«حماس» أمام تحدي الحفاظ على الأسرى الإسرائيليين أحياء

بعضهم قُتل بالقصف أو مات نتيجة ظروف الاحتجاز... ومخاوف من وضع شبيه بما حصل للطيار رود أراد

صور محتجزات إسرائيليات في غزة خلال تجمع للمطالبة بإطلاقهن في تل أبيب يوم 14 نوفمبر الحالي (رويترز)
صور محتجزات إسرائيليات في غزة خلال تجمع للمطالبة بإطلاقهن في تل أبيب يوم 14 نوفمبر الحالي (رويترز)
TT

«حماس» أمام تحدي الحفاظ على الأسرى الإسرائيليين أحياء

صور محتجزات إسرائيليات في غزة خلال تجمع للمطالبة بإطلاقهن في تل أبيب يوم 14 نوفمبر الحالي (رويترز)
صور محتجزات إسرائيليات في غزة خلال تجمع للمطالبة بإطلاقهن في تل أبيب يوم 14 نوفمبر الحالي (رويترز)

أعاد بثّ حركة «الجهاد الإسلامي»، صباح الجمعة، تسجيلاً مصوّراً للرهينة الإسرائيلي ساشا تروبانوف، المحتجز في غزة، تسليط الضوء من جديد على أوضاع المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة، وسط تكتم كبير تبديه حركة «حماس» في شأن أعدادهم، أحياء كانوا أم أمواتاً. وتواجه الحركة في الواقع تحدياً كبيراً في الاحتفاظ بالأسرى أحياء، خصوصاً في ظل انقطاع الاتصال أحياناً بالجماعات المكلفة بحمايتهم.

وبثت «الجهاد الإسلامي» يوم الأربعاء، تسجيلاً مصوراً لتروبانوف المحتجز منذ هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، على بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية في غلاف غزة. وفي التسجيل الجديد الذي بُث الجمعة، ناشد تروبانوف، أرييه درعي زعيم حزب «شاس» العضو في الائتلاف الحاكم بإسرائيل، مساعدته وغيره من الرهائن المحتجزين في غزة.

وجاء ذلك في وقت قال فيه باسم نعيم عضو المكتب السياسي لـ«حماس»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، إن الحركة الفلسطينية «مستعدة» للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة حال تقديم عرض يقضي بذلك «على أن تلتزم به دولة الاحتلال»، داعياً «الإدارة الأميركية و(الرئيس المنتخب دونالد) ترمب للضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف العدوان والحرب على غزة والمنطقة وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني».

وكان «أبو عبيدة»، الناطق باسم «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، أشار أكثر من مرة في إطلالاته الإعلامية، إلى مصير مجهول ينتظر الأسرى الإسرائيليين بقطاع غزة، في تصريحات يبدو اليوم أنها باتت أكثر واقعية. فقد تحدث «أبو عبيدة»، في أكثر من خطاب له، عن أن الأسرى الإسرائيليين سيلقون مصيراً مماثلاً للطيار رون أراد الذي أُسر في لبنان عام 1986، ثم فُقدت آثاره ولا أحد يعرف مصيره منذ ذلك الحين. ويبدو أن هذا التحذير من الناطق باسم «كتائب القسام»، قد بدأ يتحقق في ظل أسئلة مطروحة عما إذا كانت «حماس» بدأت فعلاً تفقد قدرتها على الاحتفاظ بالأسرى أحياء، أم لا.

قتلى من الأسرى

جانب من مؤتمر صحافي في روما بإيطاليا يوم 14 نوفمبر الحالي للمطالبة بالإفراج عن أسرى محتجزين في قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول مصادر فلسطينية قريبة من أوساط «حماس» في غزة، إن عدداً من الأسرى الإسرائيليين قُتل سواء بسبب العمليات الإسرائيلية البرية أو القصف الجوي، أو نتيجة ظروف ميدانية وحياتية مختلفة بحكم ما يتعرض له قطاع غزة من حصار وقتل وتدمير وحرب تجويع طالت الأسرى وآسريهم. وأضافت المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا يمكن إعطاء رقم واضح ومحدد حول عدد القتلى من الأسرى الإسرائيليين، لكنّ هناك «عدداً لا بأس به» منهم قتل فعلاً للأسباب المذكورة آنفاً. وقد أعلنت «كتائب القسام» سابقاً عن مقتل بعضهم، لكن لم يتم الإعلان عن مقتل عدد آخر لأسباب عدة لم تتضح. وتشير المصادر إلى أن بعض الأسرى، خصوصاً في الأشهر الخمسة الأخيرة، مات أو قُتل نتيجة ظروف مرضية أو نتيجة إصابتهم بقصف إسرائيلي سابق، وبعضهم بسبب عدم توافر العلاج والطعام في مناطق معينة داخل قطاع غزة.

وتقدّر تقارير أمنية إسرائيلية بأن نصف ما تبقى من محتجزين داخل قطاع غزة، والبالغ عددهم 101، قد قتلوا فعلاً، وهو الأمر الذي لا تعلّق عليه «حماس» من منطلق رفضها منح إسرائيل «معلومات مجانية».

وتكتفي مصادر قريبة من «حماس» بالقول: «كل ما يمكن قوله إن كل يوم يمر من دون التوصل إلى اتفاق، ستفقد فيه إسرائيل مزيداً من أسراها الأحياء لينضموا إلى قافلة القتلى والوفيات».

مصير رون أراد

وتؤكد المصادر أن هناك أسرى فعلياً قد يواجهون مصير الطيار الإسرائيلي رون أراد، خصوصاً مع استمرار استهداف قوات الاحتلال خلايا كثيرة تقوم بحماية الأسرى الأحياء، أو حتى تحتفظ بجثث بعض الأسرى الذين قتلوا أو توفوا نتيجة ظروف معينة، ولا أحد يعرف بأماكنهم سواهم أو بعض الدوائر الأمنية المغلقة داخل «كتائب القسام».

وتوضح المصادر أن القوات الإسرائيلية استهدفت عناصر كثيرة كانت تحرس أسرى أحياء، سواء كانت تعرف عنهم ذلك أو لا تملك معلومات حولهم، وكانت تستهدفهم فقط لأنهم مجرد نشطاء في «القسام».

وتقول المصادر إن «الضغط العسكري الذي تتفاخر به المنظومة الإسرائيلية بالمستويين السياسي والعسكري هو الذي أودى بحياة عدد من الأسرى الإسرائيليين الأحياء، وبالتالي فإن على حكومة بنيامين نتنياهو أن تتحمل المسؤولية عن حياة من تبقى، ومن يمكن أن يلقى مصير رون أراد». وتضيف: «لا يمكن إخفاء حقيقة أن بعض المجموعات الآسرة قد انقطع بها الاتصال وبالأسرى لديها، ولا يعرف مصيرهم، ولذلك من الحتمي أن هناك بعض الأسرى، وربما جميعهم في حال عدم التوصل إلى اتفاق قريب قد يلاقون المصير نفسه الذي واجهه الطيار الإسرائيلي في لبنان عام 1986»، أي أن مصيرهم قد يصير مجهولاً.

لافتات في القدس تنادي بعقد صفقة لإطلاق الأسرى الإسرائيليين في غزة بجانب صورة لزعيم «حماس» يحيى السنوار وأخرى لزعيم «حزب الله» حسن نصر الله اللذين قتلتهما إسرائيل في سبتمبر وأكتوبر الماضيين (أ.ف.ب)

الصفقة الأولى

وكانت «حماس» خلال الصفقة الأولى التي سميت «الإنسانية»، في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، والتي أفرج بموجبها عن أكثر من 50 أسيراً إسرائيلياً، مقابل أكثر من 150 فلسطينياً غالبيتهم من الأطفال ما دون 18 عاماً والنساء وبعض المسجونين بأحكام بسيطة، لم تستطع الوفاء بالتزاماتها بالإفراج عن 10 أسرى آخرين في اليوم السابع من الهدنة، لأسباب لم تتضح حينها، إلا أنه لاحقاً تبين أن الحركة طلبت منحها مهلة يومين للبحث عن مزيد من الأسرى والتواصل مع المجموعات الآسرة بسبب صعوبات التواصل. إلا أن إسرائيل رفضت الطلب، فتم استئناف القتال حينها.

وتقول المصادر: «إن تلك الفترة كان التواصل فيها صعباً جداً، والآن يمكن تحقيق بعض التواصل، لكن هناك فعلياً مجموعات فُقد الاتصال بها كلياً، وقد يتكرر المصير نفسه مع مجموعات أخرى في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية».

ويبدو أن حركة «حماس» باتت فعلياً تخشى أن تفقد قدرتها على الاحتفاظ بالأسرى، وهذا يفسر قتلها 6 أسرى إسرائيليين في رفح قبيل وصول قوات الاحتلال إليهم في أحد الأنفاق التي كان يوجد فيها زعيم الحركة يحيى السنوار قبيل قتله، تحديداً نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي.

ومع استمرار استهداف إسرائيل لقيادات عسكرية ناشطة في «حماس» اضطرت الحركة إلى نقل حماية الأسرى من قادة الألوية والكتائب إلى درجات ميدانية أقل مثل قادة السرايا والفصائل وغيرهم. لكن تكرار استهداف هؤلاء، وبخاصة في الآونة الأخيرة، زاد تعقيدات القدرة الأمنية على توفير الحماية للأسرى، بحسب ما تقول مصادر مختلفة قريبة من أوساط الحركة.

صفقة جديدة صعبة

وبحسب المصادر نفسها، اضطرت «حماس» إلى نقل الأسرى في كثير من المرات، من مكان إلى آخر بسبب الاستهدافات المكثفة لأماكن وجودهم، كما اضطرت لدفن قتلى وموتى منهم في أماكن مختلفة، منها ما تعرض للقصف، بينما تم دفن آخرين في أنفاق وبقوا في أسفلها ولا يمكن العثور عليهم من دون عمليات حفر واسعة حتى الوصول إلى جثامينهم، وهذا ما قد يعقّد تفاصيل أي صفقة جديدة محتملة لتبادل الأسرى والمحتجزين.

وترجح المصادر أن تطلب حركة «حماس» عند بدء تسليم الجثامين أو الأسرى الأحياء، فترة من الوقت لتجهيز قوائم بمن هم أحياء ومن هم أموات أو الذين فقدوا، سواء كانوا على قيد الحياة أو ممن هم جثث، وذلك بسبب تعقيدات الوضع الميداني.

لكن، في المقابل، تؤكد مصادر قريبة من «حماس»، أن الحركة ما زالت تحتفظ بأسرى أحياء وقادرة على أن تطلب مقابلهم عدداً كبيراً من الأسرى الفلسطينيين، خصوصاً أن غالبيتهم من الجنود وهناك من بينهم ضباط. وتقول المصادر: «الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي، إما أن تتراجع وتتنازل حكومة نتنياهو عن شروطها وتلبي شروط المقاومة، أو أنها ستواجه العقاب من الداخل بعدما يفقد أهالي الأسرى الإسرائيليين أبناءهم ويلقون مصيراً مجهولاً في ظل تعنت حكومتهم بالتوصل إلى اتفاق».

وكانت قناة 13 العبرية، كشفت مساء الأربعاء، أن ممثل الجيش الإسرائيلي في فريق المفاوضات، وكذلك المسؤول عن ملف المفقودين والأسرى بالجيش، الجنرال نيتسان ألون، وجه تحذيراً للمستوى السياسي من أنه مع دخول فصل الشتاء، فإنه قد يتم فقدان مزيد من الأسرى، وإن الظروف الميدانية وما يفعله الجيش على الأرض يحقق فرصة من أجل التوصل إلى صفقة يتم بموجبها إنقاذ الأسرى المتبقين على قيد الحياة.

وقال ألون في رسالته لحكومة نتنياهو، إن الوقت ينفد ووضع المختطفين يزداد سوءاً، ولن يتحملوا أكثر من ذلك، وإنه يجب اغتنام الفرصة الحالية للتوصل إلى صفقة. لكن ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال إن هذه تقارير كاذبة، وإن «حماس» هي من تعرقل صفقة تبادل الأسرى، مشيراً إلى تصريحات تؤكد ذلك أدلى بها مسؤولون أميركيون بينهم مستشار الأمن القومي جيك سوليفان.


مقالات ذات صلة

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، جولة «مختصرة» إلى لوكسمبورغ وفرنسا، حيث وفرت له محطته الأولى فرصة للتواصل مع الاتحاد الأوروبي الذي كان وزراء خارجيته يعقدون اجتماعاً دورياً. وعرض سلام وضع لبنان الواقع بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله»، وما يطمح إليه من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وجاءت كلمته أمام الوزراء الأوروبيين واضحة لجهة عرض موقف لبنان ومطالبه، وأهمها اعتبار أن وضع حد للحرب الأخيرة يعد «ضرورة» بالنسبة إليه كونه يعاني من «وضع داخلي أضعف الدولة»، لافتاً إلى أن الدولة التي «لا تمسك بقرار السلم والحرب تبقى دائماً في خطر».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على مدخل قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء (أ.ب)

وأوضح سلام: «لا يمكن أن تقوم دولة مستقلة من غير أسس السيادة ولا سيادة من غير سلطة رسمية واحدة تمسك بناصية القرارات الوطنية». وشرح سلام ما يتوقعه لبنان من المفاوضات، إذ إن هدف الدولة «الاستفادة من الفرصة المتوافرة من أجل التوصل إلى حل نهائي» مع إسرائيل.

ورغم أن سلام لم يعد بقرارات أوروبية جديدة تتناول لبنان، فإنه حصل على دعم سياسي ودبلوماسي لمساعدته على استعادة استقرار لبنان من جهة وتعزيز خياراته وأساسها التوجه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وحسب وزير خارجية لبناني سابق، من المهم للبنان أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ما يسمى «الدبلوماسية العامة» لما لها من أثر مباشر على الرأي العام الخارجي، بدل الاكتفاء بالحوار الداخلي بين الأطراف وانتظار زوار الخارج، سيما أن لبنان يعد «الحلقة الأضعف في النزاع الحالي»، وهو بحاجة إلى كل أنواع الدعم.

محطة باريس

بين لوكسمبورغ وباريس، تعد المحطة الثانية الأكثر أهمية بالنسبة للبنان وللعلاقة مع فرنسا. وليس سراً أن باريس لم تستسغ امتناع لبنان عن الرد على يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في واشنطن، عقب لقائه السفيرة اللبنانية ندى معوض حماده، والذي دعا فرنسا إلى «البقاء بعيداً» عن أي مفاوضات مع لبنان.

وكانت فرنسا تفضل أن يصدر رد على ليتر يتضمن تمسكاً بمواكبة لا بل بحضور فرنسي في المفاوضات على غرار ما حصل في خريف 2024 في سياق الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل «آلية الرقابة» أي «الميكانيزم» وضمت آنذاك الولايات المتحدة وفرنسا معاً. وأفادت مصادر الإليزيه أن «فرنسا جزء من البلدان التي لها دور ملموس جداً ومباشر في تعزيز موقع الحكومة اللبنانية» و«دعم عملها بشكل ملموس للغاية» لجهة مساعدتها على نزع سلاح «حزب الله»، مضيفة أن الأميركيين والإسرائيليين «يعون ذلك تماماً».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء سلام خلال المؤتمر الصحافي عقب انتهاء محادثاتهما (أ.ف.ب)

فرنسياً، استفاد ماكرون من المؤتمر الصحافي المشترك مع سلام للرد، إذ قال: «الوجود حول طاولة المفاوضات أو عدم الوجود مسألة ثانوية... وفرنسا ليست بحاجة إلى هذه الطاولة حتى تكون إلى جانب لبنان. صداقتنا لهذا البلد لا تحتاج إلى طاولة». وأفادت مصادر فرنسية بأن باريس شعرت بنوع من «الإجحاف» عندما «نسي» الرئيس اللبناني جوزيف عون توجيه الشكر لها لجهودها في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله»، مكتفياً بشكر «الصديق» ترمب والمملكة العربية السعودية. لذا، فإن مصادر الإليزيه وفي حوار عن بُعد مع مجموعة صحافية، شددت على أهمية الدور الذي لعبه ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية. بيد أن قراءة واقع الحال تبين أن إصرار لبنان على المشاركة في المفاوضات ما كان ليغير شيئاً، لأن القرار النهائي لدى الولايات المتحدة مكسوبة الولاء لإسرائيل التي «تناهض» كل ما تقوم به باريس.

خيارات ماكرون

ما أكده ماكرون في المؤتمر الصحافي هو أن فرنسا «تدعم لبنان دون تحفظ» في خيار اللجوء إلى المفاوضات المباشرة. وفرنسا، كما لبنان، تدعو إلى «تمديد الهدنة» وإعادة إحياء «آلية الرقابة» كونها تدفع باتجاه «ديمومة الاستقرار الذي لا يمكن أن يكون دائماً إلا بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية»، بالإضافة إلى «تخليها عن أي أطماع» بالأراضي اللبنانية. ودعا تل أبيب إلى أن تعي أن ضمان أمنها «لا يأتي إلا عبر دولة لبنانية قوية وليس عن طريق سياسة زرع الفوضى».

صورة لما تبقى من منزل في بيت ليف قصفته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك تبنى ماكرون مقاربة الدولة اللبنانية باعتبار ما قام به «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار) بتوجيه عدة صواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية بمثابة «خطأ استراتيجي كبير» وربط استقرار لبنان بنزع سلاحه، منوّهاً أن هدفاً مثل هذا «لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي اللبنانيين أنفسهم وبدعم من الأسرة الدولية». ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن حصرية السلاح «لا يمكن أن تتوافر بعصى سحرية» بل يجب أن «تندرج في إطار استراتيجية سياسة شاملة».

كذلك أكد ماكرون أن فرنسا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان بعد رحيل قوة «اليونيفيل» نهاية العام الحالي، وتسعى إلى أن تقوم بهذا العمل مع شركائها «الأكثر تعبئة» ووفق ما تريده وتقرره الدولة اللبنانية. وفي سياق تعداد ما تقوم به باريس لدعم الجيش وتقديم المساعدات الإنسانية والتربوية، وبالطبع الدعم السياسي، أضاف إليها استعداد باريس للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الهجمات الإسرائيلية. ووجه ماكرون رسالة تحذيرية لإسرائيل تقول إنه «طالما أن هناك قوة تحتل أراضي لبنانية وتقصف لبنان، فإنها بذلك تضعف إمكانية نزع سلاح (حزب الله)».

ما سبق يؤكد أن باريس، وبغض النظر عن المطبات السياسية والدبلوماسية، عاقدة العزم على مواصلة مساعدة لبنان في هذه المحنة الجديدة رغم أن مواقفها تثير حفيظة إسرائيل وتفاقم توتر العلاقات الثنائية، المتوترة أصلاً. ووفر اللقاء لسلام فرصة لتوجيه عدة رسائل للداخل اللبناني وأولها أن المفاوضات المباشرة «ليست علامة ضعف لكنها عمل مسؤول لاكتشاف كل السبل التي تساهم في استعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه».

وإزاء من يتهمه بالخيانة في لبنان ويكيل له التهم والشتائم حرص على تأكيد أنه «لا يسعى للمواجهة مع (حزب الله)، بل إنه يفضل تجنبها». ولمن يتهمونه بالضعف استدرك قائلاً بلهجة حازمة: «صدقوني، لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».


إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».