستوطنات، وتضيق على السلطة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، كأن «أوسلو» لم يكن، ثم تطالب السلطة بمزيد من التنسيق الأمني وفق الاتفاق.

كذلك فإن الإسرائيليين الذين لم يريدوا «أوسلو» لم يسقطوه رسمياً، وأرادوه في غرفة العناية المركّزة لا حياً ولا ميتاً، ولم يكن الفلسطينيون يحبون «أوسلو»، لكنهم جاهدوا لإبقائه حياً رغم أنهم أعلنوا مراراً أنه منتهٍ.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

لم يستطع الفلسطينيون التخلص منه؛ لأنهم ببساطة لا يمكن لهم أن يحتفظوا بالسلطة من دون «أوسلو»، وهو ما يعني عودة الاحتلال؛ أي ألف خطوة للوراء، أما الإسرائيليون فإن إعلانهم أنهم في حِل منه يعني حل السلطة الفلسطينية وعودتهم إلى احتلال الضفة الغربية، وهو آخر ما يريدون أن يصلوا إليه. باختصار كان يمقته الجميع، لكنهم يريدونه، حتى إنه ظل يحاصرهم، وينتج اتفاقات أخرى.

مَلاحق «أوسلو»

يمكن القول إنه حتى سنوات طويلة جداً وجد الطرفان الفلسطينيون والإسرائيليون أنفسهم معلقين بـ«أوسلو»، وفي محاولة إبقائه على قيد الحياة عقد الفلسطينيون اتفاقات أخرى مع إسرائيل يمكن وصفها بمَلاحق «أوسلو»، مثل اتفاق «غزة – أريحا» (1994)، واتفاق «باريس الاقتصادي» (يوليو/ تموز، 1994)، واتفاقية «طابا» أو «أوسلو الثانية» (1995)، واتفاق «واي ريفر الأول» (1998)، و«واي ريفر الثاني» (1999)، ثم «خريطة الطريق»، ثم اتفاق «أنابوليس» (2007).

بعد ذلك عقد الطرفان سلسلة من الاجتماعات، ودفعوا إلى الأمام تفاهمات من بينها مفاوضات أطلقها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في 2013، وأخرى تم عقدها ثنائياً، وصولاً إلى اجتماعات خماسية أمنية في العقبة بالمملكة الأردنية وشرم الشيخ في مصر عام 2023، لكنها جميعها لم تنجح.

لم يلتزم الإسرائيليون بأي اتفاق عقدوه، بل أوصلوا السلطة إلى مرحلة ضعف غير مسبوقة بعدما غيروا إلى حد كبير وظيفتها، وبدأت تعيش واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق، تقلصت فيها المساحات التي تسيطر عليها من دون أفق سياسي واقتصادي، مع أزمة مالية خانقة، وأخرى أمنية، ويكفي ما أشارت إليه منظمة «السلام الآن» اليسارية الإسرائيلية حول أن اتفاقية «أوسلو» ساهمت بشكل كبير في زيادة عدد المستوطنات والمستوطنين في الأراضي الفلسطينية.

كان كل ذلك سواء «مكانك سِر» أو «للخلف دُر»، واقعاً أرادته إسرائيل، واستمر ذلك حتى «حرب الطوفان» التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023.

بعد الحرب تغير كل شيء، وبدأت إسرائيل ما يشبه حرباً ضد السلطة والفلسطينيين وحلم الدولة. بدا أن إسرائيل تريد التراجع عن «أوسلو» فعلاً وشطبه، ولا تريد الفلسطينيين، ولا تريد اتفاقاً يربطها بهم.

«أوسلو» ونتنياهو... و7 أكتوبر

لم يخفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه لا يريد «أوسلو»، وبعد أشهر من الحرب على قطاع غزة قال نتنياهو إن «اتفاق أوسلو» كان خطأ إسرائيل الكبير، زاعماً أن «السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و(حماس) في غزة يريدان تدمير إسرائيل... طرف يقول ذلك صراحة، والآخر يفعل ذلك من خلال التعليم والمحكمة الجنائية الدولية».

هجوم نتنياهو على السلطة لم يكن جديداً، لكنه الأوضح الذي يكشف جزءاً من خطته القائمة على تقويض السلطة. ومنذ السابع من أكتوبر 2023 بدأت إسرائيل تتعامل مع السلطة كأنها غير موجودة. صعّدت إسرائيل في الضفة الغربية، وهاجم الجيش مدناً ومخيمات وبلدات، واحتل بعضها بشكل دائم، وراح يقتل الفلسطينيين قصفاً بالطائرات ويعتقلهم، كما يدمر البنى التحتية، في حين تم إطلاق يد المستوطنين ليقتلوا ويهاجموا ويحتلوا مناطق شاسعة بالقوة.

وأثناء ذلك دفعت إسرائيل خطة لتوسيع المستوطنات القائمة وإقامة جديدة، وربطها معاً في أحزمة استيطانية متصلة، لخدمة فكرة توسيع الاستيطان من جهة، وتطويق وتقطيع الضفة وتشكيل جدار بين الضفة وإسرائيل من جهة ثانية.

كان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الدفاع، واضحاً عندما قال إنه لا يفعل شيئاً سرياً، وهو يعمل ضد السلطة في الضفة، ويسعى لمنع إقامة دولة فلسطينية عبر ما سماه «درع إسرائيل»، وهم المستوطنون.

دفع سموتريتش المستوطنين إلى مهاجمة الفلسطينيين، واحتلال التلال، وإقامة بؤر زراعية ورعوية إلى جانب المستوطنات الكبيرة. وبعدما كان المستوطنون يخشون السير في شوارع يسير فيها الفلسطينيون، تبدلت المعادلة. لقد أصبحوا مثل سرطان شرس ينتشر ويتمدد ويقتل.

خريطة الضفة المحاصرة

تُظهر الخريطة الحالية للضفة الغربية المدن الرئيسية جميعاً في المنطقة «أ»، المفترض أنها تحت حكم السلطة الفلسطينية، وهي محاطة بمستوطنات وبؤر وطرق التفافية في المنطقتين «ب» و«ج»، وبهذا تحولت المنطقة «أ» إلى جزر معزولة تماماً.

ويعيش في الضفة الغربية اليوم 940 ألف مستوطن في أكثر من 200 مستوطنة بعدما كانوا أثناء توقيع «اتفاق أوسلو» 248 ألفاً. وإضافة إلى ذلك يوجد في الضفة الغربية اليوم 243 بؤرة استيطانية جديدة لم تكن موجودة قبل «أوسلو»، وقد تم إنشاء 129 بؤرة رعوية في الضفة بعد 7 أكتوبر.

لم تكتفِ إسرائيل بذلك، بل أنشأت في الضفة نحو 1000 حاجز عسكري وبوابة في محاولة للمراكمة على فكرة سجن الفلسطينيين داخل المنطقة «أ».

نفق يوصل مدينة القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

لم يفكر سموتريتش في «أوسلو» كثيراً وهو يعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، كبرى مدن الضفة الغربية، في ضربة أخرى للسلطة الفلسطينية. قال سموتريتش آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود (أوسلو) عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

وأضاف سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وقالت «القناة 12» إن الخطوة تعني نهاية حقبة «أوسلو» في البلدة القديمة في قلب الخليل. وفعلاً أنهى سموتريتش «أوسلو» في البلدة القديمة في الخليل، وتسلم المهام هناك، وراح ينفذ أعمالاً مدنية مثل ترميم وسقف الحرم الإبراهيمي، الذي وصفه بأنه «أول ملكية سيادية لإسرائيل في الضفة».

سموتريتش يتوجه لحضور مؤتمر صحافي بشأن توسيع المستوطنات بالقرب من مستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية المحتلة يوم 14 أغسطس 2025 (رويترز)

لم يمنعه شيء، وربما كانت «بروفة» لما يجب أن يكون عليه الوضع في باقي المناطق، خصوصاً أنه قال إن أهم مهمة للحكومة الإسرائيلية القادمة هي إلغاء «اتفاق أوسلو»، وضم الضفة، وتهجير الفلسطينيين، باعتبار ذلك الحل الوحيد طويل الأمد.

تنافس يميني على إضعاف وإسقاط السلطة

والمطالبة بإسقاط السلطة الفلسطينية ليست حكراً على سموتريتش، بل إنها باتت محل تنافس بين تيار اليمين المتطرف الإسرائيلي، فسموتريتش يؤيده وزراء آخرون كثر، بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي هدد السلطة الفلسطينية بحرب شاملة.

وقبل ذلك أطلقت إسرائيل نظام «سجل الأراضي وتسوية الحقوق» الإلكتروني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة دراماتيكية من شأنها أن تعمّق عملية ضم الضفة، تاركة السلطة الفلسطينية بلا سيادة ووظيفة، والفلسطينيين بلا حماية قانونية.

وأظهرت هذه الخطوة، إلى جانب الخطوات الأخرى الكثيرة، تحولاً خطيراً في السياسة الإسرائيلية فيما يخص مستقبل السلطة الفلسطينية والضفة الغربية.

ويتيح فتح سجل الأراضي في الضفة الغربية (الطابو) لجميع اليهود معرفة أسماء الملاك الفلسطينيين للأراضي والتواصل معهم مباشرة أو الضغط عليهم بطرق مختلفة لشرائها، مما يسهل عملية الاستحواذ على الأراضي والعقارات. والأخطر أن هذا سيشمل للمرة الأولى المنطقة «أ»، وهي المنطقة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، والتي كانت ممنوعة على الإسرائيليين.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

واختراق «المناطق المحرمة» (أ وكذلك ب) هو الأكثر خطورة في المسألة؛ لأنه يلغي عملياً دور السلطة الفلسطينية في هذه المناطق؛ إذ لا تعود الجهة المخولة بتنظيم ملكية الأراضي والعقارات والبيع والشراء... كما أنه يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحية الرقابة والهدم في المنطقتين (اللتين تخضعان إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب «اتفاق أوسلو»).

ابتلاع الضفة وهندسة السيطرة

وقال معهد الحقوق في «جامعة بيرزيت» إن إسرائيل عملياً تبتلع الضفة، عبر إعادة هندسة السيطرة عليها، ما يعتبر ضماً فعلياً للأراضي المحتلة.

وأضاف أن إسرائيل تعزز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة، وتحدّ من دور السلطة الفلسطينية نحو إلغاء تدريجي لها، ما يشكل تحولاً ملموساً في موازين القوة على الأرض، كما أن ذلك يؤثر مباشرة على البنية القانونية لملكية الأرض في الضفة، وتغير التوزيع الديمغرافي وحقائق الوجود على الأرض، ويضفي «شرعية» على التوسع الاستيطاني، ويعد «تسهيلاً قانونياً» للاستيطان، وتغيير حقائق الأرض بشكل يصعب التراجع عنه لاحقاً.

وإضافة إلى الحصار السياسي والهجمات والسيطرة على الأرض ودفع الاستيطان، حاصرت إسرائيل السلطة مالياً، وأوقفت تحويل أموال المقاصة لها، ووضعتها في أزمة مالية معقدة وصعبة، في حين رفضت استقبال فائض الشيقل من البنوك الفلسطينية، ما خلق أزمة مالية أخرى.

واعتبرت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية أن السياسة التي تطبقها الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى إسقاطها وإلغاء اتفاقات أوسلو الموقعة بين الجانبين.

واتهمت «السلام الآن» حكومة بنيامين نتنياهو باتباع سياسة ممنهجة لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً وأمنياً بخرق الاتفاقات الموقعة في أوسلو، عبر توسيع الاستيطان ونقل صلاحيات في مناطق مصنفة «أ» و«ب» في الضفة الغربية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، محذرة من أن هذه الممارسات تمضي بإسرائيل نحو عملية ضم غير معلن للأراضي.

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ووصف التقرير «تصرفات الحكومة الإسرائيلية في المنطقتين (أ) و(ب)» بأنها «ليست حوادث معزولة»، بل «هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف في نهاية المطاف إلى إسقاط السلطة الفلسطينية وخلق فوضى تُمكّنها من توسيع المستوطنات في المدن والقرى الواقعة في عمق الضفة الغربية».

السلطة متمسكة بنهج «أوسلو» السلمي

إذن، بعد 33 عاماً بقي من «أوسلو» إسرائيل التي تتوسع مع صلاحيات أكبر، وسلطة ورئيس وأجهزة أمنية ووزارات، لكن بلا دولة مع صلاحيات أقل، ومستوطنين أكثر، وغزة مدمرة، وقدس تحت السيطرة الإسرائيلية... ومع ذلك تتمسك السلطة التي تعيش، اليوم، واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق بـ«اتفاق أوسلو» كاملاً.

وفي مايو (أيار) الماضي، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه متمسك بـ«اتفاق أوسلو» وبالاتفاقات اللاحقة، وبـ«منظمة التحرير» وبرنامجها القائم على وحدة النظام السياسي الفلسطيني والسلاح الواحد، وبالإصلاحات، وبإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في تأكيد على تمسكه بنهجه السلمي وسط سلسلة من الحروب الدامية في المنطقة.

وبخلاف ما يعتقده الكثيرون، أو يطالبون به، أكد عباس في كلمة ألقاها في أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» في رام الله، في مايو الماضي، أن ارتكاب نكبة جديدة في قطاع غزة، وقتل وجرح أكثر من 270 ألف فلسطيني هناك، وجعل القطاع غير قابل للحياة، والعمل على ضم الضفة الغربية من خلال قوانين سرقة الأراضي، وإطلاق إرهاب المستوطنين في الضفة، إضافة إلى استمرار احتجاز أموال الشعب الفلسطيني، ومحاصرة الاقتصاد، وارتكاب الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومحاولة تقسيم المسجد الأقصى... تتطلب العودة لتنفيذ الاتفاقات الموقعة: «اتفاق أوسلو»، و«اتفاق باريس الاقتصادي»، وتفاهمات العقبة وشرم الشيخ عام 2023، والتوقف عن اتخاذ الإجراءات الأحادية التي تنتهك القانون الدولي.

وأضاف: «(اتفاق أوسلو) الخياني بدّنا إياه، بدّنا نحافظ عليه»، متهكماً على الانتقادات التي تطول الاتفاق.

وفوراً هاجم عباس هجوم «حماس» في 7 أكتوبر، قائلاً: «أياً كان تقييم ما حصل في 7 أكتوبر، بين قوسين، المجيد (ساخراً)، إلا أن الأمور تقاس بخواتيمها»، مضيفاً: «ذُبحنا وهُجّرنا ودُمّرت بلادنا بسبب هذا العمل»، كأنما كان عباس يريد أن يقول ما يقوله الكثير من أنصاره وأبناء حركة «فتح» من أن «(أوسلو) أعاد الفلسطينيين إلى الوطن، ووضع لبنات الدولة، وجاء بمطار في غزة وميناء، و7 أكتوبر دمّر كل شيء، وهجّر الفلسطينيين إلى الخارج». لكن المنطق السابق يرد عليه مناهضو عباس و«فتح» بالسؤال: «لماذا تفتك إسرائيل بالضفة الغربية التي لم تأتِ بـ7 أكتوبر؟ ولماذا لا يحميكم (أوسلو)؟».

ولا يبدو أن حسم المواجهة بين المنطقين قريب، في حين يبقى التاريخ حكماً بين التجربتين، وتظل إسرائيل تواصل استباحة حلم الدولة الفلسطينية.