إسرائيل تواصل سياسة الأرض المحروقة في جنوب لبنان

«حزب الله» «يتقشّف» بالصواريخ ويزيد عدد المسيرات مستهدفاً قاعدة بحرية ومطاراً عسكرياً قرب حيفا

الدمار الذي أصاب مبنى «المنشية» الأثري على مقربة من قلعة بعلبك في البقاع (إ.ب.أ)
الدمار الذي أصاب مبنى «المنشية» الأثري على مقربة من قلعة بعلبك في البقاع (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تواصل سياسة الأرض المحروقة في جنوب لبنان

الدمار الذي أصاب مبنى «المنشية» الأثري على مقربة من قلعة بعلبك في البقاع (إ.ب.أ)
الدمار الذي أصاب مبنى «المنشية» الأثري على مقربة من قلعة بعلبك في البقاع (إ.ب.أ)

واصل الجيش الإسرائيلي اعتماد سياسة الأرض المحروقة في جنوب لبنان عبر تفجير مزيد من القرى الحدودية، مستمراً في محاولة التقدم نحو مدينة بنت جبيل الحدودية، فيما كثّف «حزب الله» هجماته بالمسيرات، كما بالصواريخ المتوسطة، في وقت يسجَّل تراجع في عدد الصواريخ القصيرة المدى التي يطلقها «حزب الله» في الفترة الأخيرة.

وركّز «حزب الله» قبل توسيع الحرب، على استهداف المواقع العسكرية والمستوطنات والبلدات الإسرائيلية القريبة من الحدود، التي كان يقصفها برشقات من صواريخ قصيرة المدى مثل «الكاتيوشا»، التي يعتقد أن الحزب يمتلك آلافاً منها... لكن مع إخلاء تلك البلدات، تراجع الحزب إلى العمق اللبناني بفعل العملية البرية الإسرائيلية، وبات يطلق صواريخ متوسطة المدى ليطول فيها مناطق بعيدة في العمق الإسرائيلي مثل عكا وحيفا وصفد وصولاً إلى تل أبيب، وهي تحتاج إلى صواريخ نوعية، عادة لا تُطلق على شكل رشقات، مثل «الكاتيوشا».

«حزب الله» يتقشّف بصواريخه ويستهدف قاعدة بحرية ومطاراً عسكرياً قرب حيفا

واصل «حزب الله» إطلاق صليات الصواريخ والمسيرات باتجاه شمال إسرائيل في عمليات دقيقة، لكن مع تسجيل تراجع في أعداد الصواريخ التي تقدر ما بين 120 و150 صاروخاً يومياً، بعدما كانت قد وصلت في شهر أغسطس (آب) الماضي إلى أكثر من 300 صاروخ يومياً.

وأعلن «حزب الله»، الجمعة، عن استهدافه قاعدة بحرية إسرائيلية ومطاراً عسكرياً قرب مدينة حيفا، للمرة الثانية في أقل من 24 ساعة، فيما أدّت صواريخه إلى توقف مباراة لكرة القدم وهروب اللاعبين في مستوطنة «كفار سابا»، بعد تفعيل صفارات الإنذار تحذيراً.

وقال الحزب، في بيان له، إن مقاتليه استهدفوا برشقة «صاروخية نوعية» قاعدة «ستيلا ماريس البحريّة» الواقعة شمال غربي مدينة حيفا، التي قال إنها تضم قاعدة رصد ومراقبة بحرية، كما أعلن عن استهداف قاعدة ومطار رامات ديفيد، جنوب شرقي حيفا، برشقة «صاروخية نوعية».

وبعد الظهر، أفاد الجيش الإسرائيلي بإطلاق 5 صواريخ من لبنان باتجاه شمال إسرائيل ووسطها، مشيراً إلى أنه تم اعتراض بعضها، وسقط صاروخ في الجليل الغربي. وبعدما كانت قد أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن صفارات الإنذار دوّت في تل أبيب والجليل الأعلى وخليج حيفا، أشارت إلى تسلّل مسيرات باتجاه الجليل الأعلى، وسقوط صاروخ في أحد المنازل في عكا.

وأعلن بعد ذلك أنه استهدف عصراً قاعدة «تل نوف الجوية» جنوب تل أبيب بصلية صواريخ. وتحدثت قناة «المنار» التابعة لـ«حزب الله» عن تزامن غير مسبوق لاستمرار الصليات الصاروخية واختراق المسيرات من ضواحي تل أبيب وحيفا ونهاريا وعكا إلى الجليل الأعلى وإصبع الجليل، حيث استمرت صافرات الإنذار تدوي لمدة ساعة كاملة.

وعن تراجع عدد صواريخ «حزب الله»، يقول رئيس مركز «الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري» (أنيجما)، رياض قهوجي، إن «الحزب بدأ ترشيد الصواريخ كي يستطيع الاستمرار في الحرب، خصوصاً إذا طال أمدها». وعبّر لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده أنه سوف يسجَّل تراجع في إطلاق الصواريخ أكثر إذا طالت الحرب، لأن الحزب فقد كثيراً من مخازن الأسلحة والصواريخ، مشيراً إلى أن «المصنع الأساسي للصواريخ هو في منطقة مصياف في سوريا، وهناك محدودية في قدرة التحرك داخلياً وعبر الحدود بسبب الوجود المستمر للمسيرات الإسرائيلية وكثافة الغارات». من هنا، يقول قهوجي: «(حزب الله) يقنن استخدام الصواريخ الموجودة في أنفاقه حتى يستمر في المعركة التي لا يعلم إلى متى ستطول».

ومقابل تقشفه باستخدام الصواريخ، يستمر «حزب الله» في استخدامه المسيرات، التي يلفت قهوجي إلى أنها أظهرت قدرة أكبر على الاختراق لأنها تستطيع المناورة والتحليق على ارتفاع منخفض، وبالتالي هي أكثر نجاحاً.

الجيش الإسرائيلي: مركز تدريب لـ«حزب الله» على مقربة من موقع «اليونيفيل»

وبعد استهدافات إسرائيلية عدة طالت مواقع تابعة لقوات «اليونيفيل»، قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه دمّر مركز تدريب على مقربة من موقع قوات «اليونيفيل». وقال، في بيان له، إنه «رصد مركز تدريب تابعاً لـ(حزب الله) يبعد نحو 200 متر عن موقع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الجنوب اللبناني، وصادر أسلحة ووثائق هناك».

ولفت، في بيان له، أن «المبنى استخدمه مسلحون لأغراض التدريب وتخزين كميات كبيرة من الأسلحة، كما كان يحوي منصات إطلاق صواريخ تم تجهيزها لقصف تجمعات سكنية إسرائيلية»، مشيراً كذلك إلى أن «الجيش الإسرائيلي عثر أيضاً على وثائق توضح الأساليب التي يتبعها (حزب الله) في عملياته وخرائط لإسرائيل وفتحات أنفاق»، لافتاً إلى أنه تم تدمير المبنى.

إسرائيل تستمر باعتماد سياسة الأرض المحروقة

واصل الجيش الإسرائيلي، الجمعة، سياسة الأرض المحروقة، حيث قام بتفجير منازل داخل 3 بلدات محيطة لبنت جبيل. وقالت الوكالة الوطنية للإعلام: «يُسجل منذ الصباح قيام جيش العدو الإسرائيلي بأعمال تفجير داخل بلدات يارون وعيترون ومارون الراس في منطقة بنت جبيل، تستهدف تدمير منازل سكنية فيها». وأفادت عن شنّ «الطيران الحربي الإسرائيلي» غارة جوية مستهدفاً مدينة بنت جبيل القريبة، التي تحظى برمزية خاصة لدى «حزب الله»، إذ ألقى أمينه العام السابق حسن نصر الله من ملعبها عام 2000 خطاب «التحرير» بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بعد 22 عاماً من احتلاله.

وتحاول القوات الإسرائيلية منذ أيام التقدم في منطقة بنت جبيل، في إطار عمليات توغل بري في جنوب لبنان بدأتها في 30 سبتمبر (أيلول).

وحصلت الجمعة مواجهات عند محور العديسة، وأعلن «حزب الله» في بيانات متفرقة عن استهدافه «تجمعاً للقوات الإسرائيلية في جل الحَمّار جنوب بلدة العديسة، وتجمعاً آخر في مستوطنة مرغليوت ومسكفعام المقابلة بصلية صاروخية».

وتعرّضت بلدات حدودية عدة في جنوب لبنان في الأسابيع الأخيرة لعمليات تفجير، فيما تقول إسرائيل بين الحين والآخر إنها تفجر أنفاقاً وبنى تحتية ومستودعات لـ«حزب الله» في المنطقة الحدودية، وأحصت الوكالة الوطنية للإعلام عمليات تفجير إسرائيلية في 7 قرى حدودية على الأقل، بينها بلدة محيبيب الواقعة على تلة والمحاذية لميس الجبل.

تحذير جديد لأهالي الجنوب وانتشال 4 جثث من الخيام

وفيما ساد الهدوء الحذر في الضاحية الجنوبية لبيروت نهاراً، لم يتوقف القصف الإسرائيلي باتجاه البقاع والجنوب، حيث هدّد الجيش الإسرائيلي باستهداف الطواقم الصحية.

جانب من الدمار الذي لحق بالضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة القصف الإسرائيلي (رويترز)

وفي البقاع، استهدفت غارات إسرائيلية بلدات حربتا غرب قضاء بعلبك، وحوش السيد الحدودية مع سوريا شمال الهرمل، فيما سقط 4 قتلى في غارة استهدفت بلدة الغندورية في الجنوب، وأدى القصف المدفعي الذي طال محيط برك رأس العين وسهل القليلة، جنوب مدينة صور، إلى إصابة 6 سوريين، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام»، مشيرة إلى أنها المرة الأولى التي تتعرض فيه المنطقة للقصف بالقذائف الثقيلة من عيار 155 مليمتراً.

واستهدف القصف المدفعي لأول مرة منذ بداية الحرب قرى ضمن صور، هي حانين وشقرا والطيري وكونين، بحسب الوطنية.

ووجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي تحذيراً إلى سكان جنوب لبنان، عبر حسابه على منصة «إكس» طالباً منهم عدم العودة إلى منازلهم في الجنوب وإلى حقول الزيتون. وقال: «هذه مناطق قتال خطيرة. كما نلفت انتباهكم من جديد إلى قيام (حزب الله) باستخدام سيارات الإسعاف لنقل مخربين وأسلحة، لذا نحذر من استمرار هذه الظاهرة، وندعو الطواقم الطبية إلى تجنب التعامل مع عناصر (حزب الله) وعدم التعاون معهم. جيش الدفاع يؤكد أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد أي مركبة تنقل مسلحين بغضّ النظر عن نوعها».

وتمكنت الجمعة فرق «الصليب الأحمر» الدولي و«الصليب الأحمر» اللبناني وقوات «اليونيفيل» من انتشال 4 جثامين من تحت الأنقاض في وطى الخيام سقطوا في غارات إسرائيلية الأسبوع الماضي، فيما يستمر البحث والتأكد من عدم وجود مزيد من القتلى قبل إنهاء البحث، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».


مقالات ذات صلة

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

المشرق العربي سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي صورة نشرتها الرئاسة اللبنانية في 17 أبريل 2026 تُظهر الرئيس اللبناني جوزيف عون وهو يلقي خطاباً متلفزاً للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي شرق العاصمة بيروت (أ.ف.ب) p-circle

عون: لن أقبل باتفاقية ذلّ مع إسرائيل... والخيانة يرتكبها من جرّ البلاد للحرب

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، الاثنين، أن الهدف من التفاوض المباشر مع إسرائيل هو إنهاء الحرب، عادَّاً أن من جرّ البلاد إليها هو من يرتكب «الخيانة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

«حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال...

فاطمة عبد الله (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هش لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، ما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، ما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفته بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، ما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجت تحت القصف من دون أن تتمكن من حمل أي من مقتنياتها، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام أنّ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآني)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه للمرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، ما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».


إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)

قرر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عدم تحويل أي أموال من العوائد الضريبية «المقاصة» التابعة للسلطة الفلسطينية لهذا الشهر، على الرغم من وصول السلطة إلى مرحلة أصبحت فيها شبه عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وتأمين مصاريفها التشغيلية، وهو ما يعمق أزمتها إلى حد غير مسبوق.

وقالت «القناة 7» الإسرائيلية، الاثنين، إن سموتريتش قرر عدم تحويل أي مبالغ هذا الشهر للسلطة، مواصلاً نهجه السياسي والاقتصادي المتشدد ضدها.

وحسب قرار سموتريتش، فإنه «من إجمالي مبلغ يزيد عن 740 مليون شيقل (الدولار يساوي 3 شيقلات) تم جمعها هذا الشهر، جرى تخصيص نحو 590 مليون شيقل منه لتسديد ديون مترتبة على السلطة الفلسطينية لصالح شركات الكهرباء والمياه والهيئات البيئية.

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

إضافةً إلى ذلك، قال الوزير الإسرائيلي إنه جرى تعويض الأموال التي خصصتها السلطة لتحويلها إلى الجماعات (الإرهابية) وعائلات (الإرهابيين) في إشارة إلى ما تدفعه السلطة رواتب لأسر «الشهداء والأسرى».

ونص القرار الإسرائيلي كذلك على «تجميد المبلغ المتبقي وعدم تحويله» كجزء من سياسة مستمرة منذ عام تقريباً، احتجاجاً على ما يقول سموتريتش إنه «نشاط السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية (مثل محكمة لاهاي) وتشجيعها للإرهاب»، وفق زعمه.

ودفعت السلطة هذا الشهر مبلغاً مقطوعاً لجميع الموظفين (2000 شيقل)، وكانت دفعت الشهر الذي سبقه (50 في المائة من الراتب) فيما كانت تدفع عادة 70 في المائة من الراتب، ما يؤكد تراجع قدرتها على تأمين الرواتب شهراً بعد شهر.

وتعتمد السلطة الفلسطينية بشكل أساسي على عائدات الضرائب في تغطية رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية بالإضافة إلى الدعم الدولي.

ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ حوالي عام بشكل كامل.

وبموجب «اتفاق أوسلو» الموقع عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، تجمع وزارة المالية الإسرائيلية الضرائب نيابةً عن الفلسطينيين عند استيراد السلع من الخارج إلى السلطة الفلسطينية، وتقوم بتحويلات شهرية إلى السلطة الفلسطينية مقابل عمولة 3 في المائة، وتشكل هذه الأموال عادة ما نسبته 75 في المائة من إيرادات السلطة.

ما قيمة المحتجز؟

تقدر السلطة الفلسطينية أموالها التي تحتجزها إسرائيل بأكثر من 14 مليار شيقل (4.5 مليار دولار أميركي).

ومع استمرار الأزمة لوقت طويل أصبحت السلطة مديونة للقطاعين العام والخاص، إضافة إلى جهات خارجية محتملة، وقد قفزت الميدونية العامة العام الماضي إلى 15.4 مليار دولار.

وتمثل فاتورة الراتب العبء الأكبر على الخزينة، إذ تصل إلى مليار و50 مليون شيقل سنوياً (340 مليون دولار).

وفي مواجهة هذا الوضع، قررت الحكومة الفلسطينية اعتماد سياسة صفر توظيف ضمن مشروع موازنة طواريء لعام 2026، وتبني نهج تقشفي صارم لإدارة الموارد وضبط الإنفاق، ثم وجه رئيس الوزراء محمد مصطفى هذا الشهر بخصم رسوم ترخيص المركبات والرخص الشخصية للموظفين العموميين لعام 2026 من رصيد مستحقاتهم.

وتدرس الحكومة إمكانية إطلاق محفظة مالية إلكترونية، للموظفين، تمكنهم من تسديد التزاماتهم لمزودي الخدمات الأساسية إذا ما انخفضت أكثر نسبة الراتب.

والأسبوع الماضي التقى مصطفى، على هامش اجتماعات المانحين والتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، في بروكسل، عدداً من المسؤولين الأوروبيين والدوليين، بحضور وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة، وشرح خطورة الوضع الذي تمر به السلطة، وطلب مساعدات طارئة وشبكة أمان مالية.

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل (إ.ب.أ)

وقال مصطفى، الأحد، إن «حصار الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية بما فيها القدس، عبر أدوات سياسية وأمنية واستعمارية، إضافة إلى استمرار اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية».

وأضاف: «هذه الاقتطاعات تصاعدت خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، حيث لم تحول إسرائيل أياً من عائدات الضرائب والجمارك إلى خزينة دولة فلسطين»، وأضاف: «لم نتسلم قرشاً واحداً».

واعتبر مصطفى أن هذه الإجراءات تمثل «احتلالاً آخر»، مؤكداً أن الحكومة لم تكن في فترات قادرة على تأمين حتى ألف شيقل للموظفين. وحذر من أن الأشهر الستة المقبلة ستكون «صعبة جداً».


اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
TT

اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)

تبقى الأنظار اللبنانية مشدودة للقاء يُعقد الأربعاء بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي والحكومة نواف سلام؛ كونه يشكل أول محطة سياسية تجمعهم منذ بدء اللقاء التحضيري الأول بين سفيرَي لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة الأميركية لانطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، لعل عامل الوقت يؤدي لانفراج في العلاقات الرئاسية، ويفتح الباب أمام توصلهم لمقاربة موحدة حيال المفاوضات المباشرة التي لا يحبذها برّي، ويقاومها «حزب الله» بشدة ويتعامل معها، كما قال أمينه العام نعيم قاسم، على أنه غير معني بها، وذلك في بيانه الذي أذاعه استباقاً لانعقاد اللقاء لتسخين الأجواء وتعميق الانقسام بينه وبين الأكثرية الساحقة المؤيدة للمفاوضات، في حين تشتعل حربه مع إسرائيل في جنوب لبنان، ما يزيد من حجم التدمير الممنهج للقرى والتهجير لسكانها.

فلقاء الرؤساء يأتي بعد طول انتظار، وهو ثمرة الجهود التي قام بها مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان في زيارته الأخيرة لبيروت، واضعاً حداً لكل ما يتردد عن انقطاع التواصل بينهم لعله يؤدي لإحداث انفراج في العلاقات الرئاسية، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد مع تصاعد وتيرة المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، ما يستدعي توحيد الموقف اللبناني مع ارتفاع منسوب المخاوف من استخدام الجنوب ساحة مفتوحة بالنار لتبادل الرسائل بين الحزب وإسرائيل.

مزارعان يقطفان الفول الأخضر خلال الهدنة المفترضة في بلدة راس العين بجنوب لبنان (رويترز)

لذلك يبدو، بحسب المصدر، أن تبادل الرسائل بلجوء كل طرف منهما إلى تحميل الآخر مسؤولية خرق الهدنة لن يحجب الأنظار عن دخول إيران على خط التصعيد، من خلال الحزب الذي ينوب عنها، كما يتهمه خصومه، للضغط على الولايات المتحدة لتعاود التفاوض معها، من دون أن يكف عن توجيه الشكر لها بذريعة أنها كانت وراء التوصل مع واشنطن لوقف النار الذي لا يشمل الجبهة الإيرانية فحسب، وإنما ينسحب على لبنان، وهذا ما يكمن وراء إصرار الحزب على ربط مصيره بحليفه الإيراني، من دون أن يدرك مخاطر الانزلاق لأقصى المواجهات العسكرية مع إسرائيل في ظل اختلال توازن الردع، وإن كان يدرجها بخانة الدفاع عن النفس.

وفي هذا السياق، سأل المصدر «حزب الله» عن الأسباب الكامنة وراء عدم صمود الهدنة على جبهة الجنوب، ولماذا لم تتدخل إيران لتثبيتها لئلا تتحول، كما هو حاصل الآن، إلى هدنة هشة بخلاف ثباتها على الجبهة الإيرانية رغم أنه لم يتقرر تمديدها بصورة رسمية بخلاف تجديد مفعولها لثلاثة أسابيع على الجبهة الجنوبية؟

ولفت إلى تبادل الاتهامات بين الحزب وإسرائيل حول خرق الهدنة من دون أن يمتد إلى العمق اللبناني بشموله بيروت وضاحيتها الجنوبية وربما البقاع، وذلك بضغط أميركي على إسرائيل التي تمضي في حربها على الحزب لإطباق سيطرتها بالكامل على المنطقة الصفراء وصولاً إلى البلدات الواقعة في شمال نهر الليطاني والمطلة على جنوبه.

وأكد المصدر أن إسرائيل تضغط في المقابل على لبنان للتسليم بشروطها لبدء المفاوضات لتأتي نتائجها على قياس طموحاتها الأمنية والسياسية، ولانتزاع موافقة عون، مع التحضير لبدئها، بلقاء رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو برعاية ترمب الذي يتفهم، كما يقال لبنانياً، الدوافع التي يتمسك بها عون للحؤول دون عقده، ويمتنع في نفس الوقت عن الاستعاضة عنه بإجراء اتصال هاتفي مثلث الأطراف يجمعهما بالرئيس الأميركي.

وقال إنه لا جدوى من الضغوط الإسرائيلية على لبنان لإلزام عون مكرهاً بلقاء نتنياهو؛ لأنه لا عودة عن قراره بحرق المراحل والاستجابة للقائه الذي يبقى معلقاً على ما ستتوصل إليه المفاوضات، آخذة بعين الاعتبار الثوابت الوطنية التي لا يحيد عنها، وكان رسمها كأساس لبلوغ النتائج المرجوة منها، وهي تشكل نقطة التقاء بين الرؤساء الثلاثة من موقع التباين بين عون وسلام من جهة، وبرّي برفضه المفاوضات المباشرة من جهة ثانية، مع أن الأخير كان قال كلمته في هذا الخصوص، ولم يُشهر سلاحه في وجه عون، ولن يكون منزعجاً إذا توصلت إلى ما يصبو إليه لبنان ويُجمع عليه الرؤساء، بخلاف حملات التهديد والتخوين التي يتزعمها حليفه «حزب الله»، من دون أن يقترح البديل بدعوته عون للتخلي عن الخيار الدبلوماسي لتحرير الجنوب من الاحتلال.

ورأى المصدر أن الانتكاسة الأمنية غير المسبوقة التي شهدتها بيروت على خلفية الخلاف الذي حصل بين أحد أصحاب المولّدات الكهربائية وجهاز أمن الدولة، سيحضر بامتياز على طاولة لقاء الرؤساء لمنع تكراره، وخصوصاً أنه أدى إلى إحداث فوضى عارمة من جراء لجوء أنصار صاحب المولّد إلى قطع الطرق في معظم شوارع الشطر الغربي من العاصمة، وكادت الاحتجاجات تتوسع لولا تدخل وحدات الجيش في الوقت المناسب للسيطرة على الوضع وإخلاء الشوارع من المحتجين وفتح الطرق، ولا سيما أن الإشكال استدعى تدخلات على أعلى المستويات الدينية والرسمية والسياسية لإعادة الهدوء للعاصمة، وهذا ما طرح مجموعة من الأسئلة المحفوفة بالقلق حول مصير الخطة التي أقرها مجلس الوزراء بتحويل بيروت لمنطقة آمنة خالية من السلاح، والتي قوبلت بتأييد من نوابها وفعالياتها، ولا سيما أن الخلاف الذي تخلله مواجهة بين الطرفين اتسم بطابع طائفي، وبات المطلوب توفير الحماية الأمنية للعاصمة للحفاظ على السلم الأهلي الذي اجتاز اختباراً فوضوياً لم يكن بحسبان أحد.

آلية عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (د.ب.أ)

ويبقى السؤال: هل سيتوصل الرؤساء إلى توحيد الرؤية برسم خريطة الطريق مدعومة بالثوابت الوطنية اللبنانية كأساس لبدء المفاوضات، وهم يقفون الآن أمام مهمة صعبة لاختبار مدى استعدادهم لتوفير الغطاء السياسي للوفد المفاوض في وجه التهديدات التي يطلقها «حزب الله»، وفي المقابل لا بد من التوجه إلى الراعي الأميركي بموقف قاعدته انسحاب إسرائيل، وركيزته إنهاء حال الحرب بين البلدين للتأكد من أن التطمينات التي سمعها عون من ترمب هي في محلها، ولن تخضع لتبدل في موقفه بضغط إسرائيلي، في حين أن التعويل الدولي واللبناني، بما يشبه الإجماع، على دور برّي لاستيعاب «حزب الله» ومنعه من الانزلاق نحو المزيد من الحسابات الخاطئة غير المدروسة كإسناده لغزة وإيران بذريعة الدفاع عن النفس؟